نقد الفكر الديني
 
 
2011 / 01 / 24


 ماأخذه الاسلام من الحنيفية


يكتب عزت اندراوس
(1) مدح القرآن للحنفاء
جاء في سورة النساء 4: 125 وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَا تَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَا تَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً . وجاء في سورة آل عمران 3: 95 قُلْ صَدَقَ اللهُ فَا تَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ . وجاء في سورة الأنعام 6: 161 قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً . وكلمة حنيف في اللغة العبرية والسريانية تعني نجساً أو مرتداً وُصِم بها العرب الذين هجروا عبادة الأصنام وارتدوا عن دين أسلافهم. وكان هؤلاء الزاهدون في آلهة العرب هم الذين أضاءوا الأفق لمحمد فنقل آراءهم واتخذها مبدأ لدينه كما هو منطوق الأقوال القرآنية الواردة عنهم.

(2) نشأة الحنفاء قبل الاسلام
جاء في كتاب السيرة لابن هشام: قال ابن إسحاق، اجتمعت قريش يوماً في عيدٍ لهم عن صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه ويخرّون له ويعكفون عنده ويديرون به. وكان ذلك عيدالهم في كل سنة يوماً. فخلص منهم أربعة نفرٍ نجياً. قال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، قالوا: أجل. وهم: ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى بن قُصي بن كِلاب بن مرة بن كعب بن لؤي. وعبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صيرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دوران بن أسد بن خزيمة. وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب. وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي. وزيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزّى بن عبد الله بن قرط بن رباح بن رزاح بن عدّي بن كعب بن لؤي. وقال بعضهم لبعض: تعلمون والله ما قومكم على شيء. لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم. ما حجر نطيّف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع. يا قوم التمسوالأنفسكم فإنكم والله ما أنتم على شيء. فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحقيقة.

(3) حنفاء قبل الاسلام
فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية واتبع الكتب من أهلها حتى علم علماً من أهل الكتاب. وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة مع امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة. فلما قدم الحبشة تنصر وفارق الإسلام ومات نصرانياً. وأرسل محمد وتزوج أرملته أم حبيبة. وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم فتنصر وحسنت منزلته عنده. وأما زيد بن عمرو فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية، وفارق دين قومه فاعتزل الأوثان، ونهى عن قتل الموؤودة، وقال: أعبد رب إبراهيم. ونادى قومه بعيب ما هم عليه. وكان يجهر في الكعبة بمبادئه، فطرده عمه خطاب من مكة وألزمه أن يقيم على جبل حراء أمام تلك المدينة. ولم يأذن له بالدخول إلى مكة.
وكان محمد يذهب إلى جبل حراء ويصرف هناك شهراً كل سنة حيث طبع زيد (الى جانب نوفل بن وريقة) على محمد في ذلك الغار أكبر أثر في أفكاره وتوجيهه.

(4) أقوال زيد بن عمرو واثرها في القرآن
قال زيد بن عمرو في فراق دين قومه:
أربّاً واحداً أم ألف ربّ * أدين إذا تقسمت الأمور * عزلتُ اللاّت والعزَّى جميعاً * كذلك يفعل الجَلِد الصبور * فلا عزّى أدينُ ولا ابنَتَيْها ننت * ولا صنمَيْ بني عمْرو أزور * ولا هُبلاً أدين وكان رباً * لنا في الدهر إذ حلمي يسير * عجبت وفي الليالي معجبات * وفي الأيام يعرفها البصير * بأن الله قد أفنى رجالاً * كثيراً كان شأنهمُ الفجور * وأبقى آخرين ببر قوم * فيربل منهم الطفل الصغير * وبينا المرء يفتر ثاب يوماً * كما يتروَّح الغصن المطير * ولكن أعبد الرحمن ربي * ليغفر ذنبيَ الربُّ الغفور * فتقوى الله ربكم احفظوها * متى ما تحفظوهالا تبور * ترى الأبرار دارهم جنان * وللكفّار حامية سعير * وخزي في الحياة وإن يموتوا * يلاقوا ما تضيق به الصدور
سيرة ابن هشام فصل شعر زيد في فراق الوثنية، ص 76-77

