نقد الفكر الديني
 
 
22-10-2013


دور رجال الدين في سقوط الحضارة الاسلامية



اغلبنا يعلم الكثير عن تفاصيل موقف الكنيسة المسيحية القديم من العلم وصراعها في سبيل وضع العلم تحت سيطرتها ومنع اكتشاف مايتعارض مع رؤيتها عن " جوهر الدين الصحيح" وقد وصلت المحاولات الى ذروتها بإعدام الفلكي جاليو جاليلي الذي برهن على صحة نظرية كوبرنيكوس "المحرمة" من قبل الكنيسة، عن كروية الارض ودورانها ومركزية الشمس، مما ادى الى دفع حياته ثمنا لذلك، لتعتذر الكنيسة بعد ذلك بسنوات.

في نفس الوقت غالباً مايجري تذكيرنا بأن عصر الظلام في اوروبا المسيحية ترافق بعصر التنور وازدهار العلوم في الشرق الاسلامي ، في محاولة لإعطاء الانطباع وكأن الاسلام كدين بذاته كان سبباً في إزدهار العلم في حين المسيحية لم تكن تملك نفس القدرة الكامنة التي ملكها الاسلام، غير ان هذا التصوير غير صحيح على الاطلاق، كما انه لايشرح اين اختفت هذه القدرة من الاسلام ولماذا ظهرت لاحقا في العالم المسيحي .

إن الدين بذاته ليس له اي تأثير على التتطور إلا من خلال ماتقدمه بإسمه النخبة العليا المسيطرة، وبذلك تعكس مصالحها ومستوى وعيها . في اوروبا لعبت الكنيسة هذا الدور في حين نجد ان هذه النخبة مستترة في العالم الاسلامى بإعتبار ان الاسلام نظرياً لايملك مؤسسة دينية كهنوتية ظاهرة قابلة للاعتراف العلني بها، حيث لايعترف الاسلام بالكهنوتية، مما يضطر محترفي الدين الاسلامي وبالتواطء مع المؤسسة السياسية الى التلون وممارسة الكهنوتية والوصاية من خلف عدة واجهات مثل هيئة علماء او مجلس افتاء او حجة الله وآية الله، مع انهم في حقيقة الامر يمارسون الوظيفة نفسهاالتي مارستها وتمارسها الكنيسة، والكهنة، والتي ينفونها عن الاسلام.
هذا الامر، اي انتفاء وجود مؤسسة رسمية ممثلة للاسلام وبتالي مسؤولة، يعطي المؤسسة الكهنوتية الاسلامية افضلية بالمقارنة مع المسيح ية، من حيث لفظياً وشكليا هم "غير موجودين" وبالتالي يمكن لهم التملص من مسؤولية اقوالهم واعمالهم على انها لاتمثل الاسلام وانما فقط اشخاصهم. في الوقت الحالي يعتبر المجمع الفقهي الاسلامي للسنة وولاية الفقيه للشيعة ، اقرب المؤسسات الى نظام المجمع الكهنوتي في الفاتيكان وكلاهما مؤسسات كهنوتية حديثة نسبياً. .

موقف النبي (صلعم) وعمر من العلم

بعض الاحاديث النبوية، ستأتي لاحقا، تشير الى دعمه للعلم والسعي اليه، غير ان هناك مواقف مشهودة له في التاريخ وضعت علامات استفهام كبيرة عن ماكان يقصده فعلا من تعبير " العلم" الامر الذي يشير الى ان هذا المفهوم لم يكن موجود بالمعنى الحديث للكلمة.

قال المروزي قال أبو عبد الله : سألني رجل مرة عن يأجوج ومأجوج أمسلمون هم ؟ فقلت له أحكمت العلم حتى تسأل عن ذا وقال أيضا قال أبو عبد الله : سأل بشر بن السري سفيان الثوري عن أطفال المشركين فصاح به وقال يا صبي أنت تسأل عن ذا وقال حنبل سمعت أبا عبد الله وسأله ابن الشافعي الذي ولي قضاء حلب قال له يا أبا عبد الله ذراري المشركين أو المسلمين لا أدري أيهما سأل عنه , فصاح به أبو عبد الله وقال له : هذه مسائل أهل الزيغ ما لك ولهذه المسائل ؟ فسكت وانصرف ولم يعد إلى أبي عبد الله بعد ذلك حتى خرج .

وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة مرفوعا { كان ينهى عن قيل وقال وإضاعة المال , وكثرة السؤال وفي لفظ إن الله كره لكم ذلك} متفق عليه

وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة مرفوعا { كان ينهى عن قيل وقال وإضاعة المال , وكثرة السؤال وفي لفظ إن الله كره لكم ذلك} متفق عليه .

عن سعد مرفوعا قال : { أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته

يقول خليل عبد الكريم في كتابه محمد والصحابة:ص 64-67 :"قال :-عمر بن الخطاب- انطلقت فانتسخت كتاباً من اهل الكتاب ثم جئت به فقال لي رسول الله : ما هذا فى يدك يا عمر؟ فقلت :يا رسول  الله كتاباً نسخته لنزداد علما إلى علمنا، فغضب رسول الله حتى احمرت وجنتاه ثم نودى بالصلاة جامعة  فقالت الأنصار: اغضب نبيكم00 السلاح السلاح).النداء للصلاة الجامعة لا يكون الا في النوازل الكبيرة والملمات الجائحة اي ان محمد اعتبر قراءة أحد أتباعه لصحيفة من التوراة نازلة وجائحة .

وفي رواية اخرى يرويها عز الدين بن أثير الجزري :اخبرنا سفيان عن جابر عن الشعبي عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله فقال يا رسول الله مررت بأخ لي من بني قريظة فكتب لي جوامع من التوراة الا اعرضها عليك؟ فتغير وجه رسول الله قال: عبد الله بن ثابت الا ترى ما بوجه رسول الله ؟ فقال عمر : رضينا بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد نبي ورسولاً .قال فسرى عن النبي ثم قال والذي نفسي بيده لو اصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ، أنكم حظي من الأمم وانا حظكم من النبيين

من الواضح ان سلوك محمد اثر على عمر بن الخطاب كثيرا، إذ نجد ان له مواقف مشابهة. عن خالد بن عرفطة ان عمر بن الخطاب ضرب رجلا اسمه عبدي ثلاثاً لانه نسخ كتب دنيال، ثم قال له : فانطلق فامحه بالحميم والصوف الابيض ثم لا تقرأه أنت ولا تقراه  أحدا من الناس فلئن بلغني عنك انك قرأته او اقرأته أحدا من الناس لانهكتك عقوبة

اخرج نصر المقدسي عن ميمون بن مهران قال: اتى عمر بن الخطاب رجلا وقال له يأمير المؤمنين انا لما فتحنا المدائن أصبت كتاب فيه كلام معجب، قال امن كتاب الله ؟ قلت : لا، فدعا بالدرة فجعل يضربه بها.
  راجع محمد والصحابة خليل عبد الكريم ص 64-67.

