الفصل
الثاني
نشأة
فِرَق الخوارج والمشبهة
والمعتزلة
1-
الخوارج: هم الذين خرجوا عن جيش
عليّ لأنّه قبل التحكيم مع
معاوية بشأن إلى مَن ستسند خلافة
المسلمين: " واشتعلت الحرب بين
الخليفة < عليّ بن أبي طالب >
ومناوئية، وانقسم العرب احزاباً:
فمنهم مَن ناصروا عليّاً، ومنهم
مَن ناصروا معاوية، ومنهم مَن
خرجوا على هذا وذاك من أجل
التحكيم وسُموا خوارج ".
وقد طالبوا بأن تُسند خلافة
المسلمين إلى المؤمن الأصلح،
الأكرم، الأتقى، وأن تهمل
الاعتبارات الأخرى كافّة في
مبايعة الخليفة، لذلك أمروا
بقتل عليّ ومعاوية " قرّر
الخوارج قتل عليّ ومعاوية وعمرو
بن العاص ".
لأنّهم جلبا الحرب للإسلام
وأهله، وقد نالوا من الأول. وقد
قال عنهم عليّ بن أبي طالب: "
وقد قال علىُّ بنُّ أبى طالب
رضىَ الله عنهُ للخوارج. علينا
ثلاثٌ. لا نبدَؤُكم بقتالٍ ولا
نمنعكم مساجد الله أن تذكروا
فيها اسم الله. ولا نمنعكم من
الفَئ ما دامت أيديكم مع أيدينا
والله أعلم ".
ويعتبر المسلمون الخوارج من
المارقين على الدّين الإسلاميّ:
" ورُوى عن النبيّ صلى اللهُ
عليه وسلم ذمُّ القَدَريَّةِ
وأنهم مجوسُ هذه الأُمة… ورُوى
عنهُ ايضاً ذمُّ المارقين وهمُ
الخوارج. ورُوى عن أعلامِ
الصحابةِ ذَمُّ القدَريَّة
والمُرْجئةِ والخوارج المارقة
".
وقد تميّزَ الخوارج عن باقي
المسلمين بعدة أمور: "
والمبادئ التي تجمعهم وتميزوا
بها عن غيرهم ان الخليفة لا يجب
ان يكون من قريش، بل ولا من
العرب، فليست الخلافة لعربي دون
اعجمي، والناس فيها سواء، وان
مرتكب الكبيرة كافر، بل اعتبروا
الخطأ في الرأي والاجتهاد ذنباً
أدى إلى مخالفة رأيهم، ولذا
كفروا علياً لقبوله التحكيم،
وان لم يقدم عليه مختاراً؛ وبعض
فرقهم كالأزارفة يعتقدون ان كل
من خالفهم مشرك مخلد في النار
يجب قتله وقتاله ".
والحقيقة أنَّهم حاربوا
القرشيّين الذين كانوا يحتكرون
السّلطة دون سواهم من باقي
المسلمين: " ولما كانت أغلب
ثورات الخوارج قد قاما ضد بني
أمية التي ترتكز فيها عصبية قريش
فان صراع الخوارج كان ضد العصبية
القرشية فى جانب كبير منه لذلك
لم يختاروا أميرا واحدا من
القرشيين فمن أرائهم وخلفائهم،
مثلا:
*
عبد الله بن وهب الراسبي (38 هجرية
– 658 م) وهو من الازد.
*
حوثرة بن وداع بن مسعود (41 هجرية
– 661 م) وهو من أسد.
*
المستورد بن علفة بن سعد بن زيد
بن مناة (43 هجرية – 663 م) وهو من
تيم الرباب.
*
زحاف الطائي (50 هجرية – 670 م) وهو
من طئ. … ".
ويبلغ
عدد الخوارج (أي عام 1997). "
عددهم نحو مليون ونصف، يقيمون
خاصّة في مسقط وبعض الإمارات في
الجزيرة العربيّة، وكذلك في
شمال أفريقيا لاسيّما في جزيرة
جُربة بتونس، ويسمَّون أيضاَ
الإباضيّة ".
