نقد الفكر الديني
 
 


 دراسة في العقيدة الاسلامية


الفصل الثاني

الحنيفيّة رسالة ورقة بن نوفل ومحمّد إلى اليهود والنصارى

    1- ورقة بن نوفل ومحمّد والحنيفيّة : قبلَ كُلِّ شيءٍ يجبُ علينا أنْ نعرِفَ مَنْ هو ورقة: " هو القسّ ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزّى بن قصي بن كلاب بن مرّة، إبن عم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد الُعّزى بن قصي بن كلاب بن مرّة زوجة محمّد بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة، فيكون قصي الجدّ الثالث لورقة وخديجة والجدّ الرابع لمحمّد "[30]. إمّا عَن ديانتِهِ أو مُعتقدهِ: " ذكر ابن هشام المتوفى في الفسطاط سنة 218 هجرية (833م) في سيرته: دين العرب: قال ابن اسحاق: واجتمعت قريش يوماً فى عيد لهم عند صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه ينحرون له ويعكفون عنده ويديرون به، وكان ذلك عيداً لهم فى كل سنة يوماً، فخلص منهم أربعة نفر نجيّاً، ثم قال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، قالوا أجل، وهم: وَرَقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحُوَيْرِث، وزيد بن عمرو بن نُفَيْل. فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شيء، لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نظيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ! يا قوم، التمسوا لأنفسكم، فإنكم والله ما أنتم على شيء. فتفرقوا فى البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم. فأما ورقة بن نوفل فاستحكم فى النصرانية واتبع الكتب من أهلها حتى علم علماً من أهل الكتاب. وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم "[31]. الظاهر أنّ ورقةَ ومحمّد لم يكونا على دينِ الحنيفيّةِ الصافي، بل أرادا أنّ يتستّرا بالحنيفيّةِ، لينشُرا دينَهُما     (الآريوسيّة المجدَّدة). فقد بَشّرَ محمّدٌ بأشياء لم تكُنْ في الحنيفيّةِ، لذلكِ اتّهمَه أبو عامر الراهب[32] بتَحريفِ الحنيفيّة، الّذي رَفضَ أنْ يعتنقَ الإسلامَ، واصفاً نفسَهُ بالحنيف الموحِّد المستقلّ، واضعاً مسافة بينَه وبينَ الدّيانةِ الجديدةِ: " ابن هشام السيرة: أمّا أبو عمار فخرج من قومه إلى مكّة ببضعة عشر رجلاً، مفارقاً للإسلام ورسول الله. فقال رسول الله: كما حدَّثني محمّد بن إبي أمامة عن بعض آل حنظلة بن إبي عامر: (لا تقولوا الراهب، لكن قولوا الفاسق) … وقيل أنّ أبا عامر أتى رسول الله حين قدم المدينة، قبل أن يخرج إلى مكّة، فقال: (ما هذا الدين الذي جئتَ به؟) فقال: (جئت بالحنيفيّة، دين إبراهيم). قال: (فأنا عليها). قال له رسول الله: (إنّك لستَ عليها) قال: (بلى. إنّك أدخلتَ يامحمّد في الحنيفيّة ما ليس منها). قال: (ما فعلتُ، ولكنّني جئت بها بيضاء نقيّة). قال: (الكاذب أماته الله طريداً غريباً وحيداً)… كان أبو عامر عدوّ الله، فخرج إلى مكّة. فلمّا افتتح رسول الله مكّة، خرج إلى الطائف. فلمّا أسلم أهل الطائف، لحق بالشام، فمات بها طريداً غريباً وحيداً "[33]. لقد آمنَ أهلُ يثرِب بمُحمّدٍ لأنَّه قالَ عَن دينِه، دينُ إبراهيم[34] الحنيف، وإيمانُهم لَم يكُنْ عَن معرِفة، لأنَّهم كانوا يجهلونَ ما هو دينُ إبراهيمَ. أمّا أبو عامر الراهب، فقد كانَ يعرفُ دينَ إبراهيمَ، لذلكَ اتهّمَ محمّد بأنَّه يُحرّفُ دين إبراهيم. أمّا أهلُ يثرِب فَلَم يُبدوا رأيهم بما قالَهُ أبو عامر الراهب، والسببُ بسيطٌ، ألا وَهو جهلُهُم لدينِ إبراهيمَ. لذلكَ نستطيعُ أنْ نقول: إنَّ إيمانَ أهل يثرِبَ جاءَ بناءً على:

