نقد الفكر الديني
 
 


مصحف علي في مصادر الشيعة والسنة

2010 / 3 / 25

مما لا شكّ فيه أن علي بن أبي طالب هو الشخصيّة الأكثر إثارة للغموض والمشاكل في طول التاريخ الإسلامي وعرضه. فهو عنوان الانشقاق الذي قسم الإسلام عموديّاً وما يزال. وقد سبق أن عالجنا جوانب في شخصيّة هذا الرجل في أكثر من كتاب. لذلك، كان لا بدّ أن نستعين في بحثنا اليوم عن مصحف علي، بمراجع من الطرفين، السنّي والشيعي على حدّ سواء. من الجدير بالملاحظة هنّا أنّ ثمّة قطيعة معرفيّة سنيّة - شيعيّة لا تفيد إلا في زيادة دور الغريزة على حساب العقل في مقاربة الشأن المذهبيّ. والواقع أنّ هذه القطيعة المعرفيّة إنّما هي من علماء السنّة حيال التراث الشيعيّ، إلا ما ندر. في حين أنّ التواصل المعرفيّ بين علماء الشيعة والتراث السنّيّ لا سبيل إلى إنكاره. والتفسير الأوضح لذلك هو أنّ الشيعة كانوا على الدوام "إسلام المعارضة المقموع " (هل تحوّلوا اليوم إلى الأقليّة الساحقة؟؟)، في حين شكّل السنّة جماعة إسلام الحكم القامعة. لذلك بدا منطقياً بالفعل أن يجهد الشيعة أنفسهم لفهم معارضيهم والإفادة من أيّة نقطة ضعف تحت اليد؛ في حين لم يكن السنّة مضطرين لذلك. دون أن نهمل من حساباتنا العقليّة السنيّة التقليدية التي تعتبر كلّ ما هو غير سنّيّ "بدعة وضلالة " لا حاجة لهم بمناقشته أو الاطلاع عليه.

في هذا البحث لم نأخذ بعين الاعتبار غير النصوص الإثني عشرية من التراث الشيعي. بمعنى أننا أهملنا التيار السبعي الشيعي، ونقصد بذلك الإسماعيليين بتيّاراتهم الكثيرة – دون أن ننكر هنا أنّ الفهم الإسماعيلي للنص القرآني متقدّم على سواه، وقد عملنا ونشرنا الكثير حول "راحة العقل" للكرماني؛ وكذلك أهملنا الزيديين على نحو متعمّد؛ ونصوص الطوائف الصغيرة الأخرى التي نمت على هامش الإثني عشريّة، وكان لها فهمها الخاص والمتميّز، للنص القرآني. وحتى ضمن الإثني عشريين، فقد ركّزنا على الأصوليين، وتركنا الإخباريين. وكالعادة، فالنصوص المستقاة من آرثر جفري توضع ضمن قوسين مربّعين مع كلمة جفري في نهاية الاستشهاد.

[ هنالك تقليد متواصل بين الشيعة مفاده أنّ عليّا بن أبي طالب كان أوّل من جمع موادّ القرآن بعد وفاة النبي، بل تعرف المصادر السنيّة أيضاً أن حضّر مصحفاً خاصّاً به. والشكل الأكثر قبولاً للقصة هو ذلك القائل إنّه بعد موت النبي وانشغال الصحابة باختيار خليفة، أقفل عليّ عليه باب بيته وأقسم أنه لن يخطو خارج منزله حتى يجعل موادّ القرآن في مصحف. هذا أدّى ببعضهم إلى أن يعلّق على الأمر بأنّ علياً لم يخرج كي لا يبايع أبا بكر، الخليفة المختار حديثاً؛ لكنّ عليّاً فسّر نذره، وحين انتهى عمله وضعه على ظهر جمل له وأحضره إلى الصحابة قائلاً: ها هو القرآن الذي جمعت" (فهرست ابن النديم 28؛ تاريخ اليعقوبي 152:2؛ الإتقان 152؛ ابن أبي داود 10؛ يجد واحدنا هنا محاولات عادية لإثبات أنّ جمع عليّ كان مجرد استظهار؛ لكن على وجه القصة تطفو مطالب بنص مكتوب ) ] جفري.

(هنالك صيغ عديدة للقصة. قال بعضهم إن الأمر لم يحدث إلا بعد وفاة النبي بستة أشهر، حين شرع علي بصنع تحريره ( نص لابن عبّاس نجده في مناقب ابن شهرآشوب وفي نزول القرآن للشيرازي؛ قارن: العاملي، 120:1 ). قال آخرون إنه جلس في بيته ثلاثة أيام حيث كتبه كلّه من ذاكرته وكان تسلسل السور فيه حسب النزول ( العاملي 150:1 ). ثمة إضافة ممتعة هنا تقول إن النبي قبيل وفاته دعا عليّاً إليه وأخبره عن المكان السري الذي أخفى فيه القرآن تحت فراشه، وأمره أن يأخذه من هناك ويحرره ( الصافي 9، 10 )) جفري.

نعود الآن إلى المصادر الإثني عشريّة لتفصيل وتوثيق ما أشار إليه جفري ونبدأ بالكليني، أحد أشهر علماء الإثني عشريين. وهو الشيخ أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، المولود في النصف الثاني من القرن الثالث بقرية كُلَين على بعد (38) كيلو متراً من مدينة رَي، الواقعة في جنوب العاصمة الإيرانيّة طهران. والمتوفى عام 329 هـ . ركّز اهتمامه على الحديث، واشتهر بعمليه: أصول الكافي وفروع الكافي. . يقول هذا المرجع في عمله الموسوعي، "أصول الكافي": "ما ادعى أحدٌ من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما أُنزل الكذّاب، وما جمعه وحفظه كما أنزله الله تعالى إلاّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام والأئمّة من بعده عليهم السلام" (الكافي 1 : 228 | 1؛ راجع أيضاً: بصائر الدرجات 2: 213 ). وفي نص آخر: "ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره وباطنه غير الأوصياء" (الكافي 1 : 228 | 2؛ بصائر الدرجات: 213:2 ). القرآن، برأي الكليني، "سبعة عشر ألف آية" (أصول الكافي، الجزء الثاني، كتاب فضل القرآن، ص 597). وهذا القرآن، برأيه، نزل "أثلاثاً : ثلث فينا وفي عدوّنا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام" ( الكافي 2: 627: 2 ). لكنه لن يظهر قبل أن يقوم القائم: "إذا قام القائم قرأ كتاب الله عزّ وجل على حدّه، وأخرج المصحف الذي كتبه علي" (راجع : الكافي 2: 633 | 23). وينقل الكليني عن أبي موسى أبي الحسن، قوله: " أُؤتمنوا على كتاب الله، فحرّفوه وبدّلوه" (الكافي، 8 : 125 | 95).

يحكي الكليني أيضاً عن مصحف لم نجده في أيّ مرجع سنّي: "عن أبن بصير عن أبي عبد الله؛ قال: إنّ عندنا لمصحف فاطمة وما يدريك ما مصحف فاطمة؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: مصحف فاطمة فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد" ( أصول الكافي، كتاب الحجة، ج 1، ص 295).

