نقد الفكر الديني
 
 
2012 / 11 / 24


في إشكالية العصمة النبوية


تُعتبر مسألة العصمة الإلهية عند الأنبياء (وعند المذهب الشيعي للأئمة أيضاً) أحد المسائل التي تم تداولها في التراث الفقهي مع أوجه خلاف متعددة. وعلى الرغم من أن “العصمة“، كمصطلح، كان غائباً تماماً عن نصوص التاريخ الإسلامي المبكر، بل إن الدلالة النصية لأخبار هذه الفترة المبكرة في الإسلام تدل بصورة واضحة على أن المسلمون الأوائل لم يتعاملوا مع النبي محمد على أنه "معصوم" مطلقاً في أقواله وأفعاله، بل على العكس، لقد تعاملوا معه بمرونة تفترض ضمناً أنه باستطاعتهم مراجعته ومناقشته، بل وعدم القبول برأيه، فإن التصور الإسلامي الفقهي اللاحق في الزمان بقرنين على الأقل لمصطلح العصمة ومضمونها للنبي محمد هو مباين تماماً لِما تدل عليه نصوص القرآن والحديث والتاريخ. فما تدل عليه نصوص القرآن والأحاديث المنسوبة للنبي وأخبار السيرة أن العلاقة الثنائية بين النبي وأتباعه كانت ذات سقف عال من التفاعل الإنساني العفوي المرن في الأفعال والأقوال والردود والاعتراض، وتخضع أيضاً لمعايير ومحاذير وتقديرات اجتماعية واقتصادية وتراتبية واضحة. ويبدو أن هذا المحيط المرن من التعامل الثنائي بين النبي محمد وبين المسلمين الأوائل قد تفاقم إلى درجة أن المسلمون الأوائل لم يجدوا حرجاً في أن يتحاكموا إلى غير شخص النبي محمد أو حتى أن يردوا قضائه مما استدعى نزول آيات من القرآن لارجاع الأمور إلى نصاب معقول في التعامل بين نبي وأتباع يؤمنون بدعوته. فالقرآن كان صريحاً جداً في توصيف ليس فقط الصراع الدعوي الإسلامي الأول مع من يكفر به، ولكن كان صريحاً أيضاً في توصيف الصراع الإسلامي – الإسلامي المبكر أيضاً، فنحن نجد في القرآن آيات مثل: ﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)، وأيضاً: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ)، وأيضاً: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ)، وأيضاً: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَة الرَّسُول)، بل إن النبرة القرآنية في آيات عديدة ترتفع لتدل على حدة هذا الصراع الإسلامي – الإسلامي المبكر في مثل هذه الآية مثلاً: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً). قال الطبري عند تفسيره هذه الآية الأخيرة: "يعني جلّ ثناؤه بقوله: (فَلا) فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت ويصدّون عنك إذا دعو إليك يا محمد"، ثم أورد الطبري ضمن تفسير الآية خبراً لأحد الأنصار يقول فيه للنبي محمد صراحة: (اعدل يا نبيّ الله وإن كان ابن عمتك) وذلك بعد أن حكم النبي بينه وبين الزبير بن العوام، ابن عمة النبي محمد، مما تسبب في غضب النبي.

