نقد الفكر الديني
 
 
2012 / 11 / 24


آيات قرآنية لامعنى لها


دراسة كاملة نتطرق من خلالها للآية الثالثة من سورة النور ، و نبين من خلالها أن هذه الآية لا معنى لها البتة ، إلا بتكلف المتكلفين وترقيع المرقعين .

أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (إبراهيم4)
{لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}
(نزل به الروح الأمين،على قلبك لتكون من المنذرين ، بلسان عربي مبين) (الشعراء 193- 195)

لسان عربي مبين ، الإبانة هي وضوح المعنى على الأقل ، أليس كذالك ؟ 
سورة النور 
سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لا يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)

يقول الجصاص :" وقد اختلف السلف في تأويل الآية وحكمها "( 1)
يقول ابن عربي : " هذه الآية من مشكلات القرآن " (2)
الشيخ الشنقيطي : هذه الآية من أصعب الآيات تحقيقا (3)
المرجع : أضواء البيان(6/81)
وقد ذكرنا أقوال هؤلاء العلماء لتبيان مدى المشكلات والصعوبات التي أحدثتها هذه الآية البــينة .
نحاول تفكيك الآية تدريجا علنا نصل إلى معنى واضح . 

أولا وقبل أن نخوض في تفسير الآية , ألخص نوع المشاكل التي لاحظتها بعد دراستي لشتى أراء المفسرين :

1- مشاكل لغوية :
------- ما معنى نكح في الآية هل هو الوطء ( الجماع أو العلاقة الجنسية ) أم الزواج ( العقد ) ؟
2- مشاكل تشريعية :
----------------
------ هل يجوز الزواج بالزاني و الزانية أم لا ؟
------ هل يجوز الزواج بمشرك أو بمشركة ؟
------ هل يفسخ الزواج إذا زنا أحد الزوجين ؟
------ هل هذه الآية منسوخة أم محكمة ؟ 

أولا : هل جملة " الزَّانِي لا يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ " حكم شرعي يتضمن حلالا وحراما , أم مجرد خبر يصف واقع الزاني وحاله وهي بهذا لا تحرم ولا تحلل ؟

يجب أن نعترف أن الآية غير واضحة في هذا الأمر , وقد احتار فيها المفسرون حيرة كبيرة 
والسبب الرئيسي لهذه الحيرة يعود لعدم وضوح مفردة " نكح " هل يقصد بها الزواج ( العقد ) أو الوطء (الجماع) ؟

و تختلف أمة المفسرين في هذا الأمر على ثلاثة وجوه : 

1- منهم من رأى أن الفعل نكح في الآية أتى بمعنى (الوطءأ ي الجماع ) وجعل الآية للإخبار ( اي تخبرنا عن حال الزاني من دون النص عن أي حكم شرعي) 
2- منهم من رأى أن نكح هنا أتى بمعنى (الزواج ) وجعل الآية حكما شرعيا يترتب عليه الحلال والحرام 
3- منهم من رأى أن نكح أتى بمعنى (الزواج) وجعل الآية خبرا فقط 

دراسة الرأي الأول : النكاح في الآية بمعنى الوطء و الآية عبارة عن خبر 
-------------------------------------------------
نجد في كتاب "أحكام القرآن" للإمام" أحمد بن على الرازى الجصاص الحنفى" :
" روى مغيرة عن إبراهيم النخعي: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً}: "يعني به الجماع حين يزني"، وعن عروة بن الزبير مثله.
عن ابن عباس قال: "يعني بالنكاح جماعها".
وروى ابن شبرمة عن عكرمة: {الزَّاني لا يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} قال: "لا يزني حين يزني إلا بزانية مثله".