يقدّم لنا الكليني جملة قراءات مختلفة عن مصحف عثمان، نستلّ منها التالي: "نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد هكذا : وإن كُنْتُم في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلنا عَلَى عَبْدِنا في عليّ فأتُوا بسُورةٍ مِن مِثْلِهِ (البقرة 23)" (الكافي 8: 53| 16؛ 1: 417/ 27). وفي أصول الكافي، كتاب الحجة، ج 1، 479؛ يقول الكليني: " لم سمّي عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين؟ قال : الله سمّاه، وهكذا أنزل في كتابه: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم وأن محمدا رسولي وأن عليا أمير المؤمنين". ويقرأ الأحزاب 71 كما يلي: "من يُطعِ اللهَ ورَسُولَه في ولاية عليّ والأئمة من بعده فَقَد فَازَ فَوْزَاً عَظِيماً" (الكافي 1: 417 | 26؛ الكافي 1 : 414 | 8). وفيما يتعلّق بسورة البينة؛ 1؛ يقول: "دفع إليَّ أبو الحسن الرضا عليه السلام مصحفاً، فقال : لا تَنْظُر فيه! ففتحته وقرأت فيه: لم يكن الذين كفروا… فوجدت فيها اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم" (الكافي 2 : 631 | 16). أمّا سورة التوبة، فيقول فيها: "قرأ رجل عند أبي عبد الله: فقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون (سورة التوبة : آية 105)! فقال: ليست هكذا؛ هي إنما هي: والمأمونون فنحن المأمونون"(أصول الكافي، كتاب الحجة، ج 1، 492). "وروى عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام؛ قال : نزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية هكذا: "فأبى أكثر الناس بولاية علي إلا كفورا؛ قال: ونزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية هكذا" وقل الحق من ربكم في ولاية علي فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين نارا" (كتاب الحجة من الكافي، ج 1، 493 ). ويقول في الشأن ذاته: "وروى عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى " سأل سائل بعذاب واقع للكافرين بولاية علي ليس له دافع؛ ثم قال: هكذا والله نزل بها جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله " (الكافي، باب الحجة، ج 1، 490 )؛ " وعن جابر عن أبي جعفر عليه السلام؛ قال: نزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله هكذا: بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله في علي بغيا" (الكافي، كتاب الحجة، ج 1، 484 )؛ "وعن جابر عن أبي جعفر عليه السلام؛ قال: هكذا نزلت هذه الآية: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به في علي لكان خيراً لهم" (الكافي، كتاب الحجة، ج 1، 492).

ننتقل الآن إلى القمي، الذي هو أقدم زمنيّاً قليلاً من السابق. إنه الشيخ علي بن إبراهيم القمي، المولود في القرن الثالث الهجري. يُعد الشيخ علي بن إبراهيم من أشهر رواة الشيعة وأبرزها، وقد روي عنه (7140) رواية، في مجموعات روائية كبيرة للشيعة، حيث نقل منها (6214) رواية عن والده إبراهيم بن هاشم، ويتمتع الشيخ القمّي باحترام متزايد، وتبجيل خاص عند العلماء وفقهاء الشيعة. يقول القمي في معرض حديثه عن تحريف القرآن: "وأما ما هو على خلاف ما أنزل الله فهو قوله : "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله". ( آل عمران 110)؛ فقال أبو عبد الله لقارئ هذه الآية : خير أمة يقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين بن علي عليهم السلام؟ فقيل له : وكيف نزلت يا ابن رسول الله؟ فقال : إنما نزلت : "كنتم خير أئمة أخرجت للناس": ألا ترى مدح الله لهم في آخر الآية: "تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله؟ ""(تفسير القمي، دار السرور، بيروت 36:1). وفي نص آخر من تفسير القمي؛ نقرأ: "لما نزلت هذه الآية:"يوم تبيّض وجوه وتسود وجوه"؛ قال رسول الله: ترد أمتي عليّ يوم القيامة على خمس رايات. ثم ذكر أن رسول الله يسأل الرايات عما فعلوا بالثقلين، فتقول الراية الأولى: أما الأكبر [القرآن] فحرفناه ونبذناه وراء ظهورنا، وأما الأصغر [آل البيت] فعاديناه وأبغضناه وظلمناه"( 109:1 ). وفي نص ثالث؛ نقرأ: "سألت أبا عبد الله عن قوله تعالى: •ما ننسخ من آية نُنْسها نأت بخير منها أو مثلها (البقرة 2:106)؟ فقال: كذبوا… وقال: •ما ننسخ من آية ننسها نأت بخير منها مثلها (تفسير القمي 58:1). فاتحة الكتاب قال القمي إن أبا عبد الله قرأها مثل ابن مسعود وابن كعب: صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين (تفسير القمي 29:1).

ننتقل الآن من القمّي إلى الشيخ نعمة الله الجزائري. نعمة الله الجزائري (1050 هـ - 1112 هـ) هو عالم شيعي إثنا عشري مولود في الصباغية، قرية من قرى الجزائر من أعمال البصرة. يتفق نعمة الله الجزائري مع المراجع السنيّة في اعتبار أن عليّاً بقي ستة أشهر بعد وفاة النبي يجمع القرآن؛ لكن الاختلافات بين الطرفين، السني والشيعي، لا سبيل إلى تجسيرها بعد ذلك: " قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلّفه إلا أمير المؤمنين بوصية من النبي؛ فبقي بعد موته ستة أشهر مشتغلاً بجمعه؛ فلما جمعه كما أنزل أتي به إلى المتخلفين بعد رسول الله؛ فقال لهم : هذا كتاب الله كما أنزل! فقال له عمر بن الخطاب: لا حاجة بنا إليك ولا إلى قرآنك؛ عندنا قرآن كتبه عثمان! فقال لهم علي: لن تروه بعد اليوم ولا يراه أحد حتى يظهر ولدي المهدي. وفي ذلك القرآن [الذي عند المهدي] زيادات كثيرة وهو خال من التحريف… أما الذي كان يأتي به داخل بيته [من القرآن] فلم يكن يكتبه إلا أمير المؤمنين علي، لأن له المحرمية دخولاً وخروجاً؛ فكان ينفرد بكتابة مثل هذا! وهذا القرآن الموجود الآن في أيدي الناس هو خط عثمان؛ وسموه الإمام وأحرقوا ما سواه أو أخفوه، وبعثوا به زمن تخلفه إلى الأقطار والأمصار، ومن ثم ترى قواعد خطه تخالف قواعد العربية" (الأنوار النعمانيّة 2: 260-263). وهو ما يؤكّده الصفار في بصائر الدرجات نقلاً عن أبي جعفر الصادق: "ما من أحد من الناس يقول إنه جمع القرآن كله كما انزل الله إلا كذاب ، وما جمعه وما حفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده" ( 213).

في مرجع الجزائري ذاته، نقرأ: "وقد أرسل عمر بن الخطاب زمن تخلفه إلى علي بأن يبعث له القرآن الأصلي الذي هو ألفه، وكان علي يعلم أنه طلبه لأجل أن يحرقه كقرآن ابن مسعود (!!) أو يخفيه عنده حتى يقول الناس : إن القرآن هو هذا الكتاب الذي كتبه عثمان لا غير! فلم يبعث به إليه وهو الآن موجود عند مولانا المهدي مع الكتب السماوية ومواريث الأنبياء! ولما جلس أمير المؤمنين على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وإخفاء هذا لما فيه من إظهار الشنيعة على من سبقه كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى، وكما لم يقدر على إجراء المتعتين متعة الحج ومتعة النساء. وقد بقي القرآن الذي كتبه عثمان حتى وقع إلى أيدي القراء فتصرفوا فيه بالمد والإدغام والتقاء الساكنين مثل ما تصرف فيه عثمان وأصحابه وقد تصرفوا في بعض الآيات تصرفا نفرت الطباع منه وحكم العقل بأنه ما نزل هكذا ".

قبل أن نعود إلى الجزائري في "أنواره"، نشير بسرعة إلى الأردبيلي. وهو الشيخ أحمد بن محمّد، المشهور بـ "المحقّق، والمقدّس الأردبيليّ"، من أشهر فقهاء الشيعة الإماميّة في القرن العاشر الهجريّ. الأردبيلي، برأينا، أكثر موضوعية من الجزائري، حين ينسب لعثمان مأساة مصحف ابن مسعود: "إن عثمان قتل عبد الله بن مسعود بعد أن أجبره على ترك المصحف الذي كان عنده وأكرهه على قراءة ذلك المصحف الذي ألفه ورتبه زيد بن ثابت بأمره؛ وقال البعض: إن عثمان أمر مروان بن الحكم، وزياد بن سمرة، الكاتبين له، أن ينقلا من مصحف عبد الله ما يرضيهم ويحذفا منه ما ليس بمرضي عندهم ويغسلا الباقي" (حديقة الشيعة، 118 – 119).

