نقد الفكر الديني
 
 
2011 / 08 / 24


 سيوف الاسلام الاربعة لغياب البرهان


أنا أقرأ في سورة براءة : يَـٰۤأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْۚ وَمَأْوَﯨـٰهُمْ جَهَنَّمُۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُو كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُو وَمَا نَقَمُوۤا إِڋ أَنْ أَغْنَـﯩـٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلاخِرَةِۚ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلارْضِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِير.

تناوشتني خواطر القهر وتناهبتني أشباح الظلام تتراقص بين الكلمات والجمل القرآنية، ورجعت خواطري فيها مما يعقل وما لا يعقل فكنت أرى بعض معانيها كالحية المعنوية تلتوي ظهرا لبطن ولا تلبث حتى تشدخ صميم وجدانك و تنقع بسمها في شغاف قلبك، وأرى بعضها الآخر فكرة متواصلة من الحزان والألم، هي أحزان وآلام تكسو الحياة بظلمة النفس الأحادية التي لا ترى في خصيمها إلا ألوان الكفر والنفاق وسوء المصير، وتلك خصيصة النفس المتعنتة في تسلطها، المتألهة في فرديتها فدأبها أبدا أن تبحث عمن تستعبده لها وتهمل ذاته فيها، ومتى كانت النفس أحادية كانت فكرتها مضاعفة لأحاديتها وكان ما يحيط بها إما لها أو ضدها، أما أواخر الآية فكأنه ذاهب بي إلى المارستان!
احترقت الصفحة في يدي فانتصبت كلماتها نارا تلفح وجهي وأدمنت النظر في الآية طويلا فانفتح لي رأي عجيب فجعلت أتأمل كيف آمن شيطاني بها زمنا، وقلت لنفسي أنا اليوم على غير ما كان عليه أسلافنا.. أنا اليوم لا أومن بالاسلام ولا أعرف ما محمد وما معجزات محمد فما حكمي بعد أن تركت دين الأجداد وأساطيرهم؟


يحدثنا تاريخ الاسلام أن محمدا بُعث بأربعة أسياف كما يرويه ابن كثير في تفسيره بزهو وافتخار عن بعض كبار الصحابة: فسيف للمشركين {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلاشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا ٱلْمُشْرِكِينَ} وسيف لكفار أهل الكتاب {قَـٰتِلُوا ٱلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلا بِٱلْيَوْمِ ٱلاخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ الذين أوتوا الكتاب} وسيف للمنافقين {جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ} وسيف للبغاة {فَقَـٰتِلُوا ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىۤءَ إِلَىٰۤ أَمْرِ ٱللَّهِۚ} وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق كما قال الطبري.


- وتلك السيوف الأربعة (نتناول هنا الثلاثة الأُول فالرابع داخل فيها بمعنى من المعاني) تتجه حدودها إلى فئات ومكونات أساسية في الجزيرة العربية كانت تقف في وجه الدعوة المحمدية وإرهابها، وتأبى التصديق والاذعان لما يدعيه محمد وكانت تطالبه دائما بالبينة على دعواه وإقامة الدليل العقلي والبرهان المادي على مزاعمه.
- فأما الفئة الأولى فسألوه قائلين:( يا محمد إنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا جئته فيما بيننا وبينك إنك قد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلاداً ولا أقل ماء، ولا أشد عيشاً منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليجري فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا فيهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخاً صدوقاً، نسلهم عما تقول أحق هو أم باطل، فإن صنعت لنا ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك رسولاً كما تقول)(انظر سيرة ابن هشام وغيره)

فهل سألوا باطلا وطلبوا محالا على نبي لو شاء لترك جبريل يطبق عليهم الأخشبين كما يدعي؟! كلا كانوا يطلبون البينة والبرهان فحسب ليؤمنوا ويتبعوا، فما كان جواب محمد لهم إلا قوله ما بهذا بعثت إنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به!)
أفبهذا الجواب البارد الذي يحسنه كل ذي دعوى يؤمن الناس لرجل يزعم أنه يأتيه جبريل بخبر السماء! ألم يستأذنه جبريل مرة أن يجمع عليهم جبال مكة؟ فلم لم يأذن له ببسط أرضهم وتوسيع رزقهم و معاشهم، ألم يكن ذلك سيكفيه ويكفيهم كثيرا من المآسي والحروب، ألم يكن حريصا عليهم راجيا هدايتهم كما يزعم؟ لكننا نعلم أن محمدا لم يكن لديه ما يقدمه دليلا على نبوته ولو صح له شيء عن الله لما توانى وهلة في إعلانها وإفحامهم بها لكن هيهات!


فلما كفروا بدعوته لعجزه عن الاتيان بالبينة على مزاعمه في النبوة -وليس لعنادهم كما توهمنا كتب اللاهوتيين- ناصبهم العداء وأقامها حربا متواصلة بينه وبينهم، سفكت فيها الدماء وسبيت النساء ويتم الأبناء، وكانت أياما نحسات شهدت فيها العرب أسوء مقاتلها وأفظعها، وأشدها وطأة وأشنعها صورة، ولعل أشهرها مذبحة القليب الجماعية ونجد خبرها فيما رواه ابن إسحاق وغيره بسنده إلى عائشة قالت:( لما أمر رسول الله بالقتلى أن يطرحوا في القليب، طرحوا فيه، إلا ما كان من أمية بن خلف، فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليحركوه، فتزابل لحمه، فأقروه، وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة فلما ألقاهم في القليب، وقف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا. قالت: فقال له أصحابه: يا رسول الله، أتنادي قوما قد جيفوا فقال لهم: لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حقا). فأين رحمة الإسلام من الشماتة بالجثث والجيف مجذوعة الأنوف مقصوفة الرقاب لا حول لها ولا قوة؟! فذلك تأويل قوله: إنما أنا رحمة مهداة؟