أ) مفهومٍ تعصبيّ، أي الوحدةُ العربيّة، ودينٍ عربيٍّ واحِدٍ.وهذا ردٌّ على التعصّبِ اليهوديّ، الذي سيطَرَ على اقتصادِ يثرِبَ.

ب) مُحمّد يشدّد على نسب العرب لإبراهيمَ، لإلغاءِ احتكارِ اليهود لِهذهِ النّسبة، وتَباهيهم بِها.

نحن نعتقد بأنَّه كان، هناك، أي في الجَزيرة العَربيّة أكثر من تيار في مذهب الحنيفيّة. مستندين بذلك على ما جاء في الأحاديث المحمّديّة (النبويّة) من تضارب حول الحنيفيّة، فتارة يمدحها محمّد: " فلما أن جاء كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم < أي جاء إلى هرقل ملك الرومان يدعوه فيه إلى الإسلام > دعا قسيسي الروم وبطارقتها  ثم غلق عليه وعليهم الدار وقال نزل هذا الرجل حيث رأيتم وقد أرسل يدعوني إلى ثلاث خصال يدعوني أن أتبعه على دينه أو أن نعطيه مالنا على أرضنا… ثم دعا < أي هرقل > رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب قال ادع لي رجلا حافظا للحديث عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه فجاءني… فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوك فإذا هو جالس بين أصحابه على الماء فقلت أين صاحبكم قيل ها هو ذا فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال. ممن أنت قلت أنا أحد تنوخ فقال هل لك في الحنيفية ملة أبيك إبراهيم قلت إني رسول قوم وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم قال إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين "[35]. وأخرى يذمها:" … قال ثنا حفص بن غياث عن ليث عن مجاهد قال الإخصاء. وقوله ذلك الدين القيم. يقول تعالى إن إقامتك وجهك للدين مغير ولا مبدل هو الدين القيم يعني المستقيم الذي لا عوج فيه عن الاستقامة من الحنيفية إلى اليهودية والنصرانية وغير ذلك من الضلالات والبدع والمحدثة "[36]. وورد أيضاً: " … وأوليائهم وذلك أن المشركين بعضهم من بعض في التظاهر على كفرهم ونصرة بعضهم بعضاً برأ الله إبراهيم خليله أن يكون منهم أو من نصرائهم وأهل ولايتهم. وإنما عنى جل ثناؤه بالمشركين والنصارى وسائر الحنيفية. قال لم يكن إبراهيم من أهل هذه الأديان. ولكنه كان حنيفاً مسلماً "[37].في هذه الأحاديث وغيرها يذم محمّد الحنيفيّة ويضعها بمرتبة الكفرة والمشركين. نحن نعتقد بأنّه كان يذم تيار أبي عمّار الراهب (المذكور سابقاً) لأنّه لم يكن متفقاً مع تيار معلًم محمّد ورقة بن نوفل. والجدير بالذكر أنّ أغلب الحنفاء الذين على مذهب ورقة بن نوفل ومُحمّد هم من العَجم، أي مِن غير العرب، منهم الراهبان نسطور وبحيرا[38]، وعداس النينويّ وصهيب الروميّ وسلمان الفارسيّ[39]. وهذا دليل، بأنّ لدى الحنيفيّة التي أراد محمّد أنْ يبشر بها غاية، وهي نشر الدّعوة الآريوسيّة. فأغلب هؤلاء الرهبان كانوا على معتقد المذهب الأريوسيّ. لأنّ الآريوسيّة عندما هربوا من الإسكندرية في مِصر، كانوا أفراداً وليسوا جماعة متكاملة لها تنظيم، كما هي النّسطوريّة واالأبيونيّة، وهذا ما يفسّر عدم وجود جماعة آريوسيّة منظّمة داخل الجزيرة العربيّة: " وروى الكوفيون عن ابن مسعود قال قال لي رسول الله ص هل تدري أي الناس أعلم قال قلت الله ورسوله أعلم قال أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا أختلفت الناس فيه وإن كان مقصرا في العلم وإن كان يزحف على استه هل تدري من أين آتت بني إسرائيل  الرهبانية. ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بمعاصي الله فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلا القليل فقالوا إن أفنونا فلم يبق للدين أحد يدعون إليه فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الأمي الذي وعدنا عيسى يعنون محمدا ص فتفرقوا في غيران الجبال وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر وتلا ورهبانية الآية أتدري ما رهبانية أمتي الهجرة والجهاد والصوم والصلاة والحج والعمرة والتكبير على التلاع "[40].

