نقد الفكر الديني
 
 


 قسمة ضيزي، هل اسست لدونية الانثى في الاسلام؟



من الغريب ان يستاء الله لمجرد اطلاق اسماء الاناث على الملائكة، إذ يقول "(أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما)40/17، ويؤكد الله رفضه البات لوصفه بالاسماء الانثوية فيقول (ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذا قسمة ضيزى)21-22/53..
مالذي يجعل الهنا (جل جلاله) حساس للغاية من مجرد اسم، مع ان الله لاجنس له، وبالتالي لامعنى ان تكون اسماءه ذكر او انثى، بل وعلى العكس يفترض ان ينأى بنفسه عن فهم الموضوع من خلال إشكالية " قسمة ضيزي" في العلاقة مع عبيده مفضلا ذكورهم على اناثهم في كل شئ بما فيه في توجيه الخطاب والاسماء وصيغة الخطاب، تماما على شاكلة عقلية ذكور البدو في ذلك العصر ..

الله جل جلاله يقول: (( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ، وذروا الذين يُلحدون في أسمائه )) الأعراف 180، ومنه فإن رفضه لاسماء الاناث يعني ان اسماء الاناث ليست حسنى، وهذا تحيز واضح على اساس الجنس لصالح الذكر. فهل يعقل هذا التمييز عن إله سامي؟

والله جل جلاله قد اختار صيغة الذكورة في مخاطبته لنفسه في القرآن، مع انه يفترض ان لايكون لذلك معنى، وانه بالامكان استخدام صيغة الذكورة وصيغة المؤنث في نفس الوقت، من حيث ان الله ليس ذكرا ولا انثى، ومع ذلك نرى التحيز للذكر واضح، ليس فقط من خلال الاستياء من الاسماء الانثوية، بل وحتى في اختياره لصيغة الذكورة في المخاطبة واختياره الذكور ليتوجه اليهم بالخطاب بشكل رئيسي وبمنحهم الميزات والسلطة والوصاية.

ونلاحظ ان جميع من وصلنا خبرهم من مملكة الله يطلق عليهم اسماء الذكور، فلايوجد ملاك واحد له اسم مؤنث ولو من قبيل مرعاة ان نصف عبيده من الجن والبشر هم من الاناث و ان مايمارسه الله نفسه يمكن وصفه بانه " قسمة ضيزي" في حق الاناث، يحتاج الى إصلاحه ايضا.
فيقول: (28) إن الذين لايؤمنون بالاخرة ليسمون الملائكة تسمية الانثى ..
مما يعني ان الفيتو الالهي كامل على الاسماء لمجرد انها انثوية، وهذا الامر لم يكن ليكون له قيمة لو لم يكن لجنس الملائكة وجنس الله اية اهمية فعلا.. والله لم يقل ابدا انه وملائكته بلا جنس بطريقة مباشرة وحاسمة لا لبس فيها او ابهام، ولو لم يكن لجنسه مكان لما كان هناك مبرر لانزعاجه الواضح من الاسماء الانثوية، ورغبته الواضحة بالاسماء الذكورية الحسنى، فهل حقا ان الله جل جلاله لاجنس له؟.

نعلم ان الملاك جبريل خجل من خديجة عندما كشفت عن ساقها، من اجل ان تختبر فيما اذا كان الوحي ملاكا ام شيطانا، وخجل الوحي واختفائه برهن لها انه ملاك وطمأنت الرسول صلى الله عليه وسلم الذي اصيب بالرعدة. الايعني ذلك ان الملاك كان ذكر؟ إذ لماذا سيخجل ملاك لاجنس له وليس له مشاعر او متطلبات جنسية او مفاهيم جنسية؟ الايفترض ان يكون الملائكة كالاطفال في نظرتهم الجنسية؟ ان يكون الملائكة يخجلون يعني ان لهم جنس، او على الاقل يعني ان من الضروري ان يكون لدى الله ملائكة اناث ايضا إذ لربما يضطر الى ارسالهم الى امرأة فيدخل عليها الذكر من الملائكة في خلوة غير مناسبة، ويسبب الامر له الاحراج والخجل، ويتأخر في إنجاز مهمته الالهية.

ولكون الله لاجنس له، حسب الافتراض، ولكون صيغة الذكر او صيغة الانثى لاقيمة لها عند مخاطبته في حال صحة الافتراض، اسمحوا لي ان اكمل الموضوع بصيغة المؤنث، لتصبح عدالة في الخطاب..

من اين نعلم ان الله لاجنس لها؟

على الرغم من اعتراضها على الاسماء الانثوية، نجد ان "الله" بذاته هو اسم انثوي، إذ ان اسم منحدر عن الاله "إله"، وهي الوجه المؤنث من الاله الوثني ايل، والذي ابدعه السومريين. وقد انتقل الى العربية عبر الاراميين والعبريين، ولكونه اسم وإله اعجمي استخدمه العرب بصيغة الذكر، ولذلك تسرب الى القرآن بالصيغة التي شاعت حسب التقاليد والعادات القبلية، على الرغم من ان غالبية اسماء الالهة العربية هي انثوية لربما من بقايا الموروث التاريخي لاثار المجتمعات الامومية الاولى.

وعادة يجري نفي الجنس عن الله، لقولها في القرآن " ليس كمثله شئ"، في حين ان السومريين ايضا كانوا يقولون عنها انه ليس كمثلها شئ، ولذك يصورونها على انها تارة بجسم انسان ورأس طائر وتارة اخرى بجسم شخص غريب الوجه قادم من كوكب اخر، وفي كلا الحالتين : ليس كمثلها شئ. بمعنى انها لاتشبه احد من الارض، ولكن ذلك لم يمنع ان تكون انثى.

