خواطر حول المنطق الالهي
2010 / 4 / 05
ألق نظرة على هولاء الذين
يمرغون انوفهم في المساجد و
الذين يبكون ( او يتباكون ) نفاقا
لآلهتهم في المعابد و الذين
يدعون و يصلون له في المحاريب
بلا تعب أو كلل. هل تسائلت يوما
ما الذي يدفع هؤلاء لفعل كل هذا ؟
و ما الذي يحثهم على الخضوع و قتل
الكرامة ؟ هل كل ما يفعلونه حبا
بإلههم ؟ و ما سر العلاقة بينهم و
بين آلهتهم ؟ انهم مهما زعموا ان
ذلك كله حبا بإلههم و انه الدافع
فقد كذبو.
ان العلاقة بين العبد و ربه حسب
المنطق الديني هي علاقة بيع و
شراء. انها علاقة منفعيه او
علاقة اشباع غرائز. من البديهي
ان المؤمن لا يؤمن ولا يتعبد و
يسبح و يرتل إلا طمعا في الجنه.
إنه لا يبكي نفاقا و لا يكيل
المديح و التسبيح للآلهه إلا
رغبة بالتمتع بالجواري و
الغلمان و انهار اللبن و العسل.
انه اذا لا يرى في كل ذلك الا
رغباته و غرائزه و شهواته و
حاجاته. انه لا يرى الا مصلحته هو
غير عابيء بإلهه. يذكرني هذا
بشعراء السلاطين و مُدّاح
الامراء و الملوك الذين يصطفون
في طوابير لا تنتهي لالقاء قصائد
المدح المبتذله في السلطان علهم
يحصلون على منفعه او مال من هذا
السلطان. العلاقة بين العبد و
الهه هي تماما كذلك. فكما يمدح و
ينافق شعراء السلطان، نمجد نحن و
ندعوا و نمرغ انوفنا علنا نرضي
غرور و كبرياء و غرائز الهنا. ليس
حبا فيه او رغبة في ارضائه. و
انما رغبة بما عنده. حتى الاله
"العالم بالسرائر" على علم
بذلك، و لكن لا هم له طالما اننا
نشبع غرائز كبريائه الشاذه و
تلذذه بمنظر الباكين و الساجدين
له. ان هذا النوع من العلاقات
يسمى بالعلاقة التكافلية : اي
الافادة و الاستفادة. علاقة لا
يمكن ان توصف الا بالغير شريفه و
لا ترق لتكون علاقة بين اله و
مخلوق.
ان نوع العلاقة بين المخلوق و
الاله لا تقف عند هذا الحد من
الوضاعه و النزول بالاخلاق و
الكبرياء، بل ان وجهها الآخر لهو
اكثر قبحا و دمامه. فاذا كان
المخلوق زاهدا بالجنه او لا ترقى
طموحاته لما بها، فلا بد على
الاله في هذه الحالة اذا ان
يجبره على العبادة بترهيبه و
وعيده بجهنم. فالعلاقة التي تنشأ
في هذه الحالة هي علاقة قمع و
ارهاب و تخويف و اجبار. يبدو ان
الاله يحاول ارضاء هذه الحاجة
للعبادة و الشهوة المجنونة بشتى
السبل. اذ على الرغم من معرفته
بان الدافع وراء عبادة هؤلاء هو
الخوف فقط و ليس حبا في شخصة، الا
انه لا يعير ذلك اهتماما طالما
ان هذا العبد في نهاية المطاف
يبكي و يمرغ انفه له.
كيف يفسر هذا النوع من العلاقات
؟
كيف يوصف هذا الاضطهاد ؟
بل كيف يفسر هذا الاله الذي لا هم
له سوى زيادة عبيده و رؤيتهم
مذلين صاغرين رغم علمه بنواياهم
الخبيثه و حبهم لانفسهم قبل حبهم
له ؟
خلاصة القول، ان سياسة الثواب و
العقاب لاترقى ابدا لتكون علاقة
بين اله و مخلوق.