تناول كاتب هذه المقالة في كتابه (نقد نص الحديث) مشكلة العصمة النبوية عند المسلمين الأوائل، كما تناول إشكالية التعريفات والمفاهيم عند الأنبياء في التصور الإسلامي. وقد أورد هناك عدة أمثلة على أن (العصمة النبوية) التي أصبحت مفهوماً مفروغاً منه وبديهياً في أذهان المسلمين في العصور اللاحقة هي ليست بتلك البداهة أو الوضوح في أذهان المسلمين الأوائل كما تشي بذلك أخبار تلك الفترة والأحاديث المنسوبة للنبي محمد مما يلقي بضلال من الشك على كلية هذا المفهوم وصحة توصيفه الشامل. بل إن المسلمين الأوائل كانوا يكررون على مسامع النبي محمد عبارة (قد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، وهذه العبارة بالذات هي جزء من آية قرآنية [الفتح، 2]. فالتأكيد الإسلامي المبكر هنا هو لـ (الغفران الإلهي) الذي يتمتع به النبي، ولكنه من جهة أخرى يؤكد إمكانية، بل بداهة، صدور الذنب أو الخطأ من النبي بدليل اسباغ الغفران الإلهي المستمر عليه. إذ لو تواجدت العصمة بمعناها الشامل كما تدعي بعض الفرق الإسلامية فلا حاجة للنبي للغفران لأنه، وببساطة، لا ذنب له. بل إن الأمر قد تعدى ذلك عند المسلمين الأوائل ليتناول حتى مسائل البلاغ ذاتها، ثم لنجد أن النبي محمد يوافق على هذا الاعتراض "الإنساني". فقد أورد مسلم في صحيحه حادثة تشير بوضوح إلى مقدار "الحرية"، إن صح هذا التعبير، في مساءلة الصحابة للنبي حتى في مسائل البلاغ نفسها والتي يُفترض فيها العصمة الإلهية المطلقة كما تدعي كل الفرق الإسلامية من دون استثناء. فقد أورد مسلم في صحيحه عن أبي هريرة حديثاً قصَّ علينا فيه كيف أنهم افتقدوا النبي محمد بعد أن قام عنهم فأبطأ عليهم، فوجده أبو هريرة في حائط (بستان)، فقال النبي لأبي هريرة بعد أن أعطاه نعليه: (يا أبا هريرة، إذهب بنعليَّ هاتين، فمن لقيتَ من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مُستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة). وعندما خرج أبو هريرة بنعلي النبي لينفذ هذا البلاغ للمسلمين كان أول مَن لقيه عمر بن الخطاب، ولمّا علمَ بما بُعِثَ به أبا هريرة، ضرب عمر بيده في صدر أبي هريرة حتى أوقعه أرضاً. يقول أبو هريرة: "فرجعتُ إلى رسول الله (ص) فأجهشتُ بُكاءً، وركبني عمر [أي لحقني]، فإذا هو على أثري. فقال لي رسول الله (ص): (ما لكَ يا أبا هريرة؟)، قلتُ: لقيتُ عمر فأخبرته بالذي بعثتني به، فضربني بين ثديي ضربة"، وأخبره بأنه وقع أرضاً وأن عمر أمره بأن يرجع. ثم نقرأ أن عمر بعد أن تأكد من صحة كلام أبي هريرة، قال للنبي: "لا تفعل، فإني أخشى أن يَتَّكلَ الناسُ عليها، فخلِّهم يعملون". فقال النبي محمد: (فخلِّهم). تقول الدكتورة ناجية بو عجيلة في كتابها (في الائتلاف والاختلاف – ثنائية السائد والمهمش في الفكر الإسلامي القديم) عند تطرقها لهذه الحادثة بين النبي وأبي هريرة وعمر: "يتضح من خلال الحوار أن عمر لم يهتم كثيراً بالطرف الذي صدر عنه الأمر، واهتمّ في المقابل بالأمر نفسه من حيث وجاهته أو معقوليته. ذلك أنه لم يُغيّر موقفه مما أتاه أبو هريرة حتى عندما علم أن الرسول هو الذي أمره بذلك" .

