دراسة
في العقيدة الاسلامية
الفصل
الثاني
الحنيفيّة
رسالة ورقة بن نوفل ومحمّد إلى
اليهود والنصارى
1- ورقة بن نوفل ومحمّد
والحنيفيّة :
قبلَ
كُلِّ شيءٍ يجبُ علينا أنْ
نعرِفَ مَنْ هو ورقة: " هو
القسّ ورقة بن نوفل بن أسد بن
عبد العُزّى بن قصي بن كلاب بن
مرّة، إبن عم خديجة بنت خويلد بن
أسد بن عبد الُعّزى بن قصي بن
كلاب بن مرّة زوجة محمّد بن عبد
المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن
قصي بن كلاب بن مرّة، فيكون قصي
الجدّ الثالث لورقة وخديجة
والجدّ الرابع لمحمّد ".
إمّا عَن ديانتِهِ أو مُعتقدهِ:
" ذكر ابن هشام المتوفى في
الفسطاط سنة 218 هجرية (833م) في
سيرته: دين العرب: قال ابن اسحاق:
واجتمعت قريش يوماً فى عيد لهم
عند صنم من أصنامهم كانوا
يعظمونه ينحرون له ويعكفون عنده
ويديرون به، وكان ذلك عيداً لهم
فى كل سنة يوماً، فخلص منهم
أربعة نفر نجيّاً، ثم قال بعضهم
لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على
بعض، قالوا أجل، وهم: وَرَقة بن
نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى،
وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن
الحُوَيْرِث، وزيد بن عمرو بن
نُفَيْل. فقال بعضهم لبعض:
تعلموا والله ما قومكم على شيء،
لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم،
ما حجر نظيف به لا يسمع ولا يبصر
ولا يضر ولا ينفع ! يا قوم،
التمسوا لأنفسكم، فإنكم والله
ما أنتم على شيء. فتفرقوا فى
البلدان يلتمسون الحنيفية دين
إبراهيم. فأما ورقة بن نوفل
فاستحكم فى النصرانية واتبع
الكتب من أهلها حتى علم علماً من
أهل الكتاب. وأما عبيد الله بن
جحش فأقام على ما هو عليه من
الالتباس حتى أسلم ".
الظاهر أنّ ورقةَ ومحمّد لم
يكونا على دينِ الحنيفيّةِ
الصافي، بل أرادا أنّ يتستّرا
بالحنيفيّةِ، لينشُرا دينَهُما
(الآريوسيّة المجدَّدة). فقد
بَشّرَ محمّدٌ بأشياء لم تكُنْ
في الحنيفيّةِ، لذلكِ اتّهمَه
أبو عامر الراهب
بتَحريفِ الحنيفيّة، الّذي
رَفضَ أنْ يعتنقَ الإسلامَ،
واصفاً نفسَهُ بالحنيف
الموحِّد المستقلّ، واضعاً
مسافة بينَه وبينَ الدّيانةِ
الجديدةِ: " ابن هشام السيرة:
أمّا أبو عمار فخرج من قومه إلى
مكّة ببضعة عشر رجلاً، مفارقاً
للإسلام ورسول الله. فقال رسول
الله: كما حدَّثني محمّد بن إبي
أمامة عن بعض آل حنظلة بن إبي
عامر: (لا تقولوا الراهب، لكن
قولوا الفاسق) … وقيل أنّ أبا
عامر أتى رسول الله حين قدم
المدينة، قبل أن يخرج إلى مكّة،
فقال: (ما هذا الدين الذي جئتَ
به؟) فقال: (جئت بالحنيفيّة، دين
إبراهيم). قال: (فأنا عليها). قال
له رسول الله: (إنّك لستَ عليها)
قال: (بلى. إنّك أدخلتَ يامحمّد
في الحنيفيّة ما ليس منها). قال: (ما
فعلتُ، ولكنّني جئت بها بيضاء
نقيّة). قال: (الكاذب أماته الله
طريداً غريباً وحيداً)… كان أبو
عامر عدوّ الله، فخرج إلى مكّة.