قال أبو بكر: فذهب هؤلاء إلى أن معنى الآية الإخبار باشتراكهما في الزنا وأن المرأة كالرجل في ذلك، فإذا كان الرجل زانياً فالمرأة مثله إذا طاوعته، وإذا زنت المرأة فالرجل مثلها؛"

ونجد في كتاب " أحكام القرآن " للإمام " الكيا الهراسي"
"وقال بعضهم: هو وارد في نفس الوطء لا في عقد النكاح, فكأنه قال: وطء الزنا لا يقع إلا من زان أو مشرك, فأما من المؤمن فلا يقع."

قال ابن العربي في كتابه أحكام القرآن : " والذي عندي أن النكاح لا يخلو أن يراد به الوطء كما قال ابن عباس أو العقد ; فإن أريد به الوطء فإن معناه : لا يكون زنى إلا بزانية , وذلك عبارة عن أن الوطأين من الرجل والمرأة زنى من الجهتين ; ويكون تقدير الآية : وطء الزانية لا يقع إلا من زان أو مشرك ; وهذا يؤثر عن ابن عباس , وهو معنى صحيح " انتهى الإقتباس 

نتوقف عند هذا الحد ولا داعي للإسهاب في نقل اسماء من قالوا بهذا الرأي ، لكن يجب أن نوضح أن في هذا الرأي مشاكل جمة , أهمها :

1- مخالفة هذا التفسير لكل الأحاديث الواردة كسبب نزول هذه الآية
---------------------------------------------
روى الترمذي( 3177) وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال ثم كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد وكان رجلا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة قال وكانت امرأة(( بغي)) بمكة يقال لها عناق وكانت ((صديقة له)) وإنه كان وعد رجلا من أسارى مكة يحمله قال فجئت حتى انتهيت إلى من حوائط مكة في ليلة مقمرة قال فجاءت عناق فأبصرت يخلو ظلي بجنب الحائط فلما انتهت إلي عرفته فقالت مرثد فقلت مرثد فقالت مرحبا وأهلا هلم فبت عندنا الليلة قال قلت يا عناق (( حرم الله الزنا)) قالت يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم قال فتبعني ثمانية وسلكت الخندمة فانتهيت إلى كهف أو غار فدخلت فجاءوا حتى قاموا على رأسي فبالوا فطل بولهم على رأسي وأعماهم الله عني قال ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت إلى الإذخر ففككت عنه كبله فجعلت أحمله ويعينني حتى قدمت المدينة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أنكح عناقا فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد علي شيئا حتى نزلت( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم( يا مرثد الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك فلا تنكحها ) واسناده حسن 

أولا كما نلاحظ فإن الحديث لا يحل المشكلة تماما وذالك لأنه أورد هو كذالك نفس المفردة الغامضة " نكح " 
لكن نستطيع أن نستدل به على أن المعنى لا يمكن أن يكون الوطء إذ أن مرثدا هذا قد سأل محمد عن نكاح عناق ... فهل سأله يا ترى عن الزنى بها ؟ ؟!!!!!!! علما اننا نجد مرثدا يقول " يا عناق حرم الله الزنا " فكيف يسأل عن الزنا بعد تحريمها ؟ 

وهنا نجد ابن تيمية يقول في كتابه "تفسير آيات أشكلت " : 
"إن سبب نزول الآية إنما هو استفتاء النبي في التزوج بزانية" 

ويقول الإمام الشنقيطي في أضواء البيان(6/81) ( هذه الآية من أصعب الآيات تحقيقا , لأن حمل النكاح فيها على التزويج , لا يلائم ذكر المشركة والمشرك ، و حمل النكاح فيها على الوطء لا يلائم الأحاديث الواردة المتعلقة بالآية ، فانها تعين أن المراد بالنكاح في الآية : التزويج ، ولا أعلم مخرجا واضحا من الاشكال في هذه الآية الا مع بعض تعسف .
إذن لا يوجد تطابق بين الأحاديث الواردة في هذا الباب وبين القول بأن النكاح في الآية أتى بمعنى الوطء 

