نقد الفكر الديني
 
 
2011 / 11 / 24


الفكر الديني بين الانتهازية والتبرير: الديمقراطية نموذجا


قد دغدغ حسي النقدي خطاب الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في حلقة من حلقات برنامج الشريعة والحياة الذي يعرض دورياً على قناة الجزيرة، حيث يعتبر أنه الأب الروحي الأكبر لها، ومن أصحاب فكرة إنشاء القناة.
هذا الخطاب المدغدغ كان في الحلقة التي عرضت في تاريخ 23 تشرين الأول - أكتوبر 2011، وبدأ بها بالتعليق على الإنتخابات التونسية والمباركة لليبيا حيث أصبحت في ( حرية ودخلت في مرحلة الإسلامية المدنية الديمقراطية، ولا خلاف بين هذه الأشياء بعض الناس يفهم إن الإسلامية ضد الديمقراطية، لا، لا ليس هناك تناقض بين الإسلام ولا بين الديمقراطية ولا بين المدنية ) فمن الطبيعي و الغير مستغرب أن تتساءلوا معنا، ما هي هذه الديمقراطية التي يتكلم عنها القرضاوي والتي لا تختلف مع الإسلام ؟

الديمقراطية كلمة مشتقة من اليونانية، وهي مجموع كلمتين الأولى ( ديموس ) و تعني عامة الشعب أو الشعب والثانية ( كراتيا ) وتعني حكم، فتصبح حكم عامة الناس أو حكم الشعب، أي في الضرورة عندما يكون النظام ديمقراطي، يعني سلطة التشريع تكون للشعب أو من ينوب عنها ( البرلمان ) إذاً الحكم للشعب، ليس لله، وهذا يتضارب بشدة مع النظام الإسلامي والحاكمية الإلهية لأن الشعب قد يتفق على قوانين مخالفة للدين والتشريع الإسلامي مثلاً تشريع الإجهاض " هولندا " أو زواج المثليين " السويد – فرنسا – ألمانيا... " أو ترخيص محلات لبيع الخمر " في الكثير من الدول العربية ".
حتى الموافقة على حكم الشعب للشعب بالشعب " الديمقراطية " تتضارب مع ما أنزله الله في كتاب القرآن وهو الذي أخبر أن الحكم له وحده و أنه أحكم الحاكمين، ونهى عن أن يشرك معه أحد في حكمه:
( فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ) غافر - 12
( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ) التين - 8
( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) يوسف - 40 والكثير غيرها.

هذا الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي الذي يعد الأب الروحي للكثير من الجماعات الدينية التي تحولت إلى قاتلة إغتيالية، الذي مدح " القاعدة " بأنها أصبحت متطورة فقهياً في مقالته على موقعه الرسمي تحت عنوان " مناقشة هادئة لأفكار العنف في مجتمعاتنا ": ( وإن كنت لاحظت نوعاً من التطور في فقه القاعدة ظهر في المبادرة الأخيرة التي أطلقها زعيم القاعدة أسامة بن لادن في شهر نيسان - أبريل 2004 يدعو فيها الأوروبيين أن يتعهدوا بالتخلي عن أمريكا وعدم التصدّي لقتال المسلمين، وهو يتعهد لهم في مقابل ذلك ألا يتعرّض لهم بأذى لا في بلادهم ولا في سفاراتهم ولا في مصالحهم ولا في الداخل والخارج، وهذا يُعتبر نقلة مهمة في فقه زعيم القاعدة وجماعته، فقد كانوا من قبل يرون قتل اليهود والنصارى جميعاً حتى يقضوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وهم في هذه المبادرة يكفّون أيديهم عن من كفّ يده عن المسلمين، ولم يساندا أميركا في حربها على العالم الإسلامي ). فهل عند القاعدة ديمقراطية؟ وهل جماعة القاعدة يريدون غزو العالم والناس بالحب لا بالسيف، كما يدّعي فضيلة الشيخ و أستاذه حسن البنا، و المثير للسخرية أن في شعار جماعة الأخوان المسلمين يبرز " السيفان " بكل وضوح ! وكما نعلم أيضاً أن الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي هو المرجعية الفقهية الكبرى والعليا لجماعة الأخوان المسلمين الذين يدّعون " الوسطية " والمعلومات تدل على أنهم تأسسوا عام 1928 كردة فعل على إلغاء وانهيار الخلافة و تأكيدهم ( حسن البنا ) على أن إعادة الخلافة فرض وواجب على كل مسلم و مسلمة !
هذه الجماعة يعطينا عنها الدكتور عبد الرزاق عيد في كتابه ( سدنة هياكل الوهم - يوسف القرضاوي بين التسامح و الإرهاب ) في حاشية الصفحة 257 كما يلي: ( الجدير بالذكر بأن الأخوانيين الذين يدعون الوسطية لا يزالون في أكثر من تنظيم أخواني، ومنه السوري، يتم تدريسهم العقيدة الطحاوية والعقيدة الواسطية لابن تيمية، وهما ليستا مما تمّ عليه الإجماع، ولا من المذاهب الأربعة، ويسودهما التعصب وفتح باب التكفير ).
ثم يأتون هم أيضاً – الأخوان المسلمين في سوريا – ينادون بالديمقراطية و " الدولة المدنية " بعد قيام " الثورة السورية " في آذار - مارس 2011 وهذا يدل على انتهازيتهم ونفاقهم، هم وأبوهم الروحي – بديهياً – الشيخ الدكتور.