فهذه القصيدة العامرة تبيّن مبادئ الحنفاء التي تأثر بها محمد وجعلها من مقوّمات دينه. فقصيدة زيد بن عمرو قبل الإسلام تعلن المبادئ الآتية:
1 - رفض عبادة الأوثان
2 - الإقرار بوحدانية الله
3 - الوعد بالجنة
4 - الوعيد بالعذاب في سعير جهنم 
5  - أسماء الله: الرحمن، الرب، الغفور
6- المناداة بدين إبراهيم
كما نرى فالحنيفية كان الاسم الذي اطلقه اصحاب الكتاب على من هم بلا كتاب، غير ان العرب تعاملوا مع الاسم الاجنبي على انه صفة حميدة لكونها صفة لابراهيم ايضا وهو اب اهل الكتاب وجد الانبياء. والقرآن وضع الحنيفية كتعبير مساويا للاسلام وبالتالي بدل المعنى اللغوي لها، وكان الامر سهلا لان الكلمة لم تكن عربية اصلا. ويبقى ان ابراهيم لم يكن يملك شريعة اصلا. ولكن عندما وصف القرآن ابراهيم انه حنيفا مسلما ( 3/67) غير ان ذلك يتعارض منطقيا مع نصوص قرآنية لاحقة تشير الى ان محمد هو اول المسلمين. ه39/12أمرت ان اكون أول المسلمين 6/14وأنى أمرت أن أكون أول من أسلم 6/163وأمرت وأنا أول المسلمين" فهل هذه الأولية أوليه زمنية ام تتطلب تتدخل العقل البشري لتصحيح منطقها بالتأويل التخيلي؟

ويظن الكثيرين اليوم ان الحنيفية كانت دين تعبدي غير ان الحنيفية لم تمارس من طقوس العبادة غير الحج في حين ان العبادة وصلت الى محمد من القس ورقة بن نوفل وعبد المطلب وعثمان بن حويرث وعبيد الله بن جحش وأبى أمية بن مغيرة(السيرة الحلبية1/260) وكلهم كانوا نصارى وعلى الاغلب محمد نفسه
والعبادة الأبيونية التى هى اليهودية المتنصرة (أطلق الأسلام عليه فيما بعد أسم التحنف) ومنهاالصيام شهراً كاملاً فى السنة وإطعام الجياع ومساعدة الفقراء والبعد عن الناس والأنقطاع إلى الله والتفكر فيه(الأصفهانى فى الأغانى3/113)والتأمل
ومنها ايضا إعتزال عيادة الأوثان والأمتناع عن أكل الذبائح المقدمة للأوثان وقرائة التوراة والأنجيل والتأمل فى قصصها وأخبارها (طبقات أبن سعد1/85)
والأخذ بالختان والحج إلى البيت والغسل من الجنابة وتحريم الخمرة وما أهل لغير الله(ليان العرب10/402..الكشاف1/178..الطبرسى1/467-3/109..تفسيرالرازى13/57-14/10-7/171..تاج العروس6/77لفظة حنف.. القرطبى4/109.. القاموس3/130..أبن خلدون2/707

لا توجد فى توراة والإنجيل كلمة واحدة تشير إلى مكة والكعبة ولا للطواف ولا للحجر الأسود ولا للإحرام التى مارستها الحنيفية ومن بعده الأسلام ولا شك أن هذه العادات المرتبطة والمتعلقة بعبادة الأصنام والأنصاب والله إله القمر ولا علاقة لهذه العبادات الوثنية بإله إبراهيم او حتى بإبراهيم فهو لم يذهب إلى العربية، على العكس مما هو شائع انه من بنى الكعبة
أبراهيم لم تتطأ رجله أرض العرب ولم يعرف شيئاً أسمه الكعبة أو بنى البيت فقد خرج من أور الكلدانيين وأقام فى حاران وتغرب فى أرض كنعان ثم إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة ثم إلى الجبل شرقى بيت ايل وبين بيت أيل وقرية عاى بنى مذبح للرب ودعا بأسم الرب ثم توجه إلى أرض مصر ورجع إلى المذبح وسكن أرض كنعان ثانية ولم يذهب إلى العربية ابدا ولم يحتاج الى ذلك.

  الإسلام دعوة نصرانية :: الحنيفية من هم ..؟

لفظ "حنف " عرفتها اللغات التي كانت سائدة في تلك المنطقة آنذاك (وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن اللفظة من أصل عبراني هو " تحنيوث" أو من " حنف " ومعناها " التحنث " في العربية )

وكما يقول الراغب الأصفهاني في كتابه(المفردات في غريب القرآن ، ص 133) :" الحنف هو الميل عن الضلال إلى الاستقامة ،وتحنف فلان أى تحرى طريق الاستقامة ، وسمت العرب كل من حج أو إختتن حنيفاً.تنبيهاً إلى أنه على دين إبراهيم ".
ويذهب الألوسى في كتابه ( بلوغ الإرب في معرفة أحوال العرب .. ج2 ، ص 225) إلى أن الصابئة هم قوم النبي إبراهيم وأهل دعوته ، مما دفع بعض العلماء إلى حسبان الحنفاء صنفاً من الصابئة ، وبالتحديد - الصنف المؤمن أو من بقى على الإيمان منهم وكان منهم بالجزيرة العربية نفر غير قليل . إلا أننا لا نرى ذلك ، وقد سبق و بينا ذلك ، وهنا سنزيده إيضاحاً. والطريقة الغالبة على الحنفاء هي التوحيد والزهد . والحنفاء لم يكونوا مشتتين لا يجمعهم رابطة ، ولم يكونوا جماعة دينية بالمعنى الحصرى ، بل كانت تربطهم بعض العادات وتميز دعوتهم .

