نقد الفكر الديني
 
 


 معضلة اللغة في مفهوم المعجزة الخالدة



الغالبية تعتقد إعتقادا راسخا لا لبس فيه أن لمحمد معجزات حسية دعم بها الله صدق نبوته أمام قومه من الجاحدين ، وبهذا لا يمكن لله أن يستمر في بعث المعجزات أبد الدهر حتى بعد وفاة خاتم النبيين ، فمن حكمته تعالى أن جعل القرآن معجزته الخالدة التي تخاطب البشرية جمعاء باختلاف عصورهم و ألسنتهم الى يوم البعث، فهل حقا ان القرآن معجزة للعالمين؟.

أول تساؤل يتبادر الى ذهن القاريء ، هو كيف لإله عادل يخاطب غير العرب بكلام عربي على أنه الحق الأوحد من عنده ؟! حتى المسلم العربي الذي نهل لغة القرآن منذ نعومة أضافره ، نجده لا يستنكر أبدا كيف لإله يصفه بالعدل المطلق ، يجعل آخر كتبه على الأرض بلغة لا يتحدثها أكثر من 6 % من البشر !! بل الأنكى من ذلك أنه يرى في صدفة ولادته بين العرب و المسلمين من النعم التي تستوجب الشكر و الحمد (الحمد لله على نعمة الإسلام!) ،متجاهلا الأقوام والملل الأخرى التي غالبا ما تموت على "الكفر" ، وتلقى مصيرها الحتمي بالخلود في العذاب المهين.

وإذا انتشرت أخبار بوجود ديانة في الصين مثلا تدعي أن كتابها المقدس يحمل معجزات، وأن دينها هو الحق الالهي ، فلا يتمالك مسلمنا انفاسه من الضحك أمام هذا النبأ ، ويردد بكل جدية ان دين الحق نزل عربيا، وانه لايعقل ان يكون مليسار مسلم على خطأ !! ولكن يتناسى أن المتكلمين بالصينية هم أضعاف متكلمي العربية ، وطبعا لا يعير هذا الخبر حقّ اهتمامه، ولا يكلف نفسه عناء البحث في حقيقة هذا الإدعاء، حتى ولو توفرت له وسائل الترجمة ، وفي نفس الوقت لا يتوانى عن إلقاء اللوم على مخالفيه الأعاجم لتفريطهم بالتدبر في المعجزة القرآنية الخالدة .وهو منطق نرجسي واختلاف في المعايير، سقطنا فيه، فهل حقا يمكن للقرآن ان يكون معجزة لغوية للعالم؟

إشكاليات اللغة في توصيل المعجزة الخالدة لكافة البشر:


1-قبل ظهور تراجم القرآن(من القرن 6م الى 17م):

القرآن كلام عربي فصيح ،وظهوره مخاطبا العرب بين قريش هو أمر بديهي ،ولكن الغريب و الغير مقبول أن يدعي كاتب القرآن أنه يخاطب جميع البشر فيهديهم سبل الرشاد و ينجيهم من لهيب النيران،حيث يقول :
(وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

والسؤال ،كيف للأعجمي أن يفهم القرآن ويستيقن بأنه ليس بكلام البشر ؟! ومن شدة اليقين بألوهيته ، يتمرّد عن دين الاباء و الأجداد، ليعتنق الإسلام دين الحق !! متحملا بذلك التضحيات الجسام من مادية وإجتماعية ، بل أحيانا تصل التضحية حتى بالنفس و الولد في سبيل نشر الدين.

لا يعتبر الخط العربي بالنسبة للأعاجم سوى مجموعة من الطلاسم و الأشكال الغريبة ، فتصور أن يأتي اليك شخص بأشكال وخطوط لا معنى لها ، على شاكلة الخطوط الهيروغليفية بالنسبة لنا، مدعيا أنها كلاما ربانيا يستوجب عليك الإيمان به وطاعة رسوله ، وإلا تفصل رقبتك عن جسدك، ليس لديه برهانا على ذلك غير كلمة شرف من الامين الصادق!!

صورة

والسؤال كيف لهذه الطلاسم أدّت الى نشر الإسلام قناعة، من خراسان الى الأندلس ، فقط ، خلال 100 عام ؟!

2-بعد ظهور تراجم القرآن(بعد القرن 17م)

أول ترجمة لمعاني القرآن باللغة الإنجليزية تمت في سنة 1734 (1) ، ومع هذا ، مهما تعددت التراجم فلا يمكنها تغطية 5000 لغة يتحدثها سكان المعمورة ،وبالتالي تبقى دائما اللغة حاجزا بين العبد و ربّه ، وتبقى الترجمة وسيلة ناقصة من حيث الكم -أوّلا-ومن حيث الكيف أيضا ، حيث يتغير معنى النص المنقول الى اللغات الأخرى ، فيبقى دائما القاريء رهن فهم المترجم وهواه ،وهكذا تضيع المعجزة الخالدة بين أخطاء النقل و مفاهيم البشر القاصرة. (لاحظ ان اللغة هي تراكم ثقافي واجتماعي ايضا وليس فقط لغوي)

