نقد الفكر الديني
 
 
2012 / 04 / 24


 إنتشار الاسلام بين الجبر والاقناع


كتب التاريخ العربية الإسلامية في تناولها لفعل انتشار الإسلام ، لا تجدها إلا وهي مشيدة ومعتزة بفعل ( جهاد الطلب) الذي يسمونه في مصطلحهم بأعمال الفتح ، فتراهم شديدوا الإعتزاز بخالد بن الوليد ، والقعقاع ، وعمرو بن العاص ، وعقبة بن نافع ، وقتيبة بن مسلم الباهلي ، وموسى بن نصير ، وطارق بن زياد وغيرهم كثير .....
وأنا اقرأ عن غزوات المسلمين من عدة مراجع قديمها وحديثها ، لا حظت أن كثيرها متفق على تسمية الفعل بالفتح إلا القليل منهم ، فالفكر السلفي الذي يضع جهاد الطلب في المواقع المتقدمة للإيمان هو ديدن الجميع ، فهم يعدونه ركنا أساس في الإيمان ، وفي قرارة نفسي غصة وعلامة استفهام كبيرة مردها تساؤل كثيرا ما يطرحه العوام من الناس دون الإفصاح عنه وجلا أو خجلا ، هل كان المسلمون الأوائل مطالبون بنشر الإسلام عند جيرانهم بحد السيف ؟، وبالقتل ، والترويع؟، الذي يسمى في قاموس الفقه بالجهاد ؟ وهل ما فعله العرب المسلمون في غزوهم من تعد على غيرهم من الأقوام لنشر دين الله أمرا مقبولا عقلا ودينا ؟
كل ما نعلمه أن القرآن أشار في آيات كثيرة (على سبيل المثال لا الحصر) للأمر في أمر تبليغ رسالته قائلا :
1)(وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِىءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (يونس: 41.)
2)(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ» (النحل: 82)
3)فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (الغاشية: 21،22).
4)...قُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ (الكهف 29)
5) ادعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.( النحل : 125)
6)...إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء) القصص56)
الى هذا الحد المنتقى من آي القرآن ، يتضح أن عقيدة الإسلام سلسة متسامحة ، أمرُ الإيمان فيه تقديره رباني وليس بشري ، وأنه لا يتأتى عنوة ولا قسرا ، فهو يأتي عن اقتناع وفهم وايمان، وأن الرسول لم يُؤمر بالقتال والقتل لايصال رسالته ، وإنما ِأمر بالدفاع عنها في حيزها المكاني والزماني ، والتبليغ السلمي عنها ، لا مكان فيه للتعنيف وجهاد الطلب ، فهو المبشر النذير الداعي الى الله بإذنه ، وهو السراج المنير الذي يضيء الدروب المظلمة وينير العقول المتحجرة ، وهو ليس من الجبارين ولا المسيطرين حسب وصف الله له ، غير أن ذلك ينقلب إلى الضد ، فيتلاشى التسهيل والإختيار لينقلب إلى الإكراه والإجبار والإخضاع بالقوة لأمر لا يستحق ذلك ، لأن العنف بأنواعه المادي والمعنوي مولد للكراهية ، فهو يؤسس للأحقاد ، ويرسم أوشاما وندوبا يصعب برأها ونسيانها ، فعندما تقرأ تأويل السلف (لآية السيف) [1] التي نسخوا بها الآيات الرحيمة المتسامحة والتي نزلت مخصوصة لتأديب وقتل الذين اعتدوا على المؤمنين في شبه جزيرة العرب ، أ و تسمع حديث الرسول صلوت الله عليه في الصحاح القائل ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.) يتبادر إلى أذهاننا بأن الإسلام إسلامان ، إسلام رحيم متسامح ( القرآن المكي ) وآخر عنيف وشديد غليظ القول ( القرآن المدني ) ، أم أن الأمر فيه سوء التقدير والتأويل والتفسير لكثير من الآيات التي أولت وفسرت تبعا لفهوم الناس في ذلك الزمان ، المستقى من عاداتهم القديمة ، أو تبعا لأهوائهم السياسية وطموحات مجتمعهم القريب ، فكان الأجدى على الخلافة توجيه الدعاة الى الأماكن المراد نشر الإسلام فيها قبل غزوها ، تماما كما فعل دعاة المذاهب من عبيدية وشيعية و اباضية ... دون الحاجة الى نقل الجيوش الجرارة لتمكينها من البلاد والعباد ، فالحاجة أكيدة لنشر الدين بين الناس وزيادة عدد المسلمين وليس استبدال ساكنة بأخرى تذرعا بنشر الإسلام ،وهو ما وقع فعلا في غزو الأندلس التي انتقل إليها الأمازيغ والعرب بعد تفريغها من ساكنتها الأصليين ، وعندما سقط الحكم الإسلامي بها عام 1492 ، رُدت إلينا بضاعتنا البشرية دون تأثير يُذكر ، فعاد سكانها الأصليين لديانتهم المسيحية القديمة ، وكان المفروض هو ارسال قلة مؤمنة مؤثرة تنشر الإسلام بين المجتمعات الجديدة ، وليس إغراقها بأجناس جديدة غريبة على المجتمع تتسيد على الجميع وتجعلهم من سقط المتاع ، موالي من الدرجة الدنيا ، فيصبح الدين في حماية وذمة معتنقيه بقوة الحجة والإقناع وليس الذين نشروه وبلغوه ، وهي طريقة أثبتت نجاحها في بلاد الملايو والصين واندونيسيا حيث انتشر الإسلام سلما وليسا حربا ، وهو ما جعل الحوليات الصينية تصف تجار المسلمين بالرجال الطيبين بالرجال الذين زرعوا الزهور في حدائق الأمبراطورية ....