******
أغلب الأديان و المذاهب تعد
اتباعها و المؤمنين بها بالنعيم
و الثواب في العالم الآخر بعد
الممات. ان غالبية البشر و
المؤمنين يتصورون هذا النعيم و
يتناولونه بشكل سطحي. و لكن عند
التفكير في الحياة داخل الجنة و
عند تصورها بشكل أعمق سيتضح انها
عذاب لا نعيم كما نعتقد. إننا حين
يذكر لنا الوان النعيم و صور
الحياة المترفة في الجنة فاننا
نتلهث لها و نطمع بها لاننا
نتصورها و نحس بها ضمن احساسنا
الدنيوي. اي و نحن لم نزل في
الحياة الدنيا خاضعين لنواميسها.
و لكن النزوع للشهوات و محاولة
اشباع الغرائز في الحياة الدنيا
ستكون مختلفة كليا عنها في
الحياة الآخرة.
تصور للحظة أنك نلت رضوان الله و
حصلت على مبتغاك و هو الفوز
بالجنان. فكيف سيكون نمط الحياة
؟ فبعد ان حصلت على الجواري، و
ارتويت من انهار اللبن و العسل و
الخمر، و شبعت من ثمار و طيور
الجنه، الن تشعر بالضجر ؟ خصوصا
و انك تعلم في قرارة نفسك ان ذلك
سيستمر الى الابد. ان هذا النعيم
سيتحول الى جحيم ! ان هذه الحياة
الكسولة البليدة القائمة على
اشباع الغرائز فقط لهي العذاب
عينه.
ان الاحساس بالمتعه و التمتع
بالملذات عند الكائن البشري
ناجمة عن شعورة اللا واعي بان
المتعه لن تدوم. فحين يفرح
الانسان و يستمتع فان السبب في
ذلك هو علمه في عقله الباطن
بوجود الحزن. اذا، يستحيل وجود
الفرح و المتعه اذا لم يوجد
الحزن و الشقاء و العكس صحيح.
تماما كما يستحيل علينا معرفة
النور لولا معرفة الظلام. فالحزن
و الفرح مهما بدا متناقضان فهما
متلازمان مكملان لبعضهما.
فيستحيل اذا وجود حياة بفرح و
متعه خالصه كما هو الحال في
الجنه.
عنصر آخر من عناصر المتعه و
الفرح لا يقل اهمية عن الاول هو
الاحساس ( اللا واعي ايضا ) بفناء
و محدودية الحياة. فحين يفرح
البشر و يسعدون فان ذلك ناجم عن
ادراك العقل الباطن ان الحياة
محدودة و قصيرة و انه لا بد اذا
من انتهازها و التمتع بكل لحظة
من لحظاتها. فكيف يستقيم ذلك في
الحياة الآخرة حين يدرك الفرد
انه سيعيش الى ابد الزمان ؟ ان
النعيم في هذه الحالة سينقلب الى
الضد. ان الرب سيفاجأ يوما ما
بانتحار جماعي لاهل الجنه.
ان الانبياء و المؤمنون لم يدركو
ان الفرح و السرور اسبابها نفسيه
لا مادية. فالسعادة ليست الا
حالة عقليه. و المتعه و الفرح
تنبعثان من النفس و الحالة
النفسية لصاحبها. فلا تفيد كثرة
النساء و لا الخمر و لا المال في
ادخال السعادة الى القلب. فكم من
فقير و معدم يعيشون السرور و
الفرح الذي يتمنى آلاف
الميسورين و الاغنياء تذوقه.
******
يعتمد الإله في تنظيمه لحياة
البشر على سياسة التحليل و
التحريم. و لكن هل كان مدركا تمام
الادراك ما للتحريم من اثر معاكس
؟ ألم يأخذ في حسبانه أن ( كل
ممنوع مرغوب ) ؟ الم يتعلم الدرس
من حادثة الشجرة التي حرمها على
ادم ؟ الم يعلم انه لو لم يحرم
الشجرة عليه لما اكل منها ؟
ان سياسة التحريم لهي دعاية
صاخبة لفعل الشيء المحرم. انه
تاكيد و ابراز و تسليط للاضواء
على هذا المحرم الذي قد يكون
منسيا و قابعا في الظل لو لم يتم
التحذير منه. انه ليس من المفترض
ان يغيب هذا الشيء عن ذهنه و هو
الاله. فهذا لا يحتاج لبديهة.
