نقد الفكر الديني
 
 
2011 / 11 / 24


 لا حد للردة ولااجماع للفقهاء فيها


تمهيد:
الدكتور طه جابر العلواني أحد رواد الفكرالإسلامي المعاصر، وواحد من أهم مجددي هذا الفكر، أخذ على عاتقة مهمة شاقة وثقيلة، وهي مراجعة التراث الإسلامي، وتنقيته مما علق به من شوائب وأغاليط لحقت به على مدار تاريخه الطويل الحافل، حتى خيل لكثير من الناس أن هذه الشوائب هي جزء لايتجزأ من مكونات هذا الدين.

والحقيقة أن العلواني يقوم بمهمة شاقة هي تلك التي سماها ميشيل فوكو حفريات المعرفة أو (أركيولوجيا الفكر)، إن الباحث الأركيولوجي من وجهة نظر «فوكو» هو الذي يستطيع التوصل إلى تلك العصور الغابرة المطمورة تحت الركام عن طريق الحفر والتعرية، فخلال قرون عديدة حصل تراكم لوقائع يغطي بعضها بعضاً -تماماً كما في علم الآثار- حيث نجد مدناً كاملة مطمورة تحت طبقات عميقة من التراب والرمل، إن على الباحث أن يقوم بعمل الأركيولوجي من أجل إزاحة الركام واكتشاف الطبقات العميقة للحقيقة التاريخية أو الواقع التاريخي. ويرى «فوكو» أن المنهج الأركيولوجي يمكّن الباحث من فصل أشكال الخطاب التي انطمرت من أجل الوصول إلى الحقائق المفصلية.

والواقع أن الفكر الإسلامي قد عانى كثيرا – وما يزال يعاني بطبيعة الحال – من ذلك الركام الهائل من التشويه الذي يخفي وراءه الحقائق الناصعة والقيم العليا لهذا الدين الحنيف. لقد اختفى الكثير من الحقائق المفصلية حول الإسلام ومبادئه وغاياته، وراء جدار سميك من الأفكار الخاطئة والمعاني المغلوطة، والممارسات اللامنطقية. وتعددت العوامل وتضافرت في خلق هذا الجدار، وكانت السياسة هي أبرز هذه العوامل وأقواها.

ولقد نجح العلواني في مهمته أيما نجاح، وأدى باقتدار دور الباحث الأركيولوجي الدؤوب الذي يبحث عن الحقيقة مهما كلفه ذلك من جهد ومشقة. فهو يفاجئنا - ويدهشنا أيضا - بذلك التحليل (الأركيولوجي)المنهجي العميق لبعض هذه الأفكار، فيدحضها بقوة الدليل ودقة التحليل، وسلامة القراءة والتأويل للمواقف والأحداث. فنعرف منه على سبيل المثال أنه لا وجود لظاهرة النسخ في القرآن الكريم، وأن القرآن العظيم كله من سورة الفاتحة حتى سورة الناس محكم ومثبت ولم يعتريه نسخ بأية صورة من الصور، يقول في مقدمة أحد كتبه عن قضية النسخ في القرآن الكريم: (هذه الدراسة على لطافة حجمها قد تضمنت معالجة جادة وجريئة، أشتملت على منهجية يحتاجها المبتدئ في الدراسات القرآنية والنقلية، ولا يستغني عنها المنتهي (وإن نفع العلم بدرايته لا بروايته) وأصل الفساد الذي دخل على بعض العلماء نجم عن تقليد سابقيهم من المتقدمين من غير بحث عما صنفوه، ولا طلب للدليل عما ألفوه، ومن ذلك الكلام في (الناسخ والمنسوخ) فإن كثيرين منهم قد أقدموا على القول في (الناسخ والمنسوخ) واوردوا كثيرا من التخليط والعجائب والعظائم التي ينزه القرآن عنها) كما ذكر ابن الجوزي وغيره. وهذه الدراسة قد عملت على حماية القرآن الكريم من ذلك التخليط وتنزيهه عن كثير مما قيل في هذا الشأن بتحقيق علمي دقيق قائم على القرآن الكريم، وما دار حوله من ثوابت السنة المطهرة، فلعله ينهي الجدال في هذه القضية الخطيرة ويرشد إلى سبيل الهدى فيها.(راجع كتابه الرائع نحو موقف قرآني من النسخ الصادر عن مكتبة الشروق الدولية أيضا).

ويفاجئنا أيضا بأن ما يعرف بحد الردة لا أصل له في الإسلام بل إن عكس ذلك هو الصحيح، حيث يقر القرأن مبدأ واضحا وضوح الشمس أنه (لا إكراه في الدين). ونظرا لأهمية قضية الردة وخطورتها، لما يترتب عليها من آثار كثيرة سأقدم في هذا المقال عرضا موجزا لكتاب الدكتور العلواني لا إكراه في الدين: إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم، الصادر عن مكتبة الشروق الدولية بالقاهرة في طبعته الأولى عام 2006.

يبدأ العلواني كتابه بالمقدمة التي يضمنها ما وصل إليه من نتائج بالدليل القاطع، بصورة عامة، إذ كتب يقول:
فلا وجود لهذا الحدّ في القرآن المجيد وهو المصدر المنشئ الأوحد لأحكام الشريعة: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:48] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [آل عمران:23].

ولم نجد واقعة واحدة من وقائع عصر النبوّة تشير إلى ما يمكن أن يقوم دليلاً على قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتطبيق عقوبة دنيويّة ضدّ من يغيّرون دينهم، مع ثبوت ردّة عناصر كثيرة عن الإسلام في عهده ومعرفة رسول الله بهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ [النساء:137] وذلك ينفي وجود حدّ للردّة في السنّة الفعليّة التطبيقيّة. وباستقرائنا لما ورد من سنن قوليّة لم نجد -كذلك- ما يمكن أن يقوم دليلاً على وجود حدٍّ شرعيّ دنيويّ لهذه الفعلة.

وبعد تأكيده على عدم وجود حد للردة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة – القولية والفعلية – يناقش آراء الفقهاء في هذه المسألة ، ويخرج بما يلي:
لقد عرضت وناقشت مذاهب الفقهاء، خاصّة أنّ جمهرة أهل الفقه قد استندوا فيما ذهبوا إليه من وجوب قتل المرتد إلى السنّة القوليّة والإجماع فكان لا بد من الوقوف على تلك المذاهب مذهباً مذهباً، ومعرفة أقوالهم تفصيلاً، وأدلتهم التي بنوا عليها تلك الأقوال، ومناقشتها تفصيلاً. وقد تبيّن أن الفقهاء كانوا يعالجون جريمة غير التي نعالجها، إذ كانوا يناقشون جريمة مركّبة اختلط فيها السياسيّ والقانونيّ والاجتماعيّ، بحيث كان تغيير المرتدّ دينه أو تديّنه نتيجةً طبيعيّة لتغيير موقفه من الأمّة والجماعة والمجتمع والقيادة السياسيّة والنظم التي تتبنّاها الجماعة، وتغيير الانتماء والولاء تغييراً تامّاً.

كذلك ناقشنا دعوى الإجماع وثبت لنا وأثبتنا أنّه لم يكن هناك إجماع على وجود حدٍّ أو عقوبة شرعيّة ثابتة بالقرآن مبيَّنة بالسنّة للردّة بالمفهوم الذي أوضحنا.
وبذلك ثبت أن الإنسان -في الإسلام- يملك حريّة اختيار الدين الذي يتديّن لله به وهي حريّة ذاتيّة ائتمنه الله -تعالى- عليها؛ ولذلك كانت هذه الحريّة مناط المسئوليّة الإنسانيّة، فالمكره خارج من دائرة التكليف لا يحمل مسئوليّة ما يكره عليه أو يلجأ إلى فعله مهما كان، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وحين تنتقص حريّته في الاختيار تنقص مسئوليّاته بقدر ما ينقص من حريّته. وكل ما أمر الله الإنسان به، أو نهاه عنه ربطه بوسع الإنسان وطاقته: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق:7] أي :ما آتاها من الطاقة والقدرة وحريّة الاختيار.