سليمان بن يسار. ان رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسال عن متشابه القران فارسل إليه عمر وقد اعد له عراجين النخل  فقال: من أنت؟ قال. انا عبد الله صبيغ. فاخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه وقال. انا عبد الله عمر فجعل له ضربا حتى أدمى رأسه فقال. يأمير المؤمنين !حسبك قد ذهب الذي كنت أجده في رأسى .
راجع: سنن الدرامي 1/54-55 تاريخ ابن عساكر 6/384  سيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي 109 وتفسير ابن كثير 4/232 وفتح الباري 8/17

عن أبى العديس قال: كنا عند عمر بن الخطاب فاتاه رجل فقال: يأمير المؤمنين !ما الجور الكنس؟ وطعن عمر  بمخصرة  معه في عمامة الرجل فالقاها عن رأسه فقال عمر والذي نفس عمر بيده لوجدك محلوقا لا نحيت القمل عن رأسك. كنز العمال 1/229

عن عبد الرحمن بن يزيد قال: ان رجلا سال عمر عن فاكهة وابا فلما رآهم يقولون اقبل عليهم بالدرة-أراد الرجل ان يسال عمر عن معنى( فاكهة واب) الوردة في سورة عبس 31 فضربه عمر بالدرة راجع: فتح الباري 13  والدر المنثور6/317

قال ابن عباس مكثت سنتين أريد ان أسال عمر بن الخطاب عن حديث ما منعني منه الا هيبته راجع الغدير 6/ 292-203 وسيرة عمر لابن الجوزي 118 وسنن الدرامي 1/ 50 جامع بيان العلم 2/141

سلوك ابن الخطاب  لم يأتي من العدم فلقد استن ابن الخطاب بسنة رسوله ، لقد اتخذ عمر من نبيه أسوه حسنة! حين منع المؤمنين من تشغيل العقل سواء كان ذلك بالسؤال او بالمطالعة

عندما خرج البدو العرب من جزيرتهم واجتاحوا الحضارات المجاورة، كانوا لازالوا حديثوا عهد بالاسلام، ولم ينشأ لديهم رجال دين كنخبة، وكانوا لازالوا بعيدين عن الدوجما الدينية. في البلاد المفتوحة كانت الاغلبية غير مسلمة، واحتاج الامر الى وقت لتدريسهم الاسلام، وهو الامر الذي وقع على عاتق المسلمين العرب.

والمسلمين انفسهم كانوا قريبي عهد بالجاهلية، ولم تكن قد نشأت لديهم قواعد تفكير نمطية. غير ان الامكانيات الجديدة التي انفتحت امام (طبقة ) المسلمين المستعمرين، جعلتهم يتفهمون اهمية انسلاخهم واستفرادهم بالوظيفة الرئيسية التي تعطيهم الحق بالادارة : الدين، على الرغم من انه لاكهنوت في الاسلام. الى جانب ذلك كانت طريقة استيلاء الامويين على السلطة امر مساعدا لخلق طبقة رجال الدين كأداة لتشديد سيطرة السياسيين وتشريع حكمهم.

من هنا نرى منطقية مسارعة النخبة الجديدة للتمسك بالفرصة المتاحة، مستخدمة في ذلك وصايتها على طريقة تسويق النص المقدس. عملية ولادة النخبة المقدسة رافقتها عملية صنع حاجز من التقديس والتعظيم حولهم لرفعهم فوق العامة، في هذا السياق يمكن فهم الحاجة لجعل " لحمهم مسموم" عند السنة اما عند الشيعة فمن شرب بول وغائظ ودم الائمة يحرم عليه النار ويتوجب على الله إدخاله الجنة. (أنوار الولاية، ص 440). تماما كما قامت الكنيسة في عام 1075 بإصدار فتوى تجعل البابا لايخطئ.

انطلاقا من ذكر العلماء واولي الامر في القرآن جرى بناء صرح تسلط رجال الدين على عقول العامة وخلق الدوجما الدينية. في القرآن يأتي ذكر العلم بالطرق التالية:
بل هو ايات بينات في صدور الذين أوتوا العلم" - (العنكبوت 49)
"وليعلم الذين أوتوا العلم انه الحق من ربك" (الحج 59)
وما أوتيتم من العلم الا قليلاً " – (الاسراء 85)
وكان أولي العلم يشهدون مع القران "ان الدين عند الله الاسلام" . ال عمران 19

من هذه الايات ومن الاحاديث نجد ان السلمين الاوائل لم يفهموا هذه الاشارات بنفس مضمون تعابير العلم في العصر الحديث، وانما فهموه على انه " العلم الشرعي"، وبالذات اللاهوت، وهو الوجه الاخر للكهنوت. في الحديث، عن انس قال: قال رسول الله " طلب العلم فريضة على كل مسلم". وقال الحسن: قال رسول الله " إنما مثل العلماء في الارض مثل النجوم في السماء إذا رآها اقتدوا بها وإذا عميت عليهم تحيروا".
غير ان تفسير هذه الاحاديث على ضوء القرآن تشير بوضوح الى ان المقصود العلم الديني، تماما كما فهمه رجال الدين واستغلوه للوصاية على عقول وجيوب امة المسلمين على مدى دهور. ويؤكد هذا الفهم العديد من الاحاديث الاخرى، مثل " ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" متفق عليه. ومنه نرى ان العلم المقصود هو العلم " الذي ينتفع فيه الناس في أمر دينهم، والمحصور في القرآن والسنة ، علم النواهي والمحرمات، علم المذموم والمكروه والضعيف والمدسوس والحسن، وليس الكيمياء والفلسفة.

العلم في مفهوم فقهاء المسلمين

إختلف فقهاء " وعلماء" المسلمين في العلم "الذي هو فرض على كل مسلم "، فتفرقوا فيه إلى اكثر من عشرين فرقة ، وبالاختصار، كل فريق منهم نزل الوجوب على العلم الذي هو بصدده، فقال المتكلمون: هو علم الكلام ، إذ به يدرك التوحيد ويعلم به ذات الله وصفاته.

وقال الفقهاء : هو علم الفقه إذ به تعرف العبادات والحلال والحرام وما يحرم من المعاملات وما يحل .

وقال المفسرون المحدثون هو علم الكتاب والسنة ، إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها والذي ينبغي ان يقطع به المحصل ولا يستريب فيه هو ان العلم ينقسم إلى علم معاملة وعلم مكاشفة ، وليس المراد بهذا العلم الا علم المعاملة .

والمعاملة التي كلف العبد العاقل بها ثلاثة: اعتقاد ، وفعل ، وترك؛ فإذا بلغ الرجل العاقل باحتلام أو السن ضحوة نهار مثلا فأول واجب عليه تعلم كلمتي الشهادة ومنهما وهو قول : لا اله الا الله ، محمد رسول الله، وليس يجب عليه ان يحصل كشف ذلك لنفسه بالنظر والبحث وتحرير الأدلة ، بل يكفيه ان يصدق به ويعتقده جزما من غير اختلاج ريب واضطراب نفس ، وذلك قد يحصل بمجرد التقليد والسمع من غير بحث ولا برهان ؛ إذ اكتفى النبي من أجلاف العرب بالتصديق والإقرار من غير تعلم دليل . احياء علوم الدين 1/14.

من هنا وحرصاً على مصلحة المسلمين وخوفاً على إيمانهم القويم ودينهم العظيم، فإن الخوض في علم لا يستفاد الخائض منه فائدة هو مذموم... والخوض فيه حرام، وبهذا الشكل وضعوا العوائق لنمو العلوم والتفكير العلمي لدى امة المسلمين وحولوها الى امة من الببغاءات تحفظ النصوص وتردد مايقولوه المحظوظين من رجال الدين الذين فرضوا وصايتهم على العقول.

وهذا نراه بوضوح في النصائح من نموذج "لهذا يجب كف الناس -أي المسلمين- عن البحث وردهم الى ما نطق به الشرع". أحياء علوم الدين 1/31

عن جماعة منهم حبيب بن أبي ثابت وسماك بن حرب وقال يزيد بن هارون : طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يردنا إلا إلى الله.

وعن ابن المبارك قال : ما من شيء أفضل من طلب العلم لله وما من شيء أبغض إلى الله من طلب العلم لغير الله .

عن أبي هريرة قال : قال رسول الله { من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة} ورواه أبو داود.