2- القول بمعنى الوطء (الجماع) يؤدي للتكرار و إلى اختلال التركيب اللغوي 
-------------------------------------------
أ- تكرار المعنى
----------
ونستشهد هنا بقول ابن تيمية في كتابه" تفسير آيات أشكلت "

" إن قول القائل الزاني لا يطأ إلا زانية أو الزانية لا يطؤها إلا زان كقول الآكل لا يأكل إلا مأكولا والمأكول لا يأكله إلاآكل والزوج لا يتزوج إلا بزوجة والزوجة لا يتزوجها إلا زوج وهذا كلام ينزه عنه كلام الله" 

نعم هذا من التكرار الذي لا طائل من وراءه فما معنى أن يُقال "وطء الزنا لا يقع إلا من زاني" !!!!! ..(.يقع من مين إذن ! )
الزاني لا يزني إلا من زانية ! 

ويوجد تكرار معنى آخر يجب أن ننوه له وهو في لفظة المشرك والمشركة , فبقولنا الزاني لا يطء إلا زانية أو مشركة لا نجد مبررا لذكر كلمة مشركة هنا ! لأن لفظة الزانية تحتوي كل زانية مهما كان معتقدها ..والمئكة هنا زانية كذالك 
وهذا ما ذهب إليه ابن تيمية في نفس المرجع السابق قائلا :

" قال لا ينكحها إلا زان أو مشرك فلو أريد الوطء لم يكن حاجة إلى ذكر المشرك فإنه زان وكذلك المشركة إذا زنى بها رجل فهي زانية فلا حاجة إلى التقسيم "

ب - تكرار الحكم
-------------
القول :
" الزاني لا يزني إلا يزانية أو مشركة و الزانية لا تزني إلا بزاني أو مشرك وحرم ذالك على المؤمنين "
يقتضي تحريم الزنا كفعل , لكن تحريم الزنا قد سبق نزول هذه الآية بكثير , فما الفائدة من تكرار الحكم هنا , ما الفائدة من الإطناب ؟ 
كما قال ابن القيم في كتابه إغاثة اللهثان :
------------------------
" فإنه من المعلوم أن الزاني لا يزنى إلا بزانية فأى فائدة في الإخبار بذلك " 
انتهى الإقتباس 

وهذا ما ذهب إليه ابن تيمية في نفس المرجع السابق قائلا :
"إن تحريم الزنا قد علمه المسلمون بآيات نزلت بمكة وتحريمه أشهر من أن تنزل هذه الآية بتحريمه"
" أنه قد قال قبل ذلك الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة فأي حاجة إلى أن يذكر تحريم الزنا بعد ذلك" 
انتهى الإقتباس .

نرى إذن أن حمل معنى الآية على الوطء لا يستقيم إلا بمخالفة الأحاديث مع تـــكرار فاضح في المـــعنى والحــــكم .
رغم أن كلمة نكح في القاموس العربي تعني البضاع أي الجماع 

مقاييس اللغة لإبن فارس
------------------
النون والكاف والحاء أصلٌ واحد، وهو البِضاع.
ونَكَحَ يَنْكِحُ.

قاموس الصحاح في اللغة 
--------------------
النُكاحُ: الوَطْءُ، وقد يكونُ العقدَ

الأصل إذن الوط ء
وتأتي في القرآن على معنى الوطء والزواج ! ونحن لا نرى بلاغة في استعمال مفردة لها معنين فيختلط ذالك على الناس !

2- دراسة الرأي الثاني : النكاح في الآية بمعنى الزواج و الآية تعتبر حكما شرعيا 
------------------------------------------------------ 

أي أن " الزاني لا يتزوج إلا من زانية أو مشركة والزانية لا يتزوجها إلا زان أو مشرك "

وهنا تبدا المشاكل:
هل يستطيع المسلم أن يتزوج من زانية ؟ 
هل يفرق بين المرأء وزوجته في حالة حدوث زنا أحد الزوجين ؟ 
هل يجوز الزواج بالمشركة ؟ 