2-
المشبهة أو المجسّمة: هي من
الفرق الأولى في الإسلام،
خلافها مع العقيدة الإسلاميّة،
أنّها جسمت الله (أي خرجت عن
تعاليم القرآن الذي يقول: اله
يدرك الأبصار ولا تُدركه
الأبصار). وقد أُتهمت هذه الفرقة
بتأثير اليهود على تعاليمها "
أما المشبهة، أو المجسمة، فهم
جماعة من حشوية أهل الحديث، أو
كما يعبر عنهم الشهرستاني (مشبهة
الحشوية)؛ وقد صوروا الله بصور
المخلوقين، ونسبوا إليه
صفاتهم، وقد ذكر عن بعضهم القول
بأن المخلصين من المسلمين
يعاينونه في الدنيا، إذا بلغوا
من الاجتهاد والعبادة إلى حد
الإخلاص الاتحاد المحض… وقد
تنبه الشهرستاني إلى هذا وقال:
زادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها
ونسبوها إلى النبي عليه الصلاة
والسلام، أكثرها مقتبسة من
اليهود، فإن التشبيه فيهم طباع،
حتى قالوا: اشتكت عيناه فعادته
الملائكة وبكى على طوفان نوح حتى
رمدت عيناه ".
وقد كان في فِرقة المشبهة عدّة
تيارات: " والهشامية المنسوبة
إلى هشام بن سالم الجواليقى الذى
زعم ان معبوده على صورة الإنسان
ان نصفه الاعلى مجوّف ونصفه
الاسفل مُصْمَتٌ وان له شعرةً
سوداء وقلباً تنبع منهُ الحكمة.
ومنهم اليونسية المنسوبة إلى
يونس بن عبد الرحمن القمّى الذى
زعم ان الله تعالى يحمله حَملة
عرشه. وان كان هو اقوى منهم كما
كان الكركى تحمله رجلاه وهو أقوى
من رجليهِ. ومنهم المشبهة
المنسوبة إلى داود الجوارى الذى
وصف معبوده بجميع أعضاء الإنسان
الا الفرج واللحية. ومنهم
الابراهمية المنسوبة إلى
ابراهيم بن أبي يحيى الاسلمي
وكان من جملة رواة الاخبار غير
انهُ ضل في التشبيه ونُسب إلى
الكذب في الكثير من رواياته.
ومنهم الحايطية من القدرية وهم
منسوبون إلى احمد بن حايط وكان
من المعتزلة المنتسبة إلى
النظام انهُ شبه عيسى بن مريم
بربه وزعمَ انهُ الإله الثاني
وهو الذى يحاسب الخلق. ومنهم
الكرامية فى دعواها ان الله
تعالى جسم له حد ونهاية وأنهُ
محل الحوادث وأنُ مماس لعرشه ".
3-
المعتزلة: يعتبر المعتزلون
أنفسهم مدافعين عن الأيمان
بالبراهين العقليّة. وبعد فترة
من ظهورهم افترقوا إلى عشرين
فرقة: " أن المعتزلة افترقت
فيما بينها عشرين فرقة كل فرقة
منها تكفر سائرها وهنَّ:
الواصلية. والعمرية.
والهُذَيلية. والنظَّامية.
والاسوارية. والمعمًّرية.
والاسكافية. والجعفرية.
والبشرية. والمرادية. والهشامية.
والتمامية. والجاحظية.
والحايطية. والحمارية.
والخياطية. واصحاب صالح قبة.
والمويسية. والشحامية. والكعبية.
والجبابية. والبهشمية. المنسوبة
إلى أبى هاشم بن الحبالى فهذه
إثنتان وعشرون فرقةً فرقتان
منها من جملة (40 ا) فرَق الغلاة فى
الكفر ".
وهم ينطلقون من القول إنّ
الإنسان كائن ميزه الله بالعقل،
ومن ثمّ ينبغي عليه إن يستعمل
هذا العقل حتّى في مجال الدّين
وألّا يكتفي بمجرّد المعطيات
التي يتلقاها من الوحي. ويقولون
إنّ اعتماد العقل يصبح لازماّ
عندما يقضي الواجب حتماً الخوض
في مجادلة أعداء الإسلام حول
مضمون الوحي الإلهيّ، كما يجب أن
يخضَع الحديثُ ومُعتَقدُ الشّعب
البسيط لرقابة العقل تفادياً
للتشويه والتناقض في أُمور
الدّين. وقد شدّدوا على سمو
الله، وعلى وحدانيته التي ليس
لها شبهٌ: " الله عند المعتزلة
واحد ليس كمثله شيء، ليس بجسم
ولا شبح، ولا جثة ولا صورة، ولا
لحم ولا دم ولا شخص… لا لون له
ولا مجسة ولا طعم ولا بذى حرارة
ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة
ولا طول له ولا عرض ولا عمق ولا
اجتماع ولا افتراق… إلخ ".