بعودة إلى "الأنوار النعمانيّة" نجد كمّاً من النصوص يشير في الاتجاه ذاته – تحريف القرآن: "ولا تعجب من كثرة الأخبار الموضوعة فإنهم بعد النبي قد غيروا وبدلوا في الدين ما هو أعظم من هذا كتغييرهم القرآن وتحريف كلماته وحذف ما فيه من مدائح آل الرسول والأئمة الطاهرين وفضائح المنافقين وإظهار مساوئهم كما سيأتي بيانه في نور القرآن" (97:1). ويضيف في موضع آخر: " يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاما ومادة وإعرابا" (السابق 2: 357 ، 358). أما لماذا يقرأ الإثنا عشريون في قرآن عثمان؛ فيقول الجزائري: "فإن قلت كيف جاز القراءة في هذا القرآن مع ما لحقه من التغيير؟ قلت: قد روي في الأخبار أنّ أهل البيت أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين فيقرى ويعمل بأحكامه" (الأنوار النعمانيّة 260:2). وهو ما يؤكّده كريم الكرماني؛ حين يقول:

" إن الإمام المهدي بعد ظهوره يتلو القرآن، فيقول: أيها المسلمون! هذا والله هو القرآن الحقيقي الذي أنزله الله على محمد والذي حرف وبدل" ( إرشاد العوام، 221:3 )؛ وغيره من مرجع إثني عشرية بارزة: روى الفتّال والشيخ المفيد، عن أبي جعفر: " إذا قام القائم من آل محمد ضرب فساطيط لمن يُعلّم الناس القرآن على ما أنزله الله ، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم ؛ لأنّه يخالف فيه التأليف". (راجع : البيان في تفسير القرآن، 223.؛ إرشاد المفيد 2: 386 ؛ روضة الواعظين، 265؛ غيبة النعماني : 318و319).

الفيض الكاشاني واحد من أهم مفسّري القرآن عند الإثني عشريين؛ وقد ولد هذا المفسّر في سنة 1007 هـ ونشأ في بلدة قم الإيرانية، لينتقل من بعدها إلى كاشان، وبعدها نزل إلى شيراز بعد سماعه بورود العلامة السيد ماجد البحراني هناك، فأخذ العلم منه ومن المولى صدر الدين الشيرازي، المعروف بـ الملا صدرا. لهذا المؤلّف الشهير تفسيره الذي أسماه " الصافي"، "لصفائه عن كدورات آراء العامة والممل والمحير" (13:1). وقد حملت المقدمة السادسة من عمله الضخم عنوان، "المقدمة السادسة في نبذ مما جاء في جمع القرآن، وتحريفه وزيادته ونقصه، وتأويل ذلك" (المصدر السابق 40). وفي المقدمة يذكر أن "القران الذي بين أيدينا ليس بتمامه كما أُنزل على محمد بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة". ويعتمد في ذلك على أن كبار العلماء الإثني عشريين كانوا يؤمنون بتحريف القرآن: "وأما اعتقاد مشايخنا في ذلك فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن، لأنه كان روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي، ولم يتعرض لقدح فيها، مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه كان يثق بما رواه فيه؛ وكذلك أستاذه علي بن إبراهيم القمي: فإن تفسيره مملوء منه، وله غلو فيه، وكذلك الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي فإنه أيضا نسج على منوالهما في كتاب الاحتجاج" (تفسير الصافي 52:1). ويكمل: "والمستفاد من هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة منها اسم علي، في كثير من المواضع، ومنها لفظة آل محمد غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعها، ومنها غير ذلك، وأنه ليس أيضا على الترتيب المرضي عند الله، وعند رسول الله" (تفسير الصافي 49:1).

نتوقف الآن مطولاً عند الطبرسي لأهميته البالغة في مسألتي تحريف القرآن ونقصه بين علماء الإثني عشرية. إنه الشيخ حسين بن الشيخ محمّد تقي بن علي محمّد النوري الطبرسي (1254 هـ ـ 1320 هـ ). وهو فارسي كما يدل على ذلك اسمه، لكنه تنقل بين حواضر كثيرة بين فارس والعراق. فقد سافر في سن مبكرة إلى العاصمة طهران للدراسة الحوزوية ، لينتقل بعدها إلى مدينة النجف عام 1273 هـ ، ويبقى فيها ما يقرب أربع سنين لإكمال دراسته الحوزوية؛ ثمّ عاد إلى إيران، ليسافر من ثم إلى كربلاء عام 1278 هـ، ويبقى فيها مدّة سنتين، ومن ثمّ يسافر إلى الكاظمية، ويبقى فيها مدّة سنتين أيضاً، ليرجع بعدها إلى النجف الأشرف. وفي عام 1284 هـ عاد إلى إيران ، ثمّ رجع عام 1286 هـ إلى مدينة النجف الأشرف، فبقي فيها سنين، لازم خلالها درس السيّد محمّد حسن الشيرازي، ولمّا سافر أُستاذه إلى مدينة سامرّاء عام 1291 هـ ، سافر الشيخ النوري الطبرسي عام 1292 هـ إلى مدينة سامرّاء، وبقي فيها إلى عام 1314 هـ ، ثمّ عاد إلى مدينة النجف". يخصص الطبرسي، هذا العلامة الإثنا عشري الشهير، عملاً ضخماً لمسألة تحرف القرآن ونقصانه، مما يدل على ذلك اسمه: " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب ". بل إن الطبرسي خصص الباب الثاني للرد على القائلين بعدم تطرق التغيير في القرآن. أما الباب الأول، فقد خصصه الطبرسي لذكر الأدلة التي استدل بها علماء الإثني عشريّة على وقوع التغيير والنقصان في القرآن. وحشد تحت هذا الباب اثنى عشر دليلاً استدل بها على نقص القرآن وتحريفه. وتحت كل دليل أورد كماً لا ينتهي من الروايات المنقولة عن آل البيت وغيرهم من أعيان الإثني عشريين. يقول النوري الطبرسي في هذا الشأن: " إن الأخبار الدالة على ذلك يزيد على ألفي حديث وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد والمحقق والعلامة المجلسي وغيرهم " ( المرجع السابق 227 ). ثم يبدأ الطبرسي بذكر مجموعة من هؤلاء العلماء من الذين اعتمدوا نظرية النقص والتحريف؛ يقول: " ممن ذهب إلى هذا القول الشيخ فضل بن شاذان في مواضع من كتاب الإيضاح. وممن ذهب اليه من القدماء الشيخ محمد بن الحسن الشيباني صاحب تفسير نهج البيان عن كشف معاني القرآن " ( 25-26 ). " إن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القران " ( 30 ).