فلمّا افتتح رسول الله مكّة،
خرج إلى الطائف. فلمّا أسلم أهل
الطائف، لحق بالشام، فمات بها
طريداً غريباً وحيداً ".
لقد آمنَ أهلُ يثرِب بمُحمّدٍ
لأنَّه قالَ عَن دينِه، دينُ
إبراهيم
الحنيف، وإيمانُهم لَم يكُنْ
عَن معرِفة، لأنَّهم كانوا
يجهلونَ ما هو دينُ إبراهيمَ.
أمّا أبو عامر الراهب، فقد كانَ
يعرفُ دينَ إبراهيمَ، لذلكَ
اتهّمَ محمّد بأنَّه يُحرّفُ
دين إبراهيم. أمّا أهلُ يثرِب
فَلَم يُبدوا رأيهم بما قالَهُ
أبو عامر الراهب، والسببُ
بسيطٌ، ألا وَهو جهلُهُم لدينِ
إبراهيمَ. لذلكَ نستطيعُ أنْ
نقول: إنَّ إيمانَ أهل يثرِبَ
جاءَ بناءً على:
أ)
مفهومٍ تعصبيّ، أي الوحدةُ
العربيّة، ودينٍ عربيٍّ واحِدٍ.وهذا
ردٌّ على التعصّبِ اليهوديّ،
الذي سيطَرَ على اقتصادِ يثرِبَ.
ب)
مُحمّد يشدّد على نسب العرب
لإبراهيمَ، لإلغاءِ احتكارِ
اليهود لِهذهِ النّسبة،
وتَباهيهم بِها.
نحن
نعتقد بأنَّه كان، هناك، أي في
الجَزيرة العَربيّة أكثر من
تيار في مذهب الحنيفيّة.
مستندين بذلك على ما جاء في
الأحاديث المحمّديّة (النبويّة)
من تضارب حول الحنيفيّة، فتارة
يمدحها محمّد: " فلما أن جاء
كتاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم < أي جاء إلى هرقل ملك
الرومان يدعوه فيه إلى الإسلام
> دعا قسيسي الروم وبطارقتها
ثم غلق عليه وعليهم الدار وقال
نزل هذا الرجل حيث رأيتم وقد
أرسل يدعوني إلى ثلاث خصال
يدعوني أن أتبعه على دينه أو أن
نعطيه مالنا على أرضنا… ثم دعا
< أي هرقل > رجلا من عرب تجيب
كان على نصارى العرب قال ادع لي
رجلا حافظا للحديث عربي اللسان
أبعثه إلى هذا الرجل بجواب
كتابه فجاءني… فانطلقت بكتابه
حتى جئت تبوك فإذا هو جالس بين
أصحابه على الماء فقلت أين
صاحبكم قيل ها هو ذا فأقبلت أمشي
حتى جلست بين يديه فناولته
كتابي فوضعه في حجره ثم قال. ممن
أنت قلت أنا أحد تنوخ فقال هل لك
في الحنيفية ملة أبيك إبراهيم
قلت إني رسول قوم وعلى دين قوم
لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم قال
إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله
يهدي من يشاء وهو أعلم
بالمهتدين ".
وأخرى يذمها:" … قال ثنا حفص
بن غياث عن ليث عن مجاهد قال
الإخصاء. وقوله ذلك الدين القيم.
يقول تعالى إن إقامتك وجهك
للدين مغير ولا مبدل هو الدين
القيم يعني المستقيم الذي لا
عوج فيه عن الاستقامة من
الحنيفية إلى اليهودية
والنصرانية وغير ذلك من
الضلالات والبدع والمحدثة ".