فيكفي ان ترى الاقبال يزداد اكثر
على الكتب و الافلام الممنوعه
التي قد لا يعيرها احد انتباه لو
لم تكن ممنوعه. كان من المفترض
على هذا الاله ان يعلم ان النفس
البشرية مجبولة على اختراق
الخطوط الحمراء. ان ارتكاب
المحرم هو لذة مزدوجة. لذة الشيء
المحرم و اللذة الناجمة عن تجاوز
التحريم. فيعد تحريم الخمر،
مثلا، اصبحت لذته مضاعفه. صارت
له لذة ناجمه عن السكر او النشوة
و لذة اخرى ناجمه عن ارتكاب
المحرم. فماذا اذا يريد هذا
الاله مما يفعله ؟ فما هدفه ان
كان يحرم الشيء ليدعو الناس له،
ثم يعاقب من يفعل هذا المحرم ؟
الايجدر به ان يكافيء هؤلاء
المذنبين بدل عقابهم ؟ اولم
يطيعوا اوامره بتلبية دعوته ؟ في
الواقع، الم يدعوا الله ادم
ليأكل من الشجرة الملعونه حين
اكد عليها من بين ملايين الاشجار
الاخرى في الجنه ؟ اولم يلب ادم
دعوته حين اكل منها ؟ اليس من
المفترض ان يكافئه ؟
******
في سياق الحديث عن ادم، يتبادر
الى الذهن تساؤل قاتل في الالحاح:
اذا كان الله هو القائل ( ولا تزر
وازرة وزر اخرى ) لم نحمل وزر ادم
؟ اذا كان هو من ارتكب ذلك الذنب
فما ذنبنا نحن ؟ كيف يتحمل
البلايين من البشر ذنبا لم
يقترفوه ؟
كثيرا ما سمعنا عن قصص الشعوب
التي تدفع ثمن اخطاء حكامها
الحمقى. و كثيرا ما سمعنا عن او
راينا ارواحا تدفع ثمنا لاخطاء
لا دخل لها بها. و لكن ان تدفع
البشريه كلها ثمن غلطة لم
تقترفها فهذا هو الظم عينه.
خصوصا حين يكون الخطأ أكل تفاحه !
ان الله هو من يجب ان تلقى عليه
اللائمه. ففضلا عن كونه هو الذي
دعا آدم للاكل من الشجرة، كان
يجب عليه ان يزن الامور قبل ان
يتخذ قرارا بهذا الحجم ( اي قرار
انزال ادم من الجنه ). فلو تغاظى
عن قضية التفاحة التافهة لتوقفت
الاخطاء عند ذلك الحد و لما
توالت الاخطاء و الكوارث اللتي
يرتكبها البشر او ارتكبها على مر
التاريخ.
ان هذا ليس هو التصرف الوحيد من
نوعه. من منا لم يسمع بتلك
الفاجعه الانسانيه التي ارتكبها
الله حين ارسل جبريل ليفتك بقرية
كافرة، فرجع جبريل الى ربه
ليخبره بوجود عابد ناسك في هذه
القرية عله يكسب عطف الاله الذي
ما ملك الا ان قال ( ففيه فابدأ ) !
ان هذا العابد حتى لو لم يكن
عابدا و حتى لو لم يشفع له عمله و
دينه لا يستحق العقاب كونه
ببساطه لم يشارك في الاثم. كيف
استحق الله لقب ( العادل ). ان مثل
هذه القضيه لو عرضت على قاض
مبتدىء لما اخطأ بها فكيف يخطيء
بها من سيحاكم البشر يوم القيامة
؟ كيف سينجو البشر منه اذا كان
فاقدا لابسط معان العدل. لم يبدأ
بهذا الشيخ العاجز و هو القائل و
لا تزر وازرة وزر اخرى. ليته تعلم
او ندم مما فعل، فها هو يقول في
موضع اخر ( و اذا اردنا ان نهلك
قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها
فحق عليها العذاب ). في هذه
الجريمة الالهية، يدفع سكان
القرية الثمن لان مترفيها فسقوا
! و قد لايشفع الاطفال و النساء و
لا يستجدي الشيوخ عطف الاله. ما
يدفع للجنون ايضا هو ان يامر
مترفي القرية بان يفسقوا و هو
القائل ( ان الله لا يامر
بالفحشاء و المنكر ) . ان هذا
التناقض الصارخ لا يمكن لاي عقل
ان يتقبله. فكيف يامر بفسق و هو
الاله النزيه. اولم يكن من
الاحرى ان يامرهم بفعل الخير
ليكافئهم عليه ( حتى و ان ظهر هذا
التصرف بلا هدف ).
******