ومما كان يجمعهم أيضاً كفرهم بشرك قومهم ، وسخريتهم من أصنامهم وذبائحهم ، ثم دعوتهم إلى التوحيد التي تحملوا في سبيلها صنوفاً من الإهانات ، مما حمل أكثرهم وهم في الغالب من مكة وأطرافها ، على الفرار من بلدتهم إلى أطرافها المنعزلة الآمنة ليكونوا في أمان من إيذاء قومهم لهم (راجع في ذلك ، " المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ل د جواد علي - ج 5 ص 399.

كان يفصل بين الحكماء الموحدين - وهم ما سنتناولهم فيما بعد - والحنفاء ، أن الأولين كانوا عائشين مندمجين في مجتمعهم ، فيما الحنفاء المضطهدين كانوا منعزلين يميلون إلى الزهد ، والاقتداء برهبان النصارى ونساكهم .

كان الحنفاء من كل القبائل في كل أجزاء الجزيرة العربية ، ولكن إستقلوا خاصة في الحجاز ومكة. قد عد الأخباريون في زمرة الحنفاء :
قس بن ساعدة الإيادى ، وزيد بن عمرو إبن النفيل ، وأمية إبن أبى الصلت ، وأرباب بن رئاب ، وسويد بن عامر المصطلقى ، وأسعد أبو كرب الحميى ، ووكيع بن سلمة سيف بن ذى يزن اليمنى ، وورقة بن نوفل القرشى ، وعامر بن ظرب العدوانى ، وعبد الطابخة بن ثعلب بن وبرة بن قضاعة ، وعلاف بن شهاب التميمى ، والملتمس بن أمية الكنانى ، وزهير بن أبى سلمى ، وخالد بن سنان بن غيث العبيسى ، وعبد الله القضاعى ، وعبيد بن أبرص الأسدى ، وكعب بن لؤى بن غالب القرشى !

كان الحنفاء ، بسبب نزعتهم التوحيدية المستقلة يدخلون في النصرانية ثم من بعد في الإسلام ! وقد يعود بعضهم إلى توحيدهم المستقل الحنفى ، بدون حرج ، لوحدة التوحيد بين الحركات الثلاث

ومن الحنفاء من تنصر ، وبقى على نصرا نيته ، فيجب إخراجه من زمرتهم مثل :
عدى بن زيد ، وأرباب بن رئاب ، والقرشيين الثلاثة الذين إحتضنوا محمداً يوم مبعثه : ورقة بن نوفل وعبد الله بن جحش ، وعثمان بن الحويرث .

ودعوة الحنفاء إلى التوحيد كانت أحياناً بالحكمة والموعظة الحسنة ، كما فعل أمية بن أبى الصلت، من ثقيف في الطائف ، الذي نافس محمداً في دعوته إبان عهدها المكي . وأحياناً كانت بالحديد الذي فيه بأس شديد " مثل سيف بن ذي يزن ، الذي أستنصر كسرى ، والنعمان إبن صيفى الراهب الذي أستنصر قيصراً  : ومما يلفت النظر أن قبيلة قريش ضمت عدداً من " الأحناف " ،
و يؤكد بعض الإخباريين أن " الحنيفية " بدأت فيها مبكرة مع " قصى بن كلاب " الجد الأكبر لمحمد مؤسس دولة قريش في يثرب .

ويقول الشهرستانى عنه :
" وكان قصى بن كلاب ينهى عن عبادة غير الله تعالى من الأصنام وهو القائل أرباً واحدا أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزى جميعاً كذلك يفعل الرجل البصير !
ويطلق عليه الدكتور سيد محمود القمنى - في كتابه " الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية " - لقب أستاذ الحنيفية وزعيمها! وإن كان لنا تحفظ على هذا الرأي ذو النظرة السياسية للتاريخ الإسلامي ، لأنها تقر حقائق مبنية على فروض أولية ، إلا أنها غير مرفوضة على كل حال وعلى الجانب الأخر " الأستاذ يوسف الدرة حداد " ذو القراءة الدينية للتاريخ الإسلامي جاعلاً من التوراة والإنجيل أساس واعي للعرب في حياتهم ، حتى أنه في معرض كلامه عن الحنيفية يقول : " إنها - الحنيفية - تعريب للتوحيد الكتابي (من التوراة والنبيين إلى الحكمة إلى الزبور إلى الإنجيل ) على ما كانت تقتضيه بيئة الحجاز البدائية.