نستطيع القول الآن إن الخطاب الإنتهازي الذي عليه ضباب وعشرات من إشارة الاستفهام، هو ما يعتمدونه الإسلامويون خصيصاً في طور الإنتفاضات القائمة في المجتمعات العربية – الإسلامية.
وهنا سنتطرق لمقالة الشيخ الدكتور وعنوانها " الديمقراطية واتفاقها مع روح الإسلام " حيث من العنوان نشعر بأن هناك تخريف واستخفاف بالعقول المُخاطَبة، و يعرف الديمقراطية بعيداً عن التعريفات والمصطلحات الأكاديمية بأن ( يختار الناس من يحكمهم ويسوس أمرهم وألا يفرض عليهم حاكم يكرهونه ) حيث إن نظرنا إلى تاريخ الخلافة الإسلامية منذ عهد معاوية ابن سفيان حتى سقوطها عام 1924 ميلادي مبتلة بالدماء وبالإغتيالات وبالعنف والمؤامرات وأخذها بقوة الساعد والسيف لا بقوة الديمقراطية والتداول والإنتخابات ولا من يحزنون، بل كان أحياناً أو دائماً يدخل " الشعب " في هذا الصراع الدموي القائم بين طرفين – وهنا نذكّر بأن الدمقرطة يجب أن يعمل بها في المجتمع - القاعدة لنشر ثقافة الديمقراطية أيضاً.
ويكمل ( وأن يكون لهم - أي الشعب - حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ، وحق عزله إذا انحرف ) و يأتي باستشهاد من الأحاديث النبوية التي لم نعد نعرف الصحيح من الضعيف منها والتي وضعت على لسان النبوة - وما أكثرها - والحديث " الصحيح ": قال رسول الله: خير أئمتكم - أي حكامكم - الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنوهم ويلعنوكم ) رواه مسلم عن عوف بن مالك )، وإن سمح لنا شيخنا الديمقراطي بالكلام والتعبير عن رأينا في الموضوع واستحضار شاهد أيضاً وهو حديث " صحيح " ينسب إلى حذيفة بن اليمان: ( كيف يصنع إذا بلغ زماناً كان قلب الحاكم فيه كقلب الشيطان في أنس، فقال الرسول: تسمع و تطيع الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمه وأطع ) ولكننا نشعر بأننا ندور في حلقة مفرغة مع شيخنا الفاضل المناضل في التبرير والتماشي وتعبئة الجماهير، حتى في الواقع إن حوارنا هذا كله قد يكون حلقة مفرغة لكن الدغدغة قد أجبرت الحس النقدي على جلب المشرط وتشريح الخطاب القرضاويني لأن الذي يتأمل جوهر الديمقراطية لا ( يجد أنه من صميم الإسلام ) بل يجد إن الإسلام برئ من كلمة الديمقراطية براءة الذهب من الخشب، و العكس صحيح.

