نقد الفكر الديني
 
 
2012 / 01 / 24


تحريف الاسلام في استغلاله بالسياسة


  ماذا يجري في مصر (5)
عندما كنت تلميذا فى المدرسة الإبتدائية ، لاحظت (وكنت قد حفظت قسماً كبيراً من القرآن الكريم) أن بعض المحال – ذات الأنشطة المتنوعة – تستخدم لافتات تتضمن جزءًا من آية قرآنية :
أ.. فالصيدليات (وكانت تسمى وقتها الأجزاخانات) تتخذ لها شعاراً : فيه شفاء للناس؛ إقتطاعاً من الآية (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس) سورة النحل 16 : 69.
ب.. ومحال الخياطة (الترزية) كانت تتخذ لها شعاراً: نحن نقص؛ وهو إجتزاء للآية (نحن نقص عليك أحسن القصص) سورة يوسف 12 : 03.
ج.. ومحال الحلاقة كانت تتخذ لها شعاراً: وزيناها للناظرين. أخذا من الآية (ولقد جعلنا فى السماء بروجاً وزيناها للناظرين) سورة الحجر 15 :16.

د.. ومحال العصائر كانت تتخذ لها شعاراً: شراباً طهوراً، قسما من الآية (وحلّوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهوراً) سورة الإنسان 76 : 24.

بفطرتي ، لم أستسغ هذا العدوان على الآيات القرآنية ولم أقبله، ذلك بأنه إستغلال لآيات وبالأحرى لجزء من آية، فى الترويج لبضاعة، وهو إتّجار بآيات من القرآن، قد يفسدها أن تُجتزأ أو تقتطع منها جزء فيؤدي ذلك إلى وجود إتجاه للإرتكان على قسم من آية بعد إجتزائه من السياق.

صح تقديرى الفطري، حينما جاء إلى بيتنا عامل كان يتردد عليه للصيانة والمتابعة . وكان مجيئه يوم ذاك، فى شهر رمضان؛ وشاهدناه مُفطراً، وجرح ذلك مشاعرنا – التى لم تكن قد نضجت – فسألته فى سبب إفطاره وعدم صومه فى شهر يصوم فيه المسلمون جميعاً، فرد قائلاً: الله فاطر السماوات والأرض . ولما كنت أحفظ الآية فقد صدمنى أنها تُبرر الإفطار فى شهر رمضان. وإذ لم تكن لدي آنذاك قُدرة البحث ومُكنة الفهم لتعدد معاني لفظ واحد، فقد سألت في ذلك والدي ، فقال لي– وكان ذا نزعة صوفية عقلانية (Intellectual Sufism) – إن لفظ فاطر في الآية يعنى الخالق، أي إن تفسير الآية على الوجه الصحيح يعنى أن الله خالق السموات والأرض ، لكن العامل الجاهل فهم كلمة فاطر على معنى مغاير فأفسد تفسير الآية تماماً.

عندما كنت فى مرحلة الدراسة الثانوية كانت الحرب العالمية الثانية قد إنتهت وإنتهى حكم وزارة الوفد فى أكتوبر 1944 ، وقد ذكر لى إبراهيم فرج (باشا) دقائق المقابلة العاصفة بين مصطفى النحاس وحسن البنا، إذ قال الأول للثاني إن استخدام الدين فى غرض سياسي أو عمل حزبي ،ينافي الإسلام ويحرفه.

فى هذه الفترة – الأربعينيات – انتشر بين بعض الطلاب إتجاه الإخوان المسلمين فى أداء الصلاة في أوقاتها ، وتعمّد خفض البصر مخافة الفتنة والوقوع فى النظرة الثانية التى تَحدث عن رغبة وتُسمى بالشهوة؛ وكنت وغيري نسأل زملاءنا من الإخوان عن داعي مسلكهم فكانوا يردون بأن الحكومة كافرة وأن من يتبعها يكون كافراً، وأنه لابد من تغييرها عند التمكن لتصبح إسلامية تطبق أحكام الإسلام، وترشد إليه ولو بالقوة، ويقرأون علينا الآية (ومن لم يحكم بما أنزله الله فأولئك هم الكافرون).

أدركت من ذلك، بعد أن طال وامتد، أن فى الأمر خطأ، يقتضى البحث والدراسة لتصحيحه والسير على الهدى المستقيم. أيد ذلك عندى أن خطيب الإخوان المسلمين فى جامعة القاهرة قال وهو يمتدح إسماعيل صدقى (باشا) الذى عُين آنذاك رئيسا للوزراء (واذكر فى الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد). فالآية تقصد اسماعيل ابن إبراهيم، وقد وُصِف فى الآية بأنه نبي، هذا بينما كان الشعب كله أو أغلبه يرى فى إسماعيل صدقي أنه عدو الشعب. وبعد دراسة طويلة عميقة متأنية، وصلتُ إلى أنه لا بد من منهاج جديد لفهم الإسلام فهماً صحيحاً يتأدى فى بندين، الأول هو التفسير الصحيح لألفاظ القرآن، خاصة وأن اللغة العربية تحمل للفظ معانى كثيرة، وتتضمن للمعنى ألفاظا متعددة. والثانى أن تفسير آيات القرآن لا بد أن يكون ضمن السياق التى توجد فيه، والأسباب التى تنزلت عليها.