ما يهمني هاهنا هو: هل غزوات المسلمين العرب في الشام ومصر والمغرب وجيهة عقلا وشرعا ؟؟،أم أنها عبارة عن طموح سياسي جسده جنرالات عسكريين لأغراض دنيوية داخل عباءة الجهاد الإسلامي ؟
قد تتعدد الآراء وتتشعب التأويلات ، غير أن ميزان العقل وليس النقل هو الفيصل ، فكل المؤشرات تشير إلى ترجيح النص القرآني على الحديث ، وبالتالي فإن أفعال قادة الغزو الإسلامي قد أساءت تطبيق التعاليم الربانية في تبليغ رسالة الإسلام ، فالفعل الترهيبي ، والعراك الدموي المفروض ، والقتل العمدي للمقاومين ، هو تعد صارخ لمنظومة تشاريع الرحمن ، فالرب بقوته ليس بحاجة الى بشره ( من جند الغزو) لنشر دينه بالقوة ، وهو القائل في سورة يونس : ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ،أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين .
يبدو أن إسلام السلف كان متأثرا بعقلية موروثة من عصر جاهلية العرب ، فكان التأويل على حسب هواهم القديم ومزاجهم الجاهلي الراسخ في عقلهم الباطن الممثل في الحروب الطاحنة فيما بينهم كحربا (داحس والغبراء ، والبسوس ) ، وهو ما يجعل الوضاع يقدمون على التفنن في وضع الإسناد ولو على حساب المتن الذي بتعارض مع النص القرآني ، فكان الناتج مثل الحديث (بُعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبد الله وحده لا شريك له ، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي ، وجعل الصغار والذلة على من خالف أمري) ، فإن كان الحديث بإسناد صحيح كما يُشاع ، إلا أن محتواه ومضمونه يتدابر مع النص القرآني الذي هو الأصل والمنبع الأساس ، فالسنة ما هي إلا تفسيرات مبسطة لما يريده القرآن من أحكام وضوابط ، وحدوث التعاكس والتضاد هو مبعث قلق للمسلم المؤمن الذي تتقاذفه أمواج الإختلاف في فهم الدين بين التشدد والتوسيط ، وبين الروافض والنواصب ، فأصبح ديننا عرضة للتمزيق والإختلاف وأصبح مطبوعا بطابع المؤولة والأمزجة و الهوى ، يراوح مكانه بين التشديد كثيرا والتسهيل قليلا ، فقد آن الأوان لفقهائنا الغوص في المرويات ، فغربلة الإمام البخاري التي اعتمدت على الإسناد دون المتن سمحت بتمرير غث الحديث الذي يناقض القرآن ، وهو ما يتطلب إعادة النظر في مضامين الأحاديث لا ستبعاد التنافر الحاصل أحيانا بينه وبين القرآن .
فالمرويات العربية الإسلامية بتنوع مصادرها كلها تشيد بالجهاد الدفاعي باعتباره أساس الإيمان ، غير أن جهاد الطلب و النظرة الذاتية الإستعلائية وتصغير الآخر وذله لا يستقيم خاصة إذا كان المبتغى منه حقا تبليغ رسالة محلها القلب ، فكيف يمكن تقبل الآخر لدين يأتيه كرها لا اختيارا ، كيف السبيل للوصول الى قلوب الناس وألبابهم بحد السيف ، بقتل ذويهم وأرباب أسرهم بحجة أنهم رفضوا الإيمان ....والتشدد في الأسلاب تحت مصوغ شرعي يسمى ( الغنيمة ) وهو ما أفقر العامة ويضطرون بعدها لبيعى أبنائهم في سوق النخاسة لتسديد أقساط الجزية ..... أو جعلهم يختارون بين ثالث ثلاثة اثنان منهما مجهولان عندهم (الإسلام أو الجزية) وثالث معلوم ( القتال ) .
فلو عدنا لأحداث الماضي أيام الغزو العربي الإسلامي لبلداننا ، لوجدنا تجاوزات وخروقات لا تمت بصلة للإسلام ، فجل القادة والجيوش التي وصلت مواطن الأمازيغ على مدار أزيد من( السبعين عاما ) هي في حقيقتها خادمة لأجندة سياسية توسعية أموية أكثر منها نزوعا إلى تبليغ رسالة الرحمن ، فكانت الغلبة للدنيا أكثر منها للدين ، غير أن أصباغ السياسة وإلباس الحق للباطل هو السمة المميزة لأقوال المؤرخين الذين كانوا غالبا أفاكين أبواقا للسلاطين ( مؤرخوا البلاطات ) الذين نقلوا لنا طرائف الحكام وساديتهم وصراعاتهم على الحكم ، وأخبار حريم سلاطينهم وأخبار جواريهم وغلمانهم ،وحاولوا تلميع الصور وتبريقها ..... وكثيرا ما ما مجّدوا الترويع وقتل الإنسان والإعتداء على الحرمات والمحرمات تحت مصوغات دينية واهية ، تفطن لبعضها بعض من الصحابة الكرام على شاكلة ( أبو الدرداء )[2] وتناسوا رعاع القوم وعامتهم في معاناتهم ومقاساتهم لطغيان الحكام وجبروتهم ، فتغلبت الذات الحاكمة على الذوات الأخر المحكومة في دول سميت شططا بالخلافة ، وهي في حقيقتها دول عضوض تضاهي في حكمها وعسفها حكم الخاقانات و القياصرة والأكاسرة ، فكان التأريخ كله للسياسة ... ولم ترد في مروياتهم حالات المجتمع بأوضاعه المختلفة الدينية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية إلا نادرا .... فلو عرف عموم الناس ما كان يدور في خلد حكام المسلمين وقادة الجند من دسائس لكفروا بالساسة والسياسة وكل فعل مشكل من ساس ويسوس ، فهم في حقيقتهم لا يختلفون على حكام اليوم بسلاطينهم وأمرائهم ورؤسائهم المخلوعين والقائمين المنتظرين ....، فصور اليوم المعيشة والمشاهدة على المباشر ،تعكس الماضي بجلاء ... أو إن شئت فقل الماضي أكثر قتامة وجبرا .

