نقد الفكر الديني
 
 
2011 /11 / 24


الكهنة والكهانة قبل العربية والاسلام


الإسلام كان حريصاً على تشويه صورة الكهنوت والتفاخر بأنه لا كهنوت فى الإسلام لكي يلغي الروابط العميقة بين الناس ورجال الدين السائد ليصبح من الاسهل تلقيمهم بنبوءات محمد بدون معارضة الكهنة وهم الفئة التي تعيش على الارتزاق من العلاقة الروحية بين الانسان والقوى العلوية، وهي فئة لها جذور قديمة في التاريخ، والكلمة بذاتها تعود الى اللغات القديمة وليس العربية..

قبل اليهودية كان هناك كهنة وكهنوت ونسمع ذلك من خلال الكتاب المقدس ملكى صادق الذى كان كاهناً لله الواحد الخالق أيام أبونا ابراهيم :

تكوين 14:
18 وملكي صادق ملك شاليم اخرج خبزا وخمرا.وكان كاهنا للّه العلي
19 وباركه وقال مبارك ابرام من الله العلي مالك السموات والارض

وكانت أول أوامر بتنظيم الكهنوت اللاوى فى بنى اسرائيل من الله إلى موسى النبى كليم الله .. وكانت وظيفة الكهنة خدمة طقوس عبادة بنى اسرائيل وكان أهمها تقديم الذبائح والتقدمات للتكفير عن خطاياهم مثل ذبيحة الخطية وذبيحة الإثم وذبيحة السلامة وذبيحة الفصح بخلاف طقوس الختان والتطهير وطقوس الأعياد اليهودية المختلفة وتقديم البخور وحراسة المقادس وتابوت العهد وخلافه

خروج 28:
1 وقرّب اليك هرون اخاك وبنيه معه من بين بني اسرائيل ليكهن لي.هرون ناداب وابيهو العازار وايثامار بني هرون.
2 واصنع ثيابا مقدسة لهرون اخيك للمجد والبهاء.
3 وتكلم جميع حكماء القلوب الذين ملأتهم روح حكمة ان يصنعوا ثياب هرون لتقديسه ليكهن لي.
4 وهذه هي الثياب التي يصنعونها صدرة ورداء وجبّة وقميص مخرّم وعمامة ومنطقة.فيصنعون ثيابا مقدسة لهرون اخيك ولبنيه ليكهن لي.

وطقس سيامه الكاهن قد ذكر في الكتاب المقدس حيث يمسح بالمسحه المقدسة وتصنع هذه المسحه من افخر الاطياب من المر والسليخه والقرفه العطره وقصب الزريره ومن زيت الزيتون "وهذا ما تصنعه لهم لتقديسهم ليكهنوا لي خذ ثورا واحدا ابن بقر وكبشين صحيحين وخبز فطير واقراص فطير ملتوتة بزيت ورقاق فطير مدهونة بزيت من دقيق حنطة تصنعها وتجعلها في سلة واحدة وتقدمها في السلة مع الثور والكبشين وتقدم هرون وبنيه الى باب خيمة الاجتماع وتغسلهم بماء وتاخذ الثياب وتلبس هرون القميص وجبة الرداء والرداء والصدرة وتشده بزنار الرداء وتضع العمامة على راسه وتجعل الاكليل المقدس على العمامة وتاخذ دهن المسحة وتسكبه على راسه وتمسحه وتقدم بنيه وتلبسهم اقمصه" (خر29)

والسيد المسيح هو رئيس الكهنة الأعظم الذى قدم ذاته ذبيحة بدلاً عن ذبائح العهد القديم الحيوانية التى لا تكفى ولا توفى تكفيراً عن جنس البشر :

عبرانيين 7:
26 لانه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار اعلى من السموات
27 الذي ليس له اضطرار كل يوم مثل رؤساء الكهنة ان يقدم ذبائح اولا عن خطايا نفسه ثم عن خطايا الشعب لانه فعل هذا مرة واحدة اذ قدم نفسه.
28 فان الناموس يقيم اناسا بهم ضعف رؤساء كهنة واما كلمة القسم التي بعد الناموس فتقيم ابنا مكملا الى الابد

وفى المسيحية فى العهد الجديد كان إستمرار الكهنوت الجديد من خلال رسل السيد المسيح الذى أعطاهم سلطان لكى يحلوا من الخطايا ويشفوا المرضى ويخرجوا الشياطين ونفخ فى وجوههم قائلاً اقبلوا الروح القدس وكانوا هم يضعون أيديهم على من يتم رسامتهم اساقفة وكهنة وشمامسة لخدمة كنيسة المسيح :

اع 20 :28 احترزوا اذا لانفسكم ولجميع الرعية التي اقامكم الروح القدس فيها اساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه.