كتبت ذلك فى كتابى "أصول الشريعة"، وبيّنتُ أن آية التكفير (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) تقتضى لتفسيرها على الوجه السليم أن يُعرف المعنى الحقيقى للفظ "الحكم" عندما نزل القرآن، وأن تُفسَّر ضمن السياق التى نزلت فيه.

فلفظ الحكم فى القرآن يعني القضاء فى الخصومات، أو يعنى الرشد والحكمة، ولايفيد معنى الحكم السياسى أو إدارة شئون الجماعة الذى عبّر عنه القرآن بلفظ الأمر، ومنه جاء الآية (وأمرهم شورى بينهم) ، كما جاء تعبير أمير المؤمنين، وجاء تعبير الإمارة الإسلامية.

وقد وردت الآية المذكورة خطاباً ليهود المدينة فى واقعة زنا كانوا قد احتكموا فيها إلى النبي (صلعم) وأخفوا عنه حكم التوراة، فلما علم أنه الرجم أمر به فرُجم الخاطئان .

ومن ثم كان السياق الذى وردت فيه الآية تبين ذلك (وكيف يحكّمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله .. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) سورة المائدة 5 : 43 – 44.

فالتفسير الصحيح للآية الآنف بيانها يفيد أن المقصود بها يهود المدينة على عصر النبي، وأن استعمالها فى خطاب المسلمين فى العصر الحالي، تحريفٌ فى القرآن وتزييف لأحكامه.

وتأدى ذلك إلى إعادة النظر فى مبدأ (حاكمية الله)، وقد شرحنا ذلك تفصيلاً فى كتابنا (الإسلام السياسى) . ويلوح أن "الجماعة الإسلامية" اطّلعت على وجهة نظري، أو وصلت إليها بالدراسة الصحيحة والفهم السليم، فَعدَلت عنها فيما قالت إنه مراجعة لأفكارها ومبادئها.

وفى الوقت الحالي، يقول السلفيون إن الديمقراطية حرام شرعاً، لأنها تعني أن يشرّع الناس لأنفسهم، مع أن ذلك مقصور على الله سبحانه؛ ويرفعون لافتات لتأييد وجهة نظرهم، تحمل من القرآن آية (إن الحكم إلا لله) سورة يوسف 12: 40، 67. والسياق الذى نزلت فيه الآية هو حديث يوسف إلى صاحبيه فى السجن (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار. أتعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (قال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أُغُني عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون).

فالبيان الأول عن آية (إن الحكم إلا لله) جاء فى خطاب ليوسف إلى صاحبيه فى السجن، دلالة على عبادة الله الواحد الأحد، وليس عبادة أرباب متعددون، وهي بذلك تتصل بالتوحيد.

والبيان الثانى عن ذات الآية جاء فى خطاب يعقوب (إسرائيل فى اليهودية) إلى بنيه بما يفيد أن القضاء بأمر الله، إذ طلب منهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة مخافة الحسد الذى قد يُلحق بهم أذى، مع أن الأمر مُفوض إلى قضاء الله.

إن الجماعة التى ترفع اليوم عالياً لافتة كُتبت عليها الآية (إن الحكم إلا لله) إجتزؤا الآية من سياقها وأبتسروها من واقع التنزيل، وفسروها على ما يفهمون ويبتغون . مع أن ذلك التفسير الخاطئ يكون فى الحقيقة تقويضاً للمجتمع كله وتهديداً للمصريين جميعاً. وقد حدث ذلك التصرف منهم ، وما زال يحدث، إما جهلاً بأحكام الدين وطرق التفسير السليم لآيات القرآن، وإما عن علم منهم بالحقيقة، لكنهم يعمدوا إلى ليّها وإخفاء الحقيقة، لتحقيق مصالح لهم غير دينية ولا إسلامية، أو لتأكيد صوالح لهم، سياسية وحزبية وليست من صميم الدين أو صحيح الشريعة. وقد قالوا من قبل إن الديمقراطية كفر لأنها تجعل الحكم للشعب مع أن الحكم لله وحده؛ أخذا بتفسير مغلوط للآية التي أنف بيانها، وتحريف مقصود لمعناها، لفظاً وجملة.

وهكذا يكون العمل فى السياسة باسم الدين والإتجاه إلى التخريب بدعوى الشريعة، أمر يقوم على تكفير أداءٍ أو اتجاهٍ أو مجتمع بتفسير مغلوط وموهوم لآية قرآنية أو أكثر، ثم العودة إلى ما يفعله من اتهموهم بالكفر بداعي المصلحة الخاصة بهم. فَلِمَ يقبلُ الدخولَ فى الديمقراطية والعملَ من خلالها من يدعي أنها كفر؟

أليس الأصح ألا يقع هو فى الكفر الذى زعمه، وأن يتجه إلى الدعوة الصحيحة المستقيمة بتفسير القرآن تفسيراً أصولياً، وإلزام أنفسهم النّأيَ عما يرونه كفراَ حتى يضربون للناس مثلاً على التعفف عن الحرام والنزاهة فيما يقولون ويفعلون؟

القاهرة