قدّم الطبرسي في عمله الشهير نماذج عن التحريف أو الإنقاص؛ نستل منها التالي: " قال ( الإمام ) الباقر: والذين كفروا بولاية على بن أبي طالب أولياؤهم الطاغوت (البقرة 2:257) قال: نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا " ( 210). " عن حمران بن أعين؛ قال: سمعت أبا عبد الله يقرأ: ·إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمد على العالمين. ( آل عمران 33 )؛ ثم قال: هكذا نزلت " (فصل الخطاب 213). " عن الحكم بن عيينة عن أبي جعفر في قوله تعالى: ·يا مريم اقنتي لربك واسجدي شكراً لله واركعي مع الراكعين ( آل عمران 43)" ( 214). " عن الحسن بن خالد قال: قال أبو الحسن الأول: كيف تقرأ هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون؟ (آل عمران 102)! ماذا؟ قلت: مسلمون؟ فقال: سبحان الله! يوقع الله عليهم اسم الإيمان فيسمّيهم مؤمنين ثم يسألهم الإسلام؛ والإيمان فوق الإسلام. قلت: هكذا يقرأ في قراءة زيد. فقال إنما هي في قراءة عليّ، عليه السلام وهي التنزيل الذي نزل به جبرئيل على محمد: إلا وأنتم مسلمون لرسول الله ثم الإمام من بعده" ( 216). " عن أبي بصير؛ قال: قرأت عند أبي عبد الله: لقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلّة (آل عمران 123)! فقال: مه! والله ليس هكذا أنزلها الله، إنما أنزلت: وأنتم قليل " ( 218). " قوله تعالى: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (آل عمران 12؛ فقال أبو عبد الله: إنما أنزل الله: لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون"( 218 - 219). " عن حمزة بن الربيع، قال أبو عبد الله: يومئذٍ يودّ الذين كفروا وعصوا الرسول وظلموا آل محمد حقّهم لو تُسَوَّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً (النساء 42) " (فصل الخطاب 225). " عن أبي الحسن في قوله عز وجل: أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم فقد سبقت عليهم كلمة الشقاء وسبق لهم العذاب وعِظهم وقُل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً (النساء 63) " (فصل الخطاب 225). " عن زرارة عن أبي جعفر؛ قال: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك يا عليّ فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً " (النساء 64) هكذا نزلت!" (فصل الخطاب 225 ).

في كتابه " الاحتجاج "( 155:1؛ مؤسسة الأعلمي، بيروت ): ؛ يقدّم لنا الطبرسي النص الشهير حول جمع علي بن أبي طالب للقرآن، مع إضافات هامّة: " لما توفي رسول الله جمع علي القرآن، وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله؛ فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر؛ وقال : يا علي اردده فلا حاجة لنا فيه! فأخذه علي وانصرف، ثم أحضروا زيد بن ثابت ـ وكان قارئا للقرآن ـ فقال له عمر : إن عليا جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن، ونسقط منه ما كان فضيحة وهتكاً للمهاجرين والأنصار. فأجابه زيد إلى ذلك. فلما استخلف عمر سأل عليا أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم ". وبرأي الطبرسي أن ثمة رموزاً في القرآن تشير إلى فضائح المنافقين، وهذه الرموز لا يعرف معانيها إلا آل البيت؛ وبرأيه أنه لو عرف الصحابة ما عرفه آل البيت لأسقطوا ذلك من القرآن كما أسقطوا غيره ( راجع: المصدر السابق 253:1 ). ثم يقول: " ولو شرحت لك كلما أسقط وحرف وبدل ، مما يجري هذا المجرى لطال ، وظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء ، ومثالب الأعداء " ( المصدر السابق 254:1 ). ويقول أيضاً: " إن الكناية عن أسماء أصحاب الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن، ليست من فع ، وإنها من فعل المغيرين والمبدلين الذين جعلوا القرآن عضين، واعتاضوا الدنيا من الدين " ( المصدر السابق 249:1 ).

المجلسي، من ناحية أخرى، يقرّ بالتحريف والنقص؛ وبتعريف مختصر نقول إنّه الشيخ محمد باقر المجلسي المعروف بالعلامة المجلسي، (1037 هـ - 1111 هـ)، من أشهر علماء الإثني عشريين الموسوعيين. يقول المجلسي في تذكرة الأمة: "إن عثمان حذف عن هذا القرآن ثلاثة أشياء: مناقب أمير المؤمنين علي، وأهل البيت، وذمّ قريش والخلفاء الثلاثة مثل آية: "يا ليتني لم أتخذ أبا بكر خليلا" (تذكرة الأئمة، 9). وفي "مرآة العقول"؛ ينقل عن أبي عبد الله قوله: "إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السلام إلى محمد سبعة عشر ألف آية" (525). في كتابه بحار الأنوار باب بعنوان: "باب التحريف في الآيات التي هي خلاف ما أنزل الله" (كتاب القرآن، 66 ). وفيه يقول: "عن أبي جعفر أنه قال : ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن ظاهره وباطنه غير الأوصياء" (285).

نعود الآن إلى زمن الكليني لنروي لبضع أحاديث عن العياشي. وهو محمد بن مسعود بن محمد بن العياشي السمرقندى الكوفي المكنّى بأبي النصر والمعروف بالعياشي: فقيه جليل وعالم صلب الإيمان والعقيدة ومتبحّر في فروع الفقه والأدب والحديث والتفسير، وكان من أعاظم علماء الشيعة وأكابر فقهائهم وقد عاصر ثقة الإسلام الكلينى وكان معلمه أيضاً. يبدو أنّ العياشي كان سنّيّ النشأة، وهو ابن بخارى وسمرقند. لكنه بعد عميق اطلاع على المذهب الإثني عشري، تحوّل إلى التشيّع، وصار واحداً من أعيان الإثني عشريّة. روى العياشي، محمد بن مسعود، في تفسيره، عن أبي عبد الله؛ أنه قال: "لو قرئ القرآن كما أنزل ألفيتنا [الأئمة الإثنا عشريون] فيه مسمّين" (25:1)؛ وفيه نقلاً عن أبي جعفر ما يفيد في المعنى ذاته: "لو لا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه، ما خفي حقنا على ذي حجي، ولو قد قام قائمنا فنطق صدقه القرآن" (المصدر السابق؛ راجع تفسيره: 13: 1، 6 ). ويضيف: "ولا يخفي أن هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر؟"؛ ونقلاً عن الصادق، يقول العياشي في تفسيره: " إنّ في القرآن ما مضى، وما يحدث، وما هو كائن، كانت فيه أسماء الرجال فألقيت، إنّما الاسم الواحد منه في وجوه لا تُحصى، يعرف ذلك الوصاة" (1: 12|10).

الشيخ يوسف بن الشيخ أحمد بن إبراهيم العصفوري البحراني، المولود في سنة 1107 هـجرية الموافق 1696 ميلادية بقرية الماحوز في البحرين، هو أحد علماء الإثني عشرية البارزين في مسألة نقص القرآن وتحريفه. يحدّثنا يوسف البحراني عن "الأخبار التي تشير إلى نقص القرآن وتحريفه"؛ فيقول: "لا يخفى ما في هذه الأخبار من الدلالة الصريحة والمقالة الفصيحة على ما اخترناه ووضوح ما قلناه؛ ولو تطرق الطعن إلى هذه الأخبار(أي الأخبار التي تطعن بالقرآن) على كثرتها وانتشارها لأمكن الطعن إلى أخبار الشريعة كلها كما لا يخفى إذ الأصول واحدة وكذا الطرق والرواة والمشايخ والنقلة، ولعمري إنّ القول بعدم التغيير والتبديل لا يخرج من حسن الظن بأئمة الجور [الصحابة] وأنهم لم يخونوا في الأمانة الكبرى [القرآن] مع ظهور خيانتهم في الأمانة الأخرى [الإمامة] التي هي أشد ضررا على الدين"! (الدرر النجفية، ص 298، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث).

الشيخ أبو الحسن، الشريف بن محمّد طاهر بن عبد الحميد الفتوني العاملي، المولود حوالي عام 1070 هـ بمدينة أصفهان في إيران، هو اسم هامّ آخر في مقاربتنا هذه حول نقص القرآن وتحريفه عند الإثني عشريين؛ يقول أبو الحسن العاملي: "اعلم أن الحقّ الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها، أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله شيء من التغييرات، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيرا من الكلمات والآيات، وأن القرآن المحفوظ عما ذكر الموافق لما أنزله الله تعالى، ما جمعه علي وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن". (تفسير مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار، 36).