ولم يكتفوا برفض صفات الله، بل
راحوا إلى القول بأنَّ القرآن
مخلوق وليس أزليّاً، وهذا ضدّ
تعليم السُنّة: " وعشرون منها
< المعتزلة > قدريةٌ محضة
يجمعها كلها فى بدعتها امورٌ
منها نفيُها كلها عن الله عزَّ
وجلَّ صفاتهِ الازلية وقولها
بأنهُ ليس لله عزَّ وجلَّ علمٌ
ولا قدرةٌ ولا حياةٌ ولا سمعٌ
ولا بصرٌ ولا صفةٌ أزليةٌ وزادوا
على هذا بقولهم ان الله تعالى لم
يكن له فى الأزل اسمٌ ولا صفةٌ.
ومنها قولهم باستحالة رؤية الله
عزَّ وجلَّ بالابصار وزعموا
انهُ لا يرى نفسهُ ولا يراه
غيرهُ واختلفوا فيهِ هل هو راءِ
لغيره أم لا فأجازوه قومٌ منهم
وأباه قومٌ آخرون منهم. ومنها
اتفاقهم على القول بحدوث كلام
الله عزَّ وجلَّ وحدوث أمره
ونهيهِ وخبره. وكلهم يزعمون ان
كلام الله عزَّ وجلَّ حادثٌ
وأكثرهم اليوم يسمون كلامه
مخلوقاً ".
ويعتمدون في تعاليمهم على أصول
الدّين التي تجمع فيما بينهم وهي
خمس: " والاصول التي تجمعهم،
واستحقوا بها اسم الاعتزال خمسة:
(1) التوحيد، أي ان الله واحد
بذاته وصفاته، صفاته عين ذاته. (2)
العدل، أي ان الإنسان مخيَّر غير
مسيَّر. (3) المنزلة بين
المنزلتين، أي ان مرتكب الكبيرة
في منزلة بين المؤمن والكافر،
فلا هو بالمؤمن لأنه لم يستكمل
صفات الخير، ولا هو بالكافر،
لأنه يقر بالشهادتين، وهو مخلد
في النار، اذ ليس في الآخرة إِلا
الجنة والنار، ولكن تخفف النار
عليه، ويطلق عليه اسم مسلم. (4)
الوعد والوعيد، ان الله وعد
بالثواب على الخير فوعده واقع،
واذا توعد بالعقاب على الشر
فوعيده ايضاً واقع لا محال، ولا
يحق له ان يعفو عمن توعده. (5)
الامر بالمعروف والنهي عن
المنكر واجبان بالعقل لا بالسمع
".
تلك
هي تقريباً أهمّ الفرق التي ظهرت
بعد موت رسول الإسلام، حيث لم
يكن بعد الفكر الإسلامي قد
تطوّر، أو تأثر مباشرة بتيارات
فلسفيّة كاليونانيّة،
والفارسيّة، والهنديّة. لكننا
نرجح تأثر المعتزلة وخصوصاً
الأوائل منهم بالفكر المسيحيّ
لعدَّة عوامل:
أ)
لأنّ الفكر المسيحيّ كان قد دخل
في مناقشات وإن كانت ضيقة مع
محمّد.
ب)
وهناك أيضاً مخزون الفكر
المسيحيّ عند عرب الجزيرة
العربيّة وعند عرب العراق
والشام، المتأثر والمتداخل مع
النساطرة واليعاقبة والسّريان (نحن
نقصد الفكر اللاهوتيّ بغض النظر
عن الصح أو الخطأ).
لقد
مهدت تلك العوامل لخلق تيّار
إسلاميّ جديد نقصد المعتزلة: "
إنما نستطيع أن نجد بعض المشابهة
بين فكرة التوحيد عند المسلمين
وتلك التي عند أفلاطون، والسبب
فى هذا أن فى افلاطون نزعة روحية
أو دينية تتلاءم مع المزاج
الشرقى تلاؤماً كبيراً؛ علاوة
على أن أفلاطون نُقل إلى العالم
الإسلامى فى صورته المسيحية، اى
كما صوره آباء الكنائس المنتشرة
فى العالم الإسلامى … ينتهى
أفلاطون إلى نوع من التوحيد،
ولكن لا نستطيع القول إن هذا
التوحيد يشبه التوحيد المعتزلي،
وإنه يختلف عنه فى جوهره، ولكن
أهم ما يكون قد تأثر به المعتزلة
منه: هو قوله بوجود مبدأ زمانى
للعالم… هل أخذ المعتزلة بالفكر
الأفلاطوني فى هذه الناحية؟ قد
يوجد بعض التشابه، وقد يكون هذا
التشابه نفسه داعياً إلى القول
بأن ثمة تأثير قد حدث ".
