نقد الفكر الديني
 
 


في مخاطر التعليم الديني

2010 / 4 / 05



أخطر المناهج التعليمية، التعليم الديني، حيث يُقدم بكونه يستند إلى مرجعيته الدينية الإلهية، وبالتالي يتضمن حقائق علمية غير قابلة للنقد، تنافس العلم الطبيعي والتاريخي، عن عالم الإنسان والحيوان والنبات. وبتحقق ذلك عبر سنوات الدراسة، يتسيّد شكل من الوعي، يؤبّد الوعي التقليدي المناسب للمجتمعات القروسطية الزراعية، وينزع عن الوعي العلمي والفلسفي بالتحديد ضرورة سيادته وأهمية هذه السيادة من أجل تقدم المجتمع. وكونه أقرب إلى الموضوعية وحقائق وقوانين الأشياء والوجود والطبيعة والمجتمع. يشكل التعليم الديني باستمراريته طيلة سني الطفولة وحتى نهاية المرحلة الثانوية، وعياً مُحدّداً لهوية الأفراد - وبالتزامن مع الوعي التقليدي - يساهم في تشكيل سلوكياتهم ومفاهيمهم عن الذات والآخر “الأنثى، المجتمعات والعالم”. وهو ما يبدّد كما أشرت القيمة الموضوعية أو النقدية للعلم الوضعي كونه حقائق وقوانين ومناهج تساعد المجتمعات الراهنة على التطور والسيطرة على مشكلاتها وأزماتها.



الحداثة وثقافة الحداثة


إلا أن الدكتور يوسف سلامة، أستاذ الفلسفة في جامعة دمشق، يرى في مقالة بعنوان “التربية الدينية والأخلاق العامة” أن التعليم الديني، وتحديداً “تدريس الإسلام بكل تفاصيله للمسلمين هو ضرورة حتمية لا يجوز تجاهلها.. الإسلام هو الحصن الذي حمانا من الانصهار في البوتقة المغولية.. واليوم الإسلام هو الذي يقاوم ويقاتل في فلسطين وفي العراق” ولست أدري لماذا لم يذكر لبنان. ولكن، هل لا نزال في القرون الوسطى حتى يكون هذا العلم حتمياً، لأنه كان كذلك، في تلك القرون مع وجود علوم أخرى بالحتمية والضرورة، وأيضاً هل يمكن حماية أي مجتمع بدون الاستناد إلى العلم والتكنولوجيا ودولة المؤسسات والعدالة وهو حال مختلف مجتمعات الأرض التي تطورت خاصة بعد الأربعينات من القرن الماضي، وهل يمكن الدخول إلى الحداثة بدون ثقافة الحداثة. وكذلك يتجاهل الدكتور أن الإسلام “المجاهد” وهو يقاتل، يعزز الطائفية، ولا يستطيع بناء وطن وهذا حال العراق. وأيضاً، وهو يقاتل في فلسطين يعطي المبرر لإسرائيل- الذي رضيت على وجوده حين النشأة - بالتحول إلى دول يهودية. وهنا نتساءل لماذا إسلام حماس حذف منهاج الفلسفة والمنطق من التعليم في غزة وفق مقالة للكاتب عبد الكريم عليان بعنوان (لماذا حذفت الفلسفة والمنطق من المنهاج الفلسطيني) وبالتالي وإذا كان الإسلام قد شكل دولة عظيمة في القرون الوسطى كما حال كل الدول (الدينية) آنذاك فإن دعاة الإسلام اليوم، أو المتأسلمين، يساهمون في تدمير مجتمعاتنا ما دام الإسلام يُقدم كرؤية وكحل لمشكلات المجتمع، بينما مجاله الراهن كما الأديان الأخرى عالم الروح، ولا يتعدى كونه علاقة خاصة بين الفرد وربه. ولذلك لا يمكن تجاهل خطورة دور التعليم الديني في هذا السياق، فهو يصبح المكمّل للأحزاب الدينية ويهيئ المجتمع، ليتشكل وفق الرؤية الدينية كمجتمع ديني إسلاموي - وطائفي في حال وجود مذاهب أخرى، هو ليس كمجتمع مسلم، لأنه جزئياً كذلك، بحكم وجود الدين، كجزء من هوية الشعب التاريخية.




