نقد الفكر الديني
 
 
2012 / 01 / 24


 العشوائية وسقوط العقل


  ماذا يحدث في مصر (4)
أخيراً قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس إننا (يقصد العرب جميعاً) أخطأنا حين لم نقبل قرار التقسيم، يقصد بذلك القرار رقم 181 الصادر من الأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947 بتقسيم فلسطين إلى دولتين، دولة عبرية ودولة فلسطينية. فالرئيس محمود عباس بعد أن عَرَك المعارك جميعاً، عسكرية وسياسية، وعَرف كل الأوضاع الحقيقية في المسألة الفلسطينية، ما هو ظاهر منها وما هو خفي، ما هو معروف وما هو مجهول، انتهى إلى ما قاله، وهو ما كنا قد ذكرناه من خمسة عشر عاماً في كتابنا (الصراع الحضاري بين العرب وإسرائيل).

لقد بات المعروف، والمؤكد، أن حَسَنىِ النية من العرب كانوا على غير علم كاف بالحقائق التي كانت خفية غير ظاهرة، في الكواليس الدولية والإقليمية ؛ وأن قبول قرار التقسيم، مع تأجيل المواجهة مع إسرائيل، كان يعطى القوة المخلصة بين العرب وقتاً، تهتم فيه بالتنمية البشرية، والتنمية الاجتماعية، حتى تصل إلى المستوى الذي تملك فيه قوة وبأساً، علمياً وحضارياً، فتعزل العناصر غير المخلصة، وتقوّى من العناصر المتحضرة والمتحررة، حتى تكون الحرب – إن كانت – متكافئة حضارية، وليست مجرد شعارات يرددها من لهم مصالح خاصة. فالحرب، حين تكون قائمة على غير استعداد كامل، في شتى المناحي، عسكرية وحضارية، تصب في صالح الخصم، وتقوّى منه، وتنتهي بمن بدأها دون استعداد جدي وبغير معرفة واعية بكل الظروف والمواقف، إلى خسارة محققة.

لقد كان القصد من إعلان العرب حرب إسرائيل، في 15 مايو 1948، استدراج مصر بالذات إلى معركة خاسرة، تؤدى إلى انقلاب عسكري تؤيده الولايات المتحدة، فتقف كل جهود التنمية البشرية والتنمية الاجتماعية، حيث تنتهي مصر إلى الفسفسة، بما يؤدى إلى اهتراء الشخصية المصرية وإلى اختراب البنية التحتية (أي كل المرافق اللازمة لسير المجتمع سيرا سليما).

فبعد أن هُزمت مصر، اكتشف حكامها أنه لم يدخل الحرب إلا جيشها، ذلك أن الفرسان السعوديون اعتصموا بنويبع، أما الجيوش العراقية والسورية والأردنية، فقد التزمت الوقوف عند حدود التقسيم. وبتلك الهزيمة التي مُنى بها الجيش المصري – الذي دخل الحرب بغير ذخيرة كافية ودون تخطيط سليم – أن وقع الانقلاب العسكري في 23 يوليو 1952، وساندته الولايات المتحدة لتدفع بالنفوذ البريطاني والفرنسي خارج الشرق الأوسط، وتحتل هي مكانها، فتكون لها الغلبة في كل شئ. وساعدت الولايات المتحدة الاتجاه الديكتاتوري الذي كان لابد أن ينتهي إليه الانقلاب في مارس 1954، وساندته برجلي المخابرات مايلز كوبلان وكيميت روزفلت.

وبناء على التخطيط الواعي الدقيق، التي تترسمه أجهزة المخابرات ـ تمت عسكرة النزاع العربي الإسرائيلي، فتوثبت الانقلابات العسكرية، إلى العراق وسوريا وليبيا والسودان والجزائر وتونس واليمن، ثم أصبحت الحكومات العسكرية عبئاً على الشعوب وحربا لها، يحشدون الجهود ويرفعون الأصوات للمعركة مع إسرائيل، (ولا صوت يعلو على صوت المعركة)، فقضى ذلك تماماً على أي جهد – بل وأي تفكير – في التنمية البشرية والتنمية الاجتماعية، وران على كل البلاد التي حكمها العسكر حكم ثقيل يستأسد على مواطنيه وهو نعامة في كل المعارك الخاسرة مع إسرائيل. ذلك بأن الحروب تقتضى جيوشاً قوية تحمل سلاحاً ينتجه وطنها، ووراءها شعب قوى متحضر، حر مستنير، يتصرف بعقل واع، ولا يثور بشعارات غامضة وهتافات جهيرة.

