نقد الفكر الديني
 
 
2012 / 01 / 24


لانتنخبوا من يؤمن بالديمقراطية


  ماذا يحدث في مصر (3)
ي واقع الحياة المصرية السياسية واقعة يرويها الناس دلالة على مدى ما يؤدى إليه الجهل من نتائج سياسية مخطئة. ذلك أن أحمد لطفي السيد (باشا) – وهو معرّب أغلب أعمال أرسطو ومن أنصار مبدأ "مصر للمصريين" – كان قد رشح نفسه عن بلدته (وأظنها "كفر صقر" بمحافظة الشرقية) في الانتخابات البرلمانية. وكانت ثقافته وأخلاقه تضفي عليه هالة من الوقار خشي منها منافسه الذي كان على الضد من خصمه، وكان من ثم عليماً بسلوكيات الجهلة، وهم أغلب الناخبين، وكيف يُساسون بالأكاذيب، ويُقادون بالدعايات الكاذبة المضللة. وإذ اجتمع هذا المرشح بعدد من الناخبين، قال لهم كيف تنتخبون رجلاً كافراً يؤمن بالديمقراطية، ويفخر بأنه ديمقراطي؟ قال أحدهم، وماذا تعني كلمة "ديمقراطي" حتى يكون من يؤمن بها كافراً؟ رد خصم أحمد لطفي السيد فقال إن الديموقراطي يؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة، ويعطي المرأة حقوق الرجل ومنها الزواج بأربعة رجال كما أن من حق الرجل أن يتزوج أربعة نساء. استشاط الناس غضباً، فهذا أمر يعدم رجولتهم ويثلب إيمانهم ويقوض مبادئ الدين.

ذهبوا إلى أحمد لطفي السيد وسأله أحدهم على إستحياء: هل أنت (يا باشا) ديمقراطي؟ فرد عليهم قائلاً نعم أنا ديمقراطي. وانحسم الوضع تماماً بعد هذه الإجابة، فلم يسأله أحد عن معنى اللفظ ولم يناقشه في دلالته، وإنما انقلب عليه الجميع فأعرضوا عن انتخاب الرجل الفاضل المثقف، وانتخبوا الخصم الجاهل الكاذب المضلل.

هذه الواقعة التي لم تزل حيّة في الواقع المصري، يتناقلها الناس إشارة إلى ما فيها من تضليل وجهل يحسم المعارك الانتخابية لصالح الجاهل المزور، لم تصل بفاعلية إلى من يصفون أنفسهم بالعالمانين أو الليبراليين أو الماركسيين. فبينما يدعي خصومهم أنهم إسلاميون يرغبون في الحكم بالإسلام وتطبيق الشريعة، وهو أمر واضح لا لبس فيه – حتى وإن يكن بعيداً عن حقيقتهم وأهدافهم البعيدة – فإن الغموض والاضطراب يلفّ ألفاظ غير الإسلاميين، فلا يكاد أحد من عامة الشعب يعرف معنى الديمقراطية أو العالمانية أو الليبرالية أو الماركسية، ومن ثم تُحسم النتائج لصالح من ادّعى قولاً بسيطاً مفهوماً، وضد من يقول ما لا يفهمه أغلب الناس، مهما قدمت الأحزاب غير الدينية من برامج تتشابه مع بعضها البعض، ولا يفهمها أغلب الناخبين. وكان ذلك هو أحد الأسباب الرئيسية في حظر قيام الأحزاب على أساس ديني، ذلك لأن هذه الأحزاب تقدم نفسها في عبارات دينية - وإن كانت بعيدة عن أهدافها - لإيهام الناس بأنها أحزاب الله تعتصم بالله وشرع الله؛ في حين فشل الخصوم في فهم هذا المعنى، فظلوا يتمسكون بألفاظ لا يفهمها العامة (وأكثر الناس لا يعلمون)، ومن ثم فإن المعركة الانتخابية تكون محسومة من قبل أن تبدأ.

الديمقراطية كلمة من أصل يوناني (إغريقي) تعني حكم الناس. ومع أنها بهذا المفهوم تختلف عن الشورى التي وردت في القرآن مرتين، فقد كان من الممكن – بدلاً من استعمال لفظ الديمقراطية العاتم الغامض – أن يُستعمل لفظ "الشورى"، على أن يتخذ مفهوماً ومدلولاً آخر، يقارب لفظ "الديمقراطية" . وثم ألفاظ قرآنية وغير قرآنية تتغير مفهوماتها ومدلولاتها على مر العصور، منها على سبيل المثال، لفظ "الحكم" الذي يعني في القرآن الحكمة والرشد أو القضاء في الخصومات، لكنه تحول مع الوقت ليفيد معنى الحكم السياسي.

والعالمانية (Secularism) لفظ يعني المدنيين من غير رجال الدين (الإكليروس)، فبينما هؤلاء يخضعون لأحكام الكنيسة، فإن أولئك يخضعون لأحكام القوانين المدنية.

وللفظ بهذا المفهوم معنى في الواقع المسيحي، ولا يكون له وضع ولا تاريخ في الواقع الإسلامي الذي يفهمه على أنه ضد الدين، ومن ثم فلا ينبغي استعماله في البلاد الإسلامية، خاصة في معارك انتخابية، لأن ضرره حينئذ يكون أكثر من نفعه.

ولفظ الليبرالية بدأ في محيط الإقتصاد، أول ما بدأ عصر الإقتصاد الصناعي، فقال أنصار حرية التجارة والتبادل : "دَعهُ يعمل، دَعهُ يمرّ" (Laissez Faire Laissez Passer). ومع الوقت تحولت الحرية الاقتصادية إلى مذهب متكامل جمع السياسة، فأصبح يقال عنه الليبرالية (Liberalism). وقد كان يمكن أن يُستبدل به ترجمة عربية مثل : المتحررون أو الأحرار أو ما ماثل ذلك.

والماركسية، هي قرين الشيوعية. وقد واجهتها الدعايات المضادة بأنها كفر بالله وتقول إن "الدين أفيون الشعوب". والواقع أن هذا القول من ماركس لم يكن يعنى الدين نفسه، ولكنه كان يقصد إلى الفكر الديني الذي تقدّمه الكنيسة. لذلك فقد يكون من الأفضل أن يُستبدل به لفظ الاشتراكية، وهذا ما فعلته أغلب البلاد التي كانت ماركسية في نظمها، لكنها ادّعت أنها اشتراكية.

الإنتخابات تقتضي دراسة شاملة لنفسية الشعوب وعقليتها، وطريقة تصرّفها على أساس الإشاعات الكاذبة المضللة، ما دامت تمس المشاعر الدينية العميقة في البلاد الشرقية ومنها مصر. فإذا كان هذا المسلك قد وُضع في الاعتبار أساساً، لرفضت الأحزاب المدنية أن تتنافس مع أحزاب دينية منع الدستور قيامها (لكن سمح الواقع بعملها في السياسة خلافاً لأحكام الدستور). هذا من جانب،ومن جانب آخر أن تتوجه إلى الناخبين بألفاظ مفهومة جذابة، بدلاً من العالمانية والليبرالية والماركسية، وهي ألفاظ غير عربية، يمكن تحميلها بالخطأ والإدعاء بأنها كفر، وهو ما ينطلي على الشعوب بسهولة، فتُحسم نتائج الانتخابات قبل أن تبدأ.

* القاهرة

العشوائية وسقوط العقل
تحريف الاسلام في استغلاله بالسياسة