نقد الفكر الديني
 
 
2012 / 04 / 24


 مظاهر الكهنوت الاسلامي


ما تخبرنا به دراسة تاريخ الأديان، بكافة أشكالها، من أنه "لادين بدون كهنوت". أو بعبارة أخرى لايستغنى أى دين عن وجود طائفة من المؤمنين به تقوم على رعايته والحفاظ على بقائه حيا فى نفوس أتباعه، وتعمل على نشره بين غير المؤمنين به. وفى البداية تتكون هذه الطائفة من مجموعة صغيرة العدد من المقربين من صاحب الدعوة عقب وفاته مباشرة، وهم الذين يعرفون بالصحابة أو الحواريون. إلا أنه مع مرور الزمن يزداد عدد أفراد هذه الطائفة لتضم أناسا لم يشهدوا ميلاد الرسالة ويرافقوا صاحبها. وتتعدد مسميات هذه الطائفة من دين لآخر فهى فى المسيحية "الإكليروس"، وهى فى الإسلام قد تكون "الفقهاء" أو "علماء الدين" أو "أهل العلم"، أو ما يمكن أن نطلق عليهم، على وجه العموم، إسم "الكهنوت".

وبمرور الزمن وتزايد المساحة التى ينتشر فيها الدين الجديد وتزايد أعداد المنتمين لطائفة الكهنوت هذه تبرز الحاجة لـ "أشكال تنظيمية" تنتظم فى إطارها أنشطتهم. وتتعدد هذه الأشكال تعددا شديدا ما بين "منظمات رسمية" Formal Organizations، من ناحية، و"منظمات غير رسمية"Informal Organization، من ناحية أخرى، وما بينهما من "منظمات شبه رسمية"Semi-Formal Organization.

وتتميز "المنظمات الرسمية" التى ينتظم فيها أفراد الكهنوت، التى من أبرز أمثلتها الكنائس المسيحية الكاثوليكية أو الأرثوذكسية، بعدة خصائص من أهمها "الإستقرار"، "التنظيم الهرمى" Hierarchy، و"وجود قواعد وقوانين مدونة تحكم عملها". وأولى هذه الخصائص، "الإستقرار"، تعنى حفاظ هذه المنظمات على هيئتها وبنيتها عبر الشروط الصارمة لقبول أعضاء جدد بها، هذا بالإضافة إلى تمسكها المستميت بالتقليد والتقاليد. أما "التنظيم الهرمى" فهو التنظيم الذى يأخذ شكلا هرميا تتركز أغلب السلطات فى أيدى من يشغل قمته بينما تقل السلطات تدريجيا فى أيدى التابعين ممن يشغلون الطبقات الأدنى من طبقات الهرم. ومن أمثلة هذا التنظيم تنظيم الكنيسة الأرثوذكسية الذى يتبدى فى رتب رجال الدين المسيحى (لإكليروس) الثلاث: "رتبة الشمامسة" (بدرجاتها الخمس: المرتل، القارئ، مساعد الشماس، الشماس الكامل، ورئيس الشمامسة)، و"رتبة القسيسية" (بدرجاتها الثلاث: القس، القمص، والخورى إبسكوبس)، و"رتبة الأسقفية" (بدرجاتها الثلاث: الأسقف، المطران، والبطريرك). وأخيرا يتميز هذا النوع من التنظميات بوجود ما يعرف بـ "القوانين الكنسية" التى تعتبر تطبيقا للإيمان المسيحى وتشكل الأساس للسلوك المسيحى على مستوى الفرد والكنيسة ككل.

وعلى طرف النقيض من "المنظمات الرسمية" نجد "المنظمات غير الرسمية" للكهنوت، التى أبرز خصائصها "السيولة"، "التنظيم الشبكى" Network Structure، و"غيبة قواعد صريحة تحكم عملها". وأولى هذه الخصائص، "السيولة"، التى تعنى السهولة النسبية لإنضمام أفراد جدد للمنظمة غير الرسمية، هذا بالإضافة إلى التنوع الشديد فى أشكالها. أما خاصية "التنظيم الشبكى" فيعنى توزيع "شبه متساوى" للسلطات بين الأفراد المنتمين للمنظمة حتى وإن تقدم بعضهم لمكان الصدارة. وأخيرا تتميز المنظمات غير الرسمية بعدم وجود قواعد صارمة تحكم أنشطة المنتمين إليها.

