نقد الفكر الديني
 
 
2011 / 09 / 24


 اقدم نسخ القرآن


مستلة من ترجمتنا لكتاب آرثر جفري، " مواد من أجل تاريخ القرآن النصّي ".

التطوّر الأوّلي للنصّ المكتوب:

حين كُتب القرآن للمرّة الأولى، لم تجر أية محاولة للتمييز بين الأحرف الساكنة التي تستخدم الرمز ذاته في النص القرآني ( مثلاً، الأحرف: ج ح خ؛ س ش؛ ص ض؛ ع غ؛ ف ق... ). كما لم يكن ثمة حركات صوتيّة تحدّد اللفظ على نحو صحيح. وأساساً لم يستخدم غير سبعة عشر حرفاً ساكناً. وقد عرفنا أن إضافة الحركات والعلامات التمييزيّة إلى النص القرآني لم تجر إلاّ في زمن متأخر.

لكن تطوّرات كهذه لا تساعدنا إلا على نحو جزئي في تحديد الأصل المرجح لمخطوط بعينه. والغالبيّة العظمى من المخطوطات الأولى لا تحمل أي ذكر لتاريخ كتابتها أو مكانها الأصلي. نتيجة لما سبق، يبدو من شبه المستحيل تقديم توصيف دقيق لما بين أيدينا من نصوص قديمة، أو حتى تحديد أية نسخة قرآن بينها هي الأقدم.

يُفترض اليوم أن بعض النسخ القرآنيّة قديمة للغاية؛ كونها لا تتضمّن تنقيطات صوتيّة أو حركات تمييزيّة. لكن هذا لا يعني أنها قديمة جدّاً لأنه من المتعارف عليه عموماً أنه حتى بعد استعمال هذه الحركات، حافظ بعض الخطّاطين على تجاهلهم العمدي لهذه العلامات في محاولة منهم لإضفاء نوع من الجماليّة على النص. نذكر من ذلك، على سبيل المثال، النص القرآني الذي يعود إلى مدينة القيروان التونسيّة، والذي كان قد كتب أصلاً عند نهاية القرن التاسع أو بداية القرن العاشر ( 300 سنة تقريباً بعد وفاة النبي محمد ). لقد كان استخدام العلامات في تلك الفترة منشراً بالفعل؛ لكن خطاطنا اختار أن يتجاهلها هنا عن سابق قصد وتصميم.

إن المفتاح الأفضل لفهم الأصل المحتمل لأية مخطوطة، إذا كانت واضحة القدم، هو الخط. فقد استُخدم كم من خطوط مختلفة في الأيام الأولى لتدوين القرآن وتناقله؛ كما أن هذه الخطوط مرّت هي أيضاً بمراحل تطوّر مختلفة.

لا نمتلك معرفة بوجود خط من زمن ما قبل الإسلام غير الجزم Jazm. لكننا لا نعرف أيضاً عن وجود موثق لأي نص قرآني أو كسرة من نصّ قرآني بهذا الخط؛ مع أن هنالك بعض النصوص التي يمكن إرجاعها إلى زمن البداية الأولى بالذات، والتي لا يمكن أن نحدد بدقة نوعية الخط المستعمل فيها.

باستثناء بعض الكسرات التي يتضح للعيان أنها تعود إلى زمن قديم، لكن تأريخها على نحو دقيق وموثّق غير ممكن، يظهر أن ما من مخطوطة قرآنيّة من التي بين أيدينا اليوم، سواء كنصّ كامل أو ككسرات كثيرة، يمكن أن ترجع إلى ما قبل القرن الهجري الثاني، أي بعد وفاة النبي محمد بنحو من مئة سنة تقريباً. والواقع أن كل هذه النصوص التي بين أيدينا اليوم مكتوبة إما بالخط الكوفي أو بغيره من الخطوط التي يعرف الجميع بأنها ظهرت في الحقبة التي تلن جمع النصّ القرآني.

الكوفي، المشق، وخطوط القرآن الأخرى:

كما سبق وأشرنا، فبعد وفاة محمد بزمن قصير، ظهرت مجموعة من النصوص القرآنيّة المكتوبة التي أمر عثمان بإتلافها عدا واحدة. وعن هذه النسخة " العثمانيّة "، صُنعت كل النسخ اللاحقة؛ وراح بالتالي عدد المخطوطات المدونة إلى ازدياد.

