ماهو
سر حلاوة القرآن؟
حينما نتحدث عن القرآن نسمع من
الكثير يذكرون ان
للقرآن حلاوة تطغى عليهم
عند سماع او قراءة آياته، وقدرة القرآن على إيقاظ هذه المشاعر والاحاسيس لديهم
كافية لتكون برهان على المصدر الغير بشري
للقرآن.
والحق يقال ان مجرد كون الشيء
جميل لايعني ان مصدره الهي،
اذ لا يمتنع ان يكون هناك انسان
مبدع وعالم في صناعة الادب بشقيه
الشعر والنثر او حتى بفرع جديد
يؤسسه بنفسه ويرسم قواعده،
عدا عن تذوق جمال الموسيقى والشعر والاغاني، يختلف ليس فقط بين الافراد وانما حتى بين الامم،
لهذا السبب اعجاب الشرقيين بالاغاني البطيئة،
في حين ان اغانينا وموسيقانا لاتجد لها صدى في الغرب.
ان علامة الابداع البشري
المميزة عند اهل الأدب هو ان
نصوص الأديب لا تأتي كلها على
نفس المستوى من الجودة، فأنت قد
تقرأ مجموعة قصائد لنزار قباني
وتعجب اعجاباً شديداً بها ولكن
قد تقرأ قصيدة اخرى له فلا تشعر
بذلك الاحساس الرائع الذي
انتابك حينما قرأت ما اعجبك من
قصائده، وقد ترفض التصديق انها
لنفس الشاعر بعدما عهدته من جودة
شعره.
والحق ان القرآن هكذا،
فأنت تلاحظ بالبديهة اختلاف في
الدرجة بين سوره وآياته فهناك
آيات جميلة وسور رائعة تطرب
لقراءتها مراراً بينما تجد آيات
وسور (خصوصاً السور الطوال) تمل
منها بسرعة ويغيب عنك الإحساس
الجميل السابق.
نحن كملحدين نطرح العديد من
الايات كتأييد على كلامنا
السابق مدعين انه لا بلاغة
معروفة في نص ما أو آية معينة أو
أن البلاغة فيه ضعيفة أو شبه
معدومة.
ولكن المشكلة التي اريد ان
اطرحها في هذه المقالة هي:
ان الايات التي نحتج بها على هذا
الامر قليلة نسبياً فسيكون
بامكان المسلم ان يقول ان كل
ماستطعتم ان تطعنوا به هو بضع
ايات من كتاب ضخم جداً مثل
القرآن
"وهو دليل ضعف اذا نظرت لهذا
الموضوع من هذه الزاوية."
ان هذا الجزء من كلامنا حول محمد
يختص بالإجابة عن السؤال حول،
لماذا كان الكثير من
سور القرآن فوق المتوسط من حيث
الجودة وكانت الآيات التي تطرح
في محل الاعتراض على بلاغة
القرآن قليلة نسبياً؟
اشكال مشابه وجواب
عليه.
يقول العلماء "ان السؤال
الجيد يشكل نصف ادراك الحقيقة"،
فلكي يستطيع الباحث الوصول الى
الحقيقة يجب ان يطرح الاشكالية
في ذهنه بصورة صحيحة وبعد ذلك
يتوفر الباحث على امكانية البحث
والاستدلال ولو كان الاشكال
المطروح خاطئاً فان الباحث لن
يكون موفقاً في ادراك الحقيقة
مهما كان ماهراً في الدرس
والاستدلال.
والحق يقال ان الاشكالية التي
طرحناها ليست صحيحة، لانها غير
مقيدة بهذا الامر المفروض،
وهي كمن يسأل لماذا صار فلان
خباز؟
فهذا السؤال ممكن ان يوجه لكل
صاحب مهنة وليس فقط لخصوص ذلك
الرجل.
وفيما يتصل بموضوعنا
نجد اشكال مشابه يعتبر الجواب
عليه المدخل للاجابة على سؤالنا.
السؤال:
هو لماذا كان الشعر
الجاهلي رائعاً الى هذه الدرجة
حتى انك لاتجد قصيدة تعاف الاذن
سماعها بل ان اغلب الشعر الجاهلي
فوق المتوسط وعلى رغم كل هذه
السنين مايزال الناس يرددونه
ويعجبون بنظمه ومعانيه (في
الحقيقة نحن نتحفظ على كلمة
جاهلي فالعرب سموا زمنهم
العالمية وجاء محمد وسماها
الجاهلية)، فهل من المعقول ان لا
يوجد في العرب كلهم شاعر مغلّب
سيء النظم بحيث نشير كلنا الى ان
شعره سيء ويضرب الباحثين فيه
المثل في الشعر الهابط؟
نعم نحن نؤمن بجواب الاستاذ
الكبير وعميد ادبنا العربي طه
حسين في "ان الكثير
من الشعر الجاهلي منحول"
ولكن لابد لنا من القول ان هناك
بالفعل مقدار من الشعر الجاهلي
وصل الينا،
وما وصل رائع جداً فلم كان الامر
هكذا؟ وهكذا تبقى الاشكالية على
حالها.