في هذه الفترة المظلمة في التاريخ المصري الحديث، كنت أعمل بالقضاء، ولم أعمل بغير القضاء، منذ عُينت مساعداً للنيابة العامة في الإسكندرية فور تخرجي في كلية الحقوق، وحتى وصلت إلى أعلى درجاته فعينت رئيساً لمحكمة أمن الدولة العليا ورئيساً لمحكمة الجنايات مدة تنوف على عشرة سنوات، فحصّننى العمل والوضع القضائي – الذي كان رفيعاً ومستقلاً - عن أي مشاركات في أعمال وتصرفات المثقفين الذين خان الشعب كثيرون منهم، التحفوا بالسلطة وقدموا إليها العون والتأييد. وكنت في عملي القضائي أساند بأحكامي وقرراتى الاتجاه الحر المستنير، وتشهد أحكامي وقرراتى بذلك. وبقيت بعيداً عن ساحات الإعتراك للحصول على مآرب شخصية ومكاسب مادية، إذ كان هدفي وما زال أن أتوجه بكل جهودي إلى العمل الدؤوب على استنارة العقل واستقامة الخلق.

في يونيو 1994 حضر إلى مسكني النائب العام الحالي المستشار عبد المجيد محمود والمستشار أحمد ماجد سلية رئيس محكمة شمال القاهرة والمستشار عبد الحميد البحيرى (وقد توفاه الله) وأخبروني جميعاً أنه قد تم إختيارى لأكون وزيراً للعدل، وأن القرار الجمهوري في هذا الشأن مُعد بالرياسة وسوف يصدر صباح اليوم التالي.

لم أكن أريد أن أسهم في أي عمل سياسي، لاعتقادي بأن السلطة غير شرعية، وأن الحاكم يعتبر غير شرعي إذا أطلق على الشعب ولو رصاصة واحدة، أو حجب عنه منافع لتستولي عليها بطانته ومن يؤيده أو يعمل لحسابه، أو يتحدث دوماً عن إصلاحات لم تتم، أو يتهم بالقول مواطناً وهو موقف السلطة ولا دليل في يده، أو يستند في عمله إلى القوة ولا يحتكم إلى القانون وحقوق الإنسان. هذا فضلاً عن أنى كنت وما زلت أعتقد أن انقلاب 23 يوليو 1952 قد أجهض الثورة الشعبية الحقيقية، وعمد إلى تأخيرها، حتى اندلعت أخيراً في 25 يناير 2011 بفعل شباب أفادوا من وسائل التقنية (التكنولوجيا) والتواصل الإجتماعى، بدأوا بالثورة، ثم اندلعت شرارة الثورة إلى الشعب كله.

في اليوم التالي لحضور النائب العام عبد المجيد محمود وآخرين معه لتهنئتى بمنصب لم أكن أريده، أجبتهم بأن ذلك لم يحدث ولن يحدث، خاصة وقد كنت أسمع عن وجود حوالي 70 قضية فساد (وقتها !!) مركونة في مكتب النائب العام. في اليوم التالي، اتصلت بى رياسة الجمهورية فاعتذرت من عدم قبول المنصب ؛ واتصل بى الرئيس السابق حسنى مبارك وقال لي (أنت مش عايز تشتغل معانا ليه؟) فقلت له (المسألة مش كده يا ريس، أنا لي آراء وأفكار لا أريد أن يُحرج النظام، بعملي معه، كما أن لي رسالة لم تكتمل بعد، وأريد أن أتفرغ لها والعمر قصير). سكت ولم يردّ، لكنه لم يسترح لوجود شخص يرفض العمل في وزارة تحت رياسته.

في ذات الأسبوع حضر إلىّ شخص أمريكي موفد من منظمة المحامين الدولية وقال لي إن المنظمة اطلعت على ترجمة لبعض أحكامي، ولم تتصور أن تصدر هذه الأحكام من قاض مصري، يعمل في ظل نظام شمولي، ومن ثم إختارتنى رجل العام لحكم القانون وحقوق الإنسان. وقد سافرت إلى الولايات المتحدة في أكتوبر 1994 حيث أقامت منظمة المحامين الدولية حفلاً كبيراً في فندق والدروف أستوريا في جو من الإبهار الأمريكي، وأُعطيت لي شهادة بإختيارى رجل العام لسنة 1994 لحكم القانون وحقوق الإنسان (دون وجود أي مبالغ مالية).