 2- العوامل التي ساعدت محمّداً على نشر دعوته: مِنَ المُهمِ أنْ نعرفَ ، أنّ فِكرَ ما قَبلَ الإسلامِ قد بدأَ يتَجِهُ نحوَ التّوحيد، وهذا ما ساعدَ ورقة ومحمّد. حيثُ بدأَ هذا الفِكرُ لدى أغنياءِ وشيوخِ قُريش: " إلا أن فكرة اطراح الأوثان، وعبادة إلهً واحد غير منظور، أخذت تتبلور في آخر العهد الجاهلي، وتنمو بين فئة قليلة من شيوخ قريش. وكان لنموها، فيما يبدو، تأثير ما في تمهيد الطريق أمام الدعوة الإسلامية. ففي الاتجاه من عبادة الأوثان إلى عبادة إلهٍ غير منظور، وما استتبعه من إحلال القيم الروحية والمعنوية مكان المادية، دليل ساطع على بوادر نهضة فكرية ويقظة وجدانية، نهضت بالذهن العربي من ماديته المحدودة إلى روحانية لا   محدودة "[41]. وَكانَ هُناكَ، أي في الجزيرةِ العربيّة، تَذكيرٌ مِن بَعضِ زعماءِ قُريش، بأنّ نسبَهم يرجعُ إلى إبراهيمَ وإسماعيل[42]، والمعرفُ عَن إبراهيمَ بأنَّهُ آمنَ بإلهٍ واحِدٍ، والتَّذكيرُ بِهذا النَّسبِ يدلُّ على ما كانَ لإبراهيم وإسماعيلَ مِن مكانةٍ بينَ العربِ: " من خطبة لهاشم بن عبدِ مناف في نافرةٍ ما بين قريش وخزاعة، وهي في المفاخرة والحماسة: أيها الناس! نحن آلُ إبراهيم، وذريَّةُ، إسماعيل، بنو النّضر بن كنانة، بنو قُصيّ بنِ كُلاب، وأرباب مكة، وسكان الحرَم، لنا ذروة الحسب، ومعدِنُ المجد. ولكلٍّ في كلٍّ حلفٌ، يجب عليه نُصرتهُ، واجابةُ دعوتِه، إِلا ما دعا عُقوق العشيرةِ، وقطع الرَّحِم "[43]. والعرب صدَّقوا، أنّ محمّداً خليفة إبراهيم وإسماعيل: " ثم اختلفوا بعدَ ذلك في موضعِ دفنِ النبيّ عليهِ السلام فأراد أهلُ مكة ردهُ إلى مكة لأنها مولدهُ ومبعثهُ وقِبلته وموضعُ نسلهِ وبها قبرُ جدهِ إسماعيلَ عليهِ السلامُ وأرادَ أهل المدينةِ دفنهُ بها لأَنها دارُ هجرتهِ ودارُ أنصارهِ. وقال آخرون بنقلهِ إلى ارض القدس ودفنهِ ببيتِ المقدسِ عند قبرِ جدّهِ إبراهيم الخليل عليهِ السلامُ "[44].   