فهنالك دلائل تاريخيّة تشير
لذلك:" غيلان بن مسلم الدمشقى،
هو الشخصية الثانية من القدرية…
إلا أنه يمكن اعتباره المبشر
الحقيقي بمذهب القدر وخلق
القرآن. وهما أهم ما استند عليه
المعتزلة فى عقائدهم. أما عن
أستاذه، فيذكر ابن نباته أنه أخذ
مذهبه عن رجل من أهل العراق كان
نصرانيا، ثم أسلم ثم تنصر. وذكر
اللكائى فى شرح السنة عن الإمام
الأوزاعي: ان اسم هذا الشخص
سوسن، وأن الذى أخذ منه هو معبد،
ثم أخذ غيلان عن معبد".
وورد أيضاً: " يذكر الشهرستاني
نصاً يقول فيه: وأشبه الذاهب
بمذهب نسطور في الأقانيم أحوال
أبي هاشم من المعتزلة، فإنه يثبت
خواصّ مختلفة لشيء واحد ".
ملحق:
شرح التوحيد والتّسامي وأسماء
الله الحُسنى
بعد
أنْ استعرضنا بصورة سريعة أهمّ
الفرق الأولى في الإسلام، لابدّ
لنا أنْ نتطرق في بحثنا المتواضع
هذا إلى عقيدة الدّين الإسلاميّ
من الناحية التوحيديّة، حيث
سنشرح بعضاً من أسماء الله
الحسنى، دون إهمال باقي
الأسماء، لأنّنا سنبيّن معانيها
مع ذكر الآيات القرآنيّة التي
تشير إليها.
*الله
الواحد: إنّ التّوحيد
الإسلاميّ لا يعارض تعدّد
الآلهة فحسب، أيضاً كلّ تقسيم في
ذات الله. وإنْ جاز لنا تعبير آخر
قلنا: إنّ الله واحد من الخارج
ومن الداخل أيضاً، وإنّ ذاته لا
تنقسم إلى خصائص متعدّدة. ذلك
أنّ التعدّد في ذات الله يقود لا
محالة إلى التعدّد الخارجيّ في
كيان الله، ومن ثمّ الشّرك. بناء
على ما تقدّم يمكن أن يقال
باطمئنان، إنّ الله لا زمن له،
ولا بدء له، لانهاية له ، لأنّه
أزليّ، وهو يختلف عن المخلوقات
… إلخ. ويُسِند القرآن إلى الله
صفات إيجابيّة، فهو يعلم كلّ
شيء، ويرى ويسمع كلّ شيء (ليس كما
يرى ويسمع الإنسان) ويفعل ما
يشاء، ويكلّم الأنبياء. وقد أحصى
النقلُ الإسلاميّ 99 صفة لله،
يسميها القرآن أسماء الله
الحُسنى (هُوَ اللهُ الخَلِقُ
البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ
الأَسمَاءُ الحُسنَى يُسَبّحُ
لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ
وَالأَرضِ وَهُوَ العَزِيزُ
الحَكِيمُ) سُورَة الحشرِ:24.
وأيضاً (وَللهِ الأَسمَاءُ
الحُسنَى فَادعُوهُ بِهَا
وَذَرُوا الَّذِينَ يُلحِدُونَ
فِى أَسمَئِهِ سَيُجزَونَ مَا
كَانُوا يَعمَلُونَ) سُورَة
الأعراف: 180. وأيضاً (اللهُ لا
إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ
الأَسمَاءُ الحُسنَى) سُورَة
طَه: 8. وأيضاً (قُلِ ادعُواْ
اللهَ أَوِ ادعُواْ الرَّحمَنَ
أَيّاً مَّا تَدعُواْ فَلَهُ
الأَسمَاءُ الحُسنَى وَلا
تَجهَرِ بِصَلاتِكَ وَلا
تُخَافِت بِهَا وَابتَغِ بَينَ
ذَلِكَ سَبِيلاً) سُورَة
الإسراء: 110. وهذه الأسماء تُظهر
وحدة الله، وتساميه، وعمله،
ورحمته، وقدرته، وسلطانه
القضائيّ. وجاء في الحديث الصحيح:
" حدثنا ابو اليمامة أخبرنا
شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال ثم إن لله تسعة وتسعين اسما
أعطى مائة إلا واحد من أحصاها
دخل الجنة ".
وفي رواية أخرى: " أخبرنا عبد
الله بن أحمد بن موسى بعسكر مكرم
قال حدثنا يوسف بن حماد المعني
قال حدثنا عبد الأعلى قال حدثتا
هشام عن محمد عن أبي هريرة قال
قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ثم إن لله تسعة وتسعين اسما
أعطى مائة إلا واحدا من أحصاها
دخل الجنة ".