وترك الله -تعالى- الإنسان فيما يسأل عنه ومشيئته الإنسانيّة الحرّة: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:29].
وأعمل الله إرادة الإنسان، وأعطاها الفاعليّة التامّة في مجال الاختيار: ﴿من كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء:18-19].

ثم يواصل كلامه قائلا:
وفرَّق سبحانه في المسئوليّة بين جزاء الخطأ وجزاء العمد. كما فرّق بين الخطأ الحاصل عن إهمال، والخطأ الحاصل عن عمد وقصد، وبين الإصرار على الخطأ والاستمرار فيه، وبين التراجع عنه، والتوبة منه. وهذا -كلّه- وكثير معه يؤكّد على حريّة الإنسان في إرادته وقصده وفكره وتعبيره وفعله. وسوف يتضح ذلك بجلاء في هذا البحث الذي أردنا أن نقدمه نموذجاً للمراجعات الجادة لتراثنا -التي على أهل العلم أن يقوموا بها لتنقية تراثنا الخصب الغنيّ المتنوع مما لحق به في بعض الفترات التاريخيّة لعوامل كثيرة.

ولقد حرص الدكتور العلواني على التزام المنهج العلمي الموضوعي في معالجة قضاياه، حيث إنه لم يحاول تأويل النصوص بما تتفق مع ما ذهب إليه، يقول في ذلك:
(فإنّني أؤكد أنّني سألزم نفسي -بقدر الإمكان- بالمنهج العلمي في البحث، فلن ألوي عنق أيّ نص أو دليل لينسجم مع فكرة كانت لدي قبل البحث، وسأخلي ذهني وعقلي من أيّ رؤية، أو موقف مسبق، لي أو لسواي، بقدر ما تسمح الطاقة الإنسانيّة به. وسأتخذ من الأدلة الشرعيّة مصادر لما أقرره، لا شواهد أستشهد بها لإثبات ما أتبنّاه كما يفعل كثير من الباحثين؛ لأن المهم -عندي- هو الوصول إلى ما تدل الأدلة الشرعية المعتبرة عليه، لا ما نتمنى أن تدل عليه مما يوافق متطلبات الحاضر أو الماضي، ولذلك فإن أقرب المناهج التي يمكن استعمالها في هذه الدراسة هو المنهج المركَّب من المنهج الفلسفي الأصولي، والمنهج التحليلي، والاستنباطي والتاريخي، دون تجاهل للمناهج التقليدية المتّبعة في دراسة علومنا ومعارفنا النقليّة في عصر التدوين وما تلاه. فالتفسير سنعتمد فيه ما قرره المعنيّون به من علمائنا من أصوله ومناهجه. وفي وزن الأحاديث والحكم عليها سنأخذ بمناهج المحدثين في ذلك، وهكذا. وفي الأصول سنتعامل مع الكتاب الكريم باعتباره المصدر المنشئ للأحكام والكاشف عنها ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾ [يوسف:40] وذلك عملاً بحاكميّة الكتاب. وسنتعامل مع السنة النبوية المطهرة باعتبارها المصدر المبيِّن للكتاب الكريم على سبيل الإلزام. ولن نقبل دعوى الإجماع فيما يثبت الاختلاف فيه بين الصحابة. فالإجماع إجماعهم، وسنلاحظ القيم الحاكمة ومقاصد الشريعة باعتبارها أدلة كلية ومصادر لإنارة السبيل للمستدل في تعامله مع دلالات الأدلة الجزئية، لا باعتبارها مجرد فضائل للشريعة. وسنتخذ من الاستعمال القرآني للمفردات اللغوية حكمًا أولاً في بيان معاني تلك المفردات كما وردت في الكتاب الكريم، ثم ما ورد بيانًا نبويًا في السنة، ثم معهود العرب في لغاتها وأساليبها وبيانها، لئلا يتحكم معهود العرب بمعاني القرآن.

وبعد أن يضع الدكتور العلواني النتائج العامة التي توصل إليها في دراسته، وهي أنه لاوجود لحد الردة في الإسلام، وأن الأصل في الإسلام هو حرية العقيدة،وأن ثمة ارتباط بين الحرية والجزاء، يبدأ بعد ذلك في عرض أدلته وشرحها شرحا صافيا وافيا عبر فصول كتابه. ولكنه عمل قبل دخوله في تحليل قضاياه – لدواع منهجية رصينة – على تحديد مشكلة بحثه Research problem بوضوح حتى لا يحدث التباس لدى القراء، يقول:

وجريًا على منهجهم في ذلك (يقصد علماء الأصول) فإننا نودّ أن نبدأ بتحرير قضية هذا البحث الأساسية منذ البداية؛ لئلا تلتبس الأمور على بعض القارئين:
1. إن هذا البحث لا يعالج قضية كفر المرتد ردة حقيقيّة، وخروجه عن الإسلام بعد معرفته به وقبوله له وإيمانه به؛ فكفر هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة ولا جدال فيه. وسواء في ذلك فَضّل المرتد دينًا آخر انتقل إليه وآمن به، أو بقي ملحدًا من غير دين.
2. إن هذا البحث لا يعترض على معاقبة المرتد على أية جريمة أخرى يرتكبها في حق الجماعة أو شريعتها أو نظمها وأعرافها المعتبرة، أو الخروج على الجماعة، أو حكامها الشرعيّين، فأيّة جريمة أخرى يرتكبها، سواء بنيت على الردة، أو قارفها لأسباب أخرى، فإن للأمّة أو الجماعة أن تطبق على فعله الجرمي الأحكام المقرَّرة شرعًا ونظامًا لذلك الجرم، فيسري عليه ما يسري على غيره؛ إذ إنّ الردّة -والعياذ بالله- إذا لم تشكل ظرفًا مشدِّدًا على المرتد فإنّها لا ينبغي أن تكون وسيلة تخفيف عنه.

3. إن البحث لا يرى، ولا يطلب، من الجماعة أو الأمة أن تأذن للمرتد بممارسة الدعوة إلى الردة سِرّا أو علنًا، أو العمل على إيجاد تجمع حوله يسعى لإحداث تغيير في عقيدة الأمة أو الجماعة أو تصوراتها أو مقومات إيمانها وإسلامها بالقوة أو بالدعوة، فتلك -كلها- تعد من الأعمال المعادية للأمة وللجماعة، ولها أن تمنعها، وتوقف الفاعلين عند حدودهم بما يتناسب وخطورة ما يقومون به، وردعهم عن ذلك بما يتفق والقيم العليا ومقاصد الشريعة.

4. إن قضية البحث الأساسية هي الردّة الفرديّة بمعنى: تغيير الإنسان عقيدته، وما بني عليها من فكر وتصور وسلوك، ولم يقرن فعله هذا بالخروج على الجماعة أو نظمها، أو إمامتها وقيادتها الشرعيّة، ولم يقطع الطريق، ولم يرفع السلاح في وجه الجماعة، ولم ينضم إلى أعدائها بأية صفة أو شكل، ولم يقم بخيانة الجماعة: وكل ما كان منه -هو تغيير في موقفه العقيديّ نجم عن شُبَهٍ وعوامل شك في جملة عقيدتها، أو في بعض أركانها، ولم يقو على دفع ذلك عن قلبه، واستسلم لتلك الشبهات، وانقاد لتأثيراتها، وانطوى على ردّته تلك، فلم يتحول إلى داعية لها -كما ذكرنا سابقًا- فبعد الاتفاق على ردّته وكفره، نقول: هل لمثل هذا شرع الله حدًا هو القتل بعد الاستتابة أو بدونها، بحيث يصبح واجبًا على الأمة -ممثلة بحكامها- أن يقيموا عليه هذا الحد، فيقتلوه على مجرد التغيير في اعتقاده، حتى إن لم يقترن هذا التغيير بأي شيء آخر مما ذكرنا؟ وإذا قتله أحد أبناء الأمة فلا يقتص منه ولا يقاد به، ولا شيء عليه في ذلك إلا عقوبة الافتئات على الحاكم؟ وهل يجب على الأمة أن تُكره هذا وأمثاله على الرجوع إلى الإسلام والعودة إليه بالقوة؟ وهل يعد هذا لو حدث من قبيل الإكراه في الدين الذي نفاه القرآن المجيد أولاً؟ وهل القول بوجوب قتل المرتد أمر مجمع عليه في كل العصور، أو أن فيه خلافًا لم يبرز بشكل كاف؟ وإذا قيل بوجوب قتل المرتد فهل يعني ذلك أنّ الكفر المجرد يصلح أن يكون سببًا لإيقاع عقوبة القتل شرعًا؟ وهل تعدّ العقوبة الخاصة بالردّة عند جماهير القائلين بها جريمةً سياسيّة أو هي جريمة تندرج في إطار الجنايات، فتأخذ العقوبة -آنذاك- صفة الحد الشرعيّ؟ وهل يعدّ هذا الحد -إذا سلمنا بكونه حدًا- تكفيرًا أو تطهيرًا؛ إذ المنصوص عليه أن الحدود مكفِّرات؟ وهل الردة تعد خروجًا من الإسلام أو خروجًا عليه؟

هذه قضايا الدراسة الأساسيّة، وسنتعرض لها، ولما قد تفضي إليه من قضايا أخرى، إن شاء الله -ملتزمين بالمنهج المتقدم ذكره- سائلين العلي القدير العون والتسديد، والتوفيق إلى الرأي الرشيد والقول السديد، وهو ولي التوفيق والقادر عليه.