3- بين ورقة ومحمّد واليهود: لقد استغلَ ورقةُ ومحمّد أقوالَ أجدادِهم آبائِهم، وركّزا على أنّ العربَ واليهودَ مِن أصلٍ واحِدٍ، فالعربُ ذُريّةُ إبراهيمَ مِن إسماعيلَ، الّذي هوَ نبيٌّ أيضاً  (وَاذكُرِ فى الكِتَبِ إِسمَعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعِد وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً)، سورةُ مريمَ: 54، وجاء أيضاً (وَإِسمَعِيلَ واليَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلنَا عَلَى العَلَمِينَ)، سورةُ الأنعامِ: 86. إمّا اليهودُ فإنَّهم ذُريّةُ إبراهيمَ مِن إسحقَ[45]، أو ذُريّةُ إسرائيلَ (أُلَئِكَ الَّذِينَ… وَمِن ذُرِّيّةِ إِبَراهِيمَ وَإِسرَءِيلَ وَمِمَّن حَمَلنَا…)، سورةُ مريمَ: 58، وأيضاً (وَوَهَبنَا لَهُ إِسحَقَ وَيَعقُوبَ…)، سورةُ الأنعامِ: 84. وكأنّهُما يقولان لليهودَ، نحنُ وأنتمُ إخوةٌ، وذُريّةُ رجُلٍ واحِدٍ، أي أصلُ دينِنا واحِد. لكنْ يوجدُ بينَنا في الجزيرةِ ديانةٍ تشوّهُ صورةَ إلهَ آبائِنا، أو إلهَ إبراهيمَ، الّذي نحنُ وأنتم أحفادُه، وحماةُ رسالتِه،والملتزمينَ بدينِهِ، وهذهِ الديانةُ هيَ ديانةُ النصارى الّذين جعلوا مِن عِيسى ابن مريم إله، وعِيسى ليس بإلهٍ، لكنّهُ نبيُّ لإنَّهُ مِنكُم. أمّا اليهودُ فلَم يَفهموا تلكَ الرسالةِ لِعدَّةِ أسبابٍ مِنها:

أ) لأنَّهُم كانوا ينتظرِونَ مُخلِّصاً يهوديّاً، مِن سِبطِ يَهوذا  [46]، ومِن نَسلِ داوودَ الملك[47].

ب) لأنّ مُحمّداً من العرب، أي مِن نَسلِ إسماعيل، هذا ضدّ نبوءاتِ كتابهم المقدّس.

