نقد الفكر الديني
 
 


دراسة في اصول عقيدة الاسلام


" الباب الثاني "

الفصل الأوّل
الإسلام يكمّل البِدعة الآريوسيّة

1- ورقة مؤسّس الإسلام: بعد أنْ تَطرّقنا إلى عدّة مّواضيع، لا بُدَّ لَنا مِن أنْ نَعودَ الآنَ إلى ورقة بن نوفل، هذا الشخص الذي كان له دور كبير في صياغة فكر محمّد، فهو الذي علّمه، وزوّجه خديجة المرأة الغنيّة وصاحبة النسب والنفوذ، على الرغم من أنّ محمّداً كان فقيراً. لقد كان هدف ورقة بن نوفل تحضيرُ محمّد، فكرياً، وروحيّاً، وماديّاً، كي يرسله ليبشر بالمذهب الأريوسيّ بحلّة جديدة، وباسم جديد ألا وهو الإسلام، وقد نجح في ذلك، والدليل في ذلك هو، العالم الإسلاميّ أمس واليوم. لكن يبقى السّؤال المطروح دائماً، لماذا اختار ورقة محمّداً ؟ نحن نُجيب ونقول: إختار محمّداً لعدّة أسباب، من أهمها:

أ) كونه هاشميّاً، إذ تبنّاه جدّه عبد المطّلب[60] (المعرف بشخصيته الفذّة)  بعد وفاة والده، ثمّ تبناه عمّه أبو طالب (الزعيم الأبرز بين زعماء قريش في تلك الفترة). فقريش، وخصوصاً بنو أميّة، لن يستطيعوا أنْ يقتلوه (محمّد) خوفاً من الهواشم ، وخشية من عمّه أبي طالب[61].

ب) لأنّ له عمّ آخر يدعى حمزة بن عبد المُطّلِب[62]، كان يحبّه كثيراً، وكان أشجعُ فرسان الجزيرة العربيّة، وبمجرّد ذكر اسمه يرتجف الفرسان، ووجوده يوفر الأمان لمحمّد.

الجدير بالذكر، لمّا كانت دعوة محمّد سرّية، لم تحنق عليه قريش، لكن لمّا بدأ محمّد وأصحابه ينادون بها ، أي في اليوم الأوّل العلنيّ، الذي أعلن محمّد به جهاراً عقيدته، غضبتْ قريش، فأخذ زعمائها يُحرّضون الناس على ضرب محمّد ومن معه بالحجارة، أو بإشعال النّار في طريقه، كي لا يصلَ إلى الكعبة، حيثُ كانَ أبو لهب عمّه وزوجته من أوائل الذين أشعلوا النّار بدربِ محمّد (راجع سورة المَسدِ). ولمّا وصلَ محمّد ومن معه  إلى الكعبة[63]، وجَدَ قُريشاً وزُعمائها بانتظاره، فشدّدوا عليه الخِناق؛ ترى مَن أنقذ محمّداً ورفاقه من قريش؟ إنّه حمزة بن عبد المُطّلب، الذي حَضَرَ بتلك الّلحظة، فوقفتْ قُريش وزُعمائها خَوفاً منه، فما كانَ منه إلّا أنْ ضربَ أبا الحَكَم، أحدُ الزُعماءِ القُرشيّين، وأخٌ لأبي سفيان الزعيم الأبرز بين بني أُميّة: "وصرخَ بهم قائلاً: ياجبناء تقاتلون بسلاحِكم مَن ليسَ لهم سلاح… أنا على دينِ محمّد، فمَنْ له شيء عِندي فليَتَكلّم. وبعدَ أنْ أنهى كلامَه هربَ الجميعُ خوفاَ منه"[64]. حيث وورد: " أسلم حمزة في الستة السادسة من النبوة وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع سنين وقتل يوم السبت في المغزى بأحُد لسبع خلون من شوال سنة ثلاث من الهجرة "[65]. وجاء أيضاً: " ففشل المسلمون ولم يظفروا في هذه الواقعة < معركة أُحد > وقتل منهم حمزة بن عبد المطلب عم النبي وكان مقتله في زيادة الفشل كما كان إسلامه مؤيداً للإسلام "[66].

لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنْ الدّين الجديد قد أصبح تحت حماية حمزة، وأنْ داعيه، قد تبنّاه حمزة، الذي كان من الذين يشربون الخمر ويبحثون عن الملذات. إذن أصبح داعي الدين الجديد يحضا بدعمّ سياسيّ واجتماعيّ وماديّ من خلال عمّه أبي طالب وزوجته خديجة، ودعمّ معنويّ وعسكريّ (إذا صح التعبير) من خلال عمّه حمزة: ثم انضم إلى المسلمين بعض وجهاء المدينة فتأيد الاسلام بهم كما تأيد من قبل بحمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب "[67].