لا شكّ ان المعجزة و القاعدة الأساسية التي انطلق عليها الإسلام في مكة ،هي المعجزة اللغوية و التحدي البلاغي و البياني ، وظل هذا المفهوم راسخا لدى المسلمين الى حين ظهور الحقائق العلمية ومصطلح الإعجاز العلمي في أواخر القرن 19م ، أما المحاولات السابقة لتفسير القرآن بالعلوم- كتفسير ابن تيمية في القرن السابع هجري - لا ترقى ابدا الى مصاف المعجزات و البراهين على ربوبية القرآن ، بسبب غياب الحقائق العلمية القاطعة آنذاك.

و المعضلة الحقيقية في هذه الحقبة الزمنية ، تتمثل في تلاشي المعجزة الوحيدة " البلاغية " بمجرد نقل النص من العربية الى لغات أخرى ، و مثالا على ذلك :

"اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ و ربك الأكرم ، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم "

تتجلى القوة البلاغية بين سجع و بيان في هذه الآيات ، أما الترجمة:

[1] Proclaim! (or Read!) In the name of thy Lord and Cherisher, Who created,

[2] Created man, out of a (mere) clot of congealed blood:

[3] Proclaim! and thy Lord is Most Bountiful,

[4] He Who taught (the use of) the Pen,

[5] Taught man that which he knew not.

أين البيان و البلاغة في هذا الإنشاء ؟! يبدوا أن اله الإسلام لا يأبه لهداية الأعاجم طوال هذه القرون !



3-بعد ظهور الحقائق العلمية( بعد 19م)

غالبا ما تؤدي الحماسة الدينية(أو المصلحية ) للمترجم المسلم بتحوير معاني القرآن ، قصد إخراجها من التناقض العلمي ، فكثيرا ما يضطر الى حذف كلمات و اضافة تنويهات بغية الوصول الى المعنى الموافق للحقائق العلمية الحديثة ،وبهذا يجد الأعجمي نفسه امام ترجمة منقحة و معدلة قد تتيح له امكانية اعتناق الإسلام ، وتبعده عن الوقوع في وحل ما يسمى شبهات تناقض القرآن العلمي ، وبما أن اللغة العربية لا تحضى باهتمام الغرب لقصورها في شتّى الميادين الحضارية ، فلا يجد الأعجمي سبيلا للتحقق من صحة الترجمة معتقدا أنها نتاج نقل حيادي و موضوعي لمعاني القرآن ، و الأمثلة كثيرة سنتناول بعضا منها :


(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) الحج آية رقم 46

الترجمة:(2)

Do they not travel through the land, so that their hearts (and minds) may thus learn wisdom


طبعا القلب ليس للتمييز و التفكير ،فاضطر المترجم الى وضع أمام القلوب (عقول) فيعتقد القاريء أن الآية ذكرت القلوب مجازا والقصد الحقيقي هو التفكير بالعقل و الذهن .



سورة الكهف آية 86 :
حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا.


الترجمة :(3)

"At Sunset he reached a place where he watched the sun setting on the horizon and it seemed to him that it was setting into a muddy river bank. So he went there and found people there. We said ;O Zul-Qarnain! you either punish them or do good for them"

هذه الترجمة كلها مغالطات فاضحة لإخراج الآية من التناقض العلمي :

يقول :at sunset
يعني عند غروب الشمس ،وهو ظرف زمان ، أما الآية تقول :"حتى بلغ مغرب الشمس" وهو ظرف مكان !! فبما أن لا مكان لغروب الشمس حوّر المترجم المعنى الى الزمان!

ثم يقول :he reached a place where he watched the sun setting on the horizon

يعني بالعربي :وصل الى المكان حيث شاهد الشمس تغرب في الأفق !!!
لا أدري أين وجد المترجم كلمة "الأفق" !! وهل "شاهد" تفيد نفس معنى "وجدها" ؟!

ثم يقول :
it seemed to him that it was setting into a muddy river bank

بالعربي: بدى له (خيّل له) أن الشمس تغرب في عين موحلة !!!
لا تعليق على هذا التدليس !!


(أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا)..النمل 61

الترجمة (4)
HE made the earth a resting-place (for you)

المترجم أضاف بين القوسين (for you)
أي بالعربي : "جعل الأرض ثابته (بالنسبة اليك)"

ولماذا لم تقل ذلك الآية صراحة ؟ وأين قالت الآية أن الأرض ثابته من وجهة نظر سكانها ، ولكنها متحركة بالنسبة للكون ؟!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر الاول
2 ترجمة من موقع وزارة الشؤون الإسلامية السعودية للقرآن.
(3) The Glorious Qur"an
Translated by Dr. Ahmad Zidan
معتمد من مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر يوم 1 فبرير عام 1992 .
(4) The noble Quran, Chapter 27, Verse61