في 1 :1 بولس وتيموثاوس عبدا يسوع المسيح الى جميع القديسين في المسيح يسوع الذين في فيلبي مع اساقفة وشمامسة.

إذاً الكهنوت ثابت فى العهد القديم سواء قبل اليهودية من خلال ملكى صادق أو من خلال اليهودية والمسيحية .. والكهنوت، في عرف الديانة اليهودية والمسيحية، هو خدمة طقوس العبادة وحفظ العقيدة والحفاظ عليها وتكريس الإتصال بين البشر والله من أناس وهبوا انفسهم وكرسوها لهذه المهمة . ( في الواقع ينطبق الوصف ذاته على رجال الدين الاسلامي على الرغم من نكرانهم للتسمية وهو الاسلوب الشائع في الاسلام بإعادة تسمية الاشياء والالتفاف على جوهرها)

ولكن لأن الإسلام ليس فيه تلك العلاقة بين الله والبشر بل هو قائم على اجتهادات بشرية فى العبادة بدون تعاليم إلهية وأغلبها مستوحى من طقوس وثنية ما قبل الإسلام مثل الحج بما فيه من طواف حول الكعبة منزل الأوثان الأشهر فى الجزيرة العربية قديماً وتقبيل الحجر الأسود ورمى الجمرات والسعى بين الصفا والمروة وتذكر الأسطورة العربية الوثنية أن آساف ونائلة كانا قد زنيا داخل الكعبة على الحجر الأسود وقد سخطهما الله حجرين ونقلت أصنامهما فيما بعد للصفا والمروة حيث كان العرب الوثنيين فى الحج يطوفون حولهما , وما زال العرب المسلمين يفعلون نفس هذه الشعائر حيث اقر القرآن هذه الشعائر الوثنية عندما قال الصفا والمروة من شعائر الله .

1222 - الصفا والمروة كانتا من مشاعر الجاهلية أيضا

3123 - حدثنا علي بن حمشاذ ، ثنا بشر بن موسى ، ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني ، ثنا علي بن مسهر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - ، قالت : إنما نزلت هذه الآية في الأنصار كانوا في الجاهلية ، إذا أحرموا لا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة ، فلما قدمنا ذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فأنزل الله ذلك : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) إلى آخر الآية، وهو حديث صحيح على شرط الشيخين .


وبالطبع تم تشوية كلمة كاهن وكهنوت فى من قبل فقهاءالاسلام، بالذات لتحويل الانظار عن طبيعة عمل رجال الدين. وقد قام الكهنوت الاسلامي بتعريف الكهانة بالمعنى اللغوي لها انطلاقا من جذرها في العربية لتصبح الكهانة هي التكهن. على الرغم من ان النبوة ايضا تعود بجذرها اللغوي الى التنبوء. الكهنوت في الاصل كان الشخص الذي يخدم الالهة فكهنة وكاهنات عبدة الأوثان، كواسطة الى الالهة العليا، كانوا يقيمون الطقوس الوثنية لخدمة الآلهة، حتى ان الكاهنات ، في الحضارات الشرقية القديمة ، كان من ضمن عملهن الزنا كطقس للتعبير عن الشكر على الخصب والعطاء وتقليدا لفعل التلقيح والولادة الذي يتحكم الالهة من خلاله بعملية المنح والعطاء كفعل اسمى .

وقام الفكر الاسلامي بالربط بين كلمة كهانة التى يمارسها العرافون الذين يتنبأون بمستقبل زائف وكلمات زائفة وبين طقوس خدمة الالهة وخدمة كلمتها المقدسة الشائع اليوم في الديانة المسيحية واليهودية .

وهذا تعريف الكهانة عند الإسلام من موقع المجلس الاعلى للشئون الإسلامية فى مصر :

موسوعة المفاهيم /الكاف
الكهــــانة
لغة: كَهَنَ وكَفُنَ يَكْهُن، يَكْهُن كَهَانَة، وَتَكَهَّنَ تَكَهنُّاً: أى قضى له بالغيب وحدَّثه به.