وورد أيضاً: " … وأوليائهم
وذلك أن المشركين بعضهم من بعض
في التظاهر على كفرهم ونصرة
بعضهم بعضاً برأ الله إبراهيم
خليله أن يكون منهم أو من
نصرائهم وأهل ولايتهم. وإنما
عنى جل ثناؤه بالمشركين
والنصارى وسائر الحنيفية. قال
لم يكن إبراهيم من أهل هذه
الأديان. ولكنه كان حنيفاً
مسلماً ".في
هذه الأحاديث وغيرها يذم محمّد
الحنيفيّة ويضعها بمرتبة
الكفرة والمشركين. نحن نعتقد
بأنّه كان يذم تيار أبي عمّار
الراهب (المذكور سابقاً) لأنّه
لم يكن متفقاً مع تيار معلًم
محمّد ورقة بن نوفل. والجدير
بالذكر أنّ أغلب الحنفاء الذين
على مذهب ورقة بن نوفل ومُحمّد
هم من العَجم، أي مِن غير العرب،
منهم الراهبان نسطور وبحيرا،
وعداس النينويّ وصهيب الروميّ
وسلمان الفارسيّ.
وهذا دليل، بأنّ لدى الحنيفيّة
التي أراد محمّد أنْ يبشر بها
غاية، وهي نشر الدّعوة
الآريوسيّة. فأغلب هؤلاء
الرهبان كانوا على معتقد المذهب
الأريوسيّ. لأنّ الآريوسيّة
عندما هربوا من الإسكندرية في
مِصر، كانوا أفراداً وليسوا
جماعة متكاملة لها تنظيم، كما
هي النّسطوريّة واالأبيونيّة،
وهذا ما يفسّر عدم وجود جماعة
آريوسيّة منظّمة داخل الجزيرة
العربيّة: " وروى الكوفيون عن
ابن مسعود قال قال لي رسول الله
ص هل تدري أي الناس أعلم قال قلت
الله ورسوله أعلم قال أعلم
الناس أبصرهم بالحق إذا أختلفت
الناس فيه وإن كان مقصرا في
العلم وإن كان يزحف على استه هل
تدري من أين آتت بني إسرائيل
الرهبانية. ظهرت عليهم الجبابرة
بعد عيسى يعملون بمعاصي الله
فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم
أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق
منهم إلا القليل فقالوا إن
أفنونا فلم يبق للدين أحد يدعون
إليه فتعالوا نتفرق في الأرض
إلى أن يبعث الله النبي الأمي
الذي وعدنا عيسى يعنون محمدا ص
فتفرقوا في غيران الجبال
وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك
بدينه ومنهم من كفر وتلا
ورهبانية الآية أتدري ما
رهبانية أمتي الهجرة والجهاد
والصوم والصلاة والحج والعمرة
والتكبير على التلاع ".
2-
العوامل التي ساعدت محمّداً على
نشر دعوته: مِنَ المُهمِ أنْ
نعرفَ ، أنّ فِكرَ ما قَبلَ
الإسلامِ قد بدأَ يتَجِهُ نحوَ
التّوحيد، وهذا ما ساعدَ ورقة
ومحمّد. حيثُ بدأَ هذا الفِكرُ
لدى أغنياءِ وشيوخِ قُريش: "
إلا أن فكرة اطراح الأوثان،
وعبادة إلهً واحد غير منظور،
أخذت تتبلور في آخر العهد
الجاهلي، وتنمو بين فئة قليلة
من شيوخ قريش. وكان لنموها، فيما
يبدو، تأثير ما في تمهيد الطريق
أمام الدعوة الإسلامية. ففي
الاتجاه من عبادة الأوثان إلى
عبادة إلهٍ غير منظور، وما
استتبعه من إحلال القيم الروحية
والمعنوية مكان المادية، دليل
ساطع على بوادر نهضة فكرية
ويقظة وجدانية، نهضت بالذهن
العربي من ماديته المحدودة إلى
روحانية لا محدودة ".