أول مشكلة يتعرض لها المفسر هي مشكلة الزواج بالمشركة , فنجد الشنقيطي يقول في أضواء البيان :

" هذه الآية من أصعب الآيات تحقيقا , لأن حمل النكاح فيها على التزويج , لا يلائم ذكر المشركة والمشرك "

فأيات تحريم الزواج بالمشركات التي وردت في البقرة قد سبقت " نزول" سورة النور 

سور ة البقرة قوله تعالى ( ولاتنكحوا المشركات حتى يؤمن) 
سورة الممتحنة ( لاهن حل لهم ولاهم يحلون لهن) 

ونجد هذا الرأي في كتاب أحكام القرآن للإمام الكيا هراسي:
--------------------------
" وذهب بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي إلى أن المجلود في الزنا لا يتزوج إلا مجلودة مثله, فإن تزوج غير زانية, فرق بينهما بظاهر هذه الآية عملاً بالظاهر.
ولكن يلزمه عليه أنه يجوز للزاني أن يتزوج بالمشركة, ويجوز للزانية أن تزوج نفسها من مشرك.
وهذا في غاية البعد, وخروج عن الإسلام بالكلية, بما قال هؤلاء, إن الآية منسوخة في المشركة خاصة دون الزانية, وهؤلاء يروون عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي بن كعب وابن عمر مثل مذهبهم, ورووا عن المقبري عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله, واستدلوا عليه بقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِع مِنْكُم طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ المُحْصَنَاتِ - إلى قوله - مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتّخِذَاتِ أَخْدانٍ}, فإنه تعالى لم يبح عند الضرورة وخوف العنت إلا بشرط الإحصان, ففي حال الضرورة لأن يحرم أولى.
واستدلوا عليه أيضاً بما ثبت من وقوع الفرقة باللعان, لأنه قد أقر بأنها زنت, فإذا صح الزنا ببينة, فالمنع من تزوجها أولى."
.

أحكام القرآن ابن عربي: 
----------
" والذي عندي أنَّ النكاحَ لا يخلو من أن يُراد به الوطء، كما قال ابن عباس، أو العقد؛
فإن أريد به الوطءُ، فإن معناه لا يكونُ زنا إلا بزانية، ...........
وإن أردْنَا به العقد كان معناه أَنْ يتزوَّجَ الزانية زان، أو يتزوج زانٍ الزانية، وتزويج الزانية وقد ثبت عن ابْنِ عُمر: بينما أبو بكر الصديق في المسجد إذ جاء رجل فلاَثَ عليه لوثاً من كلام وهو دَهِش، فقال لعمر: "قم فانظر في شأنه، فإن له شأناً". فقام إليه عمر، فقال:"إن ضيفاً ضافه فزنى بابنته"، فضرب عُمَر في صدره. وقال: "قبّحك الله، ألا سترْتَ على ابنتك"!‍ فأمر بهما أبو بكر فضُرِبَا الحدّ، ثم زوّج أحدهما الآخر، ثم أمر بهما أَنْ يغرَّبا حَوْلاً. وقد روى نافع أنّ رجلاً استكره جاريةً فافتضَّها، فجلدهُ أبو بكر، ولم يجلدها، ونفاه سنةً، ثم جاء فزوّجه إياها بعد ذلك، وجلدهُ عمر ونفى أحدهما إلى خَيْبر، والآخر إلى فَدَك. وروى الزُّهري أنّ رجلاً فَجَر بامرأةٍ وهما بِكران، فجلدهما أبو بكر، ونفاهما، ثم زوجه إياها من بعد الحول."

الزواج بالزانية
----------
تفسير القرطبي 
-----

" ذكره الزجاج وغيره عن الحسن , وذلك أنه قال : المراد الزاني المحدود والزانية المحدودة , قال : وهذا حكم من الله , فلا يجوز لزان محدود أن يتزوج إلا محدودة . وقال إبراهيم النخعي نحوه . وفي مصنف أبي داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ينكح الزاني المحدود إلا مثله ) . وروى أن محدودا تزوج غير محدودة ففرق علي رضي الله عنه بينهما " !