أما الأمر الثانى فهو مايخبرنا به علم مقارنة الأديان عن الوظائف الأساسية التى يقوم بها المنتمون لطائفة الكهنوت أيا كانت الهيئة التى ينتظمون عليها، رسمية أو غير رسمية أو شبه رسمية، وأيا كان الدين الذى ينتمون إليه، سماويا كان أو وضعيا. وأولى هذه الوظائف هى إقامة الطقوس والشعائر التى على المؤمنين أداءها. أما ثانى هذه الوظائف فهى تفسير النصوص المقدسة طبقا لفهمهم لها وبيان معانيها للعوام من المؤمنين. وأخيرا تأتى ثالث وظائفهم وهى مراقبة السلوكيات اليومية لجمهور المؤمنين وتوجيههم لما ينبغى عمله ولما يجب عليهم تجنبه.

لهذا كله يمكننا القول أن للإسلام كهنوته، مثله فى ذلك مثل أى دين، حتى وإن كانت له خصائصه التى تميزه عن الآخرين. ولعل أبرز هذه الخصائص هى طبيعة المنظمات التى تنتظم فيها أنشطة أفراد الكهنوت الإسلامى أيا كانت مسمياتهم "فقهاء" أو "علماء الدين" أو "أهل العلم". فأغلب هذه المنظمات هى "منظمات غير رسمية" تتعدد أشكالها ما بين إتحادات أو روابط أو جمعيات أهلية أو مجمعات فقهية. ولعل "الإتحاد العالمى لعلماء المسلمين"، الذى تأسس عام 2004 تحت رئاسة الشيخ يوسف القرضاوى، هو أحد أبرز أمثلة هذه المنظمات. ويعمل أفراد الكهنوت الإسلامى على تعزيز وتضخيم الدور الذى يلعبونه فى المجتمع، هم ومنظماتهم غير الرسمية، عبر آليتين. الآلية الأولى هى الإعلاء المبالغ فيه من شأن أنفسهم بوصفهم "أصحاب العقول الصحيحة الذين وهبهم الله التمييز بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال" [1]، وبدورهم خماسى الأبعاد [2]: بيانُ الحقِّ، وتبليغهُ للنَّاس؛ تعليمُ النَّاس ما يحتاجونَ إليه من علومِ الكتابِ والسُّنةِ، وتزكيتهم وفق هذا العلمِ الصحيحِ؛ الدَّعوةُ إلى اللهِ؛ وإحياءُ شعيرةِ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر؛ إفتاءُ النَّاسِ، وبيانُ أحكامِ الشَّريعةِ لهم مِمَّا يُشكلُ عليهم منْ مسائلَ في حياتهم؛ التصَدِّي للتياراتِ الجارفةِ بالأمةِ منْ أهلِ البدعِ والضلالِ. أما الآلية الثانية فهى تهميش العلوم الوضعية (غير الشرعية) والتحقير من شأنها فـ "ليس كل علم يسمى علما فإنما العلم علم الديانة، وعلم الشريعة، والعلم الذي علمه ربنا سبحانه لأنبيائه، وبلَّغه أنبياء الله تعالى إلى أممهم، فهذا هو الذى يحصل به الشرف" [3].

ويكتب حسن محسن ابراهيم [4] قائلا:" إذا نظرنا إلى صور الكهنوت في اليهودية والمسيحية، نجد أن أول صورة موجودة في التوراة عندما اختار الرب أبناء لاوي، أحد أسباط بني إسرائيل، ليكونوا هم طبقة الكهنة أمام مذبح الرب ليقوموا، دون سواهم، بالطقوس المطلوبة وتقديم القرابين وقبول الذبائح التي تُكفّر الخطايا وغيرها من الأمور والتي تتعلق بحقوق الرب عند عباده. كما أنه، جل وعلا، اختصهم بلباس مميز وبشروط محددة وبحقوق مباينة بعض الشيء عن الشعب اليهودي. أما في المسيحية فقد شرح سفر (الرسالة إلى العبرانيين)، في العهد الجديد، لنا وظيفة الكاهن:

“كل رئيس كهنة مأخوذ من الناس يُقام لأجل الناس في ما لله لكي يقدم قرابين وذبائح عن الخطايا، قادراً أن يترفق بالجهال والضالين إذ هو أيضاً محاط بالضعف”.