كَهَنَ كَهَانَةً: صار كاهنا، أو صارت الكهانة له طبيعة وغريزة ورجل كاهن من قوم كَهنَة وكُهَّان: من يدعى معرفة الأسرار أو أحوال الغيب، وعند اليهود وعبدة الأوثان: الذى يقدم الذبائح والقرابين، فقد ورد فى التوراة: "... وتُلبِس هارون الثياب المقدسة وتمسحه وتقدسه ليكهن لى..." (خروج 13:40).

ولكنها عند النصارى تعني شيئا اخر: من ارتقى إلى درجة الكهنوت.
ففى الإنجيل: "... فنظروقال لهم: اذهبوا وأرُوا أنفسكم للكهنة... " (لوقا 14:17) واللفظ إما من كهين بالعبرانية، أو من كفتا بالسريانية.

والِكهَانة: حرفة الكاهن، وهو الذى يتعاطى الخبر عن الكائنات فى مستقبل الزمان، ويدعى معرفة الأسرار.
الكَهَنُوت: طبقه الكاهن أو رتبته. وسر الكَهَنُوت: هو أحد أسرار الكنيسة المقدسة السبع، يتولى به الكاهن أن يقدس جسد المسيح، ودمه فى تلاوة القُدَّاس، وأن يُحِلَّ من الخطايا.

والكاهن عند الازيديين هو الذي يحفظ النص المقدس ويشرف على الخدمة والطقوس ويراعي تحقيقها ويحث على تمجيد السر الاقدس ويحمي المعابد ويدير شؤونها، وهي مهام عامة لكافة الكهان وتتطابق مع مهام رجال الدين تماما.

كان فى العرب كهنة كشقَّ وسُطيح وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسْبابِ؟ يستدل بها على

مواقعها من كلام مَن يسألَ، أو فِعِله، أو حاله، وهذا يخصونه باسم العَرَّآف.

والكاهن فى كلام العرب: هو الذى يقوم بأمر الرجل وشمعى فى حاجته، والقيام بأسبابه، والكاهنان: حَيَّان، يقال لقريظة والنضير- وهم أهل كتاب وفهم وعلم-، وهما قبيلتان يهوديتان كانتا تسكنان بالمدينة. والعرب تسمى كُلَّ من يتعاطى علما دقيقا كاهنا، ومنهم من كان يسمى المنجم والطبيب كاهناً، وهو امر يعود الى عصور سحيقة في التاريخ يصل الى الحضارة البابلية والاشورية.

ووردت كلمة: الكاهن فى القرآن الكريم مرتين، فى قوله تعالى: ] فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون[ (الطور: 129) أى لست بحمد الله بكاهن، كما تقول الجهلة من قريش. والكاهن الذى يأتيه الرئى من الجنَّ بالكلمة يتلقاها من خبر السماء، كما يعتقد ذلك كثيرمن الناس. وفى قوله تعالى:، ] ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون [ (الحاقة: 43).

وكانت الكهَانة فى العرب على ثلاثة أضرب:

الأول: يكون للإنسان وَلىُّ من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء، وهذا القسم بطل من حين بعث الله محمد.

الثانى: أن يخبره بما يطرأ، أو يكون فى أقطار الأرض، وما خفى عنه مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونصت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحالوهما (أى جعلاهما مستحيلين)

الثالث: المنجمون، وأغلبهم كاذب ، ولذا شاع بين الناس هذا المثل: "كذب المنجمون حتى ولو صدقوا" وقد حرم الإسلام

إتيان الكاهن لسؤاله عن الغيب لقول رسول الله r "من أتى عرَّافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد (1).
وفي كتاب نثر الدرر،  الباب السادس