عن ابن عمر مرفوعا { من تعلم علما لغير الله , أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار } رواه الترمذي .

وعن جابر مرفوعا { لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء ولا لتحدثوا به في المجالس , فمن فعل ذلك فالنار النار } رواه جماعة منهم البيهقي , وانفرد به ابن ماجه عن الكتب الستة فرواه محمد بن يحيى عن سعيد بن أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر .

وعن كعب بن مالك مرفوعا { من طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار } رواه الترمذي.

وفي مسلم عن أبي هريرة مرفوعا حديث { الثلاثة الذين يؤمر بهم إلى النار وهم المجاهد المرائي ليقال إنه جريء , والمنفق المباهي ليقال إنه جواد , والرجل الذي يقول تعلمت العلم وقرأت القرآن , فيقول الله كذبت إنما أردت أن يقال فلان جريء وفلان قارئ وقد قيل, ثم يسحب على وجهه حتى يلقى في النار.

وعن زيد بن أرقم مرفوعا كان يقول : { اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع , وقلب لا يخشع , ونفس لا تشبع , ودعوة لا يستجاب لها } ورواه أبو داود.

عن أبي بردة مرفوعا : لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه ؟ وعن علمه ماذا عمل به , وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟ وعن جسمه فيم أبلاه} ؟ إسناده جيد.

عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه.

عن أبي موسى الأشعري مرفوعا يقول الله تعالى يوم القيامة للعلماء : إني أضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم , انطلقوا فقد غفرت لكم

وقال : يقول الله عز وجل : لا تحقروا عبدا آتيته علما فإني لم أحقره حين علمته.

وفي الصحيحين عن معاوية مرفوعا : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين .

وعن عمر مرفوعا { إن الله يرفع بهذا العلم أقواما ويضع به آخرين.

وعن أبي هريرة مرفوعا { من سلك طريقا يبتغي به علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة } رواهما مسلم .

وعن أبي أمامة مرفوعا: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم, إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير . رواه الترمذي.

وعن أبي الدرداء مرفوعا { إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء , وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب , وإن العلماء ورثة الأنبياء , وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما , إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر} رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه . راجع باب العلم في جميع كتب الحديث .

عن ابن سيرين قال : العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ؟ ذكره مسلم.

وقال مالك : لا يؤخذ العلم عن أربعة ويؤخذ عمن سواهم , لا يؤخذ عن معلن بالسفه , ولا عمن جرب عليه الكذب , ولا عن صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه , ولا عن شيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث به .

وقال مالك أيضا : إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم , لقد أدركنا في هذا المسجد سبعين ممن يقول قال فلان قال رسول الله وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أمينا عليه فما أخذت منهم شيئا , لم يكونوا من أهل هذا الشأن . راجع الآداب الشرعية 2 / 146-147

الاصوليين يفرضون وصايتهم

في الصراع بين ابن رشد والغزالي نجد قمة الهجوم على العلم في التاريخ الاسلامي، حيث يفتي الغزالي بتحريم الفلسفة وتتابع الفتاوي في الكيمياء والفلك والتدريس والمرأة من كبار رجال الدين الاسلامي معلنة نهاية عصر العقل، ليتبعه انتصار الامام الحنبلي الذي يقوم بالقضاء الجسدي على اعداءه المعتزلة. في هذه الاثناء يصبح العلم المفيد هو علم الشريعة فقط اما ماعداه فهي علوم لاضرورة لها ومضيعة للوقت. في خضم مسيرة الانحطاط لم ينسى الكهنة المرأة من فضلهم، لقد افتوا بتحريم التعليم لها عدا مايتعلق بالاشغال المنزلية بالطبع.

ابن الصلاح الشهرزوري, المتوفي سنة 643هـ, لم يتردد في أن يصدر فتواه الشهيرة التي حكم فيها بتكفير أهل المنطق, فضلاً عن أهل الفلسفة, وصاغ فتواه في بيان غدا برنامج عمل ووثيقة معتمدة لكل من سيتصدى في القرون التالية لأهل الفلسفة والمنطق وسائر علوم الأوائل الى حد استباحة دمائهم. يقول نص هذه الفتوى الذي لا نتردد في أن نَصِفه بأنه مرعب:
"الفلسفة أس السفه والانحلال, ومادة الحيرة والضلال, ومثار الزيغ والزندقة. ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المطهرة... واستحوذ عليه الشيطان... وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة, ومدخل الشر شر, وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع, ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالح وسائر من يقتدى به من أعلام الأمة وساداتها... وأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة. وليس بالأحكام الشرعية والحمد لله, افتقار الى المنطق أصلاً... ولقد تمّت الشريعة وعلومها, وخاض في بحر الحقائق والدقائق علماؤها, حيث لا منطق ولا فلسفة ولا فلاسفة. ومن زعم أنه يشتغل بالمنطق والفلسفة لفائدة يزعمها, فقد خدعه الشيطان ومكر به. فالواجب على السلطان أن يدفع عن المسلمين شرّ هؤلاء المياشيم, ويخرجهم من المدارس ويبعدهم, ويعاقب على الاشتغال بفنهم, ويعرض من ظهر عنه اعتقاد الفلاسفة على السيف أو الإسلام, لتخمد نارهم وتُمحى آثارها وآثارهم". (جورج طرابيشي , هرطقات1 , دار الساقي/بيروت , صفحة 50-51-52)

. " شيخ الاسلام" ابن تيمية يقدم فتواه المشهورة بتحريم الكيمياء وتكفير العاملين به ، ففي الصفحة 368 من المجلد التاسع والعشرين، من كتاب مجموع الفتاوي يقول ابن تيمية:" وحقيقة الكيمياء انما هي تشبيه المخلوق وهو باطل في العقل... وكل ماانتجته الكيمياء من منتجات هي مضاهاة لخلق الله، وبالتالي هي محرمة". ويصل الى استنتاج الى ان ذلك "كله محرم في الشرع بلا نزاع بين علماء المسلمين".
فمالذي ابقاه لنا من مخارج غير الكفر ونحن نغرق اليوم في منتجات الكيمياء المحرمة؟
وماذا سيقول ابن تيمية اليوم ياترى، وقد اصبح العلم قادر على استنساخ الكائنات الحية؟


يقول شيخ الإسلام رحمه الله: “ العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه هو الذي يستحق أن يسمى علما، وما سواه إما أن يكون علما، فلا يكون نافعا، وإما أن لا يكون علما وإن سمي به. ولئن كان علما نافعا فلا بد أن يكون في ميراث محمد صلى الله عليه وسلم ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه” (مجموع الفتاوى – 664– ج–10).