من الملاحظ أن هذه الحادثة السابقة قد تسببت بـ "حرج" فقهي واضح من خلال محاولات التبرير التي قام بها المفسرون الذين استقرت مسلَّماتهم ومفاهيمهم من خلال التأصيل الذي قام به الشافعي في رسالته بعد حوالي قرنين من تلك الحادثة عن مكانة السنة النبوية من أقوال وأفعال. هذا التأصيل الفقهي الذي أراد أن يقوم بعمليات (تجميل) للتاريخ الإسلامي الأول حتى يوافق تلك المفاهيم والمُسلّمات الفقهية اللاحقة والذي أثبت النقد الحديث أن مواضع "الحرج" فيه كثيرة جداً. يقول الإمام النووي في شرحه هذا الحديث ومبرراً فعل عمر: "أما دفع عمر رضي الله عنه [لأبي هريرة] فلم يقصد به سقوطه وإيذائه، بل قصد رده عما هو عليه، وضرب بيده في صدره ليكون أبلغ في زجره. قال القاضي عياض وغيره من العلماء رحمهم الله: وليس فعل عمر رضي الله عنه ومراجعته النبي (ص) اعتراضاً عليه ورداً لأمره، إذ ليس فيما بعث به أبا هريرة غير تطييب قلوب الأمة وبُشراهم، فرأى عمر رضي الله عنه أن كتمَ هذا أصلح لهم وأحرى أن لا يتكلوا، وأنه أعود عليهم بالخير من مُعجّل هذه البشرى، فلما عرضه على النبي (ص) صوبه فيه". ولم ينسَ الإمام النووي أن يستخرج من الحديث فوائد فقهية، ناسياً، أو بالأحرى متناسياً، أن الموضوع لم يكن شأناً دنيوياً، وإنما كان شأناً بلاغياً تجب فيه الطاعة المطلقة كما يؤكد الشافعي ويتابعه فيه النووي نفسه. يقول النووي: "وفي هذا الحديث أن الإمام والكبير مطلقاً إذا رأى شيئاً، ورأى بعض أتباعه خلافه، أنه ينبغي للتابع أن يعرضه على المتبوع لينظر فيه، فإن ظهر له أن ما قاله التابع هو الصواب رجع إليه، وإلا بَيّن للتابع جواب الشبهة التي عرضت له، والله أعلم".

فعلى الرغم من أن الإمام النووي أكد لنا بأنه ليس في فعل عمر أي اعتراض على فعل النبي، فإن سياق القصة يقف على الضد والنقيض من هذا الرأي "المُحرَج جداً" من هذه الحادثة، وعلى العكس أيضاً من التأصيل الفقهي الذي تأسس في القرن الثاني الهجري ليؤكد للمسلمين اللاحقين بعد حوالي قرنين من الزمان على موقع للسنة النبوية مبالغ فيه في أذهان وفهم صحابة النبي محمد في السنوات الأولى للدعوة. هذا إلى جانب أن نفس هذا التأصيل الفقهي يُصر في مواقع أخرى على أن البلاغ في الشأن الأخروي هو "الأصلح" للأمة بسبب المصدر الإلهي البحت المفترض للسُنة النبوية، ولكنه عندما يتم احراجه بمثل هذه الأخبار المعارضة لرأيه المتوهم هذا فإنه يلجأ إلى مثل تلك التبريرات التي رأينا أحدها عند الإمام النووي. فهذا الخبر ليس شأناً دنيوياً كما هو واضح وجلي لأي قارئ منصف، لأنه يتعلق ببشرى أخروية بحتة. فهذه الحادثة، على الحقيقة، وهناك حوادث أخرى أيضاً، تنقض كل التأصيل الفقهي الذي يصر على طاعة النبي حتى فيما ليس فيه نص من القرآن، وعلى درجة مساوية تماماً في الأمر الإلهي الذي فيه نص في القرآن، كما يؤكد لنا ذلك الإمام الشافعي في رسالته، وكما قال لنا بعده ابن تيمية مؤكداً هذا الموقف بقوله: "السنة أيضاً تُنزّل عليه بالوحي كما يُنزل القرآن"، ويوافقه تماماً الإمام ابن حزم في أن النبي "لا يفعل شيئاً إلا بوحي".

يتقبل السياق الفقهي السني بصفة عامة احتمال ورود الصغائر من الذنوب دون الكبائر على الأنبياء وجواز ورود السهو والنسيان عليهم، بينما يقف السياق الفقهي الشيعي على النقيض تماماً. فالفقه الإمامي الشيعي بالذات يمنع كلياً ورود الذنوب من الأنبياء، صغائرها وكبائرها، لا في حال صغر السن ولا الكِبر، ولا قبل الدعوة أو بعدها، في أمور الدين والدنيا معاً، ويمنع أيضاً احتمال السهو والنسيان عليهم. والأئمة عند الشيعة كالأنبياء في العصمة، جاء في (عقائد الإمامية): "الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل ما ظهر منها وما بطن، كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان". إلا أن هذا الرأي يقف على النقيض تماماً من القرآن نفسه، إذ القرآن الكريم في خطاب مباشر للنبي محمد يقول صراحة (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ )، ولا يكون الغفران إلا من جواز ورود الذنب ابتداءً وإلا لما كان لهذا الخطاب القرآني معنى إذا كان النبي والأئمة من بعده معصومون مطلقاً على حسب الرأي الشيعي. والقرآن أيضاً يحتوي على آيات مناقضة لهذا الموقف الشيعي تختص بعدة أنبياء، إذ يصرح القرآن (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي)، وقصة يونس كمثال آخر: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ). كما أن علي بن أبي طالب في (نهج البلاغة) [هذا مع التأكيد على أن محتوى هذا الكتاب في كلياته هو موضع شك أكيد في نسبته لعلي بن أبي طالب] يقول: "فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي". فعلى هذا فإن الرأي الإمامي في العصمة الكلية لا يصمد إطلاقاً أمام النقد.