رتّبت المنظمة أنشطة اجتماعية وعلمية منها إلقاء محاضرتين في جامعتي نيويورك وكولومبيا ؛ ثم انتقلنا إلى واشنطن، وكانت المنظمة قد أعدت أنشطة أخرى منها إلقاء محاضرة في جامعة جورج واشنطن، ومنها مقابلة ريتشارد جاربر المشرف على برنامج المنح الأمريكية في الشرق الأوسط ومنه مصر (A.I.D) وإذ كان من المقرر أن يقرأ من يلتقي بى (أو بغيري) السيرة الذاتية (C.V) التي طُُلبت منى إبتداء، فقد كان لدى السيد ريتشارد جاربر معلومات وافية عنى، ربما عززتها المقابلة، فعرض علىّ أن أكون مستشاراً لهيئة المساعدات الأمريكية بمصر. ولما كنت على موعد لإلقاء محاضرة في معهد بواشنطن فقد قلت له نعم، نعم (Yes , Yes) وأنا أقصد أن نناقش الأمر وتفاصيله فيما بعد، بينما فهم هو أن تلك الكلمة موافقة منى على العرض.

بعدما عدت إلى القاهرة بأيام قليلة كلمتني تليفونياً الدكتور(ة) مدير(ة) مكتب المعونات الأمريكية تسأل عن اليوم الذي سوف أذهب فيه إلى مباشرة عملي الجديد، كمستشار. قلت لها إني لم أوافق بعد ولا أوافق إلا بعد أن أعرف تفاصيل أكثر. جاءت إلى مسكني، ومعها وكيلتها، فسألتُ عن كمّ المعونة المالية، فقالت لي إنه مبلغ مليار دولار إلا قليلا. سألت وفيم يُنفق، قالت لي أشياء تافهة ليس لها تأثير فعلى يفيد الشعب. قلت لها إن لي وجهة نظر أخرى هي أن ينفق هذا المبلغ في التنمية البشرية والتنمية الاجتماعية وإعادة إنشاء البنية التحتية (infrastructure) على أساس سليم، بأن يتم تثقيف الرجال والنساء، وتعليم الفتيات حرفاً، وإرسال بعثات من الشباب لتعلم التقنية الحديثة (التكنولوجيا) في معاهد أوروبية، بألمانيا والسويد مثلاً، فننشئ صناعة جديدة للتقنية بهؤلاء الشباب، في القاهرة ثم في الإسكندرية ثم في باقي المحافظات... إلى آخر ذلك من تنمية اجتماعية تفيد وتقضى على العشوائيات. قالت لي إن الرئيس مبارك طلب منهم عدم صرف المعونة في محو الأمية أو في شئ مماثل. قلت إذن سوف يرفض الرئيس إتجاهى لصرف مبلغ المعونة فيما أقترح. قالت : بالتأكيد هو يرفض ذلك. قلت إذن فأنا أعتذر عن عدم قبول المنصب : قالت لي إن ريتشارد جاربر مسرور لأنك قبلت ما عرضه عليك. قلت لها إني لم أقبل في الحقيقة ولكني قلت نعم نعم yes , yes حتى لا أتحدث كثيراً قبل محاضرة كنت سألقيها بعد المقابلة. قالت لي لكن المرتب المعروض عليك مبلغ كبير شهرياً، ولك سيارة، فضلاً عن مزايا أخرى عدّدتَها. قلت لها : ولو (فأنا صاحب مبدأ ولا أبحث عن منفعة). أنا أرفض أن أساهم في الإضرار بشعب مصر وبمواطني. فضغطت على لكي أوافق، وقالت إن ريتشارد جاربر سوف لا يكون مسروراً لاعتذارك. قلت لها سوف أكلمه تليفونياً وأشرح له الموقف.

هذا بعض ما جرى في مصر، وما يجرى فيها، مما كان سببا في انتشار العشوائية في الأماكن والتصرفات، وفى تقديري أن الحال لن ينصلح في مصر إلا بعد أن يصل المصريون جميعاً، والمثقفون منهم والحكام خاصة إلى أن يكونوا على استنارة في العقل واستقامة في الخلق.

تحريف الاسلام في استغلاله بالسياسة