“ فإن علم الحساب الذي هو علم بالكم المنفصل، والهندسة التي هي علم بالكم المتصل، علم يقيني لا يحتمل النقيض ألبته ... لكن لا تكمل به نفس، ولا تنجو به من عذاب، ولا تنال به سعادة مجموع الفتاوى – 126: 128– ج– 9 - باختصار ). ويقول: “ إن شريعة الإسلام ومعرفتها ليست موقوفة على شيء يتعلم من غير المسلمين أصلا وإن كان طريقا صحيحا. بل طرق الجبر والمقابلة فيها تطويل يغني الله عنه بغيره، كما ذكرنا في المنطق” ( مجموع الفتاوى – 215– ج– 9)

مفهوم العلم النافع عند الإمام، ابن قيم الجوزية:


قسم العلم إلى نوعين: “ نوع تكمل النفس بإدراكه والعلم به، وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وكتبه وأمره ونهيه، ونوع لا يحصل للنفس به كمال، وهو كل علم لا يضر الجهل به فإنه لا ينفع العلم به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من علم لا ينفع وهذا حال أكثر العلوم الصحيحة المطابقة التي لا يضر الجهل بها شيئا. كالعلم بالفلك ودقائقه ودرجاته وعدد الكواكب ومقاديرها والعلم بعدد الجبال وألوانها ومساحتها ونحو ذلك” ( الفوائد – 97)

جاء في مجموع فتاوى إبن تيمية، المجلد التاسع والعشرون، البيع ، باب الخيار ، مسألة : عمل الكيمياء

(والكيمياء أشد تحريمًا من الربا‏‏ )
ويواصل : (ما يصنعه بنو آدم من الذهب والفضة وغيرهما من أنواع الجواهر والطيب ، وغير ذلك مما يشبهون به ما خلقه الله من ذلك ؛ مثل ما يصنعونه من اللؤلؤ ، والياقوت والمسك ، والعنب ر، وماء الورد ، وغير ذلك : فهذا كله ليس مثل ما يخلقه الله من ذلك ؛ بل هو مشابه له من بعض الوجوه و ليس هو مساويا له في الحد والحقيقة . وذلك كله محرم في الشرع بلا نزاع بين علماء المسلمين الذين يعلمون حقيقة ذلك !! . ومن زعم أن الذهب المصنوع مثل المخلوق فقوله باطل في العقل والدين ) .
ويواصل : ( وحقيقة الكيمياء إنما هي تشبيه المخلوق وهو باطل في العقل والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. و كل ما أنتجته الكيمياء من منتجات هي مضاهاة لخلق الله ، وبالتالي هي محرمة ).
ويواصل : (كثيرًا ما تقترن بالكيمياء؛ ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن السحر من أعظم المحرمات، فإذا كانت الكيمياء تقرن به كثيرًا، ولا تقترن بأهل العلم والإيمان، علم أنها ليست من أعمال أهل العلم والإيمان، بل من أعمال أهل الكفر والفسوق والعصيان‏.‏ وهذا كله فيمن وصل إلى الكيمياء وعملها، وقدر على أن ينفق منها ولا ينكر عليه، وأكثر الطالبين لها لم يوصلوا إلى ذلك، ولم يقدروا عليه، ومن وصل منهم إلى ذلك مرة تعذر عليه في غالب الأوقات، مع حصول المفسدات‏.‏ )

و قد وصل الامر بأبن تيمية، في صراعه ضد العلماء، الى ان يقول عن عالم الكيمياء جابر بن حيان : ( وأما جابر بن حيان صاحبُ المصنفات المشهورة عند الكيماوية ، فمجهولٌ ، لا يعرف ، وليسَ له ذكرٌ بين أهل العلم ، ولا بين أهل الدين ) نفس الجزء مع ان جابر بن حيان هو صاحب الفكرة الرائعة التي سبقت عصرها والتي تقول خلق الانسان بالكيمياء

واختلاف كهنة الدين نجد مثالا عليه في طريقة مناقشتهم لحديث الكسوف عن الرسول صلى الله عليه وسلم والذي جاء فيه :"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لاينكسفان لموت احد ولا لحياته ولكن الله تعالى يخوف بها عباده". (فتح الباري شرح صحيح البخاري، احمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الريان للتراث، سنة 1986 حديث رقم 1001) هذا الحديث يقدم لنا نموذجا رائعا عن طريقة " كهنة الاسلام " في مناقشة الامور. اختلفوا في مسألة " ولكن الله تعالى يخوف بها عباده"، بعد ان ظهر للعلماء الحقيقيين من العهد العباسي ان الارض والقمر والشمس اجسام كروية. قبل هذا الوقت لم تكن هناك معضلة بطبيعة الحال تحتاج الى تتدخل الكهنة لرتق الفتق. وفي هذا المثال نرى كيف ان رجال الدين يطلقون تعبير " العلماء" على انفسهم وزملائهم في حين يطلقون تعبير " اهل الهيئة" على من يمارس العلوم الطبيعية. في نفس الموقع من المصدر السابق يذكر العسقلاني الامر بالشكل التالي:
" قوله ( يخوف) فيه رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لايتأخر ولايتقدم، إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف ويصير بمنزلة الجزر والمد في البحر، وقد رد عليهم ابن العربي وغير واحد من أهل العلم بما في حديث أبي موسى الآتي حيث قال فقام فزعا يخشى ان تكون الساعة، قالوا: فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم يكن للامر بالعتق والصدقة والصلاة والذكر معنى، فإن ظاهر الاحاديث أن ذلك يفيد التخويف، وأن كل ماذكر من انواع الطاعة يرجى أن يدفع به مايخشى من أثر ذلك الكسوف. ومما نقص ابن العربي وغيره انهم يزعمون ان الشمس لاتنكسف على الحقيقة، وأنما يحول القمر بينها وبين أهل الارض عند اجتماعهما في العقدتين، فقال: هم يزعمون ان الشمس اضعاف القمر في الجرم ، فكيف يحجب الصغير الكبير إذا قابله، أم كيف يظلم الكثير بالقليل، ولاسيما وهو من جنسه؟ وكيف تحجب الارض نور الشمس وهي في زاوية منها لأنهم يزعمون أن الشمس أكبر من الارض بتسعين ضعفا. وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره الكسوف سبب اخر غير مايزعمه أهل الهيئة وهو ماأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة بلفظ أن الشمس والقمر لاينكسفان لموت احد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله، وأن الله إذا تجلى لشئ من خلقه خشع له. وقد استشكل الغزالي هذه الزيادة وقال: انها لم تثبت فيجب تكذيب ناقلها. قال: ولو صحت لكان تأويلها أهون من مكابرة أمور قطعية لاتصادم اصلا من اصول الشريعة. قال ان بزيزة: هذا عجب منه. كيف يسلم دعوى الفلاسفة ويزعم أنها لاتصادم الشريعة مع أنها مبنية على ان العالم كروي الشكل وظاهر الشرع يعطي خلاف ذلك. والثابت من قواعد الشريعة أن الكسوف أثر الإرادة القديمة وقع الفاعل المختار، فيخلق في هذين الجرمين النور متى شاء والظلمة متى شاء من غير توقف على سبب او ربط باقتراب. والحديث الذي رده الغزالي قد اثبته غير واحد من أهل العلم ، وهو ثابت من حيث المعنى ايضا، لأن النورية والاضاءة من عالم الجمال الحسي، فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الانوار لهيبته. ويؤيده قوله تعالى: فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، ويؤيده حديث طاوس" انتهى. يمكن مراجعة احاديث الكسوف في مقال:( اخطاء المفاهيم الفلكية عند العرب)

قال البيهقي في كتاب المدخل:" كره السلف السؤال عن المسألة قبل كونها إذا لم يكن فيها كتاب ولا سنة , وإنما سأل بالاجتهاد لأنه إنما يباح للضرورة ولا ضرورة قبل الواقعة وقد يتغير اجتهاده عندها" .راجع الاداب الشرعية لابن مفلح المقدسي فصل في كراهة السؤال 2/69-71

العلامة "أبو بكر محمد بن زكريا الرازي" المتوفى سنة 311هـ عظيم الاطباء في كتابه مخاريق الانبياء الذي لم يبقى لنا منه إلا فقرات ضمن ردود أعدائه عليه انتبه الى دور كهنة الاسلام في إعاقة تطور العلم ووصف حالهم ودورهم في الافساد. يقول::

" إن أهل الشرائع أخذوا الدين عن رؤسائهم بالتقليد , ودفعوا النظر والبحث عن الأصول , وشدّدوا فيه و نهوا عنه , ورووا عن رؤسائهم أخبارا توجب عليهم ترك النظر ديانة , وتوجب الكفر على من خالف الأخبار التي رووها . من ذلك ما رووه عن أسلافهم أن :
الجدل في الدين والمراء فيه كفر , ومن عرّض دينه للقياس لم يزل الدهر في التباس , ولاتتفكروا في الله وتفكروا في خلقه , و القدر سر الله فلا تخوضوا فيه , وإياكم التعمق ، فإن من كان قبلكم هلك بالتعمق ..