التعليم الدّيني وإقصاء الآخر



يمثل التعليم الديني في البلاد المختلطة الأديان والمذاهب كحال سوريا ولبنان والعراق ومصر وحتى البلدان المتفقة بالدين، آلية إقصاء للآخر، وتكفيره، وشيطنته، وذلك باعتباره علما مقدسا ويحقق مشيئة الذات الإلهية ويحفظ الطائفة من الضياع والزوال في حضارة الغرب أو الطوائف الأخرى. فهو، إذاً، يمارس شحناً تكفيرياً في أذهان الطلبة، بطريقة تكرارية حفظية تلقينية، يغيب عنها النقد أو الاستنتاج أو الاستقراء أو التحليل أو التركيب ومختلف طرق البحث العلمي الحديث وطبعاً مختلف أساليب التدريس الحديثة ليتحول الطالب إلى قنبلة موقوتة لا تقبل النقد أو السؤال أو الرأي الآخر. وكل من يحاول ذلك يتحول إلى عدو للدين ولأمة الدين. وبالتالي كل من هو خارج المذهب كافر، وكل من هو في المذهب أخ وصديق، وهو ما يؤشر على تفتت المجتمع، مجتمعات ودولا بحسب المذاهب والطوائف. ولذلك لا عجب حينذاك من ظهور مجموعات جهادية في عموم العالم العربي، وهي حالة شائعة خصوصاً منذ الخمسينات ومع البدء بالتعليم الحديث.

يعلل بعض المثقفين، أن وجود التعليم الديني أمر طبيعي باعتبار الدين جزءا من تاريخ وهوية الشعب، ولكنّه لم يكن عاماً، وقد تعمّم وانتشر مع انتشار التعليم الحديث (مدارس، ومناهج، ومعلمين، ووزارات). وكان قبل ذلك تعليماً محدوداً في الجامع أو الزوايا المخصصة. وبالتالي فهو على هذا الاتساع لأنه جزء من سياسات تعليمية عموماً تستهدف تأبيد ديمومة سيطرة الطبقات، وتعبر بذات الوقت عن فشل المشروع النهضوي والقومي العربي. فالأزهر قبل ثورة الـ1952 كان مخصصاً لعلوم الدين وبعدها صار شاملاً لكل أشكال العلم. وفي سوريا ترى الكاتبة سعاد جروس في تحقيق بعنوان “المد الديني في سورية من الشارع إلى المؤسسات الرسمية”. “أن السلطة السورية بعد الثمانينات أفسحت المجال للتعبير الديني، فتزايدت أعداد المساجد لتتجاوز تسعة ألاف مسجد وأصبحت معاهد الأسد لتحفيظ القرآن المرخصة تتجاوز 1000 فرع في مختلف المحافظات وهناك 40 مدرسة ذات طابع ديني للشيخة منيرة القبيسي، والتي يزيد أتباعها عن 75 ألف امرأة، ومنهن مدرسات يعقدن حلقات تدريس في المنازل”. ويسرد الدكتور عزيز العظمة أرقاما أخرى في مقالة له بعنوان “جولة أفق في العلمانية وشأن الحضارة”، فيؤكد “أما في سورية، فلدينا 22 معهداً عالياً لتدريس علوم الدين، ويوجد في دمشق وحدها 800 مدرسة دينية تدور في فلكها عشرات الآلاف من السيدات، إضافة إلى إقامة أكثر من 200 محاضرة دينية في المراكز الثقافية التابعة للدولة في العام الماضي”.
نؤكد، مجدداً أن الدين ليس الشيء الوحيد في التاريخ، بل إنه تاريخ متعدد المعارف والمذاهب والطوائف، وجميعها ساهمت بتشكيل التاريخ والحضارة. وبالتالي لماذا يكون منهاج التعليم الديني يتناسب مع طائفة بعينها ويهمل تعاليم طوائف ومذاهب أخرى والمعارف الأخرى. والسؤال ما هي حصيلة هذا الإهمال والتجاهل، أليس تعزيز سيادة طائفة محدّدة على حساب بقية الطوائف. وبحدوث ذلك، ألا ينقسم المجتمع ويتذرر. ولأن الأمر كذلك، لا يعرّف السوري نفسه بأنه سوري ونفس الشيء اللبناني أو العراقي – وأنا لا أتكلم على مجموعات حزبية أو ثقافية – بل يعرّف نفسه بانتمائه لإحدى الطوائف أو المذاهب. ونشير هنا: أن معظم الأطفال حين يدخلون المدارس يبدؤون بالسؤال لأسرهم، ما هو ديننا نحن؟ هل أنا مسلم أو مسيحي؟ وماذا يعني علوي، أو إسماعيلي؟ وما سيكون الجواب من الأهل؟ أليس جواباً طائفيا! يخلق الوعي الطائفي ويكفّر المذاهب الأخرى، ومرة أخرى أستبعد الكلام عن مجموعات صغيرة في المجتمعات.