السيّد هاشم البحراني عالم إثني عشري بارز. إنه السيّد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني البحراني الكَتْكاني ـ نسبة إلى "كَتْكان"، قرية من قرى توبلي أحد أعمال البحرين. وبحسب مراجع الإثني عشريين، هاشم البحراني هو العالم الجليل، والمحدّث النبيل، الماهر الفاضل، المتتبّع للأخبار، المدّقق المفسّر، العارف بالرجال، صاحب المؤلّفات الكثيرة. وقد بلغ في التقوى والنزاهة مرتبة، حتّى قال صاحب "جواهر الكلام" الشيخ محمد حسن النجفي: لو كان معنى العدالة المَلَكة دون حسن الظاهر، لا يمكن الحكم بعدالة شخص أبداً، إلاّ في مثل المقدّس الأردبيلي والسيّد هاشم البحراني، على ما يُنقَل من أحوالهما . وكتب الميرزا حسين النوري في"المستدرك" : السيّد الأجلّ المعروف بالعلاّمة، السيّد هاشم البحراني، صاحب المؤلّفات الشائعة الرائقة، المنتهي إليه رئاسة بلاده بعد الشيخ محمّد بن ماجد، فتولى القضاء والأمور الحِسْبيّة ـ كما في (اللؤلؤة) ـ أحسن قيام، وقمع أيدي الظلمة والحكّام، ونشر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالغ في ذلك وأكثر، ولم تأخذه في الله لومة لائمٍ في الدِّين، وكان من الأتقياء الورعين، شديداً على الملوك والسلاطين. كانت وفاة السيّد هاشم البحرانيّ سنة 1107 هجرية ( وقيل: سنة 1109 هجريّة )، وذلك في قرية نعيم، ثمّ نُقل نعشه إلى قرية توبلي ودُفن في مقبرة ماتيني، وقبره اليوم عامرٌ مشهور يُزار. في شرح هذا العلم البارز لنهج البلاغة: إنّ "عثمان بن عفان جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت خاصة وأحرق المصاحف وأبطل ما لاشك أنه من القرآن المُنزل" (شرح نهج البلاغة، 1/1).

الشيخ "الصدوق" علم آخر من أعلام الإثني عشرية. وهو محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابَوَيه، أبو جعفر. وُلد بعد سنة 305 هجريّة، في أوائل فترة السفير الثالث للإمام المهديّ الحسين بن روح، في مدينة قمّ المقدّسة. روى الشيخ الطوسيّ أنّ أباه عليّ بن الحسين بن بابوَيه لم يُرزَق من بنت عمّه ولَداً، فكتب إلى الحسين بن روح أن يسأل الإمام المهديّ أن يدعوَ الله له أن يرزقه أولاداً فقهاء، فجاء الجواب: إنّك لا تُرزق من هذه، وستملك جارية دَيلميّةً وتُرزَق منها ولَدَينِ فقيهَين. وجاء في (سفينة البحار 59:3)، للشيخ عبّاس القمّي: وُلد بدعاء صاحب الأمر، ونال بذلك عظيم الفضل والفخر. وصفه الإمام عليه السّلام في التوقيع الخارج من ناحيته المقدّسة بأنّه فقيه خيّر مبارك، ينفع الله به. فعمّت بركتُه الأنام، وانتفع به الخاصّ والعامّ. نزل الشيخ الصدوق في الريّ (جنوب طهران اليوم)، ووجّه الناس بخراسان، ثمّ ورد بغداد سنة 355 هجريّة، وقد سمع منه شيوخ زمانه وهو حَدَث السنّ. للشيخ الصدوق رأي هامّ بالنسبة إلى سورة الأحزاب، التي هي، عند السنّة والشيعة، واحدة من أكثر السور إثارة للمشاكل في التراث الديني الإسلامي؛ روى الشيخ الصدوق في "ثواب الأعمال" نقلاً عن أبي عبد الله: "سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم يا بن سنان، إنّ سورة فضحت نساء قريش من العرب، وكانت أطول من سورة البقرة، ولكن نقصّوها وحرّفوها" (100).

ابن شهرآشوب مفسّر ومحدّث وأديب وفقيه إثنا عشري بارز آخر. (489 – 588 هـ). إنه أبو جعفر محمّد بن عليّ بن شهرآشوب بن أبي نصر بن أبي الجيش المازندرانيّ الملقّب برشيد الدّين، وعزّ الدّين. ويُستشَفّ من نسبة "السَّرَويّ" إليه، وإلى أبيه وجدّه أنّهم كانوا من مدينة ساري مركز محافظة مازندران. أمّا محلّ ولادته فلا يتسنّى لنا أن نُبدي رأياً قاطعاً فيما إذا كان مازندران أو غيرها. طلب العلم منذ نعومة أظفاره، وحفظ القرآن في الثّامنة من عمره. وأدرك درس أساتذة كثيرين منهم: أحمد الغزاليّ، وجار الله الزّمخشريّ، وأبو عليّ الطّبريّ، وأبو الحسن البيهقيّ، وفريد خراسان، والخطيب الخوارزميّ، وقطب الّدين الرّاونديّ. عند ابن شهر آشوب نصادف قولاً مفاده أن القرآن قد زيد فيه: "قيل للحسين بن عليّ: إنّ فلاناً زادَ في القرآن ونقصَ منه! فقال الحسين: أؤمنُ بما نقصَ وأكفرُ بما زادَ" (متشابه القرآن ومختلفه، 77:2).

أخيراً، نقرأ في الخصال، "عن جابر، قال: سمعت رسول الله يقول: يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون إلى الله عزّ وجل، المصحف والمسجد والعترة؛ يقول المصحف: يا ربّ حرقوني ومزّقوني! ويقول المسجد: يا ربّ عطلوني وضيّعوني! وتقول العترة: يا ربّ قتلونا وطردونا وشردونا، فأجثوا للركبتين للخصومة! فيقول الله جلّ جلاله لي: أنا أولى بذلك" (175).

المصادر السنيّة ومصحف علي:

بعودة الآن إلى مراجع أهل السنة والجماعة فيما يتعلّق بقرآن علي، نجد نوعاً من الاتفاق بين تلك المراجع على أن عليّاً قعد في بيته مدّة يجمع فيها القرآن؛ من ذلك أن "محمد بن سيرين عن عكرمة؛ قال: لما كان بعد بيعة أبي بكر قعد علي بن أبي طالب في بيته، فقيل لأبي بكر: قد كره بيعتك، فأرسل إليه، فقال: أكرهت بيعتي؟ قال: لا والله! قال: ما أقعدك عني؟ قال: رأيت كتاب الله يزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه! قال له أبو بكر: فإنك نعم ما رأيت! قال محمد: فقلت لعكرمة: ألفوه كما أنزل الأول فالأول. قال: لو اجتمعت الأنس والجنّ على أن يؤلفوه هذا التأليف ما استطاعوا. وأخرجه ابن أشتة في المصاحف من وجه آخر عن ابن سيرين، وفيه أنه كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ، وأن ابن سيرين قال: تطلبت ذلك الكتاب وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه". لكن لابن حجر رأي آخر؛ يقول: " أخرجه ابن أبي داود في "المصاحف" من طريق ابن سيرين؛ قال: "قال علي : لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم آليت أن لا آخذ على ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعه" فإسناده ضعيف لانقطاعه، وعلى تقدير أن يكون محفوظاً فمراده بجمعه حفظه في صدره؛ قال : والذي وقع في بعض طرقه "حتى جمعته بين اللوحين". والواقع أن اعتزال علي كان نوعاً من الاحتجاج السلبي على خلافة أبي بكر (راجع كتابنا، يوم انحدر الجمل من السقيفة، خلافة أبي بكر)؛ لكن ما يلفت هنا الأقوال "رأيت كتاب الله يزاد فيه فحدّثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه"؛ و"كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ" و"تطلبت ذلك الكتاب وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه". في "فهرست" ابن النديم، تحدّد مدّة اعتزال علي من أجل جمع القرآن على أنها أيام ثلاثة، حيث يقال إن علياُ لما "رأى من الناس طيرة عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فأقسم أنه لا يضع عن ظهره رداؤه حتى يجمع القرآن. فجلس في بيته ثلاثة أيام حتى جمع القرآن. فهو أول مصحف جمع فيه القرآن من قلبه. وكان المصحف عند أهل جعفر، ورأيت أنا في زماننا عند أبي يعلي حمزة الحسني رحمه الله مصحفاً قد سقط منه أوراق بخط علي بن أبي طالب يتوارثه بنو حسن على مر الزمان". ( 16؛ راجع: التحفة اللطيفة، 486؛ كنز العمال، 227، 284 ). لكن الرافعي حين يورد الخبر؛ يقول: "ونحن نحسب ذلك خبراً شيعياً، لأنه غير شائع" (تاريخ آداب العرب 143).