- وجادلته الفئة الثانية وهم أهل الكتاب قوم على دراية بعلم القدماء وأخبار الأنبياء فامتحنوه فيما يخوض فيه من قصص الرسل و الأمم الغابرة والشرائع السالفة وفاوضوه في الأمر حتى علموا دواخله ووقفوا منه على حقيقة دعواه فما آمنوا له وكاشفوا أغرار العرب بحقيقته وجاءه عامر بن صيفي أحد سادة أهل الكتاب فقال: ما هذا الدين الذي جئت به فقال محمد: جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال: فأنا عليها؛ فقال له محمد: إنك لست عليها؛ قال: بلى، قال: إنك أدخلت يا محمد في الحنيفية ما ليس منها) ابن هشام وغيره في السيرة.

فلما كثرت اعتراضاتهم وفشت في الناس مقالاتهم وبدأ من آمن يراجع نفسه، ومن استُغفل يفاوض حسه، عاد محمد ففعل بهؤلاء ما فعل بؤلائك فقاتلهم وطاردهم وشرد بهم في الأرض وأفتى بتغريبهم، وإجلائهم عن أوطانهم فأكلتهم الطرق وتفرقوا في الجزيرة العربية شذر مذر، وانتهب بعد أرضهم واسترق ذراريهم وصادر عقاراتهم ومباءاتهم، وقد عبر عمر عن ذلك في لحظة صدق مع النفس أيام خلافته حين رأى ظلم جماعة لشيخ هرم من أهل الكتاب ممن بقي في المدينة قال لهم أفنيتم شبابه أي بالجهاد والغنم وأفقرتم مشيبه أي بالجزية والغرم.


-أما الفئة الثالثة فهم المذكورون في الآية التي في صدر الكلام وهم من أطلق عليهم القرآن المنافقون وسوف يصطنع لهم الفقهاء فيما بعد لقب (الزنادقة) وهو لفظ فارسي معرب (وهو بالفارسية: زَنْدِ كِرَايْ) وهم داخلون في اسم أكبر وأجمع من أسماء الأحكام في أصول الفقه وهو المرتدون من الردة أي الرجوع عن الإسلام بعد الدخول فيه، ولما كان الإسلام يقضي بالاعدام في حق كل من ترك الإسلام دون أدنى تسامح، ويبيح دمه للمسلمين مصداقا لقول محمد فيما صح عنه:( من بدل دينه فاقتلوه) وقوله في الصحيح أيضا:( لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث ومنها كفر بعد إيمان) فإن المسلمين ابتدروا الأمر منذ زمن النبوة حين بعث النبي محمد أبا موسى إلى اليمن و أتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه قال:( إنزل، وألقى إليه وسادة، وإذا رجل عنده موثق قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء فتهود. قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله؛ فقال: اجلس. قال: نعم لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله - ثلاث مرات - فأمر به فقتل) أخرجه مسلم وغيره.


- و انطلاقا من هذا الحديث وغيره عقد الفقهاء في جميع كتب الفقه قاطبة دون استثناء بابا للردة اتفقت كلمتهم فيه على قتل المرتد قولا واحدا واختلفوا في استتابته من عدمها فقالت طائفة: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ وقال بعضهم: ساعة واحدة. وقال آخرون: يستتاب شهرا. وقال آخرون: يستتاب ثلاثا، على ما روي عن عمر وعثمان، وهو قول مالك رواه عنه ابن القاسم. وقال الحسن: يستتاب مائة مرة، وقد روي عنه أنه يقتل دون استتابة، وبه قال الشافعي فى أحد قوليه، وهو أحد قولي طاوس وعبيد بن عمير. وذكر سحنون أن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون كان يقول: يقتل المرتد ولا يستتاب،وذكر أبو يوسف عن أبى حنيفة أن المرتد يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل مكانه(أي لحينه)، إلا أن يطلب أن يؤجل، فإن طلب ذلك أجل ثلاثة أيام، والمشهور عنه وعن أصحابه أن المرتد لا يقتل حتى يستتاب. والزنديق عندهم والمرتد سواء. وقال مالك: وتقتل الزنادقة ولا يستتابون. بل إن الشطط بلغ بمالك وجمهور الفقهاء فيما نقله عنه القرطبي في تفسيره إلى الحكم بقتل عامة من بدل دينه، حتى وإن كان يهوديا وصار إلى المسيحية فإنه يقتل!! فأي تخليط هذا وأي خطل في التشريع وخبال في الرأي يتخبط فيه القوم؟! حقا إنه مقام حيرة!


هذا رجل من الناس إذا حمل أمة من الناس بالقهر والغلبة على ألا تصدق إلا به هو؛ وفي سبيل إثباته لنفسه صنع ما صنع، وشرع ما شرع، وترك الناس بعده يموج بعضهم في بعض على غير هدى يقتاتون على دوغمائيته ويتفانون في سبيل إقامة حدوده، فجاء تاريخه لا ينفي عنه الرسالة و النبوة والقداسة فحسب، بل ينفي العقل عن صاحبه وصحابته، وجاء هذا التاريخ في الإسلام ليتكلم يوما عن حقيقة الإسلام نفسه وصفاته.