فلماذا كل الشعر
الجاهلي جميل الى هذه الدرجة؟
جواب الاشكال
تخيل معي انك الان في سوق عكاظ
حيث كان فحول شعراء الجاهلية
ينشدون شعرهم ويقف شاعر مجهول
ينشد شعراً سيئاً فللحال ترى
الناس تبتعد عنه وتنفر من سماع
شعره وتتجه بأسماعها الى غيره،
وها انت ترى النابغة الذبياني
يتجمهر الناس حوله وهو ينشد
قصيدته المشهورة:
كليني لهم يا أميمة
ناصب *** وليل أقاسيه بطيء
الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض *** وليس
الذي يرعى النجوم بآيب
فتطرب نفسك الى هذه الكلمات
وتشتهي سماعها من جديد وترى
الناس حولك يرددون كلمات الشاعر
الذي اسر اسماعهم وعقولهم
وسيعود هؤلاء الى قبائلهم
فينشدون شعر النابغة وتتناقله
الاجيال فيما بينها حتى نصل الى
عهد التدوين حيث يكتب المختصون
بكتابة الشعر في دواوينهم
الشعرية مارواه الناس من شعر
النابغة.
بينما لم يروِ احد شعر
صاحبنا المسكين الذي كان شعره
سيئاً ولم يتناقله الناس ولم
يورثوه فيما بينهم بل ضاع الى
الأبد، لعدم وجود ناقل الى عهد
الكتابة والتدوين.
فعندما يكون الشعب هو الناقل
للادب من شعر ونثر وقصص وغيرها
فان الشعب يجري عملية انتخاب
ادبي على النصوص بحيث يفرز الجيد
من الرديء فيرمي الرديء بعيداً
ولا يرويه بينما يصمد الجيد
وتتناقله الاجيال فيما بينها.
ان هذه العملية تشبه الانتخاب
الطبيعي في نظرية التطور عدا
انها مختصة بالادب،
لذا فقد عرفنا لماذا
تكون نصوص الشعر الجاهلي جميلة
الى هذا الحد ولماذا لاتوجد
قصيدة جاهلية رديئة،
لان الناس ببساطة لم يعتنو بنقل
الشعر الرديء.
اطروحة جديدة حول
القرآن
نفس الكلام السابق يقال عن
القرآن فالصحابة الكبار منعوا
كتابة الاحاديث النبوية لانهم
رأوا انها ممكن ان تختلط مع
القرآن وهنا موقف مهم جداً
اذ ان كبار الصحابة لم يكونو
يحسنوا التمييز بين الاية
القرآنية وبين الحديث النبوي
بحيث رؤا هذا المنع وسيلة لمنع
الخلط...اذن لم يكن هناك زيادة
كبيرة وفرق نوعي بين الخطاب
القرآني وبين الخطاب المحمدي بل
كان هذا من جنس ذاك ومن نفس نوعه
ودرجته.
" والدليل حديث ابي
موسى الأشعري، قال: نزلت سورة
نحو من براءة، ثم رفعت وحفظ منها
{ ان الله سيؤيد هذا الدين بأقوام
لا خلاق لهم، ولو ان لابن آدم
واديين من مال لتمنى واديا ثالثا
و لا يملا جوف ابن آدم إلا
التراب، ويتوب الله على من تاب}
رواه مسلم برقم (1050) "
وكلنا يعلم بأن هذا حديث مروي عن
ابو هريرة
فما العجيب فيمن يقول ان القرآن
كتبه محمد وهاهم كبار الصحابة
يشهدون بانهم لم يكونو يحسنوا
التمييز بين القرآن وكلام محمد؟
نعم ربما انت الان تحسن هذا
التمييز وكلنا في الحقيقة
نستطيع بمجرد ان نسمع الاية ان
نعرف اذا كانت من القرآن او لا ..
لانك تنسى ان القرآن مر بعملية
انتخاب ادبي على نحو ما مر به
الشعر الجاهلي.