في "مختصر تاريخ دمشق" لابن منظور، نجد تفاصيل كثيرة لا بأس من الوقوف عندها: "وعن عبد الله بن يحيى؛ قال: سمعت علياً على المنبر؛ يقول: والله ما كذبت ولا كذبت، ولا ضللت ولا ضلّ بي، ولا نسيت ما عهد إليّ، وإني لعلى بيّنة من ربّي بيّنها لنبيّه عليه السلام، فبيّنها لي، وإني لعلى الطريق الواضح ألقطه لقطاً. وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة؛ قال: خطب علي بن أبي طالب في عامة؛ فقال: أيها الناس، إن العلم يقبض قبضاً سريعاً، وإني أوشك أن تفقدوني، فسلوني، فلن تسألوني عن آية من كتاب الله إلا نبّأتكم بها، وفيم أنزلت، وإنكم لن تجدوا أحداً من بعدي يحدثكم.

وفي حديث بمعناه: فوالله ما بين لوحي المصحف آية تخفى علي فيم أنزلت، ولا أين نزلت، ولا ما عني بها. وعن علي؛ قال: كان لي لسان سؤول، قلب عقول، وما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وبم نزلت، وعلى من نزلت. وإن الدنيا يعطيها الله من أحبّ، ومن أبغض، وإن الإيمان لا يعطيه الله إلا من أحب. وعن أبي الطفيل؛ قال: قال علي: سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليلٍ نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل. وعن محمد بن سيرين؛ قال: لما توفي النبي صلّى الله عليه وسلّم أقسم عليٌّ ألاّ يرتدي برداء إلا لجمعة، حتى يجعل القرآن في مصحف، ففعل، فأرسل إليه أبو بكر: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ فقال:لا والله، إلا أني أقسمت ألا أرتدي برداء إلا لجمعة، فبايعه ثم رجع. وفي حديث بمعناه؛ قال: فزعموا أنه كتبه على تنزيله. قال محمد: فلو أصيب ذلك الكتاب كان فيه علم. قال ابن عوف: فسألت عكرمة عن ذلك الكتاب فلم يعرفه. وعن ابن شبرمة قال: ما كان أحد يقول على المنبر: سلوني ما بين اللوحين إلا علي بن أبي طالب. وعن عمير بن عبد الملك قال: خطبنا علي على منبر الكوفة فقال: أيها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، فبين الجنبين مني علم جمّ" (2413).

في "كنز العمال" رواية هامة لا تخلو من تفاصيل أخرى؛ تقول: "عن محمد بن سيرين؛ قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أقسم علي أن لا يرتدي برداء إلا الجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف؛ ففعل وأرسل إليه أبو بكر بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا والله إلا أني أقسمت أن لا أرتدي برداء إلا الجمعة! فبايعه ثم رجع… ابن أبي داود في المصاحف؛ قال: إنه لم يذكر المصحف أحد إلا أشعب وهو لين الحديث؛ وإنما رووه: حتى أجمع القرآن يعني أتم حفظه فإنه يقال للذي حفظ القرآن: قد جمع القرآن. عن علي قال: والله! ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت إن ربي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً طلقاً سؤولاً" (1926).

لكن السيوطي في "الإتقان" يورد رواية أخرى؛ تقول: "أول من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة، أقسم لا يرتدي برداء حتى جمعه فجمعه، ثم ائتمروا ما يسمونه!! فقال بعضهم: سمّوه السفر! قال: ذلك تسمية اليهود فكرهوه!! فقال: رأيت مثله بالحبشة يسمى المصحف، فاجتمع رأيهم على أن يسمّوه المصحف" (67).

باختصار؛ نقول: تفيد طائفةٌ من أحاديث الشيعة وأهل السنة أنّ علياً اعتزل الناس بعد وفاة النبي ليجمع القرآن، بعد أن رأى انه يزاد فيه! عن عكرمة قال : لما كان بعد بيعة أبو بكر قعد علي بن أبي طالب في بيته ، فقيل لأبي بكر : قد كره بيعتك فأرسل إليه فقال : أكرهت بيعتي ؟ قال : لا والله قال أبو بكر : وما أقعدك عني؟ قال : رأيت كتاب الله يزاد فيه فحدثت نفسي أن لا البس ردائي إلا للصلاة حتى اجمعه (راجع: الإتقان؛ شرح ابن أبي الحديد؛ أنساب الأشراف؛ كنز العمال؛ الطبقات الكبرى؛ مناهل العرفان).

ترتيب السور في مصحف علي:

(مع أن القصة الشائعة تقول إنّ ترتيب السور في مصحف علي يسير بحسب النزول (الإتقان، 145)، يقدّم لنا اليعقوبي (تاريخ 152:2) ترتيباً مختلفاً بالكامل والذي نجد عليّاً فيه يقدّم السور في سبع مجموعات، تبدأ كل مجموعة منها بإحدى السور الطوال وتحمل اسمها. والمخطط يسير كما يلي:

المجموعة الأولى: 2 – 12 – 29 – 30 – 31 – 41 – 51 – 76 – 32 – 79 – 81 – 82 – 84 – 87 – 98 . تحمل المجموعة اسم " البقرة "؛ وهي مكونة من 886 آية، و16 سورة. المجموعة الثانية: 3 – 11 – 12 – 15 – 33 – 44 – 55 – 69 – 70 – 80 – 91 – 97 – 99 – 104 – 105 – 106. تحمل المجموعة اسم " آل عمران "؛ وهي مكونة من 886 آية، و15 سورة. المجموعة الثالثة: 4 – 16 – 23 – 36 – 42 – 56 – 67 – 74 - 107 – 111 – 112 – 103 – 101 – 85 – 95 – 27. تحمل المجموعة اسم " النساء "؛ وهي مكونة من 886 آية، و17 سورة. المجموعة الرابعة: 5 – 10 – 19 – 26 – 43 – 49 – 50 – 54 – 60 – 86 – 90 – 94 – 100 – 108 – 109. تحمل المجموعة اسم " المائدة "؛ وهي مكونة من 886 آية، و15 سورة. المجموعة الخامسة: 6 – 17 – 21 – 25 – 28 – 40 – 58 – 59 – 62 – 63 – 68 – 71 – 72 – 77 – 93 – 102. تحمل المجمعة اسم " الأنعام "؛ وهي مكونة من 886 آية، و16 سورة. المجموعة السادسة: 7 – 14 – 18 – 24 – 38 – 39 – 45 – 47 – 57 – 73 – 75 – 78 – 88 – 92 – 110 . تحمل المجمعة اسم " الأعراف "؛ وهي مكونة من 886 آية، و16 سورة. المجموعة السابعة: 8 – 9 – 20 – 35 – 37 – 46 – 48 – 52 – 53 – 61 – 64 – 65 – 83 – 113 – 114 . تحمل المجمعة اسم " الأنفال "؛ وهي مكونة من 886 آية، و16 سورة.