ونحن نقول اليوم ان "الانسان ليس كمثل الحيوان"، على الرغم من ان ذلك لايعني انه لا يوجد ذكر وانثى لدى الحيوان ايضا، وبالتالي " ليس كمثله شئ" لاتكفي لتعني انها ليست ذكر وليست انثى، عدا عن انها لاتنفي على الاطلاق انها ليست من جنس ثالث او بدون مشاعر جنسية للمتعة فحسب.

والبعض يشير الى الاية التي تقول : لم يلد ولم يولد"، غير ان هذه الاية ايضا لاتقول انها بدون جنس، وانما فقط انها لم تلد ولم تولد، ولكن ذلك لايعني انها ليست قادرة ان تلد، خصوصا وان ذلك يتناقض مع قدرتها الكلية، إضافة الى ان وجود الجنس لايعني بالضرورة الحاجة الى الولادة، فنحن نمارس اكثر عملياتنا الجنسية ليس من اجل الولادة على الاطلاق.

ونرى انها تقول :" ومن يشرك بالله فقد ضل ضلال بعيدا إن يدعون من دونه الا إناثا".( سورة النساء)
وهنا يظهر ان الموضوع له علاقة مباشرة بجنس الله، إذ انها تشير الى وضاعة الالهة التي يدعون اليها بكون جنسها انثوي، والله ، المستخدم بصيغته الذكرية في التقاليد العربية، لديه مايفاخر به بالمقارنة مع الاناث الاقل مستوى في العقلية البدوية للعرب في ذلك الوقت وحتى اليوم.

مع هذه الاية يكون اصبح من واجبي ان اتحول الى صيغة الذكر في مخاطبة الله، إذ ان للصيغة اهمية كبيرة لديه من حيث ان الانثى ادنى، إذ ليس الذكر كالانثى..

ونلاحظ انه يقول :"(الانعام، 151) ....انى له ولد ولم تكن له صاحبة...
والمثير في هذه الاية انها تأتي عن شخص ثالث يخبرنا عن الله. والشخص الثالث الذي لاندري كنهه يخبرنا ان الله لايمكن ان يكون له ولد بسبب ان ليس له صاحبة (تحديدا)، وهو سبب " منطقي" وثبوله يفترض قبول سياقه الذي يعني ان الله ينتمي الى عكس الجنس الغائب وتحديدا: ذكر. إذ ان سبب عدم الانجاب هو عدم وجود الصاحبة، ليس الصاحب، وليس لكون الله لاجنس له، او انه جنس ثالث، او لاشبيه له جنسيا، وانما لفقدان الصاحبة تحديدا.

والقرآن يؤكد ذلك مرة اخرى فيقول: (الجن،3) وأنه تعالى جد ربنا ماأتخذ صاحبة ولا ولداً وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا.. وهنا ايضا شخصا ثالثا لاندري كنهه يصر على اخبارنا ان الله جل جلاله ماأتخذ صاحبة (تحديدا).. بما يجعلنا نفهم انه ذكر تحديدا، فالذكر هو الذي يتخذ صاحبة، ولو كان انثى لقال مااتخذ صاحب، ولو كان لاجنس له لقال: لايتخذ صاحب او صاحبة ، إضافة الى ان ذلك يتوافق مع صيغة الخطاب التي اختارها لنفسه والاسماء التي اختارها لنفسه وموقفه النفسي من الاسماء الانثوية وتوجه بالخطاب للذكور تحديدا على العموم...

من الممكن ان يتصور البعض ان هذا الاستخدام كان نزولا عند ضرورات لغوية، غير ان مثل هذا الادعاء يضعنا امام معضلات جديدة وخطيرة. ان ذلك يعني ان الله كان مضطرا للخضوع لادوات اللغة، وهو امر غير مقبول، خصوصا وان هذا الخضوع أسس لتشريع عادات لااخلاقية وسلوكية موروثة، إضافة الى انها تعني عجز الله على خلق ادواته الخاصة ، بل ان تحميل اسباب الخطأ للغة، هو اعتراف بانها لم تكن الوسيلة المناسبة للرسالة، وان اختيارها كان خطأ مؤسف، على الرغم من ان اللغة بالذات هي التي تقدم على انها الاعجاز.

إن الايات التي جرى الاشارة اليها، لاتقتصر على استخدام الصيغة الذكورية، وانما مشبعة بشحنات العقلية الذكورية المتراكمة تاريخيا، وبالتالي فالامر لايقف عند استخدام لغة قاصرة، بل استخدامها بتراكماتها الثقافية والاجتماعية والسلوكية، كناتج لاصول وقواعد ومفاهيم سلوك التسلط الذكوري، الامر الذي يعني ان الله قد اقر الذكر على " عاداته" ، من حيث ان اللغة هي ناتج اجتماعي وثقافي.

ومهما كان الامر، فمن الواضح ان اسماء الاناث، وبرأي الله، ليست من الاسماء الحسنى التي تليق بإله او حتى ملائكته، وبالتالي فقد اختار الله خندقه الى جانب الذكر وترسيخ مفاهيم الدونية تجاه الانثى، الامر الذي يفسر اسباب بقاء هذا السلوك في المجتمعات الاسلامية حتى اليوم

(الانعام، 155) وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً لامبدل لكلماته...