4- محمّد يفنّد عقيدة النصارى: فالنصارى، من نساطرة ويعاقبة وغيرهم، ليسوا من ذريّة إبراهيم، إنّهم قوم غرباء لا يؤمنون بإيمانه، بل يؤمنون بإيمان بولس[48]، الذي ضلّلهم بتعاليه عن دين الحقّ، أي دين التّوحيد الذي دعا إليه إبراهيم: " وقد قيل إن النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع عيسى يصلون إلى القبلة ويصومون شهر رمضان حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس قتل جماعة من أصحاب عيسى فقال إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا وجحدنا وإلى النار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار وإني أحتال فيهم فأضلهم فيدخلون النار وكان له فرس يقال لها العقاب فأظهر الندامة ووضع على رأسه التراب وقال للنصارى أنا بولس عدوكم قد نوديت من السماء أن ليست لك توبة إلا أن تتنصر فأدخلوه الكنيسة بيتا فأقام فيه لا يخرج ليلا ولا نهارا حتى تعلم الإنجيل فخرج وقال نوديت من السماء أن الله قد قبل توبتك فصدقوه وأحبوه ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليه نسطورا وأعلمه أن عيسى ابن مريم إله ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسون وقال لم يكن عيسى بإنس فتأنس ولا بجسم فتجسم ولكنه ابن الله وعلم رجل يقال له يعقوب ذلك ثم دعا رجلا يقال له الملك فقال له إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا وقال له أنت خاصتي ولقد رأيت المسيح في النوم رضي عني وقال لكل واحد منهم إني أذبح نفسي غدا وأتقرب "[49]. وورد أيضاً: " ذهب المسلمون إلى أن التحريف الذى حدث فى الأناجيل، إنما حدث بعد فترة وجيزة من قيام الحواريين بالدعوة المسيحية؛ ويتهم المسلمون شخصية يهودية قامت بهذا التحريف هى شخصية فولوس < أي بولس >؛  وتقول المصادر الإسلامية إنه كان يعرف الفلسفة اليونانية معرفة كاملة وقد مزجها بالمسيحية، وكتب رسالة مشهورة فيها تأليه اليسوع حيث يقول: (إنكم تظنون أن مكان عيسى كمكان سائر الأنبياء وليس كذلك، إنما هو كمثل ملكيزان، وهو ملك السلام الذي كان إبراهيم عليه السلام يعطى إليه العشور فكان يبارك على إبراهيم). ويرى المسلمون أيضاً أن فولوس تدخل إلى حد كبير فى كتابة الأناجيل، وأنه غيّر فيها وبدل وأضاف أخباراً من   عنده "[50]. وجاء أيضاً: " ونؤمن بكل كتاب… إلخ: أى بأن له تعالى كتبا أنزلها على رسله، وعلى الوجه الذى يليق بجلاله وكماله، وحكمته وتدبيره. فالمحرَّف منها بأيدي الأحبار والرهبان لا يصح نسبته إليه تعالى، لعدم إنزاله على رسوله، ولعدم لياقته بشأنه العظيم"[51]. وورد أيضاً:  " أمّا كُتب العهد الجديد فليس فيها حكم تحريم تعدُّد الزوجات، والتحريف الكنسيّ في تحريم تعدّد الزوجات قد كان مستنداً إلى وصيّة اليهودي بولس في رسائله، وبولس هذا هو المحرّف الأكبر لديانة عيسى عليه السلام، وقد كان قبل رفع عيسى إلى السماء عدوّاً للمسيح، ومحارباً لتلاميذه وأتباعه، وبعد المسيح عليه السلام دخل النصرانيّة منافقاً، وأفسد الديانة بمكر يهودي "[52]. ومحمّد لا يحمل فقط على عقيدة النصرانيّة (المسيحيّة) فقط، بل أيضاً على حياتهم التعبديّة والاجتماعيّة  (يَبَنِى ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتكُم عِندَ كُلِّ مَسجِدٍ وَكُلُواْ وَاشرَبُوا وَلَا تُسرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسرِفِينَ <31> قُل مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِى أَخرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبتِ مِنَ الرِّزقِ قُل هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فىِ الحَيَواةِ الدُّنياَ خَالِصَةً يَومَ القِيَمَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَتِ لِقَومٍ يَعلَمُونَ)، سورة الأعراف: 31- 32. السؤال المطروح هنا، مَنْ هو الذي حرّم الطيبات؟. نحن وبحسب المصادر والمراجع، نستطيع أنْ نقول: الذي كان يتقشّف ويلبس المِسحَ ويصوم… هم رهبان المذاهب المسيحيّة المهرطقة (النساطرة واليعاقبة)، رغم ما يملكونه من مال، وتقشّفهم هذا كان جزء من عبادتهم لله. وزينة الله لا تقتصر على الأشياء الماديّة فقط، ولو كانت مقتصرة على ذلك، لقلّنا بأنّ المقصود بهذه الآية، كلّ الفرق المنتشرة في الجزيرة والتي تدعوا إلى التوحيد. لكننا لسببين آخرين قلنا هي موجّه ضدّ النساطرة واليعاقبة، وبالأحرى ضدّ كلّ الرهبان ورجال الإكليروس:

أ) في القرآن، وتحديداً في سُورةِ الكَهف الآية: 46، يقول: (المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الدُّنيَا وَالبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ خَيرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيرٌ أَمَلاً).