ونحن في بحثنا هذا ،نرى أنه يخرج عن نطاقه الكشف عن مكان نشأتها ، ونقطة انطلاقها ، فسواء انبثقت في اليمن باعتبارها ديانة توحيدية ( ثم إمتد دين الوحدانية المجردة ، كما أمتد التوحيد المتجسد إلى قلب الجزيرة العربية لتوصيل المسيرة ، مسيرة خلق الدولة الموحدة لعموم المنطقة العربية) ويميل إلى هذا الرأي " عز الدين كشار " في كتابه "اليمن دين ودنيا " ، مستدلاً على ذلك بكثرة " الحنفاء اليمنيين " من أمثال ( قس بن ساعدة الأيادي ، وأرباب بن رئاب ، وأسعد أبو يكرب الحميرى ، ووكيع بن زهرة الأيادي .. وسيف بن زي يزن ، وخالد بن سنان بن غيث العبسى ، وعبد الله القضاعى ، وعلاف بن شهاب التميمى ... وقيس بن عاصم بن تميم ... وعفيف بن معد ى كرب من كندة ....... وغيرهم من الأسماء التي يبدو أنها يمنية الأصل ، كذلك ما هو معروف من أهل الجنوب قد عرفوا التوحيد ولو بصورة أولية قبل عرب الشمال التي تذكر في هذا الشأن ذو سموى ، والمقة التي يرجع بعض الباحثين أن أسم مكة هو تحوير لها . أو أن الحنيفية قد نشأت في اليمامة ، وهى إحدى المناطق المتحضرة والمتقدمة نسبياً في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وإنتشرت في غربي الجزيرة العربية . نقول سواء كان هذا أم ذلك فإن الثابت تاريخياً أنها كانت منتشرة في أنحاء عديدة من جزيرة العرب ، ولو أننا نؤيد الباحثين اليمانيين في أن بدايتها كانت في اليمن . (قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية / خليل عبد الكريم)

نقل ابن هشام المتوفى في سنة 213 هـ في كتابه المسمى (سيرة الرسول) وهو على أجزاء كثيرة. فاعتمادنا في نقل أخبار الحُنفاء هو على كتاب (السيرة) لابن هشام، وقد ورد فيه:
(قال ابن إسحاق: واجتمعت قريش يوماً في عيدٍ لهم عند صنم من أصنامهم كانوا يعظّمونه وينحرون له ويعكفون عنده ويديرون به. وكان ذلك عيداً لهم، في كل سنة يوماً. فخلص منهم أربعةُ نفرٍ نجياً. ثم قال بعضهم لبعضٍ: تصادقوا، وليكتم بعضكم على بعض. قالوا: أجَل. وهم: ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزّى بن قصي بن كلاب بن مِرّة بن كعب بن لؤي؛ وعبيد الله بن جحش بن رئاب بن عامر بن صيرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، وكانت أمُّه أميمة بنت عبد المطلب؛ وعثمان بن الحويرث بن عبد العزى بن قصي؛ وزيد بن عمرو بن نُفيل بن عبد العُزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عُدي بن كعب بن لؤي. فقال بعضهم لبعض: »تعلموا واللهِ ما قومكم على شيء. لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم. ما حجر نطيِّف به، لا يسمع ولا يبصر ولا يضرُّ ولا ينفع؟ يا قوم، التمسوا لأنفسكم فإنكم واللهِ ما أنتم على شيء«. فتفرَّقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم. فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية واتَّبع الكتب من أهلها حتى علم علماً من أهل الكتاب. وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة. فلما قَدِمَها تنصَّر وفارق الإسلام حتى هلك هنالك نصرانياً. قال ابن إسحق: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: كان عبيد الله بن جحش حين تنصَّر يمر بأصحاب رسول الله، وهم هنالك من أرض الحبشة، فيقول: »فقحنا وصأصأتم« (أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد، لأن الكلب الوليد إذا أراد أن يفتح عينيه لينظر صأصأ لينظر. وقوله فقح عينيه تعني فتح عينيه). قال ابن إسحق: »وخلف رسول الله بعده على امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب« (أي تزوج بها بعده). قال ابن إسحق: وحدثني محمد بن علي بن حسين أن رسول الله بعث فيها إلى النجاشي عمرو بن الضمري فخطبها عليه النجاشي فزوَّجه إياها، وأصدقها عن الرسول أربعمائة دينار، فقال محمد بن علي عبد الملك بن مروان »وقف صداق النساء على أربعمائة دينار، إلا عن ذلك«. وكان الذي أملكها للنبي خالد بن سعيد بن العاص. قال ابن إسحق: »وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم فتنصَّر وحسُنت منزلته عنده«. قال ابن هشام: »ولعثمان بن الحويرث عند قيصر حديث يمنعني من ذكره ما ذكرت في حديث الفجار«.

قال ابن إسحق: »وأما زيد بن عمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية. وفارق دين قومه فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تُذبح على الأوثان، ونهى عن قتل الموؤودة، وقال: أعبد رب إبراهيم. وبادى قومه بعيب ما هم عليه«. قال ابن إسحق: »وحدثني هشام بن عروة عن أبيه عن أمه أسماء بنت أبي بكر (رضي الله عنهما) قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخاً كبيراً مسنداً ظهره إلى الكعبة وهو يقول: يا معشر قريش، والذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري. ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك لعَبَدْتُك به، ولكني لا أعلمه. ثم يسجد على راحته«.