إفشال القيمة النقديّة


تشمل مناهج التعليم من دون أدنى شك كتباً دراسية عن التاريخ والقومية والآداب والفلسفة، ولكن التعليم الديني له وظيفة مختلفة فهو يعمل على إفشال القيمة النقدية لهذه الكتب التي ذكرناها، حيث يشار للتاريخ بكونه تاريخ الدين، وللقومية باعتبار النبي عربياً والقرآن أتى بلغة عربية، ويحذف من الآداب شعر الخمر وتصبح الفلسفة دينية بامتياز، فلا عقلانية فيها ولا قِدم أو أزلية للمادة والإنسان مقيد ومجبر وحين يختار، يختار لأن الله وضع له هذا العقل، وحين يثبت قولها ذلك ترد إلى اليونان. وكذلك يتم تمييع الفكر العلمي الحديث، الذي يعلمن ويعلم الطلبة القوانين العامة للوجود ويعلي من شأن الإنسان ودوره في صناعة التاريخ. بدلاً من أن يكون الدين والنبي والله المسؤولين عن خلق الكون والتاريخ والموت والحياة والشر والخير والفقر والغنى حاضراً وماضياً ومستقبلاً.

وهنا يطرح سؤال ما الذي يقترحه العلمانيون بخصوص التعليم الديني، وقبل أن نكمل نشير أن علمانيي الدولة العربية (العراق، مصر، وسوريا) هم من وضع تلك المناهج أو أشرفوا على ذلك. ونضيف كيف يمكن جعل التعليم الديني، تعليماً خاصاً لا تعليماً عاماً تتبناه الدولة، وتصرف عليه الميزانيات. يؤكد الدكتور يوسف سلامة، في مقالته المذكورة أن “إلغاء المادة الدينية من المدارس يعني حكماً أننا ندعو الناس للانضمام إلى حلقات الدروس الدينية ومعسكرات الجهاد وورشات المولوتوف”. ولكن أليس في هذا القول تجاهل لوجود عشرات المعاهد المشار إليها والتي تدفع بالفعل عشرات الشباب إلى معسكرات الجهاد، وهل كل الجماعات التي ما تنفك تتأسلم على إسلامها الأصلي، ظاهرة لا تعبر عن “حلقات الدروس الدينية” وهل ننسى “جهاد” عشرات الشباب العرب في أفغانستان والعراق؟ ولكنني وبعكس الدكتور يوسف أؤكد أن التعليم الديني يمكن أن يتم في الجوامع ودور العبادة ومن خلال الأسر والعادات والتقاليد، حيث المكان الطبيعي لممارسة الناس لحريتهم الدينية. وهو على كل حال ما يتم على مدار السنة، وهذه حقوق طبيعية يجب احترامها ولا أحد يناقش بها شريطة ألاّ تكمّل في التعليم العام، وأن تكون بعيدة عن التكفير للمذاهب أو للطوائف الأخرى وحتى للمجتمعات الأخرى، إضافة لشروط سياسية واقتصادية عامة تدفع بالمجتمع نحو الانفتاح واحترام الاختلاف والتعددية الحداثية. ولكن، ولأن الأمر لا يمكن تجاهله في إطار التعليم العام، بحكم رسوخ هذه المواد عبر عشرات السنوات، ووجود وعي عام يؤيد وجودها، وسياسات طائفية وإيديولوجية تدافع عن ضرورة وجود التعليم الديني، فإن الحل هو بوجود مادة دراسات مقارنة عن الأديان السماوية والبشرية أو عن المذاهب الدينية على اختلاف أشكالها، شريطة أن يضع هذه المناهج مختصون في علم الاجتماع والتاريخ وليس علماء فقه أو دين. وذلك من أجل صياغة مناهج تعليمية برؤية نقدية تتضمن تقديم العلوم التاريخية ومنها الدين كموضوع معرفة وليس كموضوع إيمان وحقائق صالحة لكل زمان ومكان.