هذا يعني أن ما تمّ تدوينه عند علي فعليّاً هو 109 سور؛ في حين فقد من هذا المصحف السور: 1- 13 – 34 – 66 – و96. لكننا لسوء الحظ لا نستطيع الاعتماد على ذلك لأنه كما هو واضح اعتمد أساساً له تقسيم السور في المصحف العثماني؛ والذي يصعب أن نرجح أن يكون مصحف علي سار في هديه، إضافة إلى أنه يعارض بالطبع ما ورد في روايات أخرى من أنه رتب المادة بحسب زمن النزول. والنص الذي يحكي عن ترتيب وفق زمن النزول تدعمه بالصدفة حقيقة أنه ولزمن طويل ظلت المعلومة القائلة إن السور الأولى في مصحف علي كانت: 96 – 74 – 68 – 73 – 111 – 81 ( الإتقان، 145 ). على أية حال، القوائم المقدمة آنفاً غير دقيقة؛ لأن المجموعة الأولى التي يقال إنها تتضمن 16 سورة لا تتضمن غير 15؛ وأن المجموعة الثانية التي يقال إنها تتضمن 15 تحتوي 16 فعليّاً؛ وأن الثالثة التي يقال إنها تضم 17 تحتوي فعليّاً 16؛ وأن السابعة التي يقال إنها تضم 16 ليس فيها فعلياً غير 15) جفري.

بعودة إلى المصادر الإسلاميّة السنيّة في مسألة ترتيب السور في مصحف علي؛ نقرأ في "إتقان" السيوطي: "ولذلك اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور، فمنهم من رتبها على النزول وهو مصحف عليّ، كان أوله اقرأ ثم المدثر ثم نون ثم المزمل ثم تبت ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدني" (73)؛ أما ابن النديم فقال ما حرفيته: " علي عليه السلام أنه رأى من الناس طيرة عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فأقسم أنه لا يضع عن ظهره رداؤه حتى يجمع القرآن؛ فجلس في بيته ثلاثة أيام حتى جمع القرآن، فهو أول مصحف جمع فيه القرآن من قلبه؛ وكان المصحف عند أهل جعفر ورأيت أنا في زماننا عند أبي يعلي حمزة الحسني رحمه الله مصحفاً قد سقط منه أوراق بخط علي بن أبي طالب، يتوارثه بنو حسن على مر الزمان؛ وهذا ترتيب السور من ذلك المصحف" (الفهرست 16). أما الرافعي؛ فيقول: " كانوا في أيام عمر يكتبون بعض المصاحف منسقة السور على ترتيب ابن مسعود، وترتيب أبيّ بن كعب، وكلاهما قد سرده ابن النديم في كتابه (الفهرست)، وقال ابن فارس: "إن السور في مصحف عليّ كانت مرتبة على النزول، فكان أوله سورة اقرأ باسم ربك، ثم المدثر، ثم المزمل، ثم تبَّت، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدنيّ، ولا حاجة بنا أن نتسع في استقصاء هذا الخلاف أما ترتيب مصحف عثمان فهو نسق زيد بن ثابت" (146).

فروقات مصحف علي:

لقد جمع جفري في كتابه، موادّ من أجل تاريخ القرآن النصّي، فروقات مصحف علي مقارنة بالمصحف العثماني؛ لكنّها لا تقارن بفروقات مصحفي أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود. مع ذلك، فقد وجدنا في إتقان السيوطي ما يفيد ضمناً بأنّ علياً أيضاً كان يعتقد بأنّ سورتي الخلع والحفد من القرآن: وهو ما صادفناه عند أبي بن كعب. يقول النص: "عن أبي هريرة عن عبد الله بن زرير الغافقي؛ قال: قال لي عبد الملك بن مروان: لقد علمت ما حملك على حبّ أبي تراب، إلا أنك أعرابي جافّ، فقلت: والله لقد جعلت القرآن من قبل أن يجتمع أبواك، ولقد علّمني منه علي بن أبي طالب سورتين علّمهما إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علمهما أنت ولا أبوك. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق" (الإتقان 77). وفي " شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني"؛ نقرأ: " عن أبي هريرة عن النبي قال: لما أسري بي إلى السماء سمعت نداءً من تحت العرش أنّ عليا راية الهدى وحبيب من يؤمن بي، بلغ يا محمد، قال: فلما نزل النبي أسرّ ذلك، فأنزل الله يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي بن أبي طالب وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس" ( 249:1 ).

في تفسير القرطبي ( 2039 )؛ نقرأ التالي: "وفي مصحف ابن مسعود "ووصى" وهي قراءة أصحابه وقراءة ابن عباس أيضاً وعلي وغيرهما، وكذلك عند أبي بن كعب. قال ابن عباس: إنما هو "ووصى ربك" فالتصقت إحدى الواوين فقرئت "وقضى ربك"؛ إذ لو كان على القضاء ما عصى الله أحد. وقال الضحاك: تصحفت على قوم "وصى بقضي" حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتب المصحف. وذكر أبو حاتم عن ابن عباس مثل قول الضحاك".

(حين قام عثمان بتحريره الرسمي للنص القرآني يبدو أنّ عليّاً دعمه بحرارة، قائلاً إنه لو كان في موضع عثمان لما فعل إلا الشيء ذاته. ويبدو أنه تخلّى عن مصحفه الخاص لصالح التحرير الجديد بل ربما تمّ إحراقه وقتها. ولو أنه حافظ على وجوده لكان من المؤكد تماماً أن الشيعة كانوا سيتبنّونه باعتباره مصحفهم المعياريّ؛ لكننا لا نجد بين أيدي الشيعة غير نسخ عن المصحف العثماني حتى حين يقال إن كاتبها هو علي أو أحد أولاده؛ والقراءات الوحيدة التي يفضّلها الشيعة على ما يبدو والتي ترجع إلى مصحف ما قبل عثماني، هي تلك التي ترجع إلى مصحف ابن مسعود ( هنالك إشارات عديدة إلى مصاحف كهذه في الأدب العربي، وما يزال بين أيدي الشيعة أقسام من هذه المصاحف والتي يقال إنها كتبت من قبل أشخاص من أهل البيت (أنظر: العاملي، أعيان الشيعة 150:1) لكن لا مجال أبداً للمجادلة في أصالتها) حتى في الأدب المتأخر لدينا إشارات إلى مصحف علي، من ذلك على سبيل المثال ما يقال من أنّ ابن سيرين (مات 110) كتب إلى المدينة يطلب معلومات عنه، أو حين يلحظ الثعالبي في تفسيره أنّ السورة 2 من مصحف علي لا تحوي غير 286 سورة؛ أو حين يقول ابن النديم في الفهرست إنّ نسخة تنقصها أوراق قليلة ظلّت محفوظة لأجيال عند العائلة العلوية، والأرجح أن تكون الإشارة إلى النص العثماني لكنّه مكتوب بيد علي أو لأجله، أكثر من كونه نسخة خاصة بعليّ من زمن ما قبل مصحف عثمان.

علينا أن نضع في أذهاننا بالتالي أنّ كل الفروقات غير القانونية المستشهد بها من علي، قد تكون من ناحية مستمدّة من قراءات مختلفة كان يتذكّرها وكانت في تحريره الخاص للقرآن، وقد تكون من ناحية أخرى مجرد تفاسير خاصة به للنص العثماني. ابن أبي داود في كتاب المصاحف يورد مصحف علي في قوائمه، والمعني بذلك كما هو واضح المصاحف غير القانونيّة؛ لكنه لا يستشهد منه بغير قراءة واحدة) جفري.