و إن سئل أهل هذه الدعوى عن الدليل عن صحة دعواهم , استطاروا غضبا , وهدروا دم من يطالبهم بذلك , ونهوا عن النظر , وحرضوا على قتل مخالفيهم . فمن أجل ذلك اندفن الحق أشد اندفان , وانكتم أشد انكتام ..

وإنما أتوا في هذا الباب من طول الإلف لمذهبهم , ومر الأيام , والعادة و اغترارهم بلحى التيوس المتصدرين في المجالس : يمزقون حلوقهم بالاكاذيب و الخرافات , وحدثنا فلان عن فلان بالزور و البهتان ,وبروايتهم الأخبار المتناقضة ..

إنما غرهم طول لحى التيوس ، وبياض ثياب المجتمعين حولهم : الضعفاء والحمقى من الرجال والنساء والصبيان ، وطول المدة حتى صار طبعا وعادة ..

ولذلك ليس غريبا ان يرى ذات مانراه مانراه اليوم عندما قال: " إن اهل العقائد، إذا طولبوا بالدليل شتموا"

( اعلام النبوة لابي حاتم الرازي ص 40)

منذ استوعب البعض بالمضمون السحري لادعاء امتلاك ناصية الدين وتحويله الى (علم) يمسك بمفاتيحه نخبة محظوظة، وهم يصارعون من اجل القضاء على منافسيهم من اهل الكلام والمفكرين، الذين ينطلقون من تقديم العقل على النص، الامر الذي يطعن بأسس شرعية رجال الدين. ان القول بأن النص نفهمه من خلال العقل، وبالتالي " فالعقل مقدم على النص" كما كان يقول المعتزلة، يعني في حقيقة الامر رفع شأن المفكرين والفلاسفة على رجال الدين اتباع الحفظ السطحي، الامر الذي يهدد وصايتهم ومركزهم الاجتماعي والسلطوي.

وبسبب قدم هذا الصراع بين اهل النقل واهل العقل نجد ان كهنة الاسلام تركوا لنا اثارا غزيرة من الاقوال في مكافحة العقل والعقلاء، الذين اطلقوا عليهم لقب السفسطائيين، في حين اُطلق على كهنة الاسلام لقب الحشويين..

ان رجال الدين قد نصبوا انفسهم حراسا على العقيدة الصحيحة النابعة من النص الثابت، والذي لايجوز تفسيره الا من خلال عقولهم هم وحدهم. وعلى الرغم من ان هذا النهج ادى عمليا الى وجود العديد من التفسيرات لذات النص، الا انهم لازالوا يصرون على ان الحق لايمكن ان يخرج الا من خلال عقولهم، مع اننا نرى ان عقولهم انتجت العديد من الحق وليس حقا واحدا، وكل منهم يتهم الاخر بأنه ليس على شئ، ومع ذلك يتمسكون بالوصاية والاقصاء.

في مقال نشر في مجلة الازهر، م 21، ص 760-763، " السوفساطئيين في نظر العرب"، يشير الى قول للشيخ أحمد شاهين، بأن اتباع النص من رجال الدين يقسمون السوفساطئيين الى ثلاثة أقسام : ( العِندية ، والعنادية ، واللاأدرية : فالعندية ترى أن حقائق الأشياء تابعة لعقائد المؤمنين بها ؛ لأنهم أقيسة الحقائق . والعنادية تجزم بأن لاحقائق في الكون ؛ لا في ذاتها ولابالقياس إلى المؤمنين بها . وأما اللاأدرية فهي التي تتوقف عن الحكم في كل شيئ ؛ فهي لا تجزم بوجود ولا بعدم ) .

ويقول الشيخ عبدالقادر بدران في حاشيته على " روضة الناظر " ( ص 246-247) : ( وهم فرقٌ ثلاث : إحداهن اللاأدرية ؛ سموا بذلك لأنهم يقولون لا نعرف ثبوت شيء من الموجودات ولا انتفاءه بل نحن متوقفون في ذلك. الثانية : تسمي العنادية نسبة إلى العناد؛ لأنهم عاندوا فقالوا لا موجود أصلاً وعمدتهم ضرب المذاهب بعضها ببعض والقدح في كل مذهب بالاشكالات المتجهة عليه من غير أهله. الثالثة : تسمى العندية نسبة إلى لفظ "عند" ؛ لأنهم يقولون أحكام الأشياء تابعة لاعتقادات الناس ، فكل من اعتقد شيئاً فهو في الحقيقة كما هو عنده وفي اعتقاده ) . ( وانظر : شرح المواقف للجرجاني ؛ ص 42-43) .

ويذكرهم ابن الجوزي في " تلبيس إبليس " ( ص 41 ) ؛ قائلا : ( قال النوبختي : قد زعمت فرقة من المتجاهلين أنه ليس للأشياء حقيقة واحدة في نفسها، بل حقيقتها عند كل قوم على حسب ما يعتقد فيها، فإن العسل يجده صاحب المرة الصفراء مراً، ويجده غيره حلواً. قالوا وكذلك العالم هو قديم عند من اعتقد قدمه، محدث عند من اعتقد حدوثه، واللون جسم عند من اعتقده جسماً، وعرض عند من اعتقده عرضاً. وهؤلاء من جنس السوفسطائية ؛ فيقال لهم : أقولكم صحيح؟ فسيقولون : هو صحيح عندنا، باطل عند خصمنا. قلنا : دعواكم صحة قولكم مردودة ، وإقراركم بأن مذهبكم عند خصمكم باطل شاهد عليكم ! ومن شهد على قوله بالبطلان من وجه فقد كفى خصمه بتبيين فساد مذهبه ) .

وقال ابن قدامة رادًا على من نُقل عنه مثل هذا القول من علماء المسلمين : ( وقول العنبري: كل مجتهد مصيب . إن أراد أن ما اعتقده فهو على ما اعتقده، فمحال؛ إذ كيف يكون قدم العالم وحدوثه حقاً، وتصديق الرسول وتكذيبه، ووجود الشيء ونفيه، وهذه أمور ذاتية لا تتبع الاعتقاد، بل الاعتقاد يتبعها. فهذا شر من مذهب الجاحظ، بل شر من مذهب السوفسطائية؛ فإنهم نفوا حقائق الأشياء، وهذا أثبتها وجعلها تابعة للمعتقدات). (روضة الناظر 20/419-420).

وقال ابن تيمية : ( هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة؛ يعني: أن السفسطة جعل الحقائق تتبع العقائد كما قدمناه ... وأما كون آخره زندقة فلأنه يرفع الأمر والنهي والإيجاب والتحريم والوعيد في هذه الأحكام، ويبقى الإنسان إن شاء أن يوجب وإن شاء أن يحرم، وتستوي الاعتقادات والأفعال؛ وهذا كفر وزندقة ) .(الفتاوى 19/144 -145).

والغريب ان هذه الاقوال، لازالت هي ذاتها التي يكررها كهنة السلفيين والاصوليين في صراعهم مع النظريات العلمية.