وقد
اختلفت المذاهب الكلاميّة في
إيضاح العلاقة بين هذه الصّفات،
وفي الطريقة الصحيحة
لاستعمالها، فأصرّ المعتزلة على
ألّا تذكر هذه الصفات إلّا
مقرونة بالله صراحة، وذلك حرصاً
على وحدانيته (ولو خُيِّروا
لاختاروا العدولَ عنها برمّتها،
واكتفوا بالقول، إنّ الله
كائن). أمّا السُّنة الأشعريّين
التمسُّكين بلغة الوحي، تَعتبر
الصّفات إِيجابيّة نعوتاً دقيقة
تعود إلى ذات الله، وهي (الصّفات)
ليست الذات الإلهيّة عينها، ومع
ذلك فهي لا تختلف جوهرياً عن
الذات الإلهيّة.
*
الله أحد: التوحيد أساس الإسلام
الذي تقوم عليه العقيدة، لأنّ
القرآن يؤكد وبصورة مستمرة، أنّ
الله واحدٌ لا شريكَ له في
الملكِ ولا ولد، وقد ربطت
الشهادة التي هي الركن الأساس من
أركان الدّين الإسلاميّ الخمسة،
ربطت بالاعتراف والإعلان جهراً
من قبل الذي يريد أنْ يعتنق
الإسلام ديناً له (أشهدُ أنْ لا
إلهَ إلّا الله، وأشهدُ أنّ
محمّداً رسولُ اللهِ).
يشدّد
القرآن دائماَ على وحدانيّة
الله من خلال صوره وآياته،
والأبرز هي سورة الإخلاص، التي
تُتلى من قبل المسلمين كثيراً (قُلْ
هو الله أحد. الله الصمد. لم
يَلِدْ ولم يولَد. ولم يَكُنْ له
كُفواً أحد). ويُهاجم القرآن
المشركين الذين لا يعبدون الله
الواحد الأحد، بل يعبدون آلهة
أخرى من صنع يد الإنسان، لا تبصر
ولا تسمع، ولا تضرّ ولا تنفع،
وهذه الآلهة لا تستطيع أنْ تأتي
بشيْ من أعمال الله، لأنّها
مجردُ أصنامٍ من طينٍ أو حجرٍ أو
خشب. أمّا الله الواحد الأحد، هو
الذي يخلق، ويجدّد الخلق, ومعطي
الرّزق للإنسان … سُورَة النّمل:
59- 64. والله الأحد غنيّ عن أيّ
كائن آخر، ولا حاجة له أنْ يتّخذ
ولداً، ولا صاحبةَ له، ولا قرابة
بينه وبين الملائكة. إذا خلق
شيئاَ فلا يفعل ذلك بالولادة، بل
بكلمته الخلّاقة، سُورَة مريم: 35،
سُورَة البقرة:117. ولله الكون وما
فيه، سُورَة يونس: 68 . أمّا القول
بعدّة آلهة أخرى من دون الله
فهُراءٌ لسبب آخر، وهو أنّ يؤُول
إلى التناقض والتناحر، لأنّ تلك
الآلهة ستطمح إلى اتنزاع
السلطان والعرش من الله، سورة
الإسراء: 41. ومن شأن مثل هذا
التنافس، سُورَةُ المؤمنون:91.
أنْ يُفسِد الخلق، سُورَة
الأنبياء: 22. وعليه فإنّ عبادة
الأوثان أو الشّرك، على حدّ
تعبير القرآن، لَهيَ كبيرة
وأفضع مِنْ أنْ يغفروها الله
للإنسان، سُورَة الفتح: 48 و 116.
إذن كما بينّا، فإنّ عقيدة
التوحيد في الإسلام هي
الرئيسيّة، لأنّها المحور الذي
تدور بفلكه كلّ العقائد الأخرى.
*3-
الله المتّسامي: يجد علماء
الدّين صعوبة في الكلام عن الله
كلاماً صحيحاً، وفي مثل تبرير
هذا الكلام نظريّاً على الوجه
الصحيح أيضاً. وهذا القول لا
ينطبق على علماء الدّين
الإسلاميّ وحدهم، إنما ينطبق
عليهم بنوع خاصّ لأنّ الدّين
الإسلاميّ حازم حاسم في المسألة
تَسامي الله. فهنالك قول مأثور
عن مُحمّد يفيد بأنّه كما ان
البصر يعجز عن مراقبة الشّمس
لأنّها تبهره، فكذلك العقل إذا
حاول التّعمقَ في طبيعة الله.
وكم مرّة يعود القرآن إلى إبراز
تسامي الله عن خلقه: هو العليّ (سُورَة
البَقرة: 255، سُورَة طه: 114،
سُورَة المؤمنون: 116). لا تدركه
الأبصار (سُورَة الأنعام: 103). ليس
كمثله شيء (سُورَة الشورى: 11).