كان محمد كثيراً ما يأمر اصحابه
بتعلم القرآن وكتابته بما كان
متيسراً في ذلك الزمن من وسائل
الكتابة والحفظ مثل الجلود
وجريد النخل وغيرها،
ففي الحقيقة ما قام به عثمان
انما كان جمع الناس على قراءة
واحدة لا انه جمع القرآن،
- وطبعاً الامر بكتابة القرآن هو
ترف لم يكن متوفراً لمحمد في
فترة الدعوة المكية على نفس
الدرجة التي نتوقعها في المدينة
فلا نتوقع ان ما قاله محمد في تلك
الفترة قد تمت كتابته كله خصوصاً
عند الحديث عن بواكير الآيات
القرآنية اضف الى هذا
- اننا نجد ان المقربين من محمد
ممن عاصروا فترة بداية الوحي
وسمعوا بدايات محاولات محمد
لتأليف القرآن مثل خديجة وابو
طالب وزيد قد توفوا قبل وفاة
محمد وما جاءنا مما
كتبه محمد في فترة الدعوة المكية
انما هو ما تناقله الناس
وماحفظوه من ما قاله خلال تلك
الفترة
وقد مر علينا ان الناس
لاتنقل الرديء من الكلام خصوصاً
ما كان نثراً او شبيهاً بالنثر
ولذا رأينا ان اغلب ايات الفترة
المكية كانت عالية الجودة
نسبياً لانها بكل بساطة تمثل
أفضل ما قاله محمد وليس كل ما
قاله محمد.
ابو بكر حينما فكر بجمع القرآن
عين زيد بن ثابت مسؤولاً عن
عملية الجمع وزيد لم يكن من
الصحابة الاوائل بل هو ممن آمن
بمحمد عندما هاجر الى المدينة
وكان عمره احد عشر عاماً فماذا
نتوقع ممن عمره هكذا؟ وهل يمكن
ان يكون قد حفظ ما قاله محمد
اثناء فترة الدعوة المكية
وبدايات الدعوة المدنية وهو
بهذا العمر الصغير نسبياً؟
بالتأكيد لا وهو نفسه يروي كيف
كان يحصل الاختلاف في جمع القرآن
وفي تذكر بعض الآيات "
انظر صحيح البخاري حديث رقم (2807 )
ومكرراته"وهو دليل واضح
على انهم لم يكونوا يحفظون كل
شيء.
نعم، في خواتيم حياة محمد توافرت
العوامل والجهود لكتابة الايات
القرآنية
-فقد صار عند محمد عدة كاتبين
لكتابة الوحي
- فضلاً عن تزايد عدد الصحابة فقد
كان مايقوله محمد يكتب على الفور
ولهذا لم تأتي الآيات المدنية
بمثل جودة تلك المكية .
" وهذا ما اوقع
محمد في ورطة، ابتكر على اساسها
، فكرة النسخ " أي إزالتها من
القران"، فعن انس بن مالك – في
قصة اصحاب بئر معونة الذين
قتلوا، وقنت يدعو على قاتليهم-
قال: ونزل فيهم قرآن قرأناه، حتى رفع
:
{ ان بلغوا عنا قومنا أنا لقينا
ربنا فرضي عنا وأرضانا} "
البخاري (2814- 4090 ) مسلم ( 677)
و حديث كثير بن الصلت، قال: كان
زيد بن ثابت وسعيد بن العاص
يكتبان المصحف، فمرا على هذه
الآية، فقال زيد: سمعت رسول الله
–صلعم- يقول " الشيخ والشيخة
إذا زنيا فارجموهما البته"
فقال عمر:
لما نزلت اتيت النبي صلعم فقلت:
أكتبها؟؟
فكأنه كره ذلك"
رواه النسائي في السنن الكبرى،
كتاب الرجم ، حديث (7145- 7148)
والحاكم في المستدرك وذكره
السيوطي في كتابه الأتقان في
علوم القران الباب 47 في ناسخة
ومنسوخة"
"و لا ننسى أيضا تنقيح الصحابة
للقران في عهد الخلفاء الأربعة،
عن عائشة قالت: كان فيما انزل:
عشر رضعات معلومات، فنسخن بخمس
معلومات، فتوفي رسول الله –
صلعم- وهن مما يقرأ من القران"
رواه مسلم (1402) والترمذي
والنسائي وأبو داوود وابن ماجة."
ملخص القول ان ما
بأيدينا من القرآن لا يمثل سوى
افضل ما قاله محمد من قرآن وليس
كل ما قاله محمد
"والدليل حديث
رواه ابو عبيد في فضائل القران :
قال ابو عبيد، حدثنا اسماعيل بن
ابراهيم، عن ايوب عن نافع عن ابن
عمر، قال: لا يقولن أحدكم قد أخذت
القران كله، وما يدريه ما كله،
قد ذهب منه قرأن كثير، ولكن ليقل:
قد أخذت منه ما ظهر "
والحديث ذكره السيوطي في كتابه
" الإتقان"
و عليه فاننا نفتقد الكثير من
القرآن خصوصاً في فترة بداية
الدعوة ولو أن هذه الآيات وصلتنا
لعرفنا الكثير عن محمد وعن
شخصيته.
ختاما:
عندما تفتح القرآن تذكر ان هذا
ليس كل ما قاله محمد ،
وانما أفضل ما رواه الناس من
كلام محمد وتوفر على إعجابهم
واهتمامهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