في مداخلة لابن الباز، نشرت على موقعه، في معرض التعليق على شرح سورة نوح(الم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً وجعل القمر فيهم نوراً وجعل الشمس سراجاً) يروي ان الاولين فهموا منها ان الشمس والقمر وجوههما قبل السموات وأقفيتهما قبل الارض. ويشير الى انه لايعتقد بهذا التفسير بل يتصور ان الاولين تلقوه عن بني اسرائيل. ولكن ابن باز لايتورع عن ان يقدم لنا رأيه في موضع الشمس والقمر فيقول انه "يعتقد ان ظاهر الاية يدل على ان نورهما في السموات لااجرامهما". ولكنه يذكر ايضاً ان بعض اهل التفسير مثل الحافظ ابن كثير يقول بأن القمر في السماء الدنيا والشمس في الرابعة.

في معرض المقارنة بين المؤسسة المسيحية والمؤسسة الاسلامية نجد ان الكنيسة اعترفت بإخطائها وامتنعت عن التتدخل في الحياة الارضية، في حين ان صعوبة "تجسد" المؤسسة الدينية الاسلامية يجعلها قادرة على التهرب من الاعتراف والانسحاب بل يعطيها الفرصة للتملص من تاريخها وتزويره وإعادة تنظيم صفوفها للعودة من باب جديد مثل " الاعجاز العلمي في القرآن" وكأن هناك فضل لها في ماتوصل اليه العلم ،متناسية في ذلك مواقفها المخزية السابقة واللاحقة. إن "عدم الاعتراف بوجود" مؤسسة كهنوتية إسلامية بشكل واضح يعطي هذه المؤسسة القدرة على التملص من الاضطرار الى الاعتذار وعلى التملص من الاعتراف بالاخطاء وعلى التملص من الاضطرار الى الانسحاب من الحياة المدنية.

تتميز اخطاء الكنيسة " بالمقارنة مع اخطاء المؤسسة الاسلامية" بأنها ارتكبت في البدايات المبكرة لظهور العلم المنهجي ولم تكن هناك خبرة كافية، وكان القبول بالاستنتاجات العلمية يحمل في طياته مجازفة كبيرة، الامر ذاته لم تواجهه المؤسسة الدينية الاسلامية، بل على العكس، ومع ذلك نجد ان المواقف المعادية للعلم عند اقسام مهمة من المؤسسة الكهنوتية الاسلامية ازدادت قساوة واستمرت حتى العصر الحديث فنجد الى فترة قريبة (ولربما حتى اليوم) ان كهنة الوهابية /السلفية الذين عادة يدعون تمثيل الاسلام السني ويعتبرون أنفسهم للمسلمين السنة كما الكنيسة الكاثوليكة للمسيحيين، كانوا الخصم الاشد في محاربة العلم والعلوم. احدى اشهر تجليات حقد المؤسسة الدينية الوهابية السلفية تجد انعكاساتها في في كتاب " حقيقة الحضارة الاسلامية" للشيخ السعودي ناصر الفهد (راجع المصادر) حيث يظهر بوضوح ان غالبية علماء المسلمين في عصر النهضة ليسوا بمسلمين، بالذات لانهم فكروا تفكيرا حرا.


الفتاوي الحديثة:
وبالرغم التجربة القاسية لتتدخل رجال الدين بالعلم نجد ان رجال الدين الحديثيين ليسوا فقط لم يتعلموا من دروس الماضي بل اصبح تتدخلهم اشد واكثر تأثيراً واكثر شمولية،فنجد في فتاوي اللجنة الدائمة التي تسمي نفسها بالعلمية كمية لاتنتهي من التخرصات العلمية، فهم يعلمون الناس مفاهيم مثل ان الارض من سبع طبقات بينها هواء وفي كل طبقة سكان(الفتوى 5724، اللجنة الدائمة) وفي الفتوى برقم 5882 تقول انه " ثبت في الحديث ان الارضين سبع". وتستمرئ هذه اللجنة "العلمية" الامر لتستمر بالتخريص فردا عن سؤال: هي يجوز القول ان هذا الهواء طبيعي، تجيب:إذا كان المقصود ان الهواء معتدل فجائز (5897) وفي فتوى شرعية برقم 5895 تتجرأ اللجنة " العلمية" على إحباط السعي العلمي مدعية انه" ومهما بذل الانسان وسعه ولو كان طبيباً ماهراً فلن يحيط علماً بأسرار الحمل واسبابه واطواره". وفي فتوى برقم 309 حول فيما إذا كان من الممكن الاعتماد على آلات الرصد لرؤية الهلال في انكلترا في اوقات سوء الاحوال الجوية، يظهر لنا انه لايجوز الاعتماد على العلوم الفلكية في إثبات بدء شهر رمضان، وببساطة لان الله الله لم يشرع لنا ذلك لا في كتابه ولا في سنة الرسول. على ميبدو تعتقد اللجنة ان من واجب الله ان يذكر لنا تفاصيل كل مايجوز ولايجوز عمله عملة مدى الوجود البشري بكامله، آخذاً بعين الاعتبار كافة الاختراعات بما فيها التي لانعرفها حتى الان.
المجمع الفقهي الاسلامي بالرغم حداثة تشكيله لايتخلف عن بقية المؤسسات الاقدم في الدلي بدلوه محاولا التمسح بالعلم واعطاء نفسه صبغة الموضوعية، يقول في فتوى باسم القرار السادس للدورة الحادي عشر في حق " من اجتمع في اعضائه علامات النساء والرجال" "جاز علاجه طبياً..... لان هذا مرض، والعلاج يقصد الشفاء منه وليس تغييراً لخلق الله" مع انه لااحد يستطيع ان يدعي ان "هذا مرض من الناحية الطبية إلا بالقدر الذي يعتبر إزالة الشعر عن الوجه مرض.


دوران الارض، وقمة الابتذال
في عام 1982 نشرت مايسمى بالرئاسة العامة لإدارة البحوث "العلمية" والافتاء والدعوة والارشاد في الرياض كتاب الادلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الارض وإمكان الصعود للقمر للشيخ ابن الباز، يصر فيه ليس فقط على سكون الارض وينفي دورانها حول الشمس، وانما يعطي " حكم الله فيمن يقول بذلك" ليصبح: "القائل بدوران الارض ضال قد كفر وأضل ، كذب القرآن والسنة،وإنه يستتاب فأن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً ويكون ماله فيئاً لبيت مال المسلمين" ولاينسى ان يذكر بأن عقيدة علماء السلف مثل ابن تيمية وابن القيم وابن كثير قد اجمعت على ان ثبوت الارض. وذكر ان الشمس سقفها ليس كروياً وانما هي قبة ذات قوائم تحملها الملائكة وهي فوق العالم مما يلي رؤس الناس. ويقول ان من " قال هذا فقد قال كفراً وضلالاً لانه تكذيب الله". وكما هي العادة لاينسى ان يصف المسلمين الذين يؤمنون بدوران وكروية الارض .. وانهم اعطوا قيادهم للغير، وهي نفس الاتهامات التي لازالت تتردد حتى اليوم. الارض بأنهم يتبعون كل ناعق يريد ان يفسد عقيدة المسلمين

ابن عثيمين لايتخلف عن الباز في هذا المضمار بل يدعمه في موقفه هذا إذ يقول بفتوى لازالت منشورة على موقعه (2009/03/15)، "الشأن كل الشأن فيما يذكر من ان الارض تدور و الشمس ثابتة، وان إختلاف الليل والنهار يكون بسبب دوران الارض حول الشمس فأن هذا القول باطل يبطله ظاهر القرآن" ويقول:" والانسان ماآوتي من العلم إلا قليلا، وإذا كان يجهل حقيقة روحه التي بين جنبيه، ..فكيف يحاول ان يعرف هذا الكون" ثم يقول:" فكيف نحرف كلام ربنا عن ظاهره من اجل مجرد نظريات أختلف فيها ايضاً أهل النظر" وإضافة الى انه لايكشف سراً في طرق التحريف المتبعة عند الحاجة واصولها، فأنه يطرح سيناريو لمماحكة متكررة نتعرف عليه بحرفيته عندما يجري اليوم التتطرق الى نظرية التتطور مثلاً ليعيد المجمع الكهنوتي الاسلامي مواقفه القديمة السابقة التي وقفها امام دوران الارض. وابن عثيمين هو نفسه الذي حرم تعليم اللغة الانكليزية مبرراً ضرورة ذلك بقوله: " فأقتضاء الصراط المستقيم مخالفة اهل الجحيم" ويتابع قائلا" إن الذي يعلم صبيه اللغة الانجليزية منذ الصغر سوف يحاسب عليه يوم القيامة" مما يشير الى انه على اطلاع عميق برؤى الله وتوجهاته تماما مثل اي كاهن آخر على الاطلاق.