قال ابن إسحق: »وحدثت أن ابنة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعمر بن الخطاب وهو ابن عمه قالا لرسول الله: »استغفِر لزيد بن عمرو« قال: »نعم، فإنه يُبعث أمة وحده«.
قال زيد بن عمرو بن نفيل في فراق دين قومه، وما كان لقي منهم في ذلك:
أرباً واحداً أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعاً كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا عزى أدين ولا ابنتيها ولا صنمَي بني عمرو أزور
ولا غنماً أدين وكان رباً لنا في الدهر إذ حلمي يسير
عجبت وفي الليالي معجبات وفي الأيام يعرفها البصير
بأن الله قد أفنى رجالاً كثيراً كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين بسير قوم فيربل منهم الطفل الصغير
وبينا المرء يعثر ثاب يوماً كما يتروح الغصن المطير
ولكن أعبد الرحمن ربي ليغفر ذنبي الرب الغفور
فتقوى الله ربكم احفظوها متى لا تحفظوها لا تبور
ترى الأبرار دارهم جنان وللكفار حامية سعير
وخزي في الحياة وإن يموتوا يلاقوا ما تضيق به الصدور
راجع: (الجزء الأول من »سيرة الرسول« صفحة 76 و77)

فأفادنا ابن هشام أن خطاباً (عمّ زيد) طرده من مكة وألزمه أن يقيم على جبل حراء أمام تلك المدينة، ولم يأذن له بالدخول إلى مكة »سيرة الرسول« (جزء 1 ص 79).
وكذلك نستفيد من هذا الكتاب أن النبي محمد (ص) كان معتاداً أن يقيم في غار جبل حراء في صيف كل سنة للتحنُّث حسب عادة العرب. فالأرجح أنه كان يجتمع بزيد بن عمرو، لأنه أحد أقربائه. وأقوال ابن إسحق تؤيد هذا القول، لأنه قال إنه لما كان محمد في ذات هذا الغار »جاءه جبريل بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء في شهر رمضان.. كان رسول الله يجاور في حراء من كل سنة شهراً، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية والتحنث التبرر.. قال ابن هشام تقول العرب التحنث والتحنف يريدون الحنيفية فيبدلون الفاء من الثاء« (جزء 1 ص 80 و81).

فكل من له اطلاع على القرآن والأحاديث يرى مما تقدم أن آراء زيد بن عمرو أثرت تأثيراً مهماً جداً في تعاليم محمد، لأن كل آراء زيد نجدها في ديانة محمد أيضاً. وهذه الآراء هي:
(1) منع الوأد (2) رفض عبادة الأصنام (3) الإقرار بوحدانية الله (4) الوعد بالجنان (5) الوعيد بالعقاب في سعير وجهنم. (6) اختصاص الله سبحانه بأسماء: الرحمن. الرب. الغفور. وقد قال محمد ما قال زيد بن عمرو، لأن زيداً وكل واحد من الحنفاء قال إنهم يبحثون عن »دين إبرهيم« غير أن زيداً قال إنه أدرك غايته، وهي أنه وجد هذا الدين، وأن محمداً قال إن غايته هي دعوة الناس إلى دين إبراهيم بواسطته. وكثيراً ما أطلق القرآن على إبراهيم أنه حنيف مثل زيد وأصحابه، وإن كان إطلاقه هذا اللقب في القرآن على إبراهيم يفيد ذلك بطريق الالتزام. ولتأييد هذا نورد من القرآن بعض آيات قليلة، فورد في سورة النساء 4: 125 »ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً، واتخذ الله إبراهيم خليلاً« وورد في سورة آل عمران 3: 95 »قل صدَق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين« وورد في سورة الأنعام 6: 161 »قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً«. فكل من له إلمام بتراكيب اللغة العربية وقواعدها يرى أنه مع أن القرآن لم يطلق على إبراهيم أنه »حنيف« إلا أنه أطلق عليه ضمناً أنه كان حنيفاً، وحض القرآن أصحاب محمد على قبول ملة إبراهيم، لأن من قبل ملة إبراهيم كان من عداد الحنفاء.

وأصل كلمة »حنيف« في اللغة العبرية والسريانية تعني »نجس أو مرتد« لأن عبَدة الأصنام من العرب أطلقوا على زيد وأصحابه لقب »الحنفاء« ليصفوهم بالارتداد، لأنهم تركوا ديانة أسلافهم عبدَة الأصنام. فاستحسن محمد والعرب الحنفاء أن يختصوا بهذا اللقب، وفسَّروا هذه اللقب تفسيراً حسناً وصبغوه بمعنى مناسب. ولعلهم فعلوا ذلك لأنهم لم يروا فرقاً بين التحنُّف والتحنُّث. ولا ننسى أن هؤلاء الأشخاص الأربعة الذين دُعوا حنفاء كانوا من أقرباء محمد لأنهم تناسلوا جميعهم من لؤي. كما أن عبيد الله كان ابن خالة محمد، وتزوج محمد أم حبيبة أرملة عبيد الله. وذكر ابن هشام أن ورقة وعثمان ابني عم خديجة كانا من الحنفاء، فمن المستحيل أن آراء زيد وغيره من الحنفاء ومذاهبهم وأقوالهم وتعاليمهم لا تُحدِث في أفكار محمد أثراً مهماً جداً.