أسجاع الكهنة


يقول: تحاكم عبد المطلب بن هشام وبنو ثقيف إلى عزي سلمة الكاهن، في ماء بالطائف يقال له ذو الهرم فجاء الثقفيون فاحتفروه فخاصمهم عبد المطلب إلى عزي وخبأوا له رأس جرادة في خرزة مزادة وجعلوه في قلادة كلب لهم يقال له سوار، فلما وردوا عليه قال: حاجتكم؟ فقالوا له: خبأنا لك خبيئاً فأنبئنا عنه أولاً. فقال: خبأتم لي شيئاً طار فسطع، فتصوب فوقع، في الأرض منه بقع. قالوا: لاده، أي بينه. قال هو شيء طار، فاستطار، ذو ذنب جرار، وساقِ كالمنشار، ورأس كالمسمار فقالوا: لاده، قال: إن لاده فلاده، هو رأس جرادة في خرز مزادة في عنق سوار ذي القلادة قالوا: صدقت. وانتسبوا له، وقالوا: أخبرنا فيما اختصمنا إليك؟ قال: أحلف بالضياء والظلم، والبيت والحرم، أن الدفين ذا الهرم، للقرشي ذي الكرم، فغضب الثقفيون وقالوا: اقض لأرفعنا مكاناً، وأعظمنا جفانا، وأشدنا طعانا، فقال عبد المطلب: اقض لصاحب الخيرات الكبر، ولمن كان سيد مضر، ولساقي الحجيج إذا كثر. فقال الكاهن: إن مقالي فاسمعوا شهادة: إن بني النضر كرام سادة، من مضر الحمراء ذي القلادة، أهل سناء ملوك قادة، زيارة البيت لهم عبادة. ثم قال: إن ثقيفاً عبد من قيس فأعتق فولد فأبق، فليس له في النسب من حق.
دعا أمية بن عبد شمس، هاشم بن عبد مناف إلى المنافرة فقال هاشم: فإني أنافره على خمسين ناقة سود الحدق ننحرها بمكة، أو الجلاء عن مكة عشر سنين، فرضي أمية، وجعلا بينهما الخزاعي الكاهن، وخرجا إليه، ومعهما جماعة من قومهما، فقالوا: خبأنا خبيئاً فإن أصابه تحاكمنا ليه، وإن لم يصبه تحاكمنا إلى غيره، فوجدوا أبا همهمة، وكان معهم أطباق جمجمة، فأمسكها معه، ثم أتوا الكاهن فأناخوا ببابه وكان منزله بعسفان فقالوا له: إنا قد خبأنا لك خبيئاً فأنبئنا عنه، فقال: أحلف بالضوء والظلمة، ومن بتهامة من تهمة، وما بنجد من أكمة، لقد خبأتم لي أطباق جمجمة، مع البلندح أبي همهمة. قالوا: صدقت. احكم بين هاشم بن عبد مناف وبني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أيهما أشرف بيتاً ونسباً ونفساً؟ فقال: والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، من منجد وغائر، لقد تسبق هاشم أمية إلى المآثر، أول منه وآخر، فأخذ هاشم الإبل ونحرها وأطعمها من حضر، وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين، فيقال إنها أول عداوة بين بني هاشم، وبين أمية.
كانت سعدى بنت كريز بن ربيعة قد تطرقت وتكهنت، وهي خالة عثمان بن عفان رضي الله عنه، روي عن عثمان أنه قال: لما زوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته رقية من عتبة بن أبي لهب، وكانت ذات جمال رائع، دخلتني الحسرة أو كالحسرة، ألا أكون سبقت إليها، ثم لم ألبث أن انصرفت إلى منزلي فألقيت خالتي، فلما رأتني قالت:
ابشر وحييت ثلاثاً تترى ... ثم ثلاثاً وثلاثاً أخرى
ثم بأخرى كي تتم عشرا ... أتاك خيرٌ، ووقيت شراً