5. أرجو أن أكون قد قدمت في هذا البحث -نموذجاً- لمنهج في المراجعات في التراث بحيث نجعل تراثنا ممّا يصدّق القرآن عليه ويهيمن، وأرجو أن يفتح ذلك مجالاً لهذا النوع من المراجعات الجادّة أمام الباحثين، سائلاً العليّ القدير أن يتقبل مني هذا العمل، وينفعني به يوم الدين ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ {88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:88-89]

ويبدأ بعد ذلك في تفصيل أدلته حول النتيجة التي توصل إليها، وهي أنه (لا وجود لحد الردة في الإسلام) وهو ما سنتناوله بالتفصيل في الجزء الثاني من هذا المقال بإذن الله تعالى.
ــــــــــــــــ
(*) طه جابر العلواني ولد عام 1935، في العراق، وهو رئيس المجلس الفقهي بأمريكا منذ عام 1988، ورئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية (SISS) بهرندن، فيرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية. حصل على الدكتوراة في أصول الفقه من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر في القاهرة، مصر، عام 1973. كان أستاذاً في أصول الفقه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، المملكة العربية السعودية منذ عام 1975 حتى 1985. في عام 1981 شارك في تأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة، كما كان عضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة. هاجر إلى الولايات المتحدة في عام 1983. يرأس طه العلواني الآن جامعة قرطبة الإسلامية في الولايات المتحدة.
من مؤلفاته:
• الاجتهاد والتقليد في الإسلام. أدب الاختلاف في الإسلام
• أصول الفقه الإسلامي: منهج بحث ومعرفة. إسلامية المعرفة بين الأمس واليوم
• التعددية: أصول ومراجعات بين الاستتباع والإبداع
• حاكمية القرآن. الأزمة الفكرية ومناهج التغيير
• الجمع بين القراءتين

عرضنا في المقال السابق الذي نشر بالعدد 3515 من الحوار المتمدن بتاريخ 13- 10 – 2011 الجزء الأول من قراءتنا لكتاب لا إكراه في الدين للدكتور طه جابر العلواني، وأوضحنا أن العلواني قد وصل من خلال دراسته الموضوعية المتأنية إلى أنه لا وجود لما يسمى بحد الردة في الإسلام، وأن الأصل في الإسلام هو حرية العقيدة، وعدم الإكراه على اتباع عقيدة بعينها: حيث قال: وبذلك ثبت أن الإنسان -في الإسلام- يملك حريّة اختيار الدين الذي يتديّن لله به وهي حريّة ذاتيّة ائتمنه الله -تعالى- عليها؛ ولذلك كانت هذه الحريّة مناط المسئوليّة الإنسانيّة، فالمكره خارج من دائرة التكليف لا يحمل مسئوليّة ما يكره عليه أو يلجأ إلى فعله مهما كان، لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقد رصدنا في المقال السابق الأسس المنهجية التي استند إليها الكاتب في تحليله لموضوع بحثه، ولخصنا بشكل عام بعض الأدلة التي استند إليها في القول بانتفاء وجود حد للردة في الإسلام.
وسوف نستعرض في المقال الحالي بشئ من التفصيل بعض ما ورد في الكتاب المذكور من أدلة وبراهين علمية دقيقة، تؤكد ما وصل إليه الكاتب من نتائج فيما يتعلق بتلك القضية المفصلية الشائكة في تاريخ الفكر الإسلامي.

دعوى الإجماع على وجوب قتل المرتد

يناقش الكاتب في الفصل الأول الذي حمل عنوان: دعوى الإجماع على وجوب قتل المرتد قضية إجماع جمهور الفقهاء على وجوب قتل المرتد، حيث يرى أنه ليس ثمة إجماع بين الفقهاء على قتل المرتد، يقول في بداية هذا الفصل: لقد أغلق جمهور العلماء باب الحديث في هذه القضية بسيف الإجماع؛ فدعوى الإجماع منذ وقت بعيد اتخذت وسيلة للحيلولة دون مراجعة بعض القضايا الخطيرة -مثل هذه القضية- مع وجود الخلاف في حكم الردة في القرون الثلاثة الخيِّرة، وعدم تحقق الإجماع في تلك العصور على حكمها، لكن القائلين بوجود حد القتل للمرتد في شريعتنا ادعوا الإجماع؛ ليحولوا دون الالتفات إلى مخالفة عمر بن الخطاب وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري، وغيرهم من ناحية، وليغلقوا الباب دون التفكير بأية مراجعة لهذا الحد من المتأخرين، ومن الذي يستطيع أن يراجع حكمًا أجمع علماء الأمة عليه؟
وبعد أن يقدم الكاتب على مدار الفصل نماذج من الاستغلال السياسي لما يعرف بحد الردة، يورد بعض الآراء التي لا ترى حدا للردة في الإسلام، وهو ما ينفي القول بوجود إجماع على قتل المرتد، فيقول "وحد الردّة" عند بعض الفقهاء يكون على المستوى الجماعيّ والفرديّ، حيث هو معلَّل بحماية الدين من الكائدين له أو المتلاعبين به والراغبين في الخروج عليه والارتداد عنه. ولم ير الفقهاء المسلمون وهم يقرّرون هذا أيّ تعارض بين ما يعترفون به جميعًا من حرية التديُّن والاعتقاد وأنّه لا إكراه في الدين، وبين تأكيدهم على الإجماع على شرعيّة هذا الحد. وطيلة الفترات المختلفة لواقعنا التاريخيّ كانت هذه النظرة هي السائدة بحيث لم تحظ آراء فقهاء كبارٍ مخالفين للأغلبيّة الساحقة أو للجمهور ولهم وزنهم، من أمثال عمر بن الخطاب من الصحابة (استشهد 23 هـ- 644م) وإبراهيم النخعي (ت:196هـ) وسفيان الثوري (ت:161هـ) وأسماء لامعة أخرى، لم تحظ آراء هؤلاء بالشهرة والرواج الكثير، مما يسَّر على جمهرة نقلة الفقه إشاعة دعوى الإجماع على هذا الحكم الذي تبنّته جمهرة الفقهاء، وهو إجبار المرتد بالقوة على العودة إلى الإسلام، أو قتله إذا أصرّ على عدم الرجوع إلى الإسلام، وذلك حماية للدين من أيّة محاولة للاستهانة به، أو تجاوزه باعتباره مصدر تكوين الأمّة وأساس شرعيّة الدولة. كما أنّه مصدر العقيدة والشريعة ونظُم الحياة -كلها- في الأمة المسلمة ودولة المسلمين، ولا غرابة بعد ذلك في أن يستقر هذا الحكم باعتباره واحدًا من الحدود الشرعيّة الثابتة والمجمع أو المتفق عليها في العقول والقلوب والسوابق القضائيَّة، بحيث يصبح أمر مناقشته مستبعدًا وغير وارد لدى الكثيرين. إذ كيف يناقش ما هو موضع إجماع!؟
ولولا تحديات الحضارة المعاصرة، التي جعلت النقد والمراجعة خطوات منهجيّة لها صلاحيّةٌ مطلقة في تناول أيّ شيء بالنقد والتحليل، لما فتح ملف الحديث في هذا الموضوع في عصرنا هذا. لقد فتح هذا الملف أئمةُ الإصلاحيّين: جمال الدين الأفغانيّ ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم، باعتباره قضيّة تتناقض مع حريّة الاعتقاد والتديّن وحريّة التعبير، وتتضارب مع حقوق الإنسان في اختيار عقيدته ودينه والتعبير عنه دون إكراه. وقيل للإصلاحيّين: إنّ في الإسلام إكراهًا ما دام يرى وجوب إكراه من يرتد عن الإسلام على العودة إليه أو يُقتل، وأن فيه إهدارًا لحريّة الاعتقاد، وحريّة الإنسان في التعبير عما يراه. وتعدّدت إجابات الإصلاحيّين، بل واعتذارات بعضهم، وكتبَ الأفغاني كتابه المشهور "الرد على الدهريّين" ليؤكد على ضرورة سلوك سبيل القرآن في مجادلة المخالفين ومحاورتهم، ومقارعة الشُّبهات أو الأمارات التي يثيرونها بالبراهين والأدلة والحجج الإسلاميّة.
ولم يحسم الأمر، وبقي موضع جدل تعلو الأصوات به كلما برز من يذكّرون به أو يشيرون إليه. وهمس بعض العلماء المعاصرين بآرائهم المخالفة لما عليه الجمهور من دعوى الإجماع على "حد الردة" وما استدلوا به لجعل هذا الموضوع محسومًا والقول به من المسلّمات. وجرى تناقل تشكيكهم في مقولة أن هذا الحكم كان مجُمعًا عليه. نُقل هذا الهمس عن الشيخ محمود شلتوت (ت:1963) ثم تبعه الشيخ محمد أبو زهرة (ت:1974) ونقل عن غيرهما، ولكن لم ترتفع أصواتهم بإعلان هذا الرأي بل آثروا أن يلتزموا جانب الصمت أو الهمس وترديد ما كان يردده المتقدّمون "إنّ في هذا الصدر أمورًا لو بحتُ بها لحدث كذا ولوقع كذا"، وبقي الملف مفتوحًا مغلقًا. ثم وقعت حادثة إعدام محمود محمد طه في السودان في 1985، وذلك حين أعلن رئيس السودان -آنذاك- جعفر نميري -بعد أن أفلس سياسيّاً-. تطبيق أحكام الشريعة الإسلاميّة، وكان الدكتور حسن الترابي يشغل منصب النائب العام، وله في الردة رأي معلن بين أصحابه لم يصرح به علنًا للجمهور في تلك الفترة. لكنّه كان متداولاً بين تلامذته وأنصاره وأصدقائه. وأصدرت المحكمة السودانيّة برئاسة القاضي الكباشي حكمًا بقتل الرجل ذي التسعة والسبعين عامًا، وتم قتله دون اعتراض.