ومع أنه لم يؤذن لمحمد (حسب الحديث الذي ذكره البيضاوي في تفسيره على سورة التوبة 9: 113) أن يستغفر لآمنة والدته، إلا أنه استغفر لزيد بن عمرو، فقال إنه سيُبعث أمة وحده في يوم القيامة، وهذا تصديقُ محمد لمبادئ زيد بن عمرو.
ونذكر ما قاله الدكتور العلامة جواد على في أمرهم لنتأكد من أثر هؤلاء الحنفاء على الإسلام وتقاليده: -
وقد عرف هؤلاء بالحنفاء وبالأحناف، ونعتوا بأنهم كانوا على دين ابراهيم، ولم يكونوا يهودأَ ولا نصارى، ولم يشركوا بربهم أحداً. سفهوا عيادة الأصنام، وسفهوا رأي القائلين بها.

وقد أشير إلى "الحنيفية" و "الحنفاء" في كتب الحديث. وقد بحث عنها شرّاح هذه الكتب. ومما نسب اليه حديث: "لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة". وحديث: "بعثتُ بالحنيفية السمحة السهلة". وحديث "أحب الأديان إلى الله تعالى الحنيفية السمحة".
ويذكر أهل الأخبار أن الجاهليين جميعاً كانوا قبل عمرو بن لحي الخزاعيّ على دين ابراهيم. كانوا موحدين يعبدون الله جل جلاله وحده، لا يشركون به ولا ينتقصونه. فما جاء عمرو بن لحيّ، أفسد العرب، ونشر يينهم اضاليل عبادة الأصنام، بما تعلمه من وثنيي بلاد الشام حين زارهم، وحل بينهم، فكان داعية الوثنية عند العرب والمبشر بها ومضلهم الأول. وهو على رأيهم موزع الاصنام بين القبائل، ومقسمها عليها. فكان من دعوته تلك عبادة الاوثان، إلى أن جاء الإسلام فأعاد العرب إلى سواء السبيل، إلى دين ابراهيم حنيفاً، وما كان ابراهيم من المشركين.
ويقول الدكتور أيضاً:
وقد وردت لفظة "حنيفاً" في عشر مواضع من ا!قرآن الكريم. ووردت لفظة "حنفاء" في موضعين منه. وبعض الايات التي وردت فيها آيات مكية، وبعضها آيات مدنية. وقد نص في بعض منها على ابراهيم، وهو على الحنيفية، ولم ينص في مواضع منها على اسمه. وقد وردت لفظة "حنفاء" في سورتين فقط، هما: سورة الحج وسورة البينة.، وهما من السور المدنية.
المرجع : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام – الجزء الثالث – د. جواد على
وبذا يمكننا أن نقول بأثر الحنفية على الإسلام وتعاليمه ولكن يبقي السؤال هو السؤال! ما السبب وراء إخفاء مثل هذه الحقائق عن عقليتنا العربية ويكتفي أهل النص بقضايا الشارع الخلفي : كسنن الوضوء والحيض والنفاس والخلوة والحجاب ويحجبون عنا أصول هذه العقائد والأعراف فبأي نص نؤمن؟؟ أحييكم.

  الحنفاء - أنبياء الإسلام في الجاهلية!!!
(الشيخ خليل عبد الكريم: الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية ص24ـ26) هي: حركة دينية أُطلق على أصحابها "الحنفاء" وهم يرون أن الدين عند الله هو الحنيفية ملة إبراهيم، وتشمل:

1ـ اعتزال الأوثان  2ـ الإيمان بالله الواحد 3ـ تحريم شرب الخمر         4ـ تحريم الزنا

5ـ الصوم           6ـ الاختتان            7ـ النهي عن وأد البنات               8ـ حج البيت 

9ـ الإيمان بالبعث   4ـ المكتوب محتوم

(3) ويقول (د. جواد علي: المفصل ص 394) "ليس في أيدينا ما يفيد بوجود [تكتل وتنظيم] للحنفاء ... لذلك فلا نستطيع أن نقول أن الحنيفية كانت فرقة تتبع دينا بالمعنى المفهوم من الدين، كدين اليهودية أو النصرانية"

(4) ويضيف قائلا: (ص 394) "لم يكن لها أحكام وشريعة تستمدها من كتب منزلة مقدسة من وحي أنزل من السماء"

(5) ويستطرد (د. جواد علي: المفصل ص 393) قائلا: "نستطيع أن نقول عن هؤلاء الحنفاء أنهم كانوا أناسا من النوع الذي نطلق عليهم كلمة (مصلحين) فهم من هذا الطراز الذي يريد إصلاح الأوضاع ورفع مستوى العقل"

هل يمكن أن تذكر لنا أسماء بعضهم؟

الإجابة:

كعب بن لؤي بن غالب: الجد الأعلى لمحمد.