في الحجاز، خاصة في مديني مكة والمدينة، ظهرت ثلاثة أشكال مختلفة للخط. وكان أحد تلك الأشكال الخط المعروف بالمائل. استمرّ هذا الشكل للخط نحو قرنين من الزمان قبل أن يلغى استعماله؛ من هنا، يتضح لنا بجلاء أن كل النسخ التي تحمل شكله لا بد أن تكون قديمة. لا يستخدم هذا الشكل للخط علامات صوتيّة ولا نقطاً تمييزيّة، كذلك لا يوجد فيه أي ترقيم للآيات أو ترويسات للفصول. مع ذلك، لا يوجد من الخط المائل غير نماذج قليلة، أشهرها مخطوطة يعرضها المتحف البريطاني على العامة من حين لآخر.

الخط القديم الآخر الذي نشأ في المدينة هو " المشق "، وهو الأنموذج " المتمدّد "، الذي استخدم قروناً عديدة ومرّ بسلسلة طويلة من التطوير والتحسين. وراح خط المشقّ المطوّر يشبه بقوّة تدريجياً الخط الكوفي.

الخط الثالث هو النسخ، أي خطّ " النسّاخ ". لقد أخذ هذا الشكل للخط بعض الوقت كي يحوز على الشعبيّة، وما أن حاز على الشعبيّة حتى حلّ إلى درجة كبيرة محلّ الخط الكوفي؛ ليصبح أخيراً الخط المعياري لمعظم النصوص القرآنيّة من القرن الحادي عشر وما بعد. وخط النسخ هو الخط المستخدم عمليّاً في كلّ نسخ القرآن المطبوعة اليوم.

الخط الكوفي هو أكثر خط يهم دارسي مخطوطات القرآن الأولى. وهذا الخط يأخذ اسمه من الكوفة حيث نالت نسخة ابن مسعود للقرآن حظوة كبيرة حتى أمر عثمان بإحراق المصاحف. وقد ظل هذا الخط مسيطراً ثلاثة قرون بوصفه الخط المرغوب به لكتابة القرآن حتى حل محلّه النسخ إلى درجة غير عاديّة. ولم يبلغ الخط الكوفي كماله إلا في القرن الثامن، أي بعد وفاة محمد بنحو من مئة وخمسين عاماً تقريباً.

ما تزال بين أيدينا حتى اليوم كميّة كبيرة من المخطوطات القرآنيّة أو صفحات مفردة من القرآن مكتوبة بالخط الكوفي، ترجع في معظمها إلى نهاية القرن الثامن أو بداية القرن الحادي عشر. لكننا لا نعرف بوجود قرآن مكتوب بالخط الكوفي في مكّة أو المدينة في الأيام الأولى بالذات، حين كان الخطّان المائل والمشق الأكثر انتظاماً في الاستعمال في المخطوطات القرآنيّة، بل لا توجد نصوص كوفيّة من تلك الحقبة الأولى يمكن للعلماء عزوها إلى مكة أو المدينة. مع ذلك يمكن القول، إنه حتى النسخ القرآنيّة المكتوبة بالخط الكوفي والتي وصلت إلينا، فإنها تفتقد الإشارات التي تعطينا زمن نسخها أو مكانه أو حتى اسم الخطاط، إلى درجة يبدو معها أنه من المستحيل تحديد زمنها أو مكان ظهورها بأية درجة من الموثوقيّة.

دراسة نسختي طوبقابي وسمرقند:

ثمة سؤال يطرح نفسه هنا، مفاده ما إذا كان أي من النصوص القرآنيّة التي اختطّها عثمان ما يزال موجوداً حتى اليوم. وغالباً ما يزعم الكتّاب المسلمون أنّ المخطوطات العثمانيّة ما تزال موجودة. والبروفسور برغشتراسر، أحد المساهمين في كتاب نولدكه، " تاريخ القرآن "، أن نحواً من عشرين مرجعاً في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي تزعم أنها ليس فقط تمتلك النسخ التي أمر بتدوينها بل أيضاً النص الأصلي للخليفة ذاته.

في الكتابات الإسلاميّة المعاصرة اليوم، نجد قاعدة تقول إنه لا يوجد غير نسختين فقط من المخطوطات القرآنيّة الأولى التي يُزعم أنها منقولة عن مصحف عثمان فعليّاً أو أنها نسخت عنه تحت إشرافه دون ريب. الأولى هي نسخة سمرقند، التي يقال إنها محفوظة اليوم في متحف في طشقند الأوزبكيّة؛ والأخرى مخطوطة قرآنيّة قديمة معروضة للجمهور في متحف طوبقابي في اسطنبول.

يقال إن المخطوطة الأولى وصلت إلى سمرقند للمرّة الأولى عام 1485 م تقريباً، وظلّت هناك حتى عام 1868. بعدها نُقلت إلى سان بطرسبرغ؛ وعام 1905 استنسخ منها Pissaref خمسين نسخة طبق الأصل حمّلها عنوان Coran Coufiqe de Samarqand؛ وأرسلت النسخ من ثم إلى أشخاص مهتمين بالمسألة. ويقال إن المخطوط الأصلي أعيد عام 1917 إلى طشقند حيث هو الآن.