المقدمات التي أدت إلى القول بحد الردة

ويتناول الكاتب في الفصل الثالث المقدمات التي أدت إلى القول بحد الردة، ويحددها في مجموعة من الأفكار السامة التي تسربت إلى الفكر الإسلامي من مصادر مختلفة أبرزها المصدر اليهودي المعروف في الفقه الإسلامي بالإسرائيليات، يقول الكاتب: (في إطار البحث عن جذور تلك الأفكار السامة المميتة والأفكار الميتة والمريضة اتصلت بي السبل مع مجموعة هائلة من التراكمات المعرفيّة التي حفل تراثنا النقليّ والعقليّ بها؛ وبدأت تتضح لي رؤية في مسائل كثيرة قد قال فيها بعض الأولين أقوالهم وظنّوا أنّهم قد فرغوا منها، ونفضوا أيديهم من تفاصيلها، وأصبح اللاحقون يتناقلونها، وقد لا يبذلون جهدًا إلا في تحقيقها وتصحيحها وإشاعتها وتناقلها، وشعارهم في ذلك "ما ترك السالف للخالف شيئاً" والإسلام يتحمل تبعاتها ويدفع الثمن غالياً بتمرُّد كثير من أبنائه عليه، وتجاوزه إلى غيره من متهافت الأفكار وبقايا الأيديولوجيات وفضلات المبادئ).
ففي التفسير يمكن أن نجد الإسرائيليّات كأخطر نقطة ضعف أصابت هذا العلم في بداية تدوينه وتغلغلت فيه وانعكست على كثير من علوم القرآن الكريم التي بقيت متداولة منذ عصر التدوين. وصحيح أنّ أسلافنا قد بذلوا جهودًا جبّارة لمقاومتها، لكنّ بعضها قد تمكن من أن يترك بعض الآثار السلبيّة ولا شك. وفي الحديث يمكن أن نكتشف أحاديث الموضوعات المدسوسة التي فرّقت كلمة الأمّة حول ما أفلت منها من مقاييس وضوابط علماء الحديث الدقيقة في الأسانيد وفي المتون. وفي بعض القواعد الأصوليّة والأحكام الفقهيّة يمكن أن نجد بعض آثار من شرائع الإصر والأغلال التي فرضها الله على من سبقنا وجاء ديننا لنسخها واستبدالها بشرعة التخفيف والرحمة. كل ذلك ليستمر أهل العلم من العلماء الربانيّين في أداء مهامهم، ولتستمر حالة الاستنفار والرصد في أوساط أهل الذكر لئلا يدس على الإسلام ما ليس منه، وليحافظ على نقاء الرسالة وصفائها حتى يظهر الهدى ودين الحق على الدين كلّه، وليتم التفاعل الدائم المستمر بين القرآن والكون والإنسان حتى يصبح الكون -كلُّه- بيتًا آمنًا للناس كافة، وتسود القيم المشتركة من الهدى والحق والأمانة في العالم كلّه.

كيف تم التداخل بين التراثين الإسلاميّ واليهودي؟

وفي الفصل الرابع يجيب الكاتب على سؤال هام وهو:كيف تم التداخل بين التراثين الإسلاميّ واليهودي؟ فيكتب: إن هناك اتجاهين في بيان ذلك التداخل؛ اتجاه يرى أن ذلك قد حدث بشكل طبيعي نتيجة الجوار والتداخل الحياتيّ. وهناك من يرى وجود فكرة القصد والعزم من اليهود وراء ما حدث، وقد يؤيّده ما أوضحه القرآن المجيد عن طبائع اليهود ونفسيّاتهم وحرصهم على تدمير الجبهة الداخليّة للمسلمين رغم كل المواقف الإيجابيّة التي وقفها المسلمون معهم، ورغم العهود والمواثيق الكثيرة التي أبرموها، ثم خاسوا وغدروا بها.(1)