          إنّ إيمان حمزة لم يكن مبنياً على قناعة إيمانيّة تُقرّ بأنّ الله واحد وأنّ مُحمّداً رسوله، بل كان إيمانه مبنياُ على العصبية العشائريّة القَبليّة: " فروي أن حمزة بن عبد المطلب حين أسلم غضباً من سب ابي جهل الرسول صلى الله عليه وسلم طلب أن يريه آية يزداد بها يقينا في إيمانه "[68]. وللتأكيد بأنّ حمزة حتّى بعد إعلان إسلامه لم يكن ملتزماً بالفرائض الإسلاميّة، وهذا يُطرح سؤالاً سوف نتطرق له فيما بعد: " حدثنا عبد ان أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري قال أخبرني علي بن الحسين أن حسين بن علي عليهما السلام أخبره أن علياً قال… يا رسول الله ما رأيت كاليوم قط عدا حمزة على ناقتي فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما مها هو ذا في بيت شرب فدعى النبي صلى الله عليه وسلم بردائه فارتدى ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن الحارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة فاستأذن فأذنوا لهم فإذا هم شرب فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة قد ثمل محمرة عيناه فنظر حمزة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صعد النظر فنظر إلى ركبته ثم صعد النظر فنظر إلى سرته ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال حمزة هل أنتم إلا عبيد لأبي فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد ثمل فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقري وخرجنا معه "[69].     

2- رأيٌ مُختلف: نحن لا نتفق مع الأب سُهيل قاشا والأستاذ الحداد، بأنّ ورقة كان أبيونيّاً أو يهوديّاً متنصراً أو حتّى نسطوريّاً، إنّما كان أُ سقفاً أريوسيّاً من الذين يقولون بأنّ المسيح مخلوق وأنّ الله هو وحده الإله، والدليل على ذلك هو، إنّ ورقة بن نوفل قد اعترف بولادة المسيح من عذراء، فلو كان أبيونيّاً لرفض من الأساس فكرة ولادة المسيح المعجزة. إمّا أنّه نسطوريّاً (ورقة) فهذا الاحتمال ضعيف جداً، لأنّه لو كان نسطوريّاً لما أنكر عقيدة الثالث وحاربها بشدّة، حيث يظهر هذا الرفض واضحاً وجلياً في القرآن، سورة مريم، الآية:35 و 88 – 95. وهذه السورة مكّية، منذ بداية الدعوة إلى الإسلام. ولكي ندعم ما قلناه سابقاً، بأنّ ورقة بن نوفل كان أريوسيّاً، فإنّنا سوف نستشهد بقول للقدّيس يوحنّا الدمشقيّ [70].

“Il s’appelait Mameth. Ayant acquis par hasard quelque connaissance de l’Ancien         et du nouveau Testament, il aurait rencontré un moine Arien; à la suite de quoi, il élabora son hérésie personnelle”[71].       

 ترجمة هذا النّص إلى العربيّة: " كان أسمُهُ مُحمّداً، وقد اكتَسَبَ عَرَضاً بعضُ المعرِفةِ بالعهدينِ القَديمِ والجديدِ، بَعدَ أنِ التقى راهباً أريوسيّاً، وبعدَ ذلكَ وَضَعَ هرطَقَتَهُ الخاصّة "[72]. إنّ الأسقف ورقة بن نوفل طرح على خديجة فكرة الزواج من محمّد، هو الذي أصرّ على محمّد بأنْ يذهب بتجارة خديجة، كي يُخرجه من الدروس التأمّليّة، التي كان يتلقاها عن الأديان والمذاهب(خصوصاً المذاهب المسيحيّة المهرطقة) التي حدّثه عنها، ولكي يحتكّ بها ويجالس علمائها، فيتسنى له (أي محمّد) التعرف على الذين سيبشرهم قريباً بدعوته، التي وضع أساسها الأُسقف الأريوسيّ ورقة بن نوفل. فورقة بعمله هذا أراد أن ينمّي فكر محمّد، ويقوّي إرادته، ويزيد من خبرته في مجال معرفة فكر المذاهب الأُخرى. فبعد أنْ أسس الأُسقف الأريوسيّ ورقة عقيدته الآريوسيّة، وبلورها ونقشها بفكر محمّد،  وتأكّده من إخلاصه لها، أرسله ليتعرّف على المذاهب المختلفة، وبذلك تكون فترة تحضير محمّد قد مرّت بثلاث مراحل:

* المرحلة الأولى: تأمّليّة في غار حِراء[73]، فيها دُرِّب محمّد على الصلاة والصوم وعلى بعض الممارسات التقشّفيّة والتقويّة والأخلاقيّة، مع دراسة الكتب الدّينيّة والدّيانات والمذاهب.

* المرحلة الثانية: الإحتكاك المباشر بالديانات والمذاهب الأُخرى، التي سيتمّ تبشيرها بالدّين الجديد (أي الآريوسيّة المُجدَّدة).

* المرحلة الثالثة: بداية الدّعوة إلى الدّين الإسلاميّ، بعد أنْ أيقَن الأسقف الأريوسيّ ورقة، بأنّ فتاه محمّد قد أصبح جاهزاً، فكريّاً، ونفسيّاً، وماديّاً، فأعطاه بركة التبشير، وأعطاه صفة النبيّ والرّسولِ أيضاً.



صحة نبوة الرسول
الاسلام ونشأة الفرق والسبايا
نشأة الخوارج والمشبهة والمعتزلة
الخاتمة والمصادر