نقد الفكر الديني
 
 


  القرآن ناقص وغير متواتر

2010 / 1 / 5

إشكالية تدوين القرآن

وضع القرأن زمن أبي بكر وعمر:
ذكرنا في المقال السابق حديث زيد بن ثابت: قُبِضَ رسول الله ولم يكن القرآن جمع في شيء. وهذا لا ينفي وجود بعض سور القرآن مدونة في رقاع ، وأخرى مكتوبة على اللخاف وهي حجارة بيضاء مسطّحة، وقد كانت متناثرة في بيوت بعض الصحابة ، وبعض آخر مدوّن على العظام وهي أكتاف الإبل ، لكن معظم القرآن كان في صدور الرجال. وذكرنا أن السبب في الجمع الأول في عهد أبي بكر كان اشتعال حروب اليمامة حيث استحر القتل بالقراء. ونلاحظ في هذه الحقبة أن الاعتماد الأساسي كان على ذاكرة البشر أو ما يسمى الحفظ في الصدور، ويتضح ذلك من تكليف أيو يكر لعمر وزيد بالقعود على باب المسجد وأخذ الأيات من صدور الرجال على شاهدين، ويتبين أيضا من فزع عمر لمقتل كثير من الحفظة إذ لو كان الفرأن المدون كاملا وموثوقا به لما فزع عمر هكذا. كذلك يمكن أن يتبادر إلى الذهن أن عدم ترتيب الآيات تاريخيا أو موضوعيا إنما يرجع إلى المواد الخشنة التي استعملت كصفحات والتي لم تكن تسمح بترتيب السور ناهيك عن اختلاف موادها ما بين الحجر والعظم والجلد وسباط النخيل وغيره مما يستحيل معه تنظيمها يصورة متتابية كالكتاب.

ومن التساؤلات المنطقية التي تطرأ على ذهن القاريء: هل كان ابو بكر وعمر حافظين للقرأن؟
الإجابة المنطقية تقول لا، وإلا ما فزع عمر هكذا، وما كان أبو بكرقد وافق على عمل لم يفعله الرسول. واستقراء الأحاديث يؤكد ذلك: روى مالك عــــن نافع عن ابن عمر قال: (تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزوراً) نزهة الفضلاء ، تهذيب سير أعلام النبلاء.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب ). رواه الحاكم والترمذي، وقال حسن صحيح، وصححه السيوطي.

عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قلت: من أبو زيد ؟ قال: أحد عمومتي.

وروي من طريق ثابت عن أنس كذلك قال: "مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرادء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو يزيد ".
وهذا يرينا مدى ضآلة عدد من حقظ القرأن. ولم يكن من بينهم ابو بكر أو عمر.

كذلك في عصر ابي يكر كان لبعض الصحابة مصاحفهم الخاصة مثل على بن أبي طالب وابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهم. والحديث التالي يبين ذلك: عن عكرمة قال‏:‏ لما كان بعد بيعة أبي بكر قعد علي بن أبي طالب في بيته فقيل لأبي بكر‏:‏ قد كره بيعتك فأرسل إليه فقال‏:‏ أكرهت بيعتي قال‏:‏ لا والله قال‏:‏ ما أقعدك عني قال‏:‏ رأيت كتاب الله يزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه قال له أبو بكر‏:‏ نعم ما رأيت. وأخرجه ابن أشتة في المصاحف.
أقرأت؟ أمير المؤمنين على بن أبي طالب يقول بعد موت الرسول ببضعة أسابيع: رأيت كتاب الله يزاد فيه!!

وفي صحيح البخاري: يقول زيد بن ثابت: فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم إلى آخرهما وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر.

كتب زيد آيتين من سورة التوبة بشاهد واحد!! ألم يقولوا أن زيدا كان يحفظ القرآن، لماذا لم يتذكرهما؟ هل كتب المصحف يأخبار الأحاد كما الأحاديث؟ أم أن شهادة خزيمة الأنصاري تعدل شهادة رجلين؟ نعم وإليك الدليل: ‏أن النبي ‏ ‏(ص) ‏ابتاع ‏ ‏فرسا من أعرابي فاستتبعه النبي ‏ (ص) ‏ ‏ليقضيه ثمن فرسه فأسرع رسول الله ‏ ‏(ص) ‏المشي وأبطأ الأعرابي ‏ ‏فطفق ‏ ‏رجال يعترضون الأعرابي ‏ ‏فيساومونه ‏ ‏بالفرس ولا يشعرون أن النبي ‏ (ص) ‏ ‏ابتاعه ‏ ‏فنادى الأعرابي رسول الله ‏ (ص) ‏ ‏فقال إن كنت ‏ ‏مبتاعا ‏ ‏هذا الفرس وإلا بعته فقام النبي ‏ (ص) ‏ ‏حين سمع نداء الأعرابي فقال أو ليس قد ‏ ‏ابتعته ‏ ‏منك فقال الأعرابي لا والله ما بعتكه فقال النبي (ص) ‏ ‏بلى قد ابتعته منك ‏ ‏فطفق ‏ ‏الأعرابي يقول ‏ ‏هلم ‏ ‏شهيدا فقال ‏ ‏خزيمة بن ثابت ‏ ‏أنا أشهد أنك قد ‏ ‏بايعته ‏ ‏فأقبل النبي ‏ (ص) ‏ ‏على ‏ ‏خزيمة ‏ ‏فقال بم تشهد فقال بتصديقك يا رسول الله ‏ ‏فجعل رسول الله ‏ (ص) ‏شهادة ‏ ‏خزيمة ‏ ‏بشهادة رجلين.