حقيقة الردة كما تبينها آيات القرآن الكريم

ويتناول الفصل الخامس حقيقة الردة كما تبينها آيات القرآن الكريم، فيعرض الكاتب الآيات التي تناولت مفهوم الردة ومشتقاته، ثم يعلق عليها:
1. ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:217]. "حبوط العمل في الدارين والعياذ بالله".
2. ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:86]. "انتفاء الهداية وانتفاء الاستعداد لاستقبالها".
3. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾ [آل عمران:90]. "الردة المتكررة تمنع قبول التوبة".
4. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران:91] "الموت على الكفر لا يرفع عقوبته عند الله أي عمل تقدم في الدنيا وأي فداء يعرض، وفيه معنى تهكمي إذ من أين يأتي المرتد بملء الأرض ذهبًا بعد الموت".
5. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:100]."من هم الذين يدفعون الضعاف إلى الردة؟"
6. ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران:106]. "بعض الجزاء الوخيم الذي ينتظر المرتدين".
7. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئًا وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:177]. "ضرر المرتد موجّه نحو نفسه".
8. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:54]. "المرتدّ لا يحب الله ولن يستطيع أن يضره سبحانه وتعالى بشيء وسوف يستبدله الله-تعالى- بمن هو خير منه".
9. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ [النساء:137]. "لن يستطيع صاحب الردة المتكررة أن ينال مغفرة الله-تعالى- مهما عمل".
10. ﴿مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:106]. "ردة المكره الذي لا اختيار له لا تؤثر على إيمانه، إلا إذا اختار الكفر اختياراً وانشرح صدره له".
11. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:11]. " ضعف الإيمان ووهن اليقين وعدم عبادة الله بشكل سليم من أهم مداخل الردة".
12. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:32]. "انتفاء إضرار الكفر بالله -تعالى- وحبوط عمل الكافر هو النتيجة التي ينتظرها على ذلك".
هذه الآيات الكريمة – كلها - تشترك في بيان حقيقة الردة اسمًا ومفهومًا، فهي تفيد معنى الرجوع عن الإسلام والإيمان بعد قبولهما وفقًا لما أمر الله-تعالى- به. وهذا الرجوع الذي أطلق اسم الردة عليه يستوي فيه أن يكون رجوعًا عن الإسلام والإيمان إلى دين سبق للمرتد التدينُ به، أو الانتقال إلى دين آخر غير الاثنين، أو تبني الإلحاد وعدم الإيمان بأي دين، فكل ذلك رجوع عن الإسلام، وكله ردّة عنه.
ويلاحظ الكاتب أن الآيات الكريمة لم تحدد جزاء دنيويا للردة، يقول: (سائر الآيات المتقدمة، وهي كل ما ورد في القرآن المجيد في الردة والارتداد، لم تذكر أية عقوبة دنيويّة على ذنب أو جريمة الردة ولم تشر لا تصريحاً ولا على سبيل الإيماء إلى ضرورة إكراه المرتد على العودة إلى الإسلام، أو قتله إذا امتنع؛ وقد ذكر القرآن الكريم هذه الجريمة البشعة في سياقات عديدة ومختلفة تناول في بعضها الارتداد في دلالالته اللُّغوية، وبيَّن أنّه الرجوع مطلقًا إلى نقطة ثم تجاوزها، فكأن المرتد راجع على عقبيه بحيث ضيع كل آثار الجهود التي كان قد بذلها من قبل حين تجاوز نقطة المنطلق كادحًا إلى ربه ليلاقيه فإذا به يرجع، أو يرتد إلى حيث انطلق في الابتداء).
ويواصل الكاتب: (تعد حريّة الإنسان قيمة من أبرز القيم العليا ومقصدًا من أهم مقاصد الشريعة، ولعل من أهم الأدوار التي يقوم بها الإيمان والتوحيد خاصة؛ تحرير الإنسان من عبادة العباد ومن الخرافة والوثنيَّة ووصله بالله -تعالى- بحيث لا يخاف إلا الله ولا يستعين بسواه، ولا يتوسل بغيره، بل يسلم وجهه بشكل كامل لله -تعالى-. ولتوكيد هذا المعنى، وتحرير الإنسان تحريرًا تامًا، نزلت آيات كثيرة تدعم هذه الحرية وتدافع عنها وتحميها وتعدها جوهر إنسانية الإنسان، إن فقدها فقد دوره في الكون والوجود. فتبدأ الآيات الكريمة التي جاوزت مائتي آية من آيات الكتاب الكريم بتصوير معنى العبودية الحقيقية لله -تعالى- والمقارنة بينها وبين عبادة ما سواه، وكأن الله -جل شأنه- يبين بذلك للإنسان أن عبوديته لله -تعالى- هي تحرير وتشريف وليست إذلالاً وإخضاعًا)
ولا نجد هذا العدد الكبير من الآيات التي نزلت في التأكيد على ضرورة المحافظة على حريّات الإنسان كلها إلا في القيم العليا كالتوحيد والتزكية والعمران وما ارتبط بها من مقاصد شرعيّة كالعدل والحريّة والمساواة ونحوها. فقد نزل القرآن العظيم بذلك العدد الكبير من الآيات؛ ليؤكد على حرية الإنسان خاصة في اختيار ما يعتقده، وعدم جواز إكراهه على تبنّي أيّ معتقد، أو تغيير معتقد اعتقده إلى سواه، وعلى توكيد أنّ العقيدة شأن إنسانيّ خاصّ بين الإنسان وربّه، فليس لأحد أن يُكره أحدًا على اعتقاد أو تغيير اعتقاده تحت أيّ ظرف من الظروف، وبأي نوع من أنواع الإكراه، ومنه استغلال حاجة الإنسان، أو تعريضه للإغراء المادي أو سواه.(2)

السنّـة النبـويـة وقـتـل المـرتـدّ

وجاء الفصـل الخـامـس بعنوان السنّـة النبـويـة وقـتـل المـرتـدّ، حيث يقول الكاتب في بداية الفصل: (قبل الحديث عن السنن والأحاديث التي وردت في هذا الأمر نود أن نذكر بضرورةٍ دينيّة وبديهيّة إسلاميّة، وهي: أنّ القرآن المجيد مصدر منشئ لكل ما ورد فيه من عقيدة وشريعة ونظم ومبادئ وقواعد، وهو وحي من الله -تعالى- إذ هو كلامه. والسنّة النبويّة بيان للقرآن، واتّباع له، وتطبيق لما أمر القرآن به، لأنّ النبي محمدا عليه الصلاة والسلام أرسل ليبيّن للناس ما نزّل إليهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم بالتأسّي به. فهناك فروق بين الكتاب والسنة من حيثيّات عديدة. فالقرآن العظيم مصدر منشئ للأحكام، والسنّة النبويّة الثابتة الصحيحة مصدر مبيّن لما ورد فيه على سبيل الإلزام، وأنهما دليلان متعاضدان، بينهما علاقة تكامل لا يمكن أن يأتي في أيًّ منهما ما يناقض الآخر أو ينافيه أو يكون على خلاف أو تعارض أو تضادٍّ أو تنافٍ مع ما جاء فيه، أو ما يعود على ما جاء فيه بنسخ أو إبطال، فإن النسخ أو الإبطال ليسا بيانًا بل هما إزالة وإلغاء؛ وهذا ما لا يقبل بحال).(3)
لذا فهناك استحالة عقليّة واستحالة شرعيّة أن يأتي في السنّة النبويّة شيء يناقض مبادئ القرآن أو مناهجه بأيّ حال من الأحوال، فضلاً عن أن ينسخه. فما تقرر في القرآن تبيِّنه السنّة إذا احتاج الناس فيه إلى بيان؛ بالقول النبويّ، أو الفعل المقترن بالقول، أو الفعل المجرّد المبيِّن لكيفيّة التطبيق، أو التقرير، وتعضّده وتتكامل معه. وما تأتي به السنة لا يمكن إلا أن يكون بهذه المثابة، مبيّنًا للقرآن وموضِّحًا له ومتضافرًا مع مبادئه. كيف لا ومهمة رسول الله إبلاغ الكتاب وبيانه بالشكل الذي حدّده الباري -سبحانه وتعالى- وتلاوته على الناس وتعليمهم إياه وتزكيتهم به.
وإذا كانت مبادئ القرآن الكريم ومنهجيّته المعرفية قد حدّدت بوضوح إطلاق حريّة الاعتقاد وأحاطتها بسائر الضمانات بما يقرب من مائتي آية، وجعلت جزاء الكافر أو المرتد لله -تعالى- وفي الدار الآخرة فلا يتوقع من السنّة أن تأتي على خلاف ذلك، خاصّةً وأنّ هذا الأمر لم يرد في آية واحدة، أو اثنتين، بل جاء بما يقرب من مائتي آية بيِّنة وكلها متضافرة على تأكيد حرية الاعتقاد.
ولقد شهد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مئات من أولئك الذين آمنوا ثم نافقوا أو ارتدوا. بل جاوزت ردَّتهم حد الأذى والائتمار برسول الله وبالمسلمين والكيد لهم. ومع علم رسول الله بهم، وما أوتي من سلطان، خاصّة في المدينة، لدفع أذاهم، فإنّه -عليه الصلاة والسلام- قد ترفّع تمامًا عن المساس بهم، لئلا يقال: "إن محمدًا يقتل أصحابه"، أو يفرض على الناس عقيدته، أو يكره الناس على دينه. ومن ذلك ما روي بشأن عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وابنه عبد الله من فضلاء الصحابة وخيارهم، وشهد بدرًا وأحُدًا والمشاهد كلها مع رسول الله وكانت الخزرج قد أجمعت على أن يتوّجوا أباه عبد الله بن أبي ويملِّكوه أمرهم قبل الإسلام، فلما جاء النبي رجعوا عن ذلك، فحسد النبي وأخذته العزة، فأضمر النفاق، وهو الذي أخبر الله عن مقالته عقيب غزوة بني المصطلق ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون:8] فقال ابنه عبد الله للنبي: هو والله الذليل، وأنت العزيز يا رسول الله، إن أذنت لي في قتله قتلته، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها أحد أبرُّ بوالده منّي، ولكنّي أخشى أن تأمر رجلاً مسلمًا فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي على الأرض حيًّا حتى أقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار. فقال النبي "بل نحسن صحبته ونترفق به ما صحبنا، ولا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، ولكن برّ أباك وأحسن صحبته". فلما مات أبوه سأل ابنه عبد الله النبي ليصلي عليه. قال: "جاء عبد الله بن أبيّ إلى رسول الله حين مات أبوه فقال: اعطني قميصك يا رسول الله أكفنه فيه، وصلِّ عليه، واستغفر له، فأعطاه قميصه وقال: "إذا فرغتم فآذنوني." فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر وقال: أليس قد نهى الله -عز وجل- أن تصلي على المنافقين؟ فقال: أنا بين خيرتين ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فصلى عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ فترك الصلاة عليهم بعد ذلك.