دوران الارض اظهرت ليس فقط وصاية المؤسسة الدينية المسيحية ولكن ايضا المؤسسة الدينية الاسلامية. لقد تتداعى شيوخ الاسلام للوقوف ضد المس بهيبتهم ونقض الخزعبلات التي عاشوا ويتعايشون عليها. في هذا المسار الهستيري اصدر الشيخ عبد الكريم بن صالح الحميد كتابا موسعاً للدفاع عن "النظرة الاسلامية الكونية" في كتابه المسمى" هداية الحيران في مسألة الدوران" يطرح فيه وجهة نظر العقيدة الصحيحة ليقول بأن عامة العلوم "هي علوم مفسدة للإعتقاد كالقول بدوران الارض وغيره من علوم الملاحدة"(ص 11) ويؤكد ان " القول بدوران الارض اعظم من اعتقاد تسلسل الانسان من القرود بكثير" (32ص.). ويشير الى ان " كل تأويل من الكتاب والسنة على دوران الارض هو تأويل باطل"(ص.33).

صورة مقتبسة عن كتاب " هداية الحيران في مسألة الدوران"


ذكر ثروت اليبطاوي العديد من الامثلة عن الفتاوي التي منعت التحديث ومنها عندما وقف الفقهاء ضد القهوة الى درجة الاعدام. وبدأ الامر من حاكم مكة في العهد المملوكي، باستصدر فتوى لتحريمها واحرق مخازنها. وصدرت الاوامر السلطانية في القسطنطينية بمعاقبة شاربها. كان من يرتكب "جريمة" شرب القهوة للمرة الأولى يُعاقب بالفلقة، وفي المرة الثانية كان يُخاط في كيس من الجلد، ويُرمى في مضيق البوسفور. وما يشهد على قوة جاذبية القهوة هو أن الناس استمروا في استهلاكها رغم عقوبة الموت. . بقي الامر الى قدوم السلطان مراد الثالث الذي سمح بها.

وذكر ايضا أنه حرم استخدام المطابع في الدولة العثمانية في عهد بايزيد الثاني واستمر التحريم الى عام 1727، في عهد السلطان احمد الثالث. وحرم الحنابلة استخدام مياه الصنابير في مصر وحللها المذهب الحنفي ولذلك سميت الحنفية. وذكر ايضا حوادث اخرى من بينها:" في كتابه "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي" يروي أستاذ علم الاجتماع علي الوردي أن الشعب العراقي كان ينظر في مطلع القرن العشرين للمدارس الحديثة نظرة ريبة واتهام، وكان بعضهم يعتبرها باباً للفساد الأخلاقي والانحراف الجنسي.
وعندما بدأت الحكومة العراقية افتتاح المدارس، أعلن بعض رجال الدين تحريم الدخول فيها، فلقي هذا التحريم هوى في قلوب العامة، كانت نتيجته ضعف الإقبال عليها، غير أن الموقف الشعبي انقلب تماماً مع تزايد الرغبة في الوظيفة الحكومية التي لم ينلها سوى خريجي المدارس.
ولكن الموقف من مدارس البنات كان أكثر تشدداً، فالناس كانت تعتقد أن تعليم المرأة الكتابة والقراءة سيكون وسيلة لإغوائها وفسادها، وسيجلب عليهم العار، وفي هذا الإطار وضع الفقيه العراقي نعمان الألوسي نهاية القرن التاسع عشر كتاباً عنوانه "الإصابة في منع النساء من الكتابة" جاء فيه أن تعليم النساء القراءة والكتابة، يلحق بهن الضرر، وسيكون وسيلة لمعرفتهن بوسائل الغدر والخيانة وكتابة الرسائل إلى العشاق وقال: "اللبيب من الرجال هو من ترك زوجته في حالة من الجهل والعمى، فهو أصلح لهن وأنفع".

تكفير قراء الصحف والمجلات
كان لبعض الفقهاء في الكويت والعراق والإحساء موقف متشدد في مطلع القرن العشرين من قراءة الصحف والمجلات. لم يحرموها فحسب، بل كفّروا من يقرأها بدعوى احتوائها على "حقائق علمية غريبة من قبيل كروية الأرض والتطعيم ضد الأمراض".
وكان على رأس هؤلاء الشيخ عبد العزيز العلجي (1868-1942) الذي كان يفد إلى الكويت من الإحساء، وكان له أنصار فيها، وحدث أن زار صاحب مجلة المنار الشيخ رشيد رضا الكويت عام 1912، فكمن له أنصار الشيخ العلجي يريدون قتله، غير أن مصادفة تغيير طريقه المعتاد أنجته من محاولة الاغتيال.
وفي العراق عندما وصلت مجلة المقتطف المصرية إلى بغداد عام 1876 أجمع الزعماء الدينيون من مختلف المذاهب السنية والشيعية والمسيحية واليهودية على رفض قراءة الصحف لأنها كانت في نظرهم تحتوي على عقائد جديدة وخطرة.

الدراجة الهوائية حصان إبليس
لتحريم الدراجة الهوائية في السعودية قبل 75 عاماً وقائع وروايات طريفة، فكان أهالي ومشايخ مدن نجد يطلقون على الدراجة لقب "حصان إبليس"، وكانوا يعتقدون أنها تسير بواسطة الجن ويعتبرونها رجساً، ويتعوذون بالله منها سبع مرات، ويأمرون نساءهم بتغطية وجوههن عنها، وإذا لامست أجسادهم أعادوا الوضوء، ولا يقبلون بشهادة سائقها.
كان اقتناء الدراجة الهوائية قرينة الفساد والفسوق باعتباره من الملاهي التي تنشر الرذيلة وتشغل الناس عن العبادة، ويروى أن أحدهم طالب بخلع ابنته من زوجها بحجة أنه رجل مارق يركب "حمار الكفار" في إشارة إلى الدراجة.
ثم تقبل المجتمع في نجد استعمال الدراجة على مضض، وقصروا استعمالها على البالغين بشروط صارمة وتراخيص رسمية تصدرها هيئة الأمر بالمعروف في بعض المدن في سبعينيات القرن الهجري الماضي، فلا تعطى الا بشهادة تزكية واستقامة من إمام المسجد، على ان تستخدم في ساعات النهار.