ب) مَنْ كان يزدري الماديات؟، ومَنْ كان لا يتزوج، أي لا ينجب أولاداً؟.

  هاتان الصفتان لا تنطبقان إلا على الرهبان والكهنة والدّليل، لم يكنْ في الجَزيرةِ العربيّة في ذلكَ الوَقتِ، أي دينٍ أو مَذهبٍ أو فِرقةٍ تَدعو إلى العِفّةِ، أو تُحلِّلُ عَدمَ الزَّواجِ والإنجابِ غيرُ النّساطرةِ واليَعاقبة. نَستنتِجُ مِن هذا بأنَّ مُحمّداً (ومن بعده الإسلام) لَم يُحاربِ النَّصرانيّة     (المسيحيّة) عَلَى مُستوى العقيدةِ فَقط، بَل كفّرَ حتّى طقوسِها، وخُصوصيتِها، الإجتماعيّةِ والتقويّةِ: " ومن الغلوّ في الأحكام التشريعيّة غُلُوّ النصارى في تحريمهم تعدُّد الزوجات دون نصٍّ دينيّ، وإنّما هو حكْمٌ كنسيٌّ بابَوِيّ صدّره رجال الكهنوت من عند أنفسهم، على خلاف حكم الله عزّ وجلَّ في التوراة وسائر كتب العهد القديم… ومن غلُوّ النصارى في الأحكام ما لديهم من الرهبانيّة التي ابتدعوها، فما رعوها حق رعايتها، ومن هذه الرهبانيّة التزام بعضهم بترك الزواج ترهُّباً وتقرُّباً إلى الله عزّ وجلّ. ومنه حكم بعض طوائفهم بتحريم الزواج على من يدخُل سِلْكَ التَّرهُّب في الأديرة والكنائس… وقد بيّن الله عزّ وجلّ انّ رهبانيتهم الّتي غَلَوْا فيها إنّما هي من الأمور الّتي ابتدعوها من عند أنفسهم "[53]. بناء على ما تقدّم يمكننا القول: كان محمّد رافضاً ومكفًراً المسيحيّة بكل أشكالها ومذاهبهاً، وكأنّه يردّ على حرم آريوس، بتكفير المسيحيّة، بقوله في القرآن: تقولون على الله ما لا تعلمون (قُل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ الفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثمَ وَالبَغىَ بِغَيرِ الحَقِّ وَأَن تُشرِكُوا بِاللهِ مَا لَم يُنَزِّل بِهِ سُلطَناً وَأَن تَقُولُواْ عَلىَ اللهِ مَا لَا تَعلَمُونَ)، سورة الأعراف، الآية: 33. في هذه الآية يقول محمّد قل إنّما ربّي، أي ربّي ليس بربّكم، لأنّكم تشركون به، إذن أنتم لا تعرفونه، وبما أنّكم لا تعرفونه، فأنتم تقولون عنه ما لا تعلمون.

