آداب الحوار الرشدية
2010 / 3 / 20
قسم
من موضوع للكاتب محمد عابد
الجابر بإسم الحوار والمثقف
يقول:
شريحة "المثقفين" ظهرت في
أوروبا قبل حادثة دريفوس بقرون،
ذلك أن أصولها ومرجعياتها تعود
إلى "المثقفين" (المتكلمين
والفلاسفة) في الإسلام.
لم يضع فيلسوف قرطبة "قواعد
للحوار" بهذا العنوان في أي من
مؤلفاته، ولكنه نبه إليها
وطبقها في جميع كتبه، خاصة منها
كتابه "تهافت التهافت" الذي
هو كتاب حوار بامتياز. ففي هذا
الكتاب الذي يرد فيه على الغزالي
الذي هاجم الفلاسفة في كتاب له
بعنوان "تهافت الفلاسفة"،
فكفرهم في مسائل وبدَّعهم في
أخرى، ينبه ابن رشد إلى جملة من
القواعد الأخلاقية التي يجب أن
يلتزمها المتحاورون حتى يمكن أن
يقوم بينهم الحد الأدنى من
التواصل والتفاهم. وما أجدر
الناس في هذا الزمن الذي يرفعون
فيه شعار الحوار
،
صباح مساء، أن يتقيدوا بها، لأنه
بدونها يفقد مفهوم الحوار
خصوصيته فيتحول إلى جدال صاخب أو
إلى "حوار الصم"، لأنه يفقد
ما به ويكون الحوار
حواراً وهو الرغبة الصادقة في
"الفهم والتفاهم".
من قواعد
الحوار
التي ألح عليها ابن رشد ما يلي:
1- تجنب التشويش على رأي الخصم
وضرب آرائه بعضها ببعض! وكان
الغزالي قد صرح في كتابه المذكور:
أنا لا أريد بيان الخطأ والصواب
في آراء الفلاسفة و"إنما
غرضنا أن نشوش عليهم وقد حصل".
وقد وصف ابن رشد معظم الأقاويل
التي عاند بها الغزالي الفلاسفة
والمعتزلة بكونها عبارة "عن
شكوك تعرض عند ضرب أقاويلهم
بعضها ببعض، وتشبيه المختلفات
منها بعضها ببعض، وذلك معاندة
غير تامة" كما يقول فيلسوف
قرطبة، لأن "المعاندة التامة
إنما هي التي تقتضي إبطال مذهبهم
بحسب الأمر في نفسه لا بحسب قول
القائل به"، أي بحسب التزامه
بالموضوعية وصرامة الاستدلال،
وليس بحسب أقوال صاحب ذلك المذهب.
ويضيف ابن رشد قائلًا: "لا
يليق هذا الغرض (التشويش) به (بالغزالي)
وهي هفوة من هفوات العلماء. فإن
العالم بما هو عالم إنما قصده
طلب الحق، لا إيقاع الشكوك
وتحيير العقول".
2- الاجتهاد في فهم آراء الخصم
ضمن مرجعيتها والتزام العدل
والنزاهة في الاستشهاد بها،
يقول: "فينبغي لمن آثر طلب
الحق، إن وجد قولاً شنيعاً (عند
خصمه) ولم يجد له مقدمات محمودة
تزيل عنه تلك الشناعة، ألا يعتقد
أن ذلك القول باطل، (بل عليه) أن
يطلبه من الطريق الذي زعم المدعي
له أنه يوقَف منها عليه، ويستعمل
في تعلم ذلك من طول الزمان
والترتيب ما تقتضيه طبيعة ذلك
الأمر المتعلم". وأيضاً: فإذا
رأى المحاور شناعات في أقاويل
خصومه، فـ"من العدل أن يقام
بحجتهم في ذلك ويناب عنهم، إذ
لهم (إذا كان من حقهم) أن يحتجوا
بها. ومن العدل كما يقول الحكيم (أرسطو)
أن يأتي الرجل من الحجج لخصومه (لفائدتهم)
بمثل ما يأتي به لنفسه، أعني أن
يُجهد نفسَه في طلب الحجج لخصومه
كما يُجهد نفسه في طلب الحجج
لمذهبه، وأن يقبَلَ لهم من الحجج
النوع الذي يقبله لنفسه".