حتى الشورى يدخلها في هذه المعمعة التي تخلط ما بين الديني و الدنيوي فيقول ( لقد قرر الإسلام الشورى قاعدة من قواعد الحياة الإسلامية، وأوجب على الحاكم أن يستشير وأوجب على النصيحة لأئمة المسلمين ) وهنا يخلط الحابل بالنابل، وقد تضيع معه حيث يطرح عليك أن الشورى هي الديمقراطية، وكلنا قد تعلمنا أن الشورى تكون في الأمور المستحدثة أو النازلة وفي الشؤون التي لا يفصل فيها نص من القرآن أو السنة، أي وبطريقة مبسطة أكثر الشورى في ما أنزله الله حيث تبقى الحاكمية لله، و الشورى هم أهل العلم والأذكياء والباحثين ( أهل العقد والحل ) أما البرلمان - الذي هو من ثمار الديمقراطية وظواهرها - يكون به الأميّ الذي لا يعرف أن يقرأ أو يكتب. ثم الديمقراطية قيمة دنيوية " حكم الشعب " والشعب قد يتفق على قوانين مخالفة للتشريع الإسلامي، وقد تطرقنا لهذه الفكرة في البداية، فالشورى ليست الديمقراطية، والديمقراطية ليست الشورى، أما غير هذا، كالكلام القرضاويني، كلام باطل.

وفي الدولة المدنية التي يتحدث عنها القرضاوي ويطالب بها، هو وإخوانه المسلمين في سوريا وباقي الدول العربية الثائرة، هنا شيخنا ينقض نفسه بنفسه، وبوضح النهار, وتحت الشمس حيث الكل يرى بوضوح, فمفهوم الدولة المدنية هي أن تكون على أساس المواطنة والحرية والعدل وأن لا يكون مواطن فوق مواطن، ولا طائفة فوق طائفة، إن كانت " سنية " أو " علوية " أو " مسيحية " أو " درزية " أو حتى " بوذية " أو " زاردشتية " فكلهم سواسية, كلهم لهم حقوق وعليهم واجبات ومسؤوليات، والدستور لا يفرق دينياً ولا عرقياً ولا جنسياً ( ذكر أم أنثى )، وليس كما قال القرضاوي ( أن الدستور ينص - مع التمسك بالديمقراطية - على أن دين الدولة هو الإسلام، وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر القوانين، وهذه تأكيد لحاكمية الله، إي حاكمية شريعته، وأن له الكلمة العليا ) ثم يخرج على القنوات الفضائية ويطالب بدولة إسلامية ( مدنية ) ديمقراطية، ما هذا التوفيق؟ وما هذه الإنتهازية؟وهل كل هذه التوفيقية الإنتهازية الباطلة لإرضاء السلاطين الذين يتخذون من الديمقراطية زينة وصفة صالحة؟ هل سيستطيع الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي التوفيق بين الضدان؟ بين الزيت والماء؟ بين الشورى والبرلمان؟ بين الحاكمية الإلهية المودودية والحاكمية الشعبية؟ وهل سيقبل السلفيون والمفكر والمثقف الإسلاموي بإستيراد بضاعة غربية ( صنع في الغرب الكافر ) والعمل بها - كما هم ينادون؟
للإجابة على السؤال الأخير, الجواب هو لا, وألف لا, لن يقبلوا من حنفي إلى الجابري ثم الغزالي والحسون، ومن الخميني إلى البنا, و من كفتارو إلى القرضاوي لن يقبلوا أن يعملوا ويأكلوا ويشربوا بضاعة غربية من فسطاط الكفر، لكن بالغريزة الإنتهازية التي يملكونها الإسلامويون سيعرّفون الدولة المدنية تعريفاً يقلبها رأساً على عقب. لكن ليس هناك منفذ لتحريفها، فالدولة المدنية واضحة، لكن كما يتبين لنا أن الإسلامويون - ليس المفكرين منهم والمثقفين، بل نتكلم هنا عن الدهماء - لا يكونوا مطّلعين على الثقافة الحداثية والفلسفة وتاريخ وثقافة الأمم بمختلفها إلا قلّة منهم، فربما وعلى ما أظن أنهم سيعرّفونها على أساس إن المدنية تعني أن تكون شوارعنا فيها أبنية حديثة وأسواق لا الخيمة والمراعي، وأن يكون رئيس الدولة يلبس البدلة الحديثة لا الجلباب، وأن يحمل قلماً بدلاً من العصا " الدينية " أو البندقية " العسكرية "، المسألة شبه بسيطة، فبمجرد أن دستور الدولة ( ينص على أن دين الدولة هو الإسلام، وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر القوانين... ) فهي دولة دينية بكل بساطة, تنفي التعدد التي تقوم عليه الدولة المدنية، وأن تكثر أو لن يبقى إلا الحركات الإسلامية السياسدينية، لكن القرضاوي، وبعد الثورات التي برز بها مصطلح " الدولة المدنية " بكل وضوح، وبدون تحديد موقفها من مسألة خلط الدين في السياسة, عليه أن يبرر ويسيطر على هذا المصطلح ويأسلمه ( دولة إسلامية مدنية ديمقراطية ) ليطمئن رعيته! وليجعل من مصطلح " الدولة المدنية " حصان طروادة!