فالكهنوت، في تلك الديانتين، يتعلق أساساً بتقديم القرابين والذبائح وتكفير الخطايا وأن “يترفق بالجهال والضالين”. وهذا لن يتم أصلاً إلا باحتكار تفسير النصوص المقدسة وتقديمها للشعب على أنها (مراد الرب والحقيقة النهائية للنص المقدس)، إذ (الرسالة إلى العبرانيين) تؤكد على أن "لا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله" فقط. وتقديم القرابين والذبائح لابد له من موارد مالية مستمرة، لأن الكهنوت بطبيعته لا يعمل، بل لا ينبغي له أن يعمل. فالعمل عند رجال الكهنوت هو ذاته (يقدم قرابين وذبائح عن الخطايا، قادراً أن يترفق بالجهال والضالين). وبسبب طبيعة هذا “العمل” فإن الموارد المالية لابد وأن تأتي مباشرة من المؤمنين وأصحاب الخطايا والجهال والضالين. تطور هذا الكهنوت حتى أصبح على ما هو عليه من سلطة في القرون الوسطى، فأصبح حكم “الهرطقة” الذي يطلقه الكهنوت على شخص ما مدعاة لقتله أو تعذيبه أو سجنه أو مطاردته وتشريده. ثم غدا هذا الكهنوت، بسبب موارده المالية الكبيرة من (الجهال والضالين وطالبي المغفرة)، قوة سياسية مؤثرة ليس فقط في قدرتها على تحريك الجماهير، ولكن حتى في التأثير على القرار السياسي النهائي.

أما في الإسلام فإن المؤسسة الدينية، وخصوصاً السلفية (المؤسسات السلفية الرسمية السعودية وأيضاً السلفيات المتطرفة) والشيعية الإثنى عشرية (المراجع الدينية العليا ووكلاؤهم المنتشرون في طول بلاد الله وعرضها)، تحتكر إحتكاراً واضحاً لا لبس فيه كل الحقوق المتعلقة بتفسير النصوص المقدسة، كما أنها تقدم فهمها الشخصي المغلق والمتطرف في أحيان كثيرة على أنه هو مراد الرب جل شأنه والحقيقة النهائية المطلقة. كما أن المؤسسات الإسلامية التابعة لهؤلاء أو غيرهم تحتكر حقوق جمع الزكاة والصدقات وأموال الخُمس تكفيراً عن الذنوب من أصحاب الخطايا والجهال والضالين. ولا يعتقد أي أحد بأن وصف (الجهال) لا يبرز على سطح الأدبيات الإسلامية الفقهية بوضوح وبالتالي يكون هو نوع من الإهانة في إيراده هنا، لأن هذا الوصف هو مرادف تماماً لوصف “العامة” والتي تشترك فيه الأدبيات السلفية والشيعية بشكل خاص والأدبيات الإسلامية بشكل عام. بل الأمر عندهم يتعدى ذلك الوصف للعامة بـ "الجهال" بمراحل. شرح أحد أهم شيوخ السلفية المعاصرين في المملكة العربية السعودية، الشيخ عبد العزيز بن باز، الآية 44 من سورة الفرقان بقوله:

"بعض البهائم أهدى من بعض البشر، تنفع الناس ولا تؤذيهم. أما أكثر الخلق فهم شر من الأنعام، لا ينفع بل يضر".
[المصدر: الغزو الفكري، الشيخ عبد العزيز بن باز، مكتبة الرضوان، الطبعة الأولى، البحيرة – جمهورية مصر العربية 2006، ص22. والكتاب هو تفريغ لندوة عقدها الشيخ بنفس عنوان الكتاب]

أو كما صرحت القنوات الإعلامية المؤيدة للمرشد العام الإيراني علي خامنئي في تأييدها لإعادة انتخاب الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لولاية ثانية منذ سنوات قليلة جداً ماضية، قالت هذه القنوات الإعلامية:

“لقد حدد لنا المرشد العظيم طريقتنا لاختيار رئيس الجمهورية، ولا بد للجميع من القبول بهذا الأمر الإلهي، لأن المرشد إذا قال لنا أن اللبن أسود فإننا نراه أسود، ولابد أنه أسود، ولكن عديمي البصيرة يرونه أبيض“.
[المصدر: جريدة القبس الكويتية]