إنّه يبقى خفيّاً ولو عرَّفَنا
ذاته (سُورَة الحَديد: 3).
هذا
القول الأخير، ككلّ ما يُقال في
تسامي الله، يجرّ نتائج بعيدة
المدى، أولها تحريم التّصوير في
الإسلام تحريماً صارماً، فلا
يجوز أنْ يُثَّبتَ الله في
الصُّوَر، إذْ لا شيءَ في هذا
العالم يماثله. وأي رسم حِسِّيّ
لله يبقى عاجزاً عن أن يأتي بما
يشبهه. وهنا لا بدَّ للمرء من
التّساؤل: ما السبيلُ إذن إلى
الله؟ يجيب القرآن أنّ هنالك
سبيلَين اثنين: وحيُ الله
وآياتُه في خلقه، كِلاهما
يوصلان إليه، ومع ذلك فإنّه يبقى
خفيّاً.
والوحي
نفسه، كلام الله، كلامه
الأزليّ، هو أيضاً متعالٍ مثله
لأنّه منه. ومِن علماء الإسلام
مَن يذهب إلى التّأكيد أنّ
القرآن عينه أزليٌّ. فينتج عن
ذلك أنّ الإنسان يعجز أساساً عن
فهمه. أجل، يمكننا أنْ نوردَ
نصّه ما طاب لنا، أمّا مَضمونه
الحقيقيّ فيبقى متواريّاً.
مَن
أراد إذن أنْ يهتمّ بفهم مضمون
القرآن، فإنّ عليه أنْ يرجِع إلى
محمّد داعية الإسلام فهو أفضل
مفسّرٍ له. وبفضل أقوال محمّد
يجد المؤمن سبيلاً إلى الوحي
الذي يبقى مع ذلك متعالياً. ذلك
هو تعليم المذهب الحنبليّ
المعروف بتمسّكه بالنّقل إلى
أبعد الحدود. أمّا المعتزلة
فيَرَون أنّ لغة الوحي تتألّف من
جُمَلٍ مرتبطة ارتباطاً
منطقيّاً لكنّها عاجزة عن
التّعبير عن حقيقة الله.
فبالنسبة إلى البشر تبقى لغة
الوحي مجرّد لغة، أي إنّها خالية
من كلّ تطابق وصِلة مع مدلولها
الحقيقيّ. على هذا الأساس، أنّ
اللّغة الكلاميّة (اللاهوتيّة)،
الوحيدة التي قد يكون لها
مسوِّغ، تنحصر في الكلام
السّلبيّ عن الله. أمّا
الأشعريون ومعهم السُّنّيون،
الذين يمثّلون الرأي السّائد في
الإسلام، فيقولون بتسامي الله،
وفي الوقت عينه، بقدرة الإنسان
عبر فهم كلام الوحي. ذلك أنّ الله
إذا خاطب البشَر فإنّما يريد أنْ
يُدركوا مضمون الوحي. ولكي
يمكِّنَ الوحيُ الإنسان من هذا
الإدراك ويسهِّلَه عليه، كان لا
بدَّ للغة الوحي أنْ تكون مطابقة
لحقيقة العالم والحياة.ومن ثَمّ
يسُوغ لنا أنْ ننطلق من وجود
نوعٍ من القياس بين حقيقة الله
وواقع الإنسان. غير أنّ هذا
القياس لا ينطوي على ذات الله (فهو
ليس قياساً وجوديّاً)، إنّما هو
وسيلة أو قُلْ شِبه قياس يعطي
الإنسان فكرةً أو إيماءً عن
حقيقة الله الّتي تبدو لنا
دائماً مغايرة لما نتخيّل.
*
شرح بسيط لأسماء الله الحُسنى
1)
الله: هو أعظم الأسماء، لدلالته
على الذات العلية الجامعة لكلّ
صفات الألوهيّة.
2)
الرحمن: بما ستر في الدنيا.
3)
الرحيم: بما غفر في العقبى.
4)
الملك: ذو المُلك والعَظمة
والسّلطان، متصرّف في خلقه
بالتّدبير التّام (وهو الله لا
إله إلا هو المَلِك).
5)
القدوس: مُطهّر منزه عن من جميع
النّقائص، وسمات الحدوث، ومنها
الزَّمان والمكان، فلا يقارنه
زمان، ولا يحويه مكان، إنّه هو
الخالق فلا يحتاج إليهما.
6)
السّلام: ذو السلامة من الآفات
والنقائص.
7)
المؤمن: المصدّق نفسه ورسله
وكتبه، أو المؤمِّن عباده من
المخاوف.