نكحت والله حصانا زهرا ... وأنت بكر ولقيت بكرا
وافيتها بنت نفيسٍ قدرا ... بنت نبي قد أشاد ذكرا
قال عثمان: فعجبت من قولها، وقلت: ما تقولين؟ فقالت:
عثمان يا ابن أختي يا عثمان ... لك الجمال ولك البيان
هذا نبي معه البرهان ... أرسله بحقه الديان
وجاءه التنزيل والفرقان ... فاتبعه لا تحتالك الأوثان
فقلت: يا خالة، إنك لتذكرين ما قد وقع ذكره في بلدتنا فاثبتيه لي، فقالت: إن محمد بن عبد الله رسول من عند الله جاء بتنزيل الله، يدعو إلى الله، مصباحه مصباحٌ، وقوله صلاحٌ، ودينه فلاحٌ، وأمره نجاح، وقرنه نطاح، ذلت له البطاح، ما ينفع الصياح، لو وقع الذباح، وسلت الصفاح ومرت الرماح، قال: ثم قامت فانصرفت ووقع كلامها في قلبي، وجعلت أفكر فيه. وذكر بعد ذلك إسلامه وتزويجه برقية، فكان يقال: أحسن زوج رقية وعثمان فقيل فيهما: أحسن زوج رآه إنسان، رقية وزوجه عثمان.
وروى المدائني: أن قريشاً وثقيفاً اختصموا في أرض، فجعلت ثقيف أمرها إلى كدام أو كلدة، وقام لقريش عبد المطلب، فقال الثقفي لعبد المطلب: أنا فرك فأينا نفر فالمال لأصحابه، وتراضوا بسطيح، فخرجوا وخبأوا له عين جرادة، في خرزة مزادة، فساروا سبعاً، فلما أتوه قال: لقد سرتم سيراً بلغ زعزعة، ووضع حتى تدليتم النقع في آخر السبع، قالوا: صدقت. قال: إن شئتم أخبرتكم قالوا: قد شئنا. قال: طار فسطع، فصاح فضبح، وامتلأ فنضح، قالوا: زه، زهٍ، زهٍ. فقال الثقفي: احكم لأشدنا ضراباً، وأكثرنا أعتابا، وأفضلنا وطابا. فقال عبد المطلب: أحكم لأكرمنا فعالاً، وأكثرنا ضيفاناً، وأعظمنا جفاناً، قال سطيح: والسماء والأرض، وما بينهما من جدد ودحض، لعبد المطلب أولى بكل خفض ورفع، وضر ونفع.
وذكر أن بني كلاب وبني رباب من بني نضر خاصموا عبد المطلب في مال قريب من الطائف، فقال عبد المطلب: المال مالي، فسلوني أعطكم، قالوا: لا. قال: فاختاروا حاكماً. قالوا: ربيعة بن حذار الأسدي، فتراضوا به، وعقلوا مائة ناقة في الوادي وقالوا: من حكم له، فالإبل والمال له، وخرجوا، وخرج مع عبد المطلب حرب بن أمية: فلما نزلوا ربيعة، بعث إليهم بجزائر فنحرها عبد المطلب وأمر فصنع جزوراً وأطعم من أتاه، ونحر الكلابيون والنضريون ووشقوا، فقيل لربيعة في ذلك فقال: أن عبد المطلب امرؤ من ولد خزيمة فمتى يملق يصله بنو عمه، وأرسل إليهم أن اخبأوا لي خبئاً فقال عبد المطلب: خبأت كلباً اسمه سوار وفي عنقه قلادة، في خرزة مزادة، وضممتها بعين جرادة.
فقال الآخرون: قد رضينا بما خبأت، وأرسلوا إلى ربيعة، فقال: خبأتم خبيئاً حياً. قالوا: زد، قال: ذو برثنٍ أغبر، وبطن أحمر، وظهر أنمر، قالوا: قربت، قال: سما فسطع، ثم هبط فلطع، فترك الأرض بلقع. قالوا. قربت، فطبق، قال: عين جرادة، في خرزة مزادة، في عنق سوار ذي القلادة، قالوا: زهٍ زهٍ! أصبت، فاحكم لأشدنا طعاناً، وأوسعنا مكاناً. قال عبد المطلب: أحكم لأولانا بالخيرات، وأبعدنا عن السوءات، وأكرمنا أمهات. قال ربيعة: والغسق والشفق، والخلق المتفق، ما لبني كلاب وبني رباب من حق، فانصرف يا عبد المطلب على الصواب، ولك فصل الخطاب، فوهب عبد المطلب المال لحرب بن أمية.