وأيضاً: "لابد أن يسمع الإنسان
أقاويل المختلفين في كل شيء يفحص
عنه، إن كان يحب أن يكون من أهل
الحق". "وأما قول الغزالي إن
قصده ها هنا ليس هو معرفة الحق،
وإنما قصده إبطال أقاويلهم (الفلاسفة
والمعتزلة) وإظهار دعاويهم
الباطلة، فقصد لا يليق به، بل
بالذين هم في غاية الشر".
3- الاعتراف بالآخر وعدم التنكر
لما يستفيده الإنسان من خصومه.
وفي هذا الصدد يشير ابن رشد إلى
أن "معظم ما استفاد الغزالي من
النباهة، وفاق الناس فيما وضع من
الكتب إنما استفاده من كتب
الفلاسفة ومن تعليمهم". "فلو
لم يكن لهم إلا صناعة المنطق -التي
يدعو إليها بحرارة- لكان واجباً
عليه وعلى جميع من عرف مقدار هذه
الصناعة شكرهم عليها".
4- التزام الأمانة العلمية: ومع
تكرار التشويش المتعمد من طرف
الغزالي لا يملك ابن رشد إلا أن
يشك في اتصافه بـ"العدالة
الشرعية"، وهي ما نسميه اليوم
بالأمانة العلمية، يقول: "ولذلك
نرى أن ما فعل أبو حامد، من نقل
مذاهب الفلاسفة في هذا الكتاب
وفي سائر كتبه وإبرازها لمن لم
ينظر في كتب القوم على الشروط
التي وضعوها، أنه مغير لطبيعة ما
كان من الحق في أقاويلهم، أو
صارف أكثر الناس عن جميع
أقاويلهم. فالذي صنع من هذا: الشر
عليه أغلب من الخير في حق الحق"
-------------------------------------------
في
سنة 578هـ- 1182م استدعى السلطان
الموحدي "أبو يعقوب يوسف"
الفيلسوف العربي الشهير "ابن
رشد" إلى مراكش "المغرب"
وجعله طبيبه الخاص بدلاً عن "ابن
طفيل" الذي كان قد تقدم في
السن، ثم عينه قاضياً في قرطبة،
وبعد وفاة السلطان خلفه ابنه "أبو
يوسف يعقوب المعروف بلقب
المنصور" فقرب إليه ابن رشد،
وأنزله منزلة حسنة، وعلت مكانته
حتى كثر حساده وشانئوه الذين
نقموا عليه وعلى آراءه وأفكاره
بسبب المكانة التي كان يحتلها
لدى السلطان، ولذا فقد أوعزوا
إلى الأخير فحاكم ابن رشد،
محاكمة صورية، وأمر بإحراق كتبه
عن الفلسفة كلها باستثناء
مؤلفاته في الطب والحساب
والفلك، ونفاه إلى مدينة "أليسانة"
قرب "قرطبة" والتي كانت
مسكناً لليهود في تلك الفترة.
وبعد فترة وجيزة فر "ابن رشد"
من مدينة أليسانة إلى مدينة "فاس"
في سنة594هـ- 1197م، وهناك أمسكه بعض
أهلها ونصبوه أمام الجامع ليقوم
المصلون بالبصق عليه عند الدخول
والخروج. ولما عفي عنه في العام
التالي 595هـ- 1198م، رجع إلى
المغرب، لكنه توفي في السنة
نفسها، عن عمرٍ يناهز الخامسة
والسبعين عاماً.
وفي إيطاليا كان الملك (فريدريك
الثاني)، يخوض صراعاً مريراً مع
الكنيسة، وقد أسس جامعة نابولي
في سنة 1224م مستقلة عن سلطة
الكنيسة، وقد استدعى لهذا الغرض
العالم (ميخائيل سكوت) وعهد إليه
أن يقوم بنقل كل كتب أرسطو
وشروحات ابن رشد عليها، من اللغة
العربية إلى اللاتينية، لتدرس
في تلك الجامعة. ولما أراد ملك
فرنسا (لويس الحادي عشر) إصلاح
التعليم الفلسفي في بلاده في سنة
1473م طلب من أساتذة المدارس "
تعليم فلسفة أرسطو وشروحات ابن
رشد عليها، لإنه ثبت أن تلك
الشروحات هي أصدق ماكتب عن أرسطو".
فمن هو " سلطان العقول" هذا
الذي نصبه بنو قومه أمام باب
الجامع للبصق عليه، واهتدت
الحضارة الغربية بفكره وشروحاته
ليبنوا فلسفتهم وحضارتهم عليها؟!!