وقائع الردة التي حدثت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

ويعرض الكاتب بعد ذلك العديد من وقائع الردة التي حدثت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتخذ الرسول حيالها أي إجراء، فقد أورد جمهور أصحاب السير والمؤرخين أنّه قد ارتد بعض من كان قد أسلم من قبل بعد أن ذكر رسول الله ما حدث ليلة أسري به. وممن أورد ذلك ابن هشام في السيرة فيما رواه عن ابن إسحاق في حديث الحسن عن مسرى رسول الله. قال: "فقال أكثر الناس: هذا والله الأمر البيِّن، والله إنّ العير لتُطرد شهرًا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرًا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة! قال: فارتد كثير ممن كان أسلم.." ولكن دون تحديد أو تسمية لأولئك المرتدين.
وروى الحاكم في المستدرك عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "لما أسري بالنبي إلى المسجد الأقصى؛ أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر...".
مما يلاحظ أن كل الروايات التي أشارت إلى ارتداد طائفة ممن كان آمن وصدّق بالنبي وبرسالته لم تذكر عدد من ارتد، ولم تورد أسماء بعينها، ولكن جاء الكلام مطلقًا.
وجاء في سيرة ابن هشام عن ارتداد عبيد الله بن جحش : "قال ابن إسحاق:.. وأما عبيد الله بن جحش، فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مُسلمةً، فلما قدمها تنصّر وفارق الإسلام حتى هلك هناك نصرانيًا.. قال: كان عبيد الله بن جحش حين تنصّر يمرُّ بأصحاب رسول الله وهم هنالك في أرض الحبشة، فيقول: فقَّحنا وصأصأتم".(أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد. وذلك أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه لينظر صأصأ لينظر، وقوله: فَقَّحَ: فتح عينيه) وقد أورد أصحاب التراجم والأنساب خبرَ ردّة عبيد الله بن جحش وكيف أنه تنصّر بأرض الحبشة بعد دخوله في الإسلام ومات على ذلك.

ردة عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري

روى أبو داود عن ابن عباس قال: "كان عبد الله بن أبي سرح يكتب لرسول الله ، فأزلّه الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله " أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.
قال البلاذري: "وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فإنه أسلم وكان يكتب بين يدي رسول الله فيملي عليه (الكافرين) فيجعلها (الظالمين) ويملي عليه (عزيز حكيم) فيجعلها (عليم حكيم) وأشباه هذا، فقال: أنا أقول كما يقول محمد وآتي بمثل ما يأتي به محمد، فأنزل الله فيه ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ﴾ [الأنعام:93] وهرب إلى مكة مرتدًا، فأمر رسول الله بقتله، وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاع، فطلب فيه أشدّ طلب حتى كفّ عنه رسول الله.
الخبر يدل على أنه لا حدّ في الردة وإلا لما قبل رسول الله فيه شفاعة عثمان، ولقال له مثل ما قال لأسامة في الشفاعة للسارقة المخزوميّة "أتشفع في حدًّ من حدود الله؟".
الواقعة الثالثة: من أهدر رسول الله دمه بسبب أذاه وجنايته مع ردته
لما دخل رسول الله مكة فاتحًا سنة ثمان للهجرة كان قد عهد إلى أمرائه ألا يقتلوا إلا من قاتلهم، وأراد أن تُفتح مكة سلمًا، إلا أنه قد عهد في نفر سماهم، أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم ستة نفر وأربع نسوة: عكرمة بن أبي جهل، وهبّار بن الأسود، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، ومقيس بن صبابة الليثي، والحويرث بن نُقيذ، وعبد الله بن هلال بن خَطَل الأَدرمي، وهند بنت عتبة، وسارة مولاة عمرو بن هشام، وقينتا عبد الله بن خطل: فرتنا، وقُريبة، ويقال أرنب. وذلك لما كان لهم من دور في تحريض المشركين على قتال المسلمين وصدهم عن سبيل الله. مِن هؤلاء مَن اقترن جرمه بالردة عن الإسلام، منهم:

مقيس بن صُبابة الليثي:

"وإنما أمر رسول الله بقتله لقتله الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ ورجوعه إلى قريش مشركًا".

عبد الله بن خطل:

قال ابن إسحاق: "عبد الله بن خَطَل، رجل من بني تيم بن غالب. إنّما أمر بقتله أنّه كان مسلمًا، فبعثه رسول الله مُصدِقًا (أي ساعيا أوجابيا للصدقات) وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولى له يخدمه، وكان مسلمًا، فنزل منزلاً وأمر المولى أن يذبح له تيسًا فيصنع له طعامًا، فنام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركًا"، فهذا قاتلٌ كذلك، وردَّته فعل إضافيٌّ، وهو محارب لرسول الله ومحرِّض على حربه وقتاله، وقاطع طريق، وخائن أمانة من المال العام، وسارق.

ويخلص الكاتب من خلال كل ما سبق إلى: ( كل ما تقدم يؤكد أنه ليس هناك حد شرعيّ شرعه الله -تعالى- ليُقتل بمقتضاه كل من كفر بعد إيمان، وأن القرآن الكريم وفعل النبي تطبيقًا له لا يمكن أن نجد فيهما أيّة إشارة إلى أنّه عليه الصلاة والسلام قد علم أنّ الله قد وضع للردة حدًا في كتابه، إذ لو وجد ذلك لما تردّد رسول الله في تطبيق ذلك الحد وإنفاذه. وهو الذي أعلن في موضوع السرقة أنّه لا شفاعة لأحد في حد من حدود الله، وأقسم أنّه لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع يدها وأنفذ فيها الحكم.
كما أن العلماء اتفقوا على أن السنن التي تحمل عقوبات فيها إتلاف النفس أو عضو من أعضاء الإنسان لا تقبل إلا إذا جاءت تلك السنن بياناً لكيفيّة تطبيق العقوبة المذكورة في كتاب الله تعالى وقامت على أساس منه؛ وذلك لعموم الأدلة القرآنيّة القاطعة في حفظ النفس والأعضاء، فلا تعارض بمثلها، ولا معارض!! ثم إنّ مهمة النبي إبلاغ الكتاب المنزل وبيانه واتباع ما فيه.
وحين رأى الفقهاء أن القرآن ليس فيه ما يمكن اعتباره حدًا شرعيًا، وأن السنة النبويّة لا تحمل من ذلك شيئًا -خاصة العمليّة- وكذلك القوليّة فيما يتعلق بما تقدم، وأنّ حريّة الاعتقاد قيمة عليا من قيم الإسلام ثابتة بما يقرب من مائتي آية كريمة، فقد لجأوا إلى حديث قوليّ مرسل، وآثار لا يخلو شيء منها من مقال ليعززوا بها ما ذهبوا إليه واعتبروه مستند إجماع على وجوب قتل المرتد. وأقوى ما قدموه في هذا السبيل حديث مرسل سيناقشه الكاتب لاحقا.