8)
المُهيمن: الرقيب المبالغ في
المراقبة والحفظ، أو الشاهد، أي
الذي لا يغرب عنه مثقال ذرة في
الأكوان.
9)
العزيز: الغالب من العزّة وهي
القوّة والشّدّة والغلبة، أو
العديم المثل.
10)
الجبّار: الذي يقهر العباد على
كلّ ما أراد.
11)
المُتَكبّر: المُتعالي العظيم،
أو المُتعالي عن صفات المخلوقات.
12)
الخالق: المقدر الأشياء، أو الذى
أظهر الموجودات بقدرته، وقدَّر
كلّ واحد منها بمقدار معين
بإرادته على مقتضى حكمته.
13)
البارئ: الخالق للأشياء على غير
مثال سابق.
14)
المصوّر: المُبدع لصور
المخلوقات، والمزين والمُرتب
لها.
15)
الغفّار: الذي أسبل الستر على
ذنوب عباده في الدنيا، وتجاوز عن
عقوبتها في الأُخرى.
16)
القهّار: الغالب لجميع الخلائق،
أو الذي يقصم ظهور الجبابرة
فيقهرهم بالإماتة والإذلال
والهلاك.
17)
الوهّاب: جزيل العطاء والنوال.
كثير المن والإفضال. عظيم اللطف
والإقبال، من غير سؤال، ولا يقطع
نواله عن عباده بحال.
18)
الرّزاق: المتولي خلق الرزق،
التفضل بإيصاله إلى العبد.
19)
الفتّاح: الحاكم بين الخلائق. أو
الذي يفتح خزائن الرّحمة على
أصناف البريّة.
20)
العليم: متصف بالعلم الأزليّ.
يعلم أزليّاً كلّ شيء، واجباً أو
ممكناً أو مستحيلاً، على وجه
الإحاطة به على ما هو به دون سبق
خفاء.
21،
22) القابض الباسط: مضيق الرّزق
على من أراد، وموسعه على من أراد.
23،
24) الخافض الرّافع: الواضع من
عصاه، والرّافع من تولاه.
25،
26) المُعزّ المُذلّ: أغزَّ
أولياءه فضلاً، وأذلَّ أعدائهُ
عدلاً.
27،
28) السميع البصير: متصف أزلاً
بالسّمع والبصرِ لجميعِ
الموجودات، بدون حاسة آلة،
لتنزهه سبحانه تعالى عن مشابهة
الحوادث، فلا يغرب عن رؤيته
هواجس الضمير، وخفايا الوهوم
والتّفكير، ولا يشذ عنه سمعه
دبيب النملة السّوداء في الليلة
الظلماء على الصخرة الصماء. ليس
كمثله شيء، وهو السميع البصير.
29)
الحَكَم: الذي لا مردَّ
لقضائه، ولا مُعقِبَ لِحُكمهِ.
30)
العدل: العادل الذي لا يفعل إلا
ما ينبغي له فعله.
31)
اللطيف: الذي لَطُفَت أعماله
وحَسُنَت. أو العليم بخفايا
الأمور ودقائقها.
32)
الخبير: العالم ببواطن الأمور.
33)
الحليم: الذي لا يُعجل الانتقام.
34)
العظيم: الذي لا يتصوره عقل، ولا
تحيط بكنهه بصيرة.
35)
الغفور: كثير المغفرة والستر
لذنوب عباده.
36)
الشّكور: المُمن على المُطيعين
من عباده.
37)
العلي: العالي البالغ الغاية في
علو الرّتبة. أو الذي علا بذاته
وصفاته عن مدارك الخلق بالكنه
والحقيقة.
38)
الكبير: الذي فاق مدح المادحين
ووصف الواصفين. او ذو الكبرياء.
39)
الحفيظ: المبالغ في الحفظ لِما
يريد حِفظه.
40)
المُقيت: المُتكفل بأرزاق خلقه،
وإعطائهم أقواتهم.
41)
الحسيب: الكافي، وكلّ كفاية
إنَّما هي منه تعالى.
42)
الجليل: الكامل في جميع صفاته.
43)
الكريم: الذي لا يضيع مَن توسل
إليه، ولا يترك مَن التجأ إليه.
44)
الرقيب: حفيظ لا يغفل، وكان الله
على كلّ شيء رقيباً.
45)
المجيب: الذي يُجيب دعوة الداعي
إذا دعاه.
46)
الواسع: الذي إفضالهِ شامل،
ونواله شامل. أو المُتسع علمه
وقدرته.
47)
الحَكيم: المُصيب في التّقدير،
المُحسن في التّديبر. أو ذو
الحكمة، وهي كمال العلم وإحسان
العمل.