جلس نفر من قريش فتحدثوا فقال أبو ربيعة بن المغير. ليس في قريش كرجال ابن مخزوم، منا عبد الله بن عمر بن مخزوم وفلان. فقال أسيد: إليك، بنو قصي أشرف، فتداعوا إلى المنافرة فقال أسيد. إن نافرتك أخرجتك من مالك، وإن نافرتني فلك مالي. فتراضوا بالكاهن الخزاعي فقال فقيم بن أبي همهمة، مهلاً يا ربيعة، فأتى، وخرجوا وساقوا إبلاً ينحرها المنفر، فوجدوا في طريقهم حمامة وثمامة، فأخذوها ودفعوها إلى أسامة عبد أبي همهمة فجعلها في ريش ظليم، فقالوا للكاهن: ما خبأنا؟ قال: أما وغمامة تتبعها عمامة، فوقعت بأرض تهامة، فطفا من وبلها كل طلح، لقد خبأتم لي فرخ حمامة أو أختها يمامة، في زف عمامة، مع غلامكم أسامة، وقالوا: احكم. فقال: أما ورب الواطدات الشم، والجراول السود الصم، إن أسيداً لهو الخصم، لا ينكر الفضل له في القمر، أما ورب السماء والأرض، ما لاح لناظر، لقد سبق أسيد أبا ربيعة بغير مراء. قالوا: فقضى بالفضل لمخزوم فقال: أما ورب العاديات الضبح، ما يعدل الحر بعبده مفشح، بمن أحل قومه بالأبطح، فنحر أسيد ورجعوا فأخذ مال أبي ربيعة، وكانت أخت أسيد عند أبي جهل فكلموها، فكلمت أخاها فرد ماله.
ذكر الأصمعي أن هنداً كانت عند الفاكه بن المغيرة المخزومي وكان له بيت ضيافة يغشاه الناس فيدخلونه من غير إذن ، فخلا ذلك البيت يوماً واضطجع فيه الفاكه وهند، ثم قام الفاكه فترك هنداً لأمر عرض له، فأقبل رجل ممن كان يغشى البيت فولجه فلما رأى المرأة نائمة ولى هارباً، فأبصر الفاكه، فإذا رجل قد خرج من البيت فأقبل الفاكه إلى هند فرفعها برجله وقال: من هذا الذي كان عندك؟ فقالت: ما رأيت أحداً ولا انتبهت حتى أنبهتني. فقال لها: الحقي بأبيك. قالت: أفعل، ومضت من فورها، وتكلم الناس في ذلك فقال لها أبوها: يا بنية، إن الناس قد أكثروا فيك الكلام، فأخبريني بالقصة على الصحة، فإن كان كاذباً دسست إليه من يقتله، فتنقطع القالة عنك فحلفت أيمناً بأنه لكاذب عليها، فقال عتبة للفاكه: إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم فهل لك في أن تحاكمني إلى بعض الحكام؟ فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم، وخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف، وخرج معه هنداً ونسوة معها يهدون بعض الكهنة، فلما شارفوا بلاد الكاهن، تنكرت حال هند وتغير لونها، ورأى ذلك أبوها فقال لها: يا بنية، إني أرابني ما بك، وما ذاك إلا لمكروه عنك، فهلا كان هذا من قبل أن يشهر عند الناس سرنا؟ قالت: يا أبت والله ما الذي رأيت مني لمكروه، ولكني أعلم أنكم تأتون بشراً يخطئ ويصيب، فلا آمن أن يسمني ميسماً يكون على عاراً في العرب، قال لها: فإني سأمتحنه قبل المسألة بشيء، وصفر لفرس له فأدلى ثم أخذ حبة بر فأدخلها في إحليلة ثم أوكى عليها بسير، وتركه حتى إذا وردوا على الكاهن أكرمهم وتحر لهم، فلما أكلوا قال عتبة إنا قد جئناك في أمر وقد خبأت لك خبيئاً أختبرك به فانظر ما هو فقال: تمرة في كمرة، فقال له عتبة؟ أريد أبين من هذا. قال: حبة بر، في إحليل مهر. قال: صدقت، فانظر في أمر هؤلاء النسوة. فجعل يدنو من إحداهن ويضرب كتفها ويقول: انهضي، حتى دنا من هند. فضرب على كتفها وقال: انهضي غير رسحاء ولا زانية، ولتلدن ملكاً يقال له معاوية: فوثب إليها الفاكه، فأخذ بيدها وقال لها: ارجعي إلى بيتك، فنترت يدها من يده، وقالت: إليك عني فوالله إني لأحرص أن يكون من غيرك، فتزوجها أبو سفيان فجاءت بمعاوية.