يبدو أن المخطوط غير متكامل إلى حد كبير. فهو يبدأ بالآية السابعة من سورة البقرة. وبعد ذلك نتفاجأ أن صفحات كثيرة مفقودة من المخطوط. أمّا القسم الأخير من هذا النص القرآني، أي من الآية 10:43، فمفقود من المخطوط بالكامل.

من الواضح أن المخطوط قديم: فهو لا يتضمّن أي نوع من الحركات، مع أنه في حالات قليلة أضيفت علامات تمييزيّة إلى الحروف ذات الصلة. ثمة دليل على أن الحرف ذاته ليس من أصل عثماني. بل من الواضح أنه مكتوب بالخط الكوفي؛ والباحث الموضوعي بحاجة إلى كثير من الإثباتات كي يصل إلى قناعة بأن مخطوطاً قرآنيّاً جرت كتابته في المدينة في زمن أولي، كزمن عثمان، يمكن أن يكتب بمثل هذا الخط. وقد سبق وقلنا أن إن نصوص القرآن في المدينة كانت تكتب بالخط المائل أو المشق قبل أن يسيطر الخط الكوفي، بعد ذلك بعقود، على كلّ النصوص في أرجاء العالم الإسلامي كافّة.على أية حال، فالخط الكوفي لم يصل إلى سويّة الاستخدام النظامي في الكوفة وفي كافة أرجاء القطر العراقي إلا بعد وفاة عثمان بأجيال. بل إن خط مخطوط سمرقند لا يمكن اعتباره نظاميّاً إلى درجة كبيرة. واعتقادنا أن لدينا هنا نصّاً مركباً، مكوّناً من أجزاء تعود إلى مخطوطات متباينة.

يصل الباحث آ. شيبونين، في مقالة له نشرت في مجلة روسيّة عام 1891، إلى نتيجة مفادها أن المخطوط يرجع إلى القرن الثامن وأن مصدرها هو العراق. يمكن أن يكون هذا المخطوط من نهاية القرن الثامن بالفعل، بل ريما يكون واحداً من أهم ما بين أيدينا من مخطوطات قديمة؛ لكن ما من سبب معقول يبرر اعتقادنا بأنه من أصل عثماني.

بالمقابل، بالنسبة لنسخة متحف طوبقابي، فنكرّر ثانية أن نظرة واحدة إلى هذا المخطوط تكفي للإطاحة بأية احتمالية بأن تكون من أصل عثماني، بسبب الخط الكوفي المستخدم فيها. لكن كونها مكتوبة على الجلد وخالية من أي تحريك، فذلك يوحي أيضاً بأن هذا المخطوط واحد من أقدم مخطوطات القرآن التي بين أيدينا. كذلك فالزخرفة الملحقة بالمخطوط توحي بالطريقة ذاتها أنه يرجع إلى عصر قديم ( موجودة أيضاً في نص سمرقند ).

لا يحتاج المرء إلاّ إلى المقارنة بين النسختين حتى يتأكّد بأن الإثنتين على حدّ سواء ليستا من أصل عثماني. تحتوي كل صفحة من مخطوط اسطنبول 18 سطراً؛ وتحتوي كل صفحة من مخطوط سمرقند ما بين 8 إلى 12 سطراً. مخطوط اسطنبول مكتوب كلّه بأسلوب نظامي للغاية، فالكلمات والأسطر ترسم على الدوام بتناسق واضح، في حين أن مخطوط سمرقند مدوّن على نحو عشوائي، وغالباً جدّاً ما يكون مشوّه. من هنا لا يمكن الظن بأن المخطوطين نتاج ليراع الكتّاب ذاتهم. ( فكما أشرنا من قبل، يوحي مخطوط سمرقند بأن عدداً من الكتّاب، لا كاتب واحد، شاركوا في تدوينه).

هنالك من يزعم بأن المخطوطين على حد سواء كانا النسخة التي يقرأ عثمان فيها حين اغتياله. بل يُعتقد أن كلاً منهما يتضمن دماً حقيقيّاً من الخليفة ذاته بهدف إثبات الواقعة.

لا جدل بأن هذين المخطوطين من أقدم ما بين أيدينا من مخطوطات قرآنيّة، لكن لا يمكن أن يكونا من حقبة قبل القرن الهجري الثاني. ولا بدّ بالتالي من الوصول إلى نتيجة مفادها أن ما من مخطوط غيرهما من فترة أكثر قدماً. إذن، إن أقدم ما وصل إلينا من مخطوطات قرآنيّة إنما يعود تاريخها إلى حقبة ليست قبل مضي مئة سنة على وفاة النبي المؤسّس.

ترجمة نبيل فياض