48)
الوَدود: المحبّ للطائعين مِن
عباده، المُجيب إليهم بإنعامه.
49)
المَجيد: البالغُ الغايةِ في
الشرف. أو الشّريفة ذاته،
الجميلة أفعاله، الجزيل نواله.
50)
الباعثُ: باعثُ الرّسلِ، وباعثُ
الموتى مِن القبور، وباعثُ
الهمم إلى معالي الأمور.
51)
الشَّهيد: البالغُ الغايةِ في
علمهِ معَ الحضور.
52)
الحقُّ: الثّابتُ وجوده أزلاً
وأبداً. أو الحَقيق بالعبادة.
53)
الوَكيل: متصرف في كلّ شيء كيفما
يشاء.
54)
القَوي: الكامل في القوّة، فلا
يعجِزُ بِحالٍ.
55)
المَتين: شديد القوّة، فلا
يَضعُف بِحالٍ.
56)
الوليّ: المُتكفل بأمور الخَلق
كُلِّها.
57)
الحَميد:المَحمود على كُلَّ
حالِ.
58)
المُحصي: الذي هوَ بالظاهرِ
بصيرٌ، وبالباطنِ خبيرٌ.
59)
المُبدئ: الخالق إبتداء.
60)
المُعيد: الخالق بانتهاء.
61،
62) المُحيي المُميت: مِن يُحيي
بإيجاد الأرواح، ويُميت
بِنَزعِها.
63،
54) الحي القيوم:
65)
الواجد: الغَني. أو العالِم. أو
الذي يجدُ كلّ ما يَطلبه ويريده،
ولا يعوزه شيء.
66)
الماجد: المجيد.
67)
الواحد الأحد: سبق شرحها بإسهاب.
68)
الصمد: مقصود في الحوائج على
الدوام لكمال قدرته.
69،
70) القادر المُقتدر: ذو القدرة
التّامة.
71،
72) المُقٌدِم المؤخِر: يُقدم
ممَن يشاء، ويؤخِر مَن يشاء عن
بابهِ وجنابهِ.
73،
74) الأوّل الآخِر: الأوّل قبل كلّ
شيء، والآخِر بعد كلّ شيء.
75)
الظّاهر: الذي ظَهَر بآياتِ
ومصنوعاتهِ.
76)
الباطِن: الذي بَطنَ بكنهِ ذاته
وصفاته.
77)
الوالي: المالكُ للآشياء،
المُتَصرِف بِها.
78)
المُتعالي: البالغُ الغايةِ في
العُلو والارتِفاع عن النّقائص.
79)
البِرّ: المُحسِن بالخير.
80)
التّواب: الذي يَقبًلُ التّوبة
عن عبادة، ويَعفو عن السّيئات.
81)
المُنتقم: المُعاقب للعُصاة على
مَكروهات الأفعال.
82)
العَفو: ذو العَفو، وهوَ تَرك
المؤاخذة على الذّنوب.
83)
الرّؤوف: ذو الرّأفةِ والرّحمةِ.
84)
مالِكُ المُلكِ: الذي تُنفذ
مشيئته في مُلكهِ، ويُجري حُكمه
على مَن يشاء.
85)
ذو الجَلالِ والإكرامِ: الذي لا
شَرف ولا جَلال ولا كمال، إلا له
تعالى، ولا كرامة إلا منه تعالى.
86)
المُقسط: العادلُ في حُكمه.
87)
الجامع: جَمَع أجزاء الخَلق بعد
تَفرقها عند البعث.
88،
89) الغَني المُغني: المُستغني عن
كلّ ما سِواه. يُغني من يشاء عمن
سواه.
90)
المانع: الذي يمنع من فضله من
استحق المَنع.
91،
92) الضّار النّافع: خالق الضّرِّ
والنَفع.
93)
النّور: الظّاهر بِنَفسه. أو
المُظهِر لِكُلّ خَفيٍّ
بإخراجِهِ إلى الوجودِ.
94)
الهادي: الذي يَهدي القلوب إلى
مَصالحِها.
95)
البديع: المبدع المنشئ للأشياء
بلا احتذاء ولا اقتداء، إذا أراد
أمراً ، قال له كن فيكون، بحسب
مشيئته.
96)
الباقي: باق لا انتهاء لوجوده،
أبديّ (نسبة إلى الأبد).
97)
الوارث: الباقي بعد فَناء الخَلق.
98)
الرّشيد: الذي أرشَد الخَلقَ
وهَداهم إلى مصالِحِهم.
99)
الصّبور: الذي يؤخِر العُقوبة
إلى الأجلِ المَعلوم.
الخاتمة والمصادر