وفي الإتقان نقلا عن المصاحف لابن اشتة، عن الليث بن سعد قال: وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل ، وإن آخر سورة براءة لم يجدها إلا مع خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين فقال : اكتبوها فإن رسول الله (ص) جعل شهادته بشهادة رجلين فكتب، وان عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنه كان وحده.

وكذا جاء في كنـز العمال " عن هشام بن عروة قال : لما استحر القتل بالقراء فرق أبو بكر على القرآن أن يضيع فقال لعمر بن الخطاب و لزيد بن ثابت : اقعدا على باب المسجد فمن جاءكم بشاهدين على شيء من القرآن تنكرانه من كتاب الله فاكتباه.
وهذه الجملة ( فلا يأتينكما أحد بشيء من القرآن تنكرانه ) تدل على أن بعض الآيات يحق لها الدخول في المصحف بشهادة رجلين وإن أنكرها جماع المصحف ، أي أن من وكل بجمع القرآن لا يحفظه !!! وفي هذا دليل أن زيد لم يكن حافظا لكل القرآن، وإلا لكان كتب آية الرجم بشهادة عمر وشهادته!!

قال الشيخ الكوراني: هذا الكلام يدل على أن القرآن الذي ( يحفظه ) أبو بكر وعمر وزيد وغيرهم من الحفاظ المعروفين، ناقص!! وأن بقيته مبثوثة عند الناس، لذلك تعلن الخلافة أن أي نص يشهد عليه رجلان أنه من القرآن فهي تلتزم به وتثبته في القرآن، ونائب الخليفة وكاتبه مأموران أن يدخلا ذلك النص في القرآن حتى لو لم يشهدا به ، بل حتى لو استغرباه وأنكراه ( تنكرانه . . إلا أثبتماه )! إن هذه الحركة منسجمة تماما مع الأحاديث الصحيحة الواردة عن الخليفة عمر بأن القرآن الذي نزل أضعاف الموجود ، لذلك فهو يحاول جمع ما ضاع منه بأقل إثبات شرعي وهو شاهدان عاديان!. انتهى.

ويهمنا في هذا المقال أن نشير إلى آية الرجم التي تحدث عنها عمر وجاء حديثها بإسهاب في صحيح البخاري، عن ‏ابن عباس ‏ ‏قال: ... فجلس ‏ ‏عمر ‏ ‏على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به ‏ ‏راحلته ‏ ‏ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي إن الله بعث ‏ ‏محمدا ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو ‏ ‏الاعتراف ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم...

هذا خليفة خليفة رسول الله الفاروق، الذي وافقه ربه في ثلاث: ‏قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اتَّخَذْتَ مَقَامَ ‏ ‏إِبْرَاهِيمَ ‏ ‏مُصَلًّى وَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ ‏ ‏الْبَرُّ ‏ ‏وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏ ‏آيَةَ الْحِجَابِ ‏ ‏قَالَ وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْضَ نِسَائِهِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ قُلْتُ إِنْ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏خَيْرًا مِنْكُنَّ حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسَائِهِ قَالَتْ يَا ‏ ‏عُمَرُ ‏ ‏أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ.

يقول عمر: أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ورجمنا بعده.
أين آية الرجم في القرآن؟ غبر موجودة. هل سقطت؟ كيف والله تعهد بحفظ الذكر؟ هل نسخت؟ ‏وأين الآية الناسخة؟ وانهار الدماء التي سفكت والأرواح التي أزهقت رجما من يتحمل وزرها؟؟!! هل عمر كاذب؟ هل الحديث موضوع؟ إذا لماذا يرجمون ويهللون ويكبرون عندما يرون عذاب البشر ومهانتهم ومصارعهم؟؟ تساؤلات تحتاج إلى إجابات. كفى دماء، كفى ظلم. حد من حدود الله غير موجود في كتاب الله.. ثم نبسمل ونحوقل ونهمهم: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ (الأنعام 38)
والموضوع متبوع