القرضاوي الذي لطالما حاول وحارب من أجل أن يبقى الشيخ الدكتور اللاإنتهازي، الواضح، والصريح عندما قال متسائلاً: ( كيف يستغل الإسلاميون الديمقراطية وهم غير مؤمنين بها، حتى يصلوا إلى الحكم فقط، وحينئذ يحكمون على غيرهم بالإعدام؟ ) وها قد أتى اليوم الذي جعله أن ينضم إلى صفوفهم، وأن يدخل نفسه في معمعة القرن من جديد.
فمن مناقشة العنف في مجتمعاته إلى دعم العنف و تطبيق الحد على العلمانيين، ومن حاكمية الله إلى الدولة المدنية، ومن الديمقراطية الوثنية إلى الديمقراطية الروح إسلامية يناقض للقرضاوي نفسه بنفسه، ومن هنا يتبين لنا أن القرضاوي إما الوجه الإعلامي الذي يبرر عنف ما أو ينكر شيء ما، وإما أن القرضاوي في وادي والحركات الإسلامية في وادي، حيث هو يقول شيء والحركات الإسلامية تفعل وتعمل بشيء، هذا يفتح باب بأن لا مجال للشك بأنهم كأي نظام مستبد قمعي إقصائي يقول و يعد بشيء ويفعل شيء معاكس آخر مناقض لقوله، وهذا يذكرنا بالمثل المصري الشعبي: ( اسمع كلامك يعجبني، أشوف فعايلك أستعجب ) والمقالة كلها تعمل على تفسير هذا المثل الشعبي.

فالديمقراطية ليست من روح الإسلام ولا من جسده ولا من تاريخه ولا من قواعده الشرعية، لا علاقة لها بالإسلام من التسامح الديني إلى العدالة، إذ هذا الديمقراطية إسلاموية مجرد فتوى قرضاوينية أزهرية أخرى.

فهل الإسلام السياسي وحركاته من جماعة إسلامي الأفغانية إلى جبهة الإنقاذ الإسلامي الجزائرية أصبح مقتنع بالتعددية والدولة المدنية والديمقراطية، وألغى الحاكمية الإلهية والجهاد ودفع الجزية وذبح " المرتدين "، هل حدث هذا التغيير الجذري فعلاً ونحن ما زلنا ننكر هذا، بل نهاجمهم وننقدهم أيضاً؟
الإنسان يخلق مع غرائزه التي لا تلغى، والرغبات التي يجب أن تُشبع والإسلاموي يلد ومعه هذه الغريزة - الرغبة الإنتهازية، ومقولة علي بلحاج الشهيرة عن الديمقراطية في يوم عرسها ومأتمها المزدوج، تُبيّن لنا أنهم يلعبون لعبة الديمقراطية ليصلوا إلى سدة الحكم ثم يبدأون القمع والفتك باسم الحاكمية الإلهية المودودية.
قد حان الوقت بأن نتخلّص من جميع ظواهر الديكتاتورية العسكرية وموضة التوريث حتى المعابد المستخدمة كلمة " الله " لممارسة التنويم المغناطيسي وغسل الأدمغة, وأسطورة الخلافة الدموية التي قامت على الدماء من عمر بن الخطاب والحبل على الجرار, من أجل البدء بدمقرطة القاعدة - المجتمع كي لا نقع في مأزق الآلية الديمقراطية " صندوق الإقتراع " فقط وتصبح ديمقراطية شيخ القبيلة أو الطائفة.