الانفصام في الوعي


يكرس التعليم الديني المتمايز والقائم على تجاهل المذاهب الأخرى وبمرور الزمن حالة من الانفصام في الوعي بين ما يعلّم للطلاب في الصفوف المدرسية وبين ما يعاش في المنزل والعلاقات الاجتماعية (وأقصد هنا تعليم سنّي لأولاد المذاهب الأقلوية). وباعتبار الطالب الاقلوي، يتلقى تعليمين دينيين: واحد أسري والثاني مدرسي، فإنه وبتطور تكون وعيه، يبدأ برفض الديني الأكثري السلطوي وتدنيسه والانغلاق في الديني الأسري المذهبي وتقديسه. وباعتبار الطالب لا يستطيع إلاّ القراءة بالديني السلطوي- فهو سيقدم الامتحان به-يتشكل لديه وعي منافق وكاذب، يضمر شيئاً ويخفي شيئاً آخر. يرافق ذلك السكوت والصمت وتجرع القهر وتكون النتيجة تكوين وعي يدفع الفرد نحو التقية والتورية وتعريف النفس بالمذهب والطائفة لا بالانتماء إلى الشعب أو الدولة كمواطنين. وبالتالي يصبح المشروع الممكن في الحياة، وبغياب المشروع العلماني، هو هو المشروع الطائفي أو الأصولي. وكي يعمّ الانسجام والطمأنينة، لا بد من ممارسة الوعي المكوّن، وهو ما يدفع إلى الأصولية والطائفية والجهادية وتكفير المجتمعات. ولذلك نستطيع القول: إن الاستبداد يولّد الطائفية والأصوليات والأخيرة تعيد إنتاج الاستبداد بأسوأ أشكاله، ويتمّ هذا بتأثير من البنية الاجتماعية المتخلفة؛ التي تتضمن الطائفية بالأصل، وهو ما انعكس في ثنايا المشروع النهضوي والقومي (عصرنة للتراث وأسلمة للمعاصرة وأصولية للمجتمع).
يمكننا أخيراً، أن نوجز بالقول: إن التعليم الديني هو تعبير عن أزمة المشروع النهضوي بالأصل، ووجد تاريخياً كجزء من سياسة تعليمية، مهمتها، تدعيم الطبقات المسيطرة وتفتيت الإمكانات العلمانية (القومية والشيوعية والديمقراطية). وبالتالي فهو علم يفاضل بين المذاهب ويشحن أفرادها أصولياً ويمايز بين الأنثى والذكر ويمنع العقل من امتلاك خصائص النقد والتعددية والانفتاح والثقة بالذات والآخر.



* باحث سوري