إلا أن السياق الإسلامي بمذاهبه المتعددة يقف موقفاً واحداً لا خلاف فيه من خلال التأكيد على قضية العصمة المطلقة للنبي محمد فيما يخص مسائل البلاغ عن الرب جلّ شأنه وفيما يخص آيات القرآن. بل إننا نجد أصداء هذا المفهوم في القرآن نفسه في سورة النجم: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، يقول الطبري في تفسيره: "وما ينطق محمد بهذا القرآن عن هواه، ما هذا القرآن إلا وحي من الله يوحيه إليه". إلا أن هذا المفهوم الإسلامي عن العصمة في البلاغ الإلهي يقف أيضاً تحت طائلة النقد والتأمل. إذ ملابسات نزول سورة النجم نفسها تؤكد على أن الوحي الإلهي خلال تجليه للنبي محمد قد يكون عُرضة أيضاً للتأثير الخارجي. فقد أورد المفسرون والمؤرخون ضمن ظروف تجلي سورة النجم ما تم التعارف على تسميتها بـ "قصة الغرانيق" أو "الأيات الشيطانية" كما يسميها المستشرقون. يقول الطبري في تفسير الآية 52 من سورة الحج: "إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية علـى رسول الله (ص)، أن الشيطان كان ألقـى علـى لسانه فـي بعض ما يتلوه مـما أنزل الله علـيه من القرآن ما لـم ينزله الله علـيه، فـاشتدّ ذلك علـى رسول الله (ص) واغتـمّ به، فسلّاه الله مـما به من ذلك بهذه الآيات"، والمقصود بالذي ألقى الشيطان على لسانه هي آيات كانت ضمن سورة النجم في مدح آلهة قريش، اللات والعزى ومناة. يسترسل الطبري في تفسيره لسورة الحج ليقص قصة الغرانيق أو الآيات الشيطانية التي كانت في سورة النجم المكية: "لـما رأى رسول الله (ص) تولِّـيَ قومه عنه، وشقّ علـيه ما يرى من مبـاعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تـمنى فـي نفسه أن يأتـيه من الله ما يقارب به بـينه وبـين قومه. وكان يَسُرّه، مع حبه وحرصه علـيهم، أن يـلـين له بعض ما غلُظَ علـيه من أمرهم، حين حدّث بذلك نفسه وتـمنى وأحبه، فأنزل الله: (والنَّـجْمِ إذَا هَوَى ما ضَلَّ صَاحبُكُمْ وَما غَوَى)، فلـما انتهى إلـى قول الله: (أفَرأيْتُـمُ اللاَّتَ والعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى) ألقـى الشيطان علـى لسانه، لـما كان يحدّث به نفسه ويتـمنى أن يأتـي به قومه: (تلك الغرانـيق العلَـى، وإن شفـاعتهن تُرْتَضى). فلـما سمعت ذلك قريش فرحوا وسرّهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والـمؤمنون مصدّقون نبـيهم فـيـما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه علـى خطأ ولا وَهَم ولا زلل. فلـما انتهى إلـى السجدة منها وختـم السورة، سجد فـيها، فسجد الـمسلـمون بسجود نبـيهم، تصديقاً لـما جاء به واتبـاعاً لأمره، وسجد من فـي الـمسجد من الـمشركين من قريش وغيرهم لـما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلـم يبق فـي الـمسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد، إلا الولـيد بن الـمغيرة فإنه كان شيخاً كبـيراً فلـم يستطع، فأخذ بـيده حفنة من البطحاء فسجد علـيها. ثم تفرّق الناس من الـمسجد، وخرجت قريش وقد سرّهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون: قد ذكر مـحمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقد زعم فـيـما يتلو أنها الغرانـيق العُلَـي وأن شفـاعتهنّ ترتضى. وبلغت السجدة مَنْ بأرض الـحبشة من أصحاب رسول الله (ص)، وقـيـل: أسلـمت قريش. فنهضت منهم رجال، وتـخـلَّف آخرون. وأتـى جبرائيـل النبـيّ (ص) فقال: يا مـحمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت علـى الناس ما لـم آتك به عن الله، وقلت ما لـم يُقَلْ لك. فحزن رسول الله (ص) عند ذلك، وخاف من الله خوفـاً كبـيراً، فأنزل الله تبـارك وتعالـى علـيه، وكان به رحيـماً، يعزيه ويخفِّض علـيه الأمر، ويخبره أنه لـم يكن قبله رسول ولا نبـي تـمنى كما تـمنى ولا أحب كما أحبّ إلا والشيطان قد ألقـى فـي أمنـيته كما ألقـى علـى لسانه (ص)، فنسخ الله ما ألقـى الشيطان وأحكم آياته".