خرج خمسة نفرٍ من طيئ من ذوي الحجا والرأي، منهم برج بن مسهر ، وهو أحد المعمرين، وأنيف بن حارثة بن لأم، وعبد الله بن الحشرج أبو حاتم طيء، وعارق الشاعر ومرة بن عبد رضي، يريدون سواد بن قارب الدوسي، ليمتحنوا علمه، فلما قربوا من السراة، قالوا: ليخبأ كل رجل منكم خبيئاً، ولا يخبر به صاحبه، لنسأله عنه، فإن أصاب عرفنا علمه، وإن أخطأ ارتحلنا عنه، فخبأ كل واحد منهم خبيئاً ثم صاروا إليه، فأهدوا له إبلاً وطرفاً من طرف الحيرة، فضرب عليهم قبة، ونحر لهم، فلما مضت ثلاث دعا بهم فدخلوا عليه. فتكلم برج - وكان أسنهم - فقال: جادك السحاب، وأمرع لك الجناب، وضفت عليك النعم الرغاب، ونحن أولو الآكال والحدائق والأغيال والنعم الجفال، ونحن أصهار الأملاك، وفرسان العراك. يورى عنه أنهم من بكر بن وائل، فقال سواد: والسماء والأرض، والغمر والبرض والفرض والقرض، إنكم لأهل الهضاب الشم، والنخيل العم، والصخور الصم، من أجأ العيطاء، وسلمى ذات الرقبة السطعاء.
قالوا: إنا كذلك، وقد خبأ كل واحد منا خبيئاً لتخبره باسمه وخبيئته فقال لبرج: أقسم بالضياء والحلك، والنجوم والفلك، والشروق والدلك، لقد خبأت برثن فرخ، في إعليط مرخ، تحت آسرة الشرخ قال: ما أخطأت شيئاً، فمن أنا؟ قال: أنت برج بن مسهر، عصرة الممعر وثمال المحجر.
ثم قام أنيف بن حارثة فقال: ما خبيئ وما اسمي؟ فقال سواد: والسحاب والتراب، والأصباب والأحداب، والنعم والكثاب، لقد خبأت قطامة فسيط، وقذة مريط، في مدرة من مدى مطيط. قال: ما أخطأت شيئاً فمن أنا؟ قال أنت أنيف، قاري الضيف، ومعمل السيف، وخالط الشتاء بالصيف ثم قام عبد الله بن سعد، فقال: ما خبيئي؟ ومن أنا؟ فقال سواد: أقسم بالسوام العازب، والوقير الكارب، والمجد الراكب، والمشيح الحارب، ولقد خبأت نفاثة فنن، في قطيع قد مرن، أو أديم قد جرن. قال: ما أخطأت، فمن أنا؟ قال: أنت ابن سعد النوال، عطاؤك سجال، وشرك عضال وعمدك طوال، وبيتك لا ينال. ثم قام عارق، فقال: ما خبيئ وما اسمي؟ قال: أقسم بنفنف اللوح، والماء المسفوح، والفضاء المندوح، لقد خبأت زمعة طلاً أعفر، في زعنفة أديم أحمر، تحت حلس نضوٍ أدبر، قال: ما أخطأت شيئاً فمن أنا؟ قال: أنت عارق ذو اللسان العضب، والقلب الندب ومضاء الغرب، ومناع السرب، ومبيح النهب، ثم قام مرة فقال: ما خبيئ وما اسمي؟ فقال سواد: أقسم بالأرض والسماء، والبروج والأنواء، والظلمة والضياء لقد خبأت دمة في رمة، تحت مشيط لمة، قال، ما أخطأت. فمن أنا؟ قال: أنت مرة، السريع الكرة، البطيء الفرة، الشديد المرة، قالوا: فأخبرنا بما رأينا في طريقنا إليك، فقال: والناظر من حيث لا يرى، والسامع قبل أن يناجي، والعالم بما لا يدري، لقد عنت لكم عقاب عجزاء، في شغانيب دوحة جرداء، تحمل جدلاً، فتماريتم إما يداً وإما رجلاً، فقالوا: كذلك، ثم مه؟ قال: سنح لكم قبل طلوع الشرق، سيد أمق على ماء طرق قالوا: ثم ماذا؟ فقال: تيس أفرق، سند في أبرق، فرماه الغلام الأزرق، فأصاب بين الوابلة والمرفق قالوا: صدقت وأنت أعلم من تحمل الأرض، ثم انصرفوا فقال عارق:
ألا لله علم لا يجاري ... إلى الغايات، في جنبي سواد
وهي أبيات.

الترمذى: الطهارة، وابن ماجه: كتاب الطهارة.
المراجع

1- سنن الترمذى- الترمذى.
2- لسان العرب. ابن منظور.
3- سنن ابن ماجهء ابن ماجه.
4- الكتاب المقدس: العهد القديم، والعهد الجديد.
5- الكشاف الزمخشرى.
6- نثر الدرر، الباب السادس