وضحت إنتهازية الإسلامويون وديمقراطيتهم, وصدق الأصوليون - وهم الذين يسيطرون على الساحة الإسلامية اليوم - عندما قالوا من تمقرط فقد تزندق.

وفي موضوع لسعيد الكحل، بعنوان: حوار مع شيخ متطرف
يكتب:
الفيزازي يرفض الديمقراطية ويكفرها ويجعلها مناقضة للدين . وهذا قوله في انتقاده للشيخ القرضاوي
(والعجب كل العجب أنّ الدكتور يقرر في مقاله " أنّ من حقنا أن نقتبس من غيرنا من الأفكار والأساليب والأنظمة ما يفيدنا.. ما دام لا يعارض نصًّا مُحكماً، ولا قاعدة شرعية ثابتة..".
فكأنّ الديمقراطية عند الشيخ في أصولها وآليتها، لا تعارض نصًّا محكماً أو قاعدة شرعية ثابتة. في حين، وعلى نحو ما قرّرنا مما لاخلاف فيه عند كل من شمّ للديمقراطية رائحة، تصطدم هذه النِّحلة مع الدين كله، عقيدة ووسيلة وغاية.) . إذا كان الأمر كذلك فلماذا يعلن الفيزازي أنه سيشارك في العملية السياسية كما في قوله (أنني سأؤسس، إن شاء الله تعالى، حزبا إسلاميا متى توفرت لي بذلك الضمانات)، وإذا لم يتمكن فقد أعلن استعداده للانضمام إلى حزب العدالة والتنمية . والعمل السياسي يقتضي أحزابا تتنافس على أصوات الناخبين ، وصوت الناخب هو شهادة . بينما الشيخ سبق وأفتى بما يلي :
(إنّ لنا ـ نحن المسلمين ـ في هذا تفصيلاً، كما يعلم كل من يعرف الإسلام.. وقد سبق القول بأنّ الإنتخاب شهادة.. وهذه نقطة اتّفاق. والشهادة للتّذكير، تقتضي تحقق شروط وانتفاء موانع.. ومن شروطها العدالة، كما سبق. ومن موانعها الفسق، كما سبق أيضاً.. علاوة على شرط آخر، لا يعلم الصدق فيه إلاّ الله تعالى، وهو أن تكون الشهادة لله (وأقيموا الشّهادةَ لله) .
(ثم نأتي إلى كلمة "واجبه الإنتخابي" في جملته السابقة.. وأقول: إنها لغة دخيلة مستوردة، إلا أنها عند التقصّي والتّحقيق، أي عند معرفة أهداف الإنتخابات الديمقراطية ومنطلقاتها ووسائلها، لا تكون غير واجبة فقط، بل يكون الأداء لها، على نحو ما قرّرنا، مُحرّماً شرعاً، بل هو يُفضي إلى الردّة والخروج عن الإسلام، في حق من أصرّ واستمرّ مع مجيء البيّنة.) . السؤال هنا ما الذي جعل الشيخ يجيز ما كان يعتبره "محرما شرعا" ويصطدم "مع الدين كله، عقيدة ووسيلة وغاية "؟هل تغير الشرع أم تغير رأي الفقيه ؟ وهل تغير رأي الفقيه لتغير فهمه وفقهه أم لتغير مصلحته ؟ فإن كانت لتغير فهمه فقد كان جاهلا لشرع الله فلا يحق له التشدق بالعلم والمشيخة ، وإن كانت لتغير مصلحة الفيزازي فهو قد صار انتهازيا نفعيا برجماتيا ينشد مصلحته حيثما وجدت . والانتهازي النفعي البرجماتي مبدؤه "الغاية تبرر الوسيلة" . فما هي غاية الفيزازي اليوم بعد ما غير موقفه من الديمقراطية؟ خدمة الإسلام أم تحقيق مصلحة خاصة ؟ أجزم أن الفيزازي عينه على كرسي البرلمان ، وجاه البرلمان ، وفخامة البرلمان ووجاهة البرلمان ، وملايين البرلمان . ولم لا والمصلحة متبادلة بين السلفيين والإسلاميين ؟؟ ولا يمكن تحقيق طموح الشيخ وتطلعاته البرلمانية إلا عبر الانتخابات . والانتخابات لا تكون إلا بالتصويت . والقوانين تسمح للبالغين سن الرشد القانونية ( وليس الشرعية كما يطالب الشيخ ) بممارسة حق التصويت الذي يعتبره الشيخ شهادة لا تقبل إلا من "راشد شرعا" وليس من كل "من هب ودب " . إذا تشبث الفيزازي بموقفه الرافض للديمقراطية ولحق التصويت فإن نعمة "التبرلمانية" ستضيع والحلم سيتبخر . لهذا ، قرر الشيخ تغليب مصلحته على مصلحة"الشرع وثوابته" . وصارت الفتوى تدور مع دوران مصلحة وطموح الشيخ . إذن ما ذنب الذين كفرهم الشيخ وسبهم ونعتهم بأخس النعوت لا لشيء سوى أنهم طالبوا بالديمقراطية والحرية والكرامة . لنفترض أن ولي الأمر صدق الفيزازي وآمن بموقفه ومنع الأحزاب وحرّم الديمقراطية وأدخل البلاد في ديكتاتورية شاملة ، من سيتحمل الوزر ؟ وماذا سيفيد من ذهبوا ضحية فتاواه التحريمية والتكفيرية إن تراجع عليها ؟ أليس تلاعبا بالدين أن يكون الشيخ في كل يوم على رأي ؟
2 ـ الفيزازي ينكر التحزب ويرفضه لأن التحزب تفتيت للأمة وتمزيق لأوصالها وتفريق دينها . كتب الشيخ الفيزازي منكرا كل تحزب ( وأقول لطلاب الحق بالمناسبة ( يقصد أعضاء جماعة العدل والإحسان) ، دونكم علماء الإسلام ودعاته ، خاصة أولئك الذين لا يساهمون في تفتيت الأمة بمزيد من التكتلات والهيئات والأحزاب .. والحذر كل الحذر من علماء السوء العاملين على هدم صرح التوحيد باسم التوحيد وطمس معالم السنة باسم السنة ، والقائمين خلف تمزيق المسلمين وتفريق دينهم وجعلهم شيعا ( كل حزب بما لديهم فرحون ) الروم 32 . .. فهي أحزاب وشيع مهما حاولنا التستر عليها بمصطلحات جميلة كالحركات الإسلامية وما شابهها ، فهذا إخواني وهذا سلفي وهذا تبليغي .. وإننا لنذوق المر من جراء هذه الانقسامات والتفيئات حتى صارت بعض هذه الجماعات يلعن بعضها ويفسق بعضها ويكفر بعضها .. والكل همه الدفاع عن عنوانه بدل دينه وتكثير سواد جماعته وتنزيه أميره إن لم أقل تقديسه)(ص 55) .ثم يتساءل ( وكم هي تلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي أمرت بالاعتصام بالكتاب والسنة ، ونهت عن التفرقة في الدين والاختلاف فيه ، فهل ندري مدى الجرم الذي نقترفه في حق أمتنا وديننا حينما نجعل من أهل القبلة أحزابا متباغضة وهيئات متعارضة ؟)(ص 55) . أين الفيزازي من كل هذه النصائح والمواقف الرافضة للتحزب والتجريح والقذف في التيارات الدينية الأخرى ؟ ألا يعد تمزيقا للأمة وتفتيتا لها أن يؤسس الفيزازي حزبا له ؟ أليس "جرما" في حق الأمة ؟ ألن يشارك في تفتيت الأمة بانضمامه إلى حزب العدالة والتنمية ؟ ألن يخالف الدين وتعاليمه وهو يختار التحزب ؟
كل مواقف الشيخ هذه تكفر التصويت والتحزب والديمقراطية ، ويدعي الفيزازي أنه يحكّم الشرع في حكمه . الإشكال هنا ليس في تغيير المواقف في حد ذاتها ، بل في تغييرها دون سابق إنذار ، أي دون تأصيل شرعي . ثانيا ، أن الفيزازي لا يترك لخصومه حقا في الاختلاف معه ، فهم إما مثله في القناعة والموقف فهم مؤمنون أو مخالفون له فهم خارج دائرة الإسلام . إنه شيخ تكفيري للجميع وعيبه أنه ينكر تطرفه وتكفيره هذا . فهو يصفي خلافه بتكفير خصومه لا بمناقشتهم .