هاجم السلفيون والشيعة هذه القصة أعلاه وحاولوا نفيها وإسقاطها لأسباب تتعلق بالمفاهيم الإسلامية السنية التي طورها الفقهاء لاحقاً أو تتعلق بأساسيات المذهب والنظرة التي يراد بها أن يُنظر إلى أئمة محددون كمعصومين مطلقاً. من أشهر المحاولات المعاصرة لنفي القصة هي محاولة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في كتابه (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق)، وهو كعادة المحدِّثين يحاول تتبع سلسلة سند الخبر ومن ثم إثبات ضعفها [يجب التأكيد هنا على رأينا الذي طرحناه في كتاب (نقد نص الحديث) من أن محتوى الجرح والتعديل هو في ذاته موضع شك وانعدام للموضوعية]. إلا أن الألباني يعترف في بداية كتابه أن الحافظ ابن حجر قد قوّى أسانيد الخبر وقال بصحته، فالأمر إذن لا يعدو في هذا الكتاب عن أن يكون رأي لباحث في أسانيد الخبر مخالف لباحث آخر في الأسانيد أكثر مقدرة من الألباني نفسه. وهذه المحاولة السلفية نفسها قد اصطدمت بالمعنى المباشر الصريح الواضح للآية 52 من سورة الحج كما يظهر جلياً في التفسير المتكلف الذي قام به الألباني في مقدمة كتابه. كما حاول هشام جعيط في كتابه (تاريخية الدعوة المحمدية في مكة) أن ينفي القصة أيضاً، إلا أن التعسف في أسبابه التسعة التي أوردها واستدل بها كان واضحاً جداً بحيث كان يكفي تعليقات بسيطة على هامش كتابه لردها كلها وبيان تكلفها. قصة الغرانيق صحيحة، ولا مجال للشك فيها لأسباب صريحة ومباشرة إما ضمن القرآن نفسه أو ما شرحه المستشرق مونتغمري وات في كتابه (مكة محمد). القرآن نفسه يعترف في سورة الحج: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، والنسخ في القرآن كله يتعلق بما هو ضمن آيات القرآن تحديداً دون غيرها. فالآية تتحدث بوضوح عن عملية نسخ ضمن آيات القرآن كانت من إلقاء الشيطان بسبب أمنية تمناها النبي محمد. أما التعلق بأن سورة الحج هي سورة مدنية بينما سورة النجم هي سورة مكية لنفي القصة هو ليس بدليل ولا يصمد أمام النقد الجاد لأن عملية توليف القرآن ضمن سور في حياة النبي محمد ومن ثم جمعه بعد وفاته لم يكن يراعى فيه الترتيب التاريخي للنزول، وإنما كانت توضع الآيات حيثما كانت تُرى مناسبة، تقديماً أو تأخيراً، إما بأمر النبي محمد مباشرة أو برأي الصحابة لاحقاً. إذ هناك أدلة لا تحصى على آيات مدنية ضمن سورة مكية وبالعكس، ولا يوجد حتى هذه اللحظة أي معرفة دقيقة لما هو مكي أو مدني أو حتى ترتيب زمني للنزول وإنما كل المحاولات هي تخمينات تحت افتراضات عامة يدخل في نتائجها الشك بكل تأكيد. أما مونتغمري وات فيقول: "لا يمكن لهذه القصة أن تكون محض اختلاق. فلا يوجد مسلم من الممكن أن يختلق مثل هذه القصة عن محمد، ولا يمكن لأي فقيه أو عالم إسلامي حسن السمعة [مشهور، مقتدى بآرائه] أن يقبل مثل هذه القصة من غير مُسلم [أو من هو مشكوك في أمر إسلامه] إلا إذا كان مقتنعاً تماماً بأنها قد وقعت على الحقيقة. مسلمو اليوم يجنحون إلى رفض هذه القصة لأنها تناقض صورتهم المثالية عن محمد". فالقصة موجودة في الطبري، التفسير والتاريخ، كما نقلنا أعلاه، وفي طبقات ابن سعد، وبصورة هامشية وعابرة في أنساب الأشراف، وفي مصادر أخرى أيضاً، وهي وإن كانت غير مذكورة في اختصار ابن هشام لسيرة ابن إسحاق إلا أن الحذف المتعمد واضح كما يؤكد لنا ذلك هشام جعيط نفسه.