كما نرى إذن فإن الأمر قد اختلط على المفسرين , فكثير منهم استعصب معنى" الزواج " وذالك لضرورة سماح زواج المشرك من المشركة , فذهب رهط كبير من الشافعية بالقول بالنسخ :
تفسير الطبري :
" حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرنـي يحيى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب: { الزَّانـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزَّانِـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ } قال: نسختها التـي بعدها:
{ وأنْكِحُوا الأيامَى مِنْكُمْ }
وقال: إنهنّ من أيامى الـمسلـمين. " 

3 - دراسة الرأي الثالث : الآية بمعنى الزواج وهي خبر 
---------------------------------------

نجد البعض يقول بأن الآية خالية من حكم شرعي بل مرادها وصف حال الزاني وكيف أنه يرضى ويقبل لنفسه الزواج من الزانية أو المشركة ! فتكون الآية بهذا خبر وليس حكم فهذا مانجده مثلا في" التفسير الميسر" وهو تفسير حديث فيه كثير من هذه الشطحات وكذالك في مقالة للشيخ بسام الجرار(4) الذي يحاول فيها كعادته تسبسيط المشاكل التي تحدثها بعض الآيات القرآنية بل نجد أن ابن تيمية وضع فيها كتابا اسمه " تفسير آيات أشكلت " ، و القول بهذا الرأي يوفر على صاحبه مشقة البحث في جملة التناقضات التي تظهر جلية في حال مااعتبرنا الآية حكما شرعيا كما سنوضح .
فنجد التفسير الميسر يقول :
-------------------
"الزاني لا يرضى إلا بنكاح زانية أو مشركة لا تُقِرُّ بحرمة الزنى، والزانية لا ترضى إلا بنكاح زان أو مشرك لا يُقِرُّ بحرمة الزنى",
و نجد بسام الجرار يقول :
----------------
" الزاني قد يكون مسلماً وقد يكون غير مسلم، وكذلك الزانية. فالزانية – بغض النظر عن عقيدتها- يقبل الزواج منها من كان زانياً أو من كان مشركاً. والزاني – بغض النظر عن عقيدته – يقبل الزواج منه من كانت زانية أو مشركة. وهذا كما تلاحظ لا علاقة له بالحكم الشرعي " انتهى الإقتباس .
وهكذا و بجرة قلم و بإضافة كلمة " يقبل" من هنا و " يرضى" من هناك أصبحت الآية سهلة حتى قال فيها الشيخ بسام :
"فهي إذن من الآيات التي أشكلت على المفسرين، بل إنّ الشنقيطي رحمه الله لا يعلم مخرجاً واضحاً إلا مع بعض التعسف. وهذا القول هو الذي دفعنا إلى تناول هذه الآية الكريمة، لعلمنا بأنّه يمكن حل الإشكال من غير تعسف." 
جبار أنت يا جرار ، ما أذكاك !
و قد تناسى شيخنا الفاضل الجرار أن هذا ما يسمى التفسير بالمحذوف أو تفسير الآية بإقحام كلمة من هنا ومن هناك من وحي خيال المفسر حتى يتضح معنى تلك الآية البينة ! 
دعونا نسوق هنا مثالا عما يسمى التفسير بالمحذوف أو قل" بالإقحام "
آية محمد 29 -31 
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)

الآية واضحة تقول ليعلم الله ( وهل لم يكن يعلم ؟!) فنجد إمام المفسرين ابن جرير الطبري يفسرها هكذا :
" ليعلم أولياء الله المجاهدين منكم والصابرين " 
بجرة قلم أقحم كلمة أولياء فزال اللبس والإشكال وفسر بالإقحام المُحال !