وكما رأينا في الكهنوت اليهودي والمسيحي، فإن الكهنوت الإسلامي لا يعمل أيضاً. فشيوخ الدين المسلمين عملهم هو بالضبط عمل شيوخ الدين اليهود والمسيحيين، أي (يقدم قرابين وذبائح عن الخطايا، قادراً أن يترفق بالجهال والضالين). وقد يعترض معترض هنا بأن شيوخ الدين الإسلاميين لا يقدمون القرابين والذبائح، لكن هذا المعترض يتناسى بأن المؤسسة الدينية هي في أغلب الأحيان من يقبض ثمن الذبائح، كأضاحي وكصدقات وكتبرعات وكمساعدات، لتقوم بذبحها وتوزيعها بالنيابة عن أصحاب الخطايا والضالين والجهال، كما أن شروط الذبائح ووقتها وكيفيتها وطقوسها هو من اختصاص هؤلاء دون سواهم. وكما لليهود والمسيحيين تراتيب إدارية وهرمية للكهنوت، فللإسلام أيضاً تراتيبه الإدارية والهرمية. فمتى كان في التاريخ الأول للإسلام وظيفة يسترزق منها من يشاء تحت عنوان “مؤذن” أو “إمام” أو "شيخ" أو “مفتي” أو “هيئة كبار العلماء” أو “مرجع” أو “آية الله” أو “حوزة” أو “الإمام الأعظم” أو غيرها من هذه التراتيب والوظائف؟

لكن الأهم هو أنه كما كان للكهنوت المسيحي على الخصوص سلطة الاتهام بالهرطقة وما يستتبعها من نتائج، فإن الكهنوت الإسلامي له سلطة التكفير والتبديع والتي أدت إلى قتل وتعذيب وملاحقة وتشريد العديد من المسلمين في السنوات العشرين الماضية فقط، دع عنك النظر في التاريخ الأبعد. وكما كان للكهنوت المسيحي سلطته السياسية المؤثرة، وللكهنوت اليهودي سلطته السياسية المستمرة، فإن للكهنوت الإسلامي سلطته السياسية المؤثرة من المغرب وحتى الفيلبين كما هو واضح جداً في المشهد السياسي في الدول العربية وإيران وباكستان وأفغانستان على الخصوص.

إن التناقض يبدو واضحاً جداً بين الإصرار على أنه لا كهنوت في الإسلام وبين واقع الحال عند مقارنته بالكهنوت اليهودي والمسيحي. فالحقيقة هي أن الكهنوت الإسلامي يمتلك من القوة والنفوذ على مستوى الدولة والموارد أكبر بكثير من الكهنوت اليهودي والمسيحي في هذا الوقت، بالإضافة إلى التشابه المتطابق مع كل مظاهر الكهنوت في تلك الديانتين. تلك هي الحقيقة والتي ينكرها كل يتبنى هذه المقولة رغماً عن الشواهد العملية على أرض الواقع. المشكلة هنا أنهم يرفضون كل فكرة وفلسفة وآليّة كان منشأها، كما يكررون علينا، الصراع بين الكهنوت المسيحي من جهة والمجتمع والدولة من جهة ثانية على أنها لا تنطبق على واقع حال المسلمين. ولكن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، لأن الناظر إلى واقع الحال السعودي والإيراني، كمثال متطرف، يرى عكس هذا الادعاء تماماً. فالحقيقة هي أن الصراع الاجتماعي بين رجال الكهنوت السعوديين والإيرانيين مع مجتمعهم بادية لكل ذي بصيرة ولا تحتاج إلى إيراد الأمثلة عليها، وتأثيرهما على الدولة لا يخفى إلا على كل أعمى البصر والبصيرة معاً.

إن مقولة (لا كهنوت في الإسلام) هي مقولة مخادعة ترفض أن تقر بالحقيقة الواضحة للعيان. وكل استخدام منطقي لهذه المقولة كمقدمة لا ينتج عنها إلا استنتاجات خاطئة وهمية لا تحمل أية قيمة حقيقية. إن الكهنوت الإسلامي بارز فاعل وبشكل واضح لا لبس فيه، ولن يزيد إنكار ذلك إلا التأكيد على تلك الذهنية الإسلامية المتناقضة التي نعيش فيها اليوم.
""
المراجع
[1] موقع الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: أخلاق اهل العلم

[2] موقع الإسلام الدعوى الإرشادى: سؤال أهل العلم

[3] عزمى عبدالله عمران: فضل أهل العلم وشرفهم، 2011

[4]حسن محسن ابراهيم: مقالة في ان لاكهنوت في الاسلام مقالة خاطئة