إذن، العصمة، كمفهوم، لم يكن معروفاً عند المسلمين الأوائل بمضمونه الفقهي الإسلامي الذي نقرأه اليوم في كتب المذاهب. هذا المفهوم ظهر لاحقاً كضرورة عقلية بحتة للبلاغ عن الرب جلّ وعلا، وكان منشأهُ النظر والفكر. هذه الضرورة العقلية اتخذت من الآية القرآنية (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى) كمدخل لكل الخلاف الذي دار حول مسألة العصمة وعن مدى شموليتها عند الأنبياء. لكن المشكلة في شمولية مصطلح “العصمة” لكل أقوال وأفعال الأنبياء كما هو عند بعض السُنة، أو الأنبياء والأئمة معاً كما هو عند الشيعة، هو ليس الخلاف في أنواع “الذنوب” المعصومون عنها، إذ أنها لو بقيت كذلك لما كان هناك إشكالٌ أصلاً، ولكن المشكلة في الذهنية الإسلامية أتت من اعتبار أن جميع ما يصدر عن النبي، والأئمة عند الشيعة، من قول أو فعل هو ذو مصدر إلهي لا يحتمل الخطأ. وهذا بدوره لا تقره آيات القرآن نفسها ولا تقره السيرة النبوية أيضاً. فالآيات التي عاتب اللهُ فيها النبي على فعل قام به متعددة متنوعة في القرآن (تُعرف بآيات العتاب)، كما أن الحديث المنسوب للنبي والسيرة النبوية تنقلان لنا قصصاً متنوعة من هذا النوع أيضاً أشهرها حادثة تأبير (تلقيح) النخل التي قال النبي فيها للمسلمين صراحة عند قيامهم بتلقيح النخل: (لو لم تفعلوا لصَلُح)، أي إذا لم تلقحوا النخل لصلح حاله أيضاً. وبالطبع، عندما ترك المسلمون تلقيح النخل امتثالاً لرأي النبي كان الناتج والمحصول “شيصاً”، أي محصول رديء، كما في رواية صحيح مسلم، وعندها قال النبي مقولته الشهيرة التي صمت عنها فقهاء الإسلام سنتهم وشيعتهم: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) وقال أيضاً (إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن).

قصة الغرانيق، وتأبير النخل، وما عرضناه من حادثة عمر بن الخطاب أعلاه، وغيرها من الحوادث المتعددة مثل اعتراض العباس عم المطلب على تحريم عضد نبات الأذخر ضمن محيط الحرم المكي وقبول النبي محمد هذا الاعتراض هذا مع التشديد على أن الرأي الفقهي الإسلامي هو أن التحليل والتحريم هما من حق الشارع فقط دون بني البشر، هذه كلها تبين بوضوح حجم الإشكالية في المفهوم العام للعصمة، ليس فقط في أمور الدنيا، ولكن في أمور التبليغ أيضاً. وهذا يضعنا أمام حتمية إعادة النظر في هذا المفهوم الإسلامي وما بُنيَ عليه من نتائج.