هكذا عمل الجرار ومن هم على شاكلته ونحن لا ندري ما الذي منع الله الذي أعطى الإنسان اللسان وعلمه البيان أن يضيف كلمة "يرضى" أو" يقبل" فيزول إشكال هذه الآية المشكلة 
(والزاني لا يرضى أن ينكح إلا زانية أو مشركة .........)

لكن، قد تناسى هؤلاء "المرقعون الجدد" ، أن هذا الخبر لا يستطيع أن يكون من الله لأن الواقع يكذبه , ونجد تفسير مجمع البيان يقول :

" لا يجوز أن تكون هذه الآية خبرا لأننا نجد الزاني يتزوج غير الزانية و لكن المراد هنا الحكم أو النهي"

ونجد في كتاب أحكام القرآن لابن عربي :
----------------------------
"ونحن نرى الزانية ينكحها العفيف، فكيف يوجد خِلاف ما أخبر الله به عنه؟ " انتهى الإقتباس .

و كم من زاني متمرس ، يشهد له الُزناة بالبطولة ويقرون له المشيخة والإمامة في فنهم العتيق , إذا ما أرد الزواج بحث عن امرأة غير معتادة على ذالك , و لهذا أسباب عدة شخصية كانت واجتماعية ..إخ

قد وضحنا هنا أن اعتبار الآية خبر هو مستحيل ولا يستقيم ذالك مع الواقع إلا بتزويق الآية وحشدها بكلمات ليست من القرآن في شىء ! وكأن الله لا يكاد يــبين وينتظر الجرار ليحشو كلامه بكلمات من عنده ليتضح المعنى الرباني المكنون وتنفرج المصيبة . 
وأخيرا نتساءل حقا عن المعنى الذي قصده محمد في هذه الآية ,؟ هل قصد تثبيت حكم شرعي يحرم زواج الزاني بالعفيفة و يحصر زواجه في الزانية و المشركة ؟لعل الآية نزلت قبل تحريم الزواج بالمشركين ؟ ( مع أن العلماء يقولون غير ذالك )! ، لكني أرجح أن محمدا قصد في رده على الصحابي مرثد التالي :
لا تتزوج تلك العاهرة فلا يتزوجها إلا من لا يرى حرجا في الزنا ولا يجد فيه عيبا أو مشرك لا يعيب الزواج بالبغايا . لكن كما ترى ، فجملة "لا يرى حرجا" ، "ولا يعيب " هي من عندنا ، وليست من الله ، فهل نفهم كلام الله بإضافة جمل من عندنا ؟ 
ضعف و ركاكة الجملة ، وشدة الإختصار ، قضى عليها تماما وأدخل الفقهاء في متاهات فقهية وأحكام شرعية دفعتهم للتفريق بين الزوج وزوجته ,
فمنهم من أوجب الفصل بين الرجل وزوجته في حال زنى أحدهما و منهم من قال بغير ذالك و منهم من رأى أن الزاني لا يحق له الزواج إلا بمجلودة زانية مثله ومنهم من قال بنسخ الآية تماما حتى يريح باله وبال الأمة !

ملاحظات:
- في القاموس العبري ( سترونكس) كلمة نكاح تعني الزنا باللغة العبرية، ولربما لهذا السبب في الاية التي تقول: لما قضا زيدا منها وطرا زوجناكها" تحاشت الآية تعبير نكحناكها، وهو تعبير يتحاشاه حتى الاباء عندما يقولون " زوجناك ابنتي" و لايقولون " نكحناك ابنتي" لربما الغضاضة من هذا التعبير عميقة الجذور.
- سورة الحجر ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) نجد انها ايضا سببت وجع رأس للمفسرين، واضطروا للالتفاف على المعنى الظاهر بالادعاء ان اليقين تعني هنا الموت. على الرغم من ان اليقين تعني في اللغة المعرفة، عكس الشك. بذلك يصبح التفسير نوع من البهلوانية اللغوية، بديلا عن الاعتراف بالخطأ في التعبير، إذ لايجوز الاعتراف بذلك.
-