عبد المطلب بن هاشم: الجد المباشر لمحمد.

3ـ الشاعر زيد بن عمرو بن نفيل (عم عمر بن الخطاب)

4ـ الشاعر أمية بن أبي الصلت: وكان معاصرا لمحمد وتأثر محمد به حتى تبنى كلامه وجعله آيات قرآنية.

(الشيخ خليل عبد الكريم: الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية ص26) قائلا: "تبنى الإسلام تلك السنن والعقائد والشعائر"

3ـ وقد استشهد بتعبير الإمام الحافظ أبي الفرج الجوزي بأن "الإسلام وافقهم عليها، وبشر بها ودعا إليها"

ما الدليل على ذلك من القرآن بأن محمدا تبنى هذه الحركة الحنيفية ودعا إليها؟

الإجابة:

1ـ (النحل 123) "ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا"

2ـ (يوسف 38) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ"

3ـ (الأنعام161) "قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا"

4ـ (آل عمران 95) "قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا"

5ـ (البقرة 135) "وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا"

6ـ (الحج 78) "وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ"

 

1ـ نعم. يقول الطبري على تفسير (سورة الأنعام 161) "هُوَ دِين اللَّه الَّذِي اِبْتَعَثَهُ بِهِ, وَذَلِكَ هو الْحَنِيفِيَّة, ... هو { مِلَّة إِبْرَاهِيم } أي دِين إِبْرَاهِيم. { حَنِيفًا } أي مُسْتَقِيمًا"

2ـ ويقول الواحدي في (أسباب النزول ص32) "دخل رسول الله المدارس على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله، فقالوا له: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملة إبراهيم"

3ـ ويقول (د. جواد علي: المفصل ص 419) "قدم أمية بن أبي الصلت المدينة ورأى محمدا، وسأله: ما هذا الذي جئت به؟ فقال محمد: "جئت بالحنيفية دين إبراهيم"

أمية بن أبي الصلت كان من بين الحنفاء الذين تأثر بهم محمد، فهل تذكر لنا أمثلة لما تأثر به؟

الإجابة:

(1) قال (د. جواد علي: المفصل ص 417) كان أمية أول من أشاع في الكتابة إفتتاحية "باسمك اللهم" وقد استخدمها محمد ثم تركها واستبدلها باسم الله الرحمن الرحيم.

(2) كما أخذ محمد من أمية حكاية ظهور ملاك له، وشق صدره، وتهيئته للنبوة، وصنع مثله.

1ـ فقد قال (د. جواد علي المفصل ص414 و415) مستشهدا (ابن كثير البداية والنهاية ج2 ص 206) "هناك روايات عن تقابل [أمية بن أبي الصلت] مع الرهبان وتوسموا فيه إمارات النبوة. وعن هبوط كائنات مجنحة عليه، وشقت قلبه، ثم نظفته، وطهرته تهيئة لمنحه النبوة".

هل أخذ محمد من شعره ووضعه في آيات من القرآن؟

الإجابة: نعم. (1) خلقة السماوات بلا عمد:

1 ـ قول أمية بن أبي الصلت (ديوان شعراء النصرانية ج1 ص 226):

إله العالمين وكـلِّ  أرض

 

ورب الراسيـات من الجبـال

بناها وابتنى سبعا  شداداً

 

بلا عَمـَدٍ  يريـن ولا حبـالِ

وسواها  وزينـها بنـور

 

من الشمس المضيئةِ  والهلال

ومن شهُبٍ تلألأ في دجاها

 

مراميهـا أشـد من النصـال

2ـ أليس هذا ما قاله محمد في (سورة لقمان31: 10) " خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ"

 (9) المضيف: هل يوجد شيء آخر؟

الإجابة:

الحضرة العُلْوِيَّة: قول أمية بن أبي الصلت (ديوان شعراء النصرانية ج1 ص 227):

 

1

لك الحمدُ والنعماءُ والمـلكُ ربَّنـا

 

فلا شيئَ أعلى منك مجداً وأمجدُ

2

مليك على عرش السماء مهيمـن

 

لعزته تعنو  الوجوه  وتسجــد

3

عليه حجاب النورِ والنورُ  حولَـه

 

وأنهار نورٍ حولَــه  تتوقــد

4

فلا بصرٌ يسـمو إليـه  بطرْفـه

 

ودون حجاب النور خَلْقٌ مـؤَّيَّد

5

ملائكـة أقدامـهم تحت عرشـه

 