هل قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتدًا؟

إن من الثابت المستفيض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل مرتدًا طيلة حياته الشريفة. قال الشافعي: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد من أهل دهره لله حدًا، بل كان أقوم الناس بما افترض الله عليه من حدوده، حتى قال في امرأة سرقت فشُفِع لها: "إنما أهلك من كان قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد". قال الشافعي: "وقد آمن بعض الناس ثم ارتد، ثم أظهر الإيمان، فلم يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال البيهقيّ: "روينا هذا في عبد الله بن أبي السرح حين أزلّه الشيطان فلحق بالكفار، ثم عاد إلى الإسلام، ورويناه في رجل آخر من الأنصار". وذلك ينفي وجود أيّ دليل فعليّ يدل على أن رسول الله قتل أحداً بالردّة طيلة حياته الشريفة. ولو علم عليه الصلاة والسلام أنّه مأمور بقتل من يرتد عن دينه، وأن ذلك حكم الله، لما تردّد في إنفاذ ذلك الحكم لأي سبب من الأسباب. وأما الوقائع التي ذكرت، فإنّها وقائع اجتمعت فيها جرائم عديدة كما ذكرت، وكانت الردة بمثابة التناهي بإعلان الخروج على الجماعة ومعاداتها.
وقال ابن الطلاع في أحكامه: "لم يقع في شيء من المصنفات المشهورة أنه صلى الله عليه وسلم قتل مرتدًا ولا زنديقًا".

السنة القولية المتعلقة بقتل المرتد

ويتطرق الكاتب إلى الحديث عن السنة القولية المتعلقة بقتل المرتد، وهي الأحاديث التي رويت عن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد، يقول الكاتب: أما في الأحاديث القوليّّة المرويّة فإنّنا نجد أحاديث آحاد ورد فيها الأمر بقتل المرتد. من أبرز تلك الأحاديث وأشهرها بين الفقهاء خاصة، وعليه اعتمد جمهورهم، حديث "من بدَّل دينه فاقتلوه". وهو حديث اشتهر بعد الصدر الأول، أما قبل ذلك فهو حديث آحاد يعد في المراسيل. وهو حديث له ارتباط وثيق بمؤامرة اليهود التي ذكرها القرآن المجيد في قوله تعالى: ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:72]
ويعضِّد هذا الذي ذكرنا ويعززه ويقويه ما رووه من حديث معاذ بن جبل، أخرج أحمد في مسنده (5/231) عن أبي بردة قال: قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن، فإذا رجل عنده، قال: ما هذا؟ قال: "رجل كان يهوديًا فأسلم، ثم تهود، ونحن نريده على الإسلام منذ-قال أحسبه- شهرين. فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه. فضربت عنقه". فقال: "قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه". أو قال: "من بدل دينه فاقتلوه".
هنا نستطيع أن نلحظ الارتباط الوثيق بين الحديث وبين قوله تعالى: ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:72] فالرجل يهوديٌّ من هؤلاء المتآمرين، ومع ذلك فقد أعطي فرصة للتوبة والتراجع والإقلاع عن جريمته شهرين وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورغم أن الكاتب يميل للتفسير السابق للحديث بافتراض صحته إلا أنه يعلق من جهة أخرى على إسناد الحديث، حيث يورد بعض المشكلات المنهجية المتعلقة بسنده، منها أن أحد رواة الحديث وهو عكرمة، وعكرمة هذا مولى لابن عباس سمع منه ونقل عنه ما قاله وما لم يقله خاصة في التفسير. وقد بقي عبداً لابن عباس حتى ورثه عنه أبناؤه بعد وفاته، ثم باعوه أو أعتقوه. وقد اتهمه عليّ بن عبد الله بن عباس بالكذب على أبيه فجعل في يديه وقدميه القيود، وحبسه على باب الحشر -الكنيف- فسئل عن ذلك، فقال عليّ: إنّ هذا الخبيث يكذب على أبي. وقد جرّحه ابن سيرين وقال فيه: "إنّه كذاب". وقال عنه ابن أبي ذئب: "ليس يحتج بحديثه ويتكلم الناس فيه". وقال سعيد بن جبير فيه: "إنكم لتحدثون عن عكرمة بأحاديث لو كنت عنده لما حدّث بها" وكان سعيد بن المسيّب يحذره ويحذِّر منه ويقول: "لا ينتهي عبد ابن عباس حتى يلقى في عنقه حبل ويطاف به". وكان سعيد كثيراً ما يقول لمولاه برد: "لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس". وكان ابن عمر يقول لمولاه نافع: "لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس".
وقد أخذ على البخاريّ روايته عنه، قال ابن الصلاح: "...احتج البخاريّ بجماعة سبق من غيره الجرح لهم كعكرمة مولى ابن عباس...".
وكان مسلم يتجنَّب الرواية عنه فيما ينفرد فيه. وأعرض مالك عن الرواية عنه إلا حديثاً واحداً كما ذكر أحمد بن حنبل. وكان مالك يكره أن يذكر عكرمة.
ويورد الكاتب بعد ذلك بعض الآثار الواردة عن بعض الصحابة في قتل المرتد، ويفندها بطريقته العلمية المعقدة التي لا يتسع المقام لذكرها. وينتهي إلى النتيجة النهائية، فحين اتخذنا منهج ربط الحديث بالقرآن بدا التكامل واضحاً بفضل الله، وتجاوزنا المشكلات التي أثارها بعضهم حول الحديث، وحتى روايات الحديث الضعيفة والمعلولة لم تعد الحاجة ملحة للانشغال بالجدل حول أسانيدها وفقهها ما دام هناك أصل صحيح يدور حول القرآن بتكامل تام.
ثم يبين الكاتب ما وقع فيه الفقهاء من خلط أدى بمعظمهم إلى القول بحد الردة فيقول:
بعد أن بيَّن القرآن المجيد موقفه المشرف المنير من حريّة العقيدة، واتضح ما بيّنته السنّة الفعليّة والقوليّة تطبيقاً واتباعاً لآيات الكتاب الكريم، وبلاغاً لما جاء فيه، ثم موقف الشيخين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- سيراً على هدى القرآن والسنّة النبويَّة، وتمسُّكاً بكل منهما، والتزاماً به؛ للباحث أن يتساءل: وما عساه أن يكون موقف الفقه والفقهاء -وقد حسم المصدرُ المنشئ والمبيِّن الأمرَ؛ وتطبيق الشيخين لما ورد إنشاءً وبياناً ظاهرين، فعلامَ استند الفقهاء في كل ما رتبوه من فقه في المسألة؟
قلت: ذكر الفقهاء أنّهم قد بنوا مذاهبهم في المسألة على دليلين اثنين:
الأوّل: السنّة القوليّة، القائمة على تصحيح حديث "من بدّل دينه فاقتلوه"، واعتباره عامّاً في كل من غيّر دينه، حارب أم لم يحارب. وخصّصوا به عموم القرآن. وقد علمت ما فيه سنداً ومتناً، وتبيّن تعذّر بناء فقه عليه إلاّ إذا ربط بمحاولة أهل الكتاب تدمير الجبهة الاسلامية الداخليّة، تلك المؤامرة الخبيثة التي نبّهت إليها آيات القرآن المجيد ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:72-73]
الثاني: دعوى الإجماع -وبقطع النظر عن اختلاف مواقف كثير من العلماء في "حقيقة الإجماع" فإنّ المذاهب الإسلاميّة الفقهيّة قد اختلفت فيما بينها اختلافاً كبيراً. بل لقد اختلفت المذاهب في داخلها اختلافات ليس من السهل إدّعاء أيّ نوع من أنواع الإجماع معها.
لقد خلطت جل المذاهب المعروفة بين الردّة بمفهومها السياسيّ وبين الردّة بمعنى التغيّر في الاعتقاد. وبعض المذاهب أكد أنّ الردّة حدٌّ من الحدود التي لا يجوز التسامح في تطبيقها، في حين ذهب بعضهم الآخر إلى أنّها من التعازير، وعدّها بعض ثالث من السياسات الشرعيّة التي يقدرها الحكام وفقاً لاجتهاداتهم في حماية القانون والنظام العام ووحدة الجماعة. وفرّق بعضهم بين أوضاع المرتدين المختلفة، فأثبتها على بعض الأنواع، ونفاها عن بعضها الآخر. وكل ذلك يؤكد حقيقة لا تنكر وهي: أنّه لا إجماع في المسألة يمكن الاحتجاج به على وجود حدٍّ ثابت لها.ولو سلّمنا -جدلاً- بوجود إجماع فإنّه لا مستند لهذا الإجماع المدَّعى.