خلاصة القول أن إسلامنا السني شابه الإختلاف في التأويل ، وكثرت فيه منابع الفتوى التي لا يستقيم الحال الآني لها لعدم تجانسها مع واقع الحال المعيش، وأصبحت مجتمعاتنا ظاهرها إسلام ، وخفيها رجس من عمل الشيطان ،وحقيقة معاشها لا يتجانس كلية مع تعاليم الدين ، وهو ما يوضح حقيقة أن العالم الغربي الكافر يزن أفعالنا قبل أن يستمع إلى أقوالنا التي ملأت الأفاق دون أثر يذكر ( ظاهرة صوتية ) ، وكان الخليفة عثمان رضي الله عنه صادقا حين قال : أنتم إلى إمام فعّالٌ أحوج منكم إلى إمام قوّالٌ .
فالإصلاح الديني مطلب واجب ، لأن أدوات الكشف عن ( المسكوت عنه) تفاقم واشتد ، وأصبحت فتاوى المتشددين عرضة للسخرية والتهكم في المنتديات ، فلا تكفي مواقع ( الرد على الشبهات ) في شيء مهما اجتهد أصحابها في التفنيد والتوضيح والإنكار والتأويل .... لأن جيل اليوم ليس كأجيال الماضي ، فالأجيال الحالية مجهزة بآليات وعقل يصعب اختراقه من لدن الذين يقدمون النقل على العقل ، و يؤخرون القرآن على السنة .
______________________________________________

:[1]المقصود بآية السيف الأية الخامسة من سورة التوبة :[فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [.
[2] ورد أن أبا الدرداء- رضي الله عنه - لما فتحت قبرص مر بالسبي فجعل يبكي فقال له جبير بن نفير :ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأذل الكفر وأهله؟؟، قال : فضرب منكبي بيده، وقال : ثكلتك أمك ياجبير، ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره، بينما هي أمة ظاهرة قاهرة للناس لهم الملك، إذا تركوا أمرالله فصاروا إلى ماترى، فسلط الله عليهم السباء، وإذا سلط الله السباء على قوم فليس لهُ فيهم حاجة.]( المصدر : ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، ص486.

فتح افريقية، بين السيف والسلم