الفاتحة وسورتان خاصتان بمصحف علي:

كما هي العادة؛ نقدّم هنا نص فاتحة علي بن أبي طالب، بالاعتماد على ما ورد عند جفري: "بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مَلِكِ ( أو مَلَكَ ) يَومَ الدين. إهدِنا ثبّتنا الصراط المستقيم. غير المغضوب عليهم وغير الضالين". في المصادر الشيعيّة الإثني عشرية نجد نصين لسورتين، سورة الولاية وسورة النورين، يُزعم أنهما كانتا في مصحف علي؛ وغير موجودتين في مصحف عثمان:

نص سورة النورين:

" يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنورين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم إن الذين يوفون ورسوله في آيات لهم جنات النعيم والذين كفروا من بعد ما آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدهم الرسول عليه يقذفون في الجحيم ظلموا أنفسهم وعصوا الوصي الرسول أولئك يسقون من حميم إن الله الذي نور السموات والأرض بما شاء واصطفى من الملائكة وجعل من المؤمنين أولئك في خلقه يفعل الله ما يشاء لا إله إلا هو الرحمن الرحيم قد مكر الذين من قبلهم برسلهم فأخذهم بمكرهم إن أخذي شديد أليم إن الله قد أهلك عاداً وثمود بما كسبوا وجعلهم لكم تذكرة فلا تتفون وفرعون بما طغى على موسى وأخيه هارون أغرقته ومن تبعه أجمعين ليكون لكم آية وإن أكثركم فاسقون إن الله يجمعهم في يوم الحشر فلا يستطيعون الجواب حين يسألون إن الجحيم مأواهم وأن الله عليم حكيم يا أيها الرسول بلغ إنذاري فسوف يعلمون قد خسر الذين كانوا عن آياتي وحكمي معرضون مثل الذين يوفون بعهدك أني جزيتهم جنات النعيم إن الله لذو مغفرة وأجر عظيم وإن علياً من المتقين وإنا لنوفيه حقه يوم الدين ما نحن عن ظلمه بغافلين وكرمناه على أهلك أجمعين فإنه وذريته لصابرون وأن عدوهم إمام المجرمين قل للذين كفروا بعد ما آمنوا طلبتم زينة الحياة الدنيا واستعجلتم بها ونسيتم ما وعدكم الله ورسوله ونقضتم العهود من بعد توكيدها وقد ضربنا لكم الأمثال لعلكم تهتدون يا أيها الرسول قد أنزلنا إليك آيات بينات فيها من يتوفاه مؤمناً ومن يتوليه من بعدك يظهرون فأعرض عنهم إنهم معرضون إنا لهم محضرون في يوم لا يغني عنهم شيء ولا هم يرحمون إن لهم جهنم مقاماً عنه لا يعدلون فسبح باسم ربك وكن من الساجدين ولقد أرسلنا موسى وهارون بما استخلف فبغوا هارون فصبر جميل فجعلنا منهم القردة والخنازير ولعناهم إلى يوم يبعثون فاصبر فسوف يبصرون ولقد آتينا لك الحكم كالذين من قبلك من المرسلين وجعلنا لك منهم وصياً لعلهم يرجعون. ومن يتولى عن أمري فإني مرجعه فليتمتعوا بكفرهم قليلاً فلا تسأل عن الناكثين يا أيها الرسول قد جعلنا لك في أعناق الذين آمنوا عهداً فخذه وكن من الشاكرين إن علياً قانتاً بالليل ساجداً يحذر الآخرة ويرجو ثواب ربه قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذابي يعلمون سنجعل الأغلال في أعناقهم وهم على أعمالهم يندمون إنا بشرناك بذريته الصالحين وإنهم لأمرنا لا يخلفون فعليهم مني صلوات ورحمة أحياء وأمواتاً يوم يبعثون وعلى الذين يبغون عليهم من بعدك غضبي إنهم قوم سوء خاسرين وعلى الذين سلكوا مسلكهم مني رحمة وهم في الغرفات آمنون والحمد لله رب العالمين" (راجع: النوري الطبرسي؛ كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب؛ ص 180)؛

نص سورة الولاية :

" يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنبي والولي اللذين بعثناهما يهديانكم إلى صراط مستقيم نبي وولي بعضهما من بعض، وأنا العليم الخبير، إن الذين يوفون بعهد الله لهم جنات النعيم، فالذين إذا تليت عليهم آياتنا كانوا بآياتنا مكذبين، إن لهم في جهنم مقام عظيم، نودي لهم يوم القيامة أين الضالون المكذبون للمرسلين، ما خلفهم المرسلين إلا بالحق، وما كان الله لنظرهم الى أجل قريب فسبح بحمد ربك وعلي من الشاهدين" (راجع: ميرزا حبيب الله الهاشمي، منهاج البراعة 217:2).

اضافة: ثلاثة مصاحف بخط يد علي بن أبي طالب موجودة فى العالم اليوم والتى ظهرت حديثاً فينسب للإمام علي بن أبي طالب ثلاثة مصاحف مكتوبة بخط يده هم : -
المصحف الأول محفوظ بمتحف صنعاء (1)
والمصحف الثاني محفوظ بمكتبة رضا رامبور بالهند (2)
والمصحف الثالث فيمتلك المركز الوطني للمخطوطات بالعراق إثنتي عشرة صفحة منه وباقي المصحف محفوظ في مكتبة أمير المؤمنين في االنجف (3)
المراجع :
(1) المصدر :المؤتمر نت - باب اليمن صنعاء/ الإثنين, 18-يوليو-2005 عن مقالة بعنوان [ صنعاء أولى المدن بالرقوق القرآنية ] كتب / نزار العبادي ( صنعاء أولى المدن بالرقوق القرآنية من بين مخطوطات صنعاء مصحف نفيس جداً كُتب بخط علي بن أبي طالب وقد سعت إيران إلى شرائه من اليمن قبل عدة أعوام، وقدمت به مبلغاً هائلاً إلا أن صنعاء رفضت بيعه، ثم قام الرئيس علي عبدالله صالح بتصوير نسخة منه وتقديمه هدية للرئيس خاتمي خلال إحدى زياراته لصنعاء
(2) Imtiyaz Ali Arshi ، Catalogue of Arabic Manuscripts in Raza Library ، Rampur,(Vol .I, Rampur ،1963, P.XI,2-3 No 1
3- المصدر :المؤتمر نت الثلاثاء, 15-نوفمبر-2005 .. عن خبر بعنوان ( بغداد:مصحف الامام علي محفوظ في حرز مكين ) اكد رئيس الهيئة العامة العراقية للآثار والتراث: ان المصحف الكريم بخط علي محفوظ في حرز مكين.. وقال رئيس الهيئة: ان المصحف الشريف ما زال في حرز مكين لدي مركزين للمخطوطات ، الاول هو المركز الوطني للمخطوطات ويحتفظ باثنتي عشرة صفحة، والثاني مكتبة أمير المؤمنين في النجف الأشرف التي تحتفظ ببقية المصحف الشريف.

الجزء الاول : مصحف ابن ابي مسعود
الجزء الثاني: مصحف ابي بن كعب
الجزء الرابع: مصحف عبد الله بن العباس
الجزء الخامس: مصحف ابو موسى الاشعري
الجزء السادس: مصحف حفصة بنت عمر
الجزء السابع: قراءات عبد الله بن الزبير وإضافات الحجاج
الجزء الثامن: مصحف عمر بن الخطاب
الجزء التاسع: مصحف زيد بن ثابت
الجزء العاشر: السيدة عائشة والمصحف
الجزء الحادي عشر: مصحف انس وعمير
الجزء الثاني عشر: مصحف ام سلمة