5-  القرآن بعد وفاة مٌحمّد: أمّا بعد وفاة محمّد، خصوصاً إبان (الفتوحات) الإسلاميّة، تأثر المسلمون بالفكر الدّينيّ الذي اعتنقته الشعوب التي احتلوها: " وعندما خرج الاسلام من الجزيرة العربيَّة واعتنقته شعوب فارسيَّة وسوريَّة ومصريَّة، لها معتقداتها وتراثها الفكري واتِّجاها الديني، لم تتخلّ هذه الشعوب عن مقوّمات حضارتها، فأدخلت في الاسلام، من حيث تدري أو لا تدري، عناصر غريبة عن الاسلام ظهر أثرها العميق في الفرق المختلفة كما ظهر عند المتصوِّفين والفلاسفة "[54]. والدليل تعدّد نُسخ القرآن، حيث جمعه عُثمان بن عَفَّان[55]، بعد أن تخاصم الناس على طريقة قرأته، أو على زيادة أو نقصان بعض آياته. وهذا دليل على دخول أفكار غريبة عليه، ففي تلك الحقبة الزّمنيّة، كانت الدولة الإسلاميّة قد ضَمّت إليها بلاد فارس[56] والعراق وبلاد الشام ومِصر، حيث  تنتشر في تلك البلدان مراكز الفكر الفلسفيّ والدينيّ: " في سنة 25 هجرية/ 645م، السنة الثانية أو الثالثة – على اختلاف الروايات – من خلافة عثمان، اجتمع أهل الشام، وأهل العراق على فتح أرمينية وأذربيجان، وكان الصحابي    (حذيفة بن اليمامة) مّمن خرج للجهاد – قائداً لأهل المدائن من أعمال العراق – فلحظ كثرة اختلاف المسلمين في وجوه القراءة وسمع ما كانت تنطق به ألسنتهم من كلمات التجريح والتأثيم، فاستعظم ذلك وأكبره، وقام بهم خطيباً وقال: هكذا كانوا من قبلكم اختلفوا، والله لأركبنّ إلى أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى "[57]. وقد بقي الخلاف قائماً حول سوَرِ القرآن وتفسيره: " ولكن الاسلام كان اقرب الى اطلاق حرية الفكر والقول خصوصاً في أوائله فلم يكن أحدهم يستنكف من إبداء ما يخطر له ولو كان مخالفاً لرأْى الخليفة ولذلك كثرت الفرق الإسلامية يومئذ وتعددت مذاهب أصحابها في القرءَاة والتفسير والفقه في كل شيءٍ حتى ذهب بعضهم إلى أن سورة يوسف ليست من القرآن لأنها قصة من القصص والقائلون بذلك من العجاردة وذهبت طائفة أُخرى إلى إثبات حكم من الأحكام الإلهية في السيد المسيح وانه هو الذي يحاسب الخلق وظل بعضهم يقرأُون القراءات الغريبة إلى أواسط الدولة العباسية وفي جملتهم يعقوب العطار المتوفى سنة 354 هجرية فاستحضره الخليفة واستتابه بحضرة القراءِ والفقهاءِ وكتب محضر توبته واشهد عليه من حضر. واشتهر من قرأَ القراءَات الشاذة ابن شنبوذ البغدادي المتوفى سنة 328 هجرية فانه تفرد بقراءات من الشواذ كان يقرأُ بها في المحراب ذكرها ابن النديم وابن خليكان فعلم به ابن مقلة الوزير سنة 323 هجرية فقبض عليه واعتقله أياما فلم يكن ذلك ليرجعه عن قراءَته فأمر بجلده واستتاب وقال انه قد رجع عما يقرأه وانه لا يقرأُ إلا بمصحف عثمان بن عفان بالقراءَة المتعارف عليها التي يقرأُ بها الناس وكتب محضراً بذلك "[58]. والحقيقة هي أنَّ القرآن لم يكن متفق عليه منذ عهد الخلفاء الراشدين، وإلى ما بعدهم بزمن طويل: " ذكر ابن النديم في القرن الرابع للهجرة انه ارتحل إلى الحديثة وهي مدينة بجوار الموصل. فرأى فيها عند رجلٍ يقال له محمد بن الحسين مصحفاً بخط خالد ابن ابي الهياج صاحب عليّ ابن ابي طالب. وأيضاً هناك خطوط الإِمامين الحسن والحسين. وروى سبط ابن الجوزيّ انه كان في جامع أصفها قبل احتراقه سنة 515 للهجرة خمسمائة مصحف مكتوبة بخطوطٍ بديعةٍ مدبجةٍ بصفائح الذهب والفضة: بينها مصحف خطه بيده أُبَيّ ابن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجيّ وهو الذي أمره الخليفة عثمان أن يجمع القرآن فشاركه في جمعه. وكان أُبَيّ بن كعب من أحبار اليهود ثم اسلم "[59].





الاسلام يكمل البدعة الايروسية
صحة نبوة الرسول
الاسلام ونشأة الفرق والسبايا
نشأة الخوارج والمشبهة والمعتزلة
الخاتمة والمصادر