كيف حدث الخلط بين الدينيّ والسياسيّ؟

إنَّنا نستطيع أن نتفهّم الأسباب التي ساعدت على الخلط في عمليّة تكييف هذه القضيّة. ولعل من أبرزها ما أضيف إلى الثقافة الشفويّة التي كانت سائدة في البيئة الحجازيّة، وهي الثقافة التي نبهّنا إلى أهم آثارها في الفصل الأول من هذا البحث؛ وهي ترى وجوب قتل من يخرج على اليهوديّة؛ فإنّ هناك أسباباً إضافيّة جديرة بالملاحظة، منها:
1. أن الفتوحات الإسلاميّة قد أضافت إلى نسيج الأمّة المسلمة، وسلطان دولتها ونظامها، بلاداً كثيرة أخرى كانت لها نظمها وأعرافها وثقافتها وتشريعاتها، ومنها التشريعات المتعلّقة بتغيير الولاء والخروج على النظام السياسيّ والقانونيّ وما إلى ذلك. فالروم والفرس وغيرهم، كل أولئك كانت لهم قوانين وتشريعات مستقرة أنتجت أعرافاً وثقافات في البلدان المفتوحة، ثم انتقلت إلى البيئة المسلمة وصارت تتفاعل معها، وتشكل -ولو بشكل ضئيل- بعض موارد العقل الفقهيّ ولو على مستوى تكييف الوقائع. ثم إن القانون الرومانيّ النصرانيّ كان مطبقاً في بلاد الشام قبل الإسلام.
2. أنّ حروب الردّة في عهد الصدّيق -رضي الله عنه- لم تكن أسبابها محدّدة بدقة صارمة. فهي، وإن قامت على البعد السياسيّ، فإن البعد الدينيّ كان مشاراً إليه في نحو قول الصديق -رضي الله عنه-: "والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة". وإذا كان الصدّيق قد استند إلى مفهوم "دين" بمعناه الشامل الذي يبرز فيه التشريع والحاكميّة والنظام العام والحكم -كما أوضحنا- وكلّها تندرج تحت الشريعة فإنّه لم يوضع حدٌّ فاصل بين العقيدة والشريعة في هذا المجال. ولذلك فإنّ اعتراض عمر -رضي الله عنه- كان بناء على ما ذهب إليه ظنُّه من أنّهم ما يزالون يرددون "لا إله الإ الله" أو يتعوذون بها -كما يقال- فكيف يقاتلون؟ فلفت الصديق نظره إلى البعد الكليّ الذي لا يسمح بتلك التجزئة التي حاولوها تضليلاً، فهدفهم هو الأمّة كياناً ونظاماً وشريعة ومنهاجاً والعودة إلى النظام الجاهليّ.
فكانت حروب الردّة، لا لإعادة من غيّروا اعتقادهم إلى المعتقد الذي فارقوه بالقوّة، بل لإلزام مواطنين تخلوا عن التزاماتهم وواجباتهم باعتبارهم أعضاء في الأّمّة، أو مواطنين في دولة، وهي التزامات تستمد قوتها الشرعيّة من الدين، ومن الالتزام بالواجب الوطني أو "الأمّتي" الذي يفرضه الدين باعتباره مصدر الشرعيّة على المواطن الذي يفرض عليه احترام سلطاته الشرعيّة، وعدم ارتكاب أي فعل يهدّد سلامة بنيان الأَّة واستقرار وحدتها وسيادتها على ديارها، وعدم تهديد كيانها بالتمزّق والعودة لإقامة دويلات، أو نظام قبائليّ له في الماضي حكم الدويلات في مفاهيم العصر.

الخلاصة: لا يوجد في الإسلام حد للردة.

ويخلص الكاتب بعد بحثه المضني الجاد العميق إلى الحقائق المفصلية في القضية فيقول:
ومما عرضنا -كله- يتضح أن القرآن والسُّنة النبويّة قد أكدا حرية العقيدة وجعلا منها مسلّمة قرآنية لا يمكن أن يلحق بها شك، وكل الخلط الذي رأينا لدى العلماء في تناولهم لهذا الأمر إنما نجم عن ملابسات كثيرة، منها اتساع مدلول مفهوم (الدين) وشموله للنظام القانوني وضرورة تطبيقه على جميع المواطنين بغض النظر عن اعتقاداتهم واختلافهم فيها، ومنها أيضًا اختلاط تغيير الاعتقاد بمحاولة تغيير أركان الدين نفسها، أو ارتباط تغيير الاعتقاد بالتحول إلى حالة العداء والحرب ضد الأمّة والجماعة بحيث يصبح المرتد عدوًا محاربًا مهدِّدًا لمصالح أمته، شديد الخطر على أمنها وسلامتها.
فالإسلام قام على مبدأ أساس هو وحدة البشريّة ووحدة الإنسانيّة، وأنّ الناس-جميعًا- خُلقوا من نفس واحدة، وأن الناس جميعًا لآدم وآدم من تراب، كما سلّم القرآن الكريم باختلاف الناس في أمور كثيرة، ومنها اختلاف معتقداتهم، فقرّر أنّ من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ونهى النبيَّ -عليه الصلاة والسلام- عن أيّ تفكير بإكراه الناس، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:99]، وقال: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾ [ق:45] و﴿لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:22] و﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ {91} وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [النمل:91-92] وقال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى:48].
كل ذلك يدل ويؤكد بما لا يدع مجالاً لتأويل على أنّ حريّة الاعتقاد قد صانها القرآن وحفظها، وتبعًا لموقفه كان موقف السُّنة النبويّة، ولذلك فإن القرآن ظاهر في الاقتصار على العقاب الأخرويّ في تغيّر الاعتقاد، والسُّنة مبيِّنة أن تغيّر الاعتقاد، دون التورُّط بأيّة أمور أخرى قد تحمل معنى العدوان على الأمة وكيانها وتهديد مواطنيها ومصالحها، لا عقاب عليه في هذه الحياة الدنيا، بل العقوبة عليه أخرويّة فقط؛ لأنّها لا تتعلّق في هذه الحالة إلا بحق من حقوق الله تبارك وتعالى، وهو الذي يتولى استيفاء حقه ذاك في دار الخلود. والله أعلم.
ــــــــــــــ
هوامش:
إن رواسب معتقداتهم وثقافتهم الشفويّة التي تؤكد على وجوب قتل من خرج عن دينهم من اليهود قد هيأت الأذهان لأن يذهب جمهرة الفقهاء إلى وجود حد للردة، اختلط فيه المعنى السياسي للردة، القائم على التمرد على نظام الجماعة ومحاولة خرقه، والرِّدة بمعنى "تغيّر الاعتقاد" المجرد. لمزيد من التفاصيل راجع في ذلك مفهوم الردة عند اليهود في التلمود والعهد القديم
2- ولذلك نص فقهاؤنا على أن الزوج المسلم ليس له أن يعرضّ لزوجته غير المسلمة بالإسلام، أو ينتقص من ديانتها، أو يقارن بين الإسلام وبين ديانتها، ليبيِّن فضل الاسلام على ديانتها؛ لأنّ ذلك -كلّه- يعدُّ من قبيل الضغط عليها والإكراه لها على تغيير الدين. فهل تستطيع هيئات الإغاثة التنصيريّة أن تسمو إلى هذه الآفاق؟ّ
3 وقد أعد الدكتور العلواني دراسة في سلسلة "دراسات قرآنية" التي تقوم بطباعة حلقاتها ونشرها مكتبة الشروق الدولية في القاهرة، ناقش فيها "فكرة النسخ" وكيف دخلت هذه الفكرة أو النظريَّة الباطلة إلى ساحاتنا الفكريّة.