وَكانَ هُناكَ، أي في الجزيرةِ
العربيّة، تَذكيرٌ مِن بَعضِ
زعماءِ قُريش، بأنّ نسبَهم
يرجعُ إلى إبراهيمَ وإسماعيل،
والمعرفُ عَن إبراهيمَ بأنَّهُ
آمنَ بإلهٍ واحِدٍ،
والتَّذكيرُ بِهذا النَّسبِ
يدلُّ على ما كانَ لإبراهيم
وإسماعيلَ مِن مكانةٍ بينَ
العربِ: " من خطبة لهاشم بن
عبدِ مناف في نافرةٍ ما بين قريش
وخزاعة، وهي في المفاخرة
والحماسة: أيها الناس! نحن آلُ
إبراهيم، وذريَّةُ، إسماعيل،
بنو النّضر بن كنانة، بنو قُصيّ
بنِ كُلاب، وأرباب مكة، وسكان
الحرَم، لنا ذروة الحسب،
ومعدِنُ المجد. ولكلٍّ في كلٍّ
حلفٌ، يجب عليه نُصرتهُ،
واجابةُ دعوتِه، إِلا ما دعا
عُقوق العشيرةِ، وقطع الرَّحِم
".
والعرب صدَّقوا، أنّ محمّداً
خليفة إبراهيم وإسماعيل: " ثم
اختلفوا بعدَ ذلك في موضعِ دفنِ
النبيّ عليهِ السلام فأراد أهلُ
مكة ردهُ إلى مكة لأنها مولدهُ
ومبعثهُ وقِبلته وموضعُ نسلهِ
وبها قبرُ جدهِ إسماعيلَ عليهِ
السلامُ وأرادَ أهل المدينةِ
دفنهُ بها لأَنها دارُ هجرتهِ
ودارُ أنصارهِ. وقال آخرون
بنقلهِ إلى ارض القدس ودفنهِ
ببيتِ المقدسِ عند قبرِ جدّهِ
إبراهيم الخليل عليهِ السلامُ
".
3-
بين ورقة ومحمّد واليهود: لقد
استغلَ ورقةُ ومحمّد أقوالَ
أجدادِهم آبائِهم، وركّزا على
أنّ العربَ واليهودَ مِن أصلٍ
واحِدٍ، فالعربُ ذُريّةُ
إبراهيمَ مِن إسماعيلَ، الّذي
هوَ نبيٌّ أيضاً (وَاذكُرِ
فى الكِتَبِ إِسمَعِيلَ
إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعِد
وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً)،
سورةُ مريمَ: 54، وجاء أيضاً (وَإِسمَعِيلَ
واليَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً
وَكُلّاً فَضَّلنَا عَلَى
العَلَمِينَ)، سورةُ الأنعامِ:
86. إمّا اليهودُ فإنَّهم
ذُريّةُ إبراهيمَ مِن إسحقَ،
أو ذُريّةُ إسرائيلَ (أُلَئِكَ
الَّذِينَ… وَمِن ذُرِّيّةِ
إِبَراهِيمَ وَإِسرَءِيلَ
وَمِمَّن حَمَلنَا…)، سورةُ
مريمَ: 58، وأيضاً (وَوَهَبنَا
لَهُ إِسحَقَ وَيَعقُوبَ…)،
سورةُ الأنعامِ: 84. وكأنّهُما
يقولان لليهودَ، نحنُ وأنتمُ
إخوةٌ، وذُريّةُ رجُلٍ واحِدٍ،
أي أصلُ دينِنا واحِد. لكنْ
يوجدُ بينَنا في الجزيرةِ
ديانةٍ تشوّهُ صورةَ إلهَ
آبائِنا، أو إلهَ إبراهيمَ،
الّذي نحنُ وأنتم أحفادُه،
وحماةُ رسالتِه،والملتزمينَ
بدينِهِ، وهذهِ الديانةُ هيَ
ديانةُ النصارى الّذين جعلوا
مِن عِيسى ابن مريم إله، وعِيسى
ليس بإلهٍ، لكنّهُ نبيُّ
لإنَّهُ مِنكُم. أمّا اليهودُ
فلَم يَفهموا تلكَ الرسالةِ
لِعدَّةِ أسبابٍ مِنها:
أ)
لأنَّهُم كانوا ينتظرِونَ
مُخلِّصاً يهوديّاً، مِن سِبطِ
يَهوذا
،
ومِن نَسلِ داوودَ الملك.