بكفَّيْهِ لولا اللهُ كلُّوا وأبْلَـــدوا

6

فسبحان من لا يعرف الخلق قدره

 

ومن هو فوق العرش فردٌ موحد

7

هو الله باري الخلق والخلقٌ كلٌّهم

 

إماء له طوعا جميعا  واعبـدوا

8

ونفنى ولا يبقى سوى الواحدِ الذي

 

يميت ويحيي دائبا  ليس يَهْمـُد

9

ومن خوف ربي سبح الرعد فوقنا

 

وسبحه الأشجار والوحش  أُبَّدُ

10

فكن خائفا للموت والبعـثِ بعـده

 

ولا تك ممن غره اليوم أو غد

2ـ جاء هذا الكلام في الآيات القرآنية: (الأعراف7: 54، الزمر39: 75، الحشر59: 23، الشورى42: 51، الأنعام6: 103،آل عمران3: 156)

 (10) المضيف: هل وجدت مقابلات أخرى؟

الإجابة:

1ـ يقول (د. جواد علي: المفصل ص 422) "إن في وصف أمية بن أبي الصلت ليوم القيامة والجنة والنار تطابق في الرأي جملة وتفصيلا لما ورد عنها  في القرآن"

2ـ ويضيف (د. جواد علي: المفصل ص 421) "جاء في شعر أمية بن أبي الصلت أن الله يبعث الناس ويحاسبهم ويجازيهم، فالمجرمون في النار خالدين فيها أبدا، والمتقون بدار صدق ناعمون، لهم ما يشتهون، فيها عسل ولبن وخمر وماء بارد عذب سليم، ورطب وتفاح ورمان، وفيها كل ما تشتهي الأنفس وتلذ للأعين، وحور نواعم في الأرائك قاصرات، على سرر ترى متقابلات، وكأس لا تصدع شاربيها، لا لغو فيها ولا تأثيم".

3ـ ويورد (د. جواد علي: المفصل ص 429) الأبيات التي تذكر ذلك:

فذا عسل وذا لبن وخمرُ       ...       وقمح في منابته صريمُ

وتفـاح ورمان ومـوز

...

وماء بارد عذب سلـيم

وفيها لحم سامرة وبحـر

...

وما فاهوا به، لهم مقيم

وحور لا يرين الشمس فيها

...

على صور الدمى فيها سهوم

نواعم في الأرائك قاصرات

...

فهن عقائل وهُـمُ قـروم

وكـأس لا تصدع شاربيها

...

يلذ بحسن رؤيتها النديم

4ـ ألم يذكر ذلك في (سورة محمد 15) " مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ، فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى"

5ـ ففي (سورة الواقعة 17ـ 22) " يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ... إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا"

6ـ (سورة الرحمن 62) " وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ... فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ... حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ

 (11) المضيف: هل لديك دليل أن محمدا عرف شعر أمية بن أبي الصلت؟

الإجابة:

1ـ يقول (ابن كثير البداية والنهاية ج2 ص613) "طلب النبي محمد من أحد الصحابة قائلا: أمعك من شعر أمية بن أبي الصلت شئ؟" قلت نعم، قال: فأنشدني بيتا. فلم يزل يقول لي كلما أنشدته بيتا: إيه، حتى أنشدته 100 بيت" (انظر أيضا: د. جواد علي: المفصل ص 419)

2ـ وقد شهدت (دائرة المعارف الإسلامية ج 4 ص1203) "إن أشعار أمية بن أبي الصلت ... هي من المصادر الصحيحة التي استمد منها القرآن  رأسا الآراء الدينية .. وفي كلام أمية مطابقة لما جاء في القرآن إلى حد كبير. ويكاد الاتفاق يقع كلمة كلمة في كثير من الأقوال"

 (12) المضيف: سؤال أخير. ما رأي أمية ابي الصلت في محمد؟

الإجابة: قال (د. جواد علي: المفصل ص 419) أن أمية بن أبي الصلت رأى مقابر من قتلوا من قريش في معركة بدر، فجدع أنف ناقته، وشق ثيابه وبكى قائلا: لو كان هذا نبيا ما قتل ذوي قرابته"



ويورد المؤرخ العلامة جواد علي في موضع آخر من كتابه " المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام " الجزء الثالث الفصل 75 - الحنفاء - ص 766 - 779 أن أبا عامر بن صيفي - المعروف بالراهب, لأنه كان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح, قدم المدينة ورأى الرسول، وسأله: ما هذا الذي جئت به ؟. فقال الرسول: جئت بالحنيفية دين إبراهيم، فقال أبو عامر: أنا عليها، فقال الرسول: لست عليها، ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها. ودار بينهما جدل فسماه الرسول الفاسق. مما أغضب بن الصيفي فذهب قاصدا القيصر، ليحمله على توجيه جيش إلى المدينة للقضاء على الإسلام، نصرة للحنفية دين إبراهيم, غير أنه مات وهو في بلاد الشام قبل أن يدرك مأربه.