الراديو، التليفزيون، الدش... وسائل شيطانية
منذ عشرينيات القرن الماضي وقف علماء الدين في نجد والحجاز ضد استخدام الاتصالات اللاسلكية لإرسال البرقيات واعتبروها وسائل شيطانية، ورأوا في الأربعينيات أن الراديو عبارة عن حديدة تتكلم بما يضاهي قدرة الله في إنطاق خلقه. في الستينيات طالت فتاوي التحريم التلفزيون لنفس الأسباب تقريباً، وتوسعت لتشمل أجهزة الفيديو والكاسيت، والتصوير الفوتوغرافي وصولاً إلى فتوى تحريم الدش الشهيرة التي أطلقها مفتي السعودية الراحل ابن باز في التسعينيات، لتنتقل في مطلع الألفية الثالثة مع فتاوي تحريم الإنترنت وإصدار مفتي السعودية الحالي فتوى بتحريم الهاتف الخلوي المزوّد بكاميرا، ليمنع دخوله إلى الأراضي بضع سنوات.

تطعيم شلل الأطفال: يقطع نسل المسلمين
قبل سنوات قليلة صدرت فتاوي في باكستان وأفغانستان ونيجيريا بتحريم التطعيم ضد شلل الأطفال بدعوى أنه لقاح أمريكي يستهدف تعقيم الأطفال جنسياً وقطع نسل المسلمين. وانطلقت ميكروفونات الجوامع الباكستانية تحذر من اللقاح القاتل الذي يفقد الرجال قدراتهم الجنسية ويحرم النساء من الأمومة، ودفعت الفتوى آباء 160 ألف طفل باكستاني إلى رفض التطعيم مما أدى إلى تزايد حالات شلل الأطفال وخاصة في شمال غرب باكستان. أما في نيجيريا التي استوطن فيها شلل الأطفال، فقد أجبرت تلك الفتوى ولاية كانو ذات الأغلبية المسلمة إلى حظر تطعيم شلل الأطفال لمدة 11 شهراً. ودفع انتشار تلك الفتوى إلى لقاء مدير منظمة الصحة العالمية بالشرق الأوسط بشيخ الأزهر أحمد الطيب الذي أكد بدوره عام 2014، أن هذه الفتاوي لا أصل لها على الإطلاق، وأن إعطاء لقاح شلل الأطفال سينقذ أطفال الأمة الإسلامية من مصير مؤلم. وبينما طالب الأزهر بالتصدي لفتاوي تحريم التطعيم ضد شلل الأطفال، كشف أمين منظمة التعاون الإسلامي السابق إياد مدني أن 95% من حالات شلل الأطفال في 2013، سجلت في دول إسلامية، فيما كانت باكستان ونيجيريا وأفغانستان الدول الثلاث التي بدأ المرض ينتشر فيها مرة أخرى" انتهى الاقتباس.

اسباب التخلف، حسب كهنة الاسلام:
لايتورع كهنة الاسلام عن وصف اسباب تخلف الامة وطرح الدواء لهذا التخلف، وكان ولازال يلقي الجزء الاكبر من الذنب على عاتق النساء. يقول الشيخ عبد الله بن سليمان في السنن الدرية" ان تعلم المرأة سبب تمردها" ويقول " ان تعليم المرأة( الحساب الحساب والهندسة والجغرافيا) هو مصدر انحطاط الامة وسقوطها"

وحسب المفتي صالح بن فوزان الفوزن فأن تخلف الامة يرجع الى انهم "قصروا من ناحية تبليغ الدين الى العالم وقصروا في إعداد القوة" ، حتى الان لازالت المؤسسات الدينية " العلمية" كالازهر تعلم طلابها مستحاثات نصية ممتلئة بالاغلاط العلمية. تتكلم كتب الازهر عن العلاج ببول الابل وعن ان اقصى مدة للحمل هي اربع سنوات(المذهب الحنبلي) والرعد ليس إلا ملك يسوق بأجنحته السحاب، والنوم هو استرخاء اعصاب الدماغ بسبب رطوبات الابخرة الصاعدة من المعدة (المذهب الشافعي) وفي كتب الروض المربع، يجوز للرجل ان يضرب زوجته ضربا غير مبرح الذي هو عشرة اسواط.

الفتوى ملزمة:
يحاول البعض التهرب من الكم الهائل من الفتاوي والمواقف الشرعية الغبية لكبار كهنة الدين الاسلامي وتتدخلهم الفظ والمستمر بالحياة العلمية متجنبين اي مسؤولية من خلال تقليل اهمية ممارسة الفتوى بالادعاء ان الفتوى ليست إلا إجتهاد شخصي غير ملزم، ومهما كانت درجة صحة هذا الادعاء نرى ان الواقع يتكلم بشكل اخر. يقول الدكتور صالح بن حميد رئيس مجلس الشورى السعودي في حديث نشر في صحيفة الرياض السعودية بتاريخ 10/4/06 في معرض بحثه لفتوى سياقة السيارة للمرأة، "اما بالنسبة الى موضوع قيادة المرأة للسيارة، فقد صدر فيها فتوى شرعية وبالتالي فهي قرار رسمي". من هنا نرى ان فتوى المؤسسة الدينية الرسمية هي فتوى ملزمة للاجهزة التنفيذية تقوم بفرضها على الشعب بغض النظر عن مدى صحتها او إجتهاديتها. فرض فتاوي كهنة الاسلام قانونا نافذاً على المسلمين نراه بوضوح في العديد من جوانب الحياة للدولة السعودية حيث تمنع النساءفعلا من قيادة السيارة، وحيث كان يحرم الى فترة قصيرة التأمين على الحياة. وبالرغم من ان العديد من الفتاوي التي نفذت اثبتت الحياة خطلها وجرى التراجع عنها بصمت وهدوء بدون ان تعترف الدولة بمسؤوليتها عن ماحدث او تطلب الصفح عن المشاكل التي سببتها للمواطنين.

التهرب من الاعتراف بالاخطاء وبالوصاية على الشعب وفرض الاجتهاد ديناً اخذ اشكالا إحترافية مختلفة بما فيها ماجرت العادة عليه من لصق الاتهام بمؤامرات الكفرة. .

والفتوى هي جزء لايتجزء مما يعرف عند علماء الوهابية والسلفيية بالقوانين الشرعية مقابل مايطلقوا عليه القوانين الوضعية حيث يصل الامر بهم الى تكفير اهلها، فإضافة لما سبق عن رئيس مجلس الشورى السعودي الذي يعترف بأن الفتوى الشرعية جزء لايتجزء من نظام الشريعة الملزمة بقوة الجهاز التنفيذي ، نرى ان الدولة الوهابية السعودية ودولة ملالي ايران الشيعية يفرضون " فتاويهم" بإعتبارهم قاعدة قانونية ذات شرعية إلهية لإدارة البلاد نيابة عن الله. يقول ابن تيمية في مجمع الفتاوي (267/3) والانسان متى حلل الحرام المجمع عليه او بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً بإجماع الفقهاء. والفتوى رقم (6310) للجنة الدائمة للبحوث "العلمية" والافتاء الوهابية تعتبر ان الخروج عن فتاوي الكهنة الى القوانين الوضعية تجعل المسلم فاسق و"كافر دون كفر" وهو تعبير اخترعه الكهنة ليعبر عن درجة اقل من الكفر تسمح بتجاوز إقامة حد الموت على صاحبه ولكنها كافية للترويع والتركيع.

في كتاب الديانة في المغرب
في كتاب التربية الاسلامية ، في المدارس المغربية لمستوى اول بكالوريا صدر بتاريخ 2016-11 نجد نصا يقول:" الفلسفة أسّ السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال ومثار الزيغ والزندقة”. يورد هذا الجزء من الكتاب كلاما لأحد علماء المسلمين يدعى ابن الصلاح الشهرزوري (توفي سنة 643 هجرية) عمن يشتغل بالمنطق والفلسفة. ويقول الشهرزوري “الفلسفة أسُّ السّفَة والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين، ومن تلبّس بها قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان”. وتم إدراج هذا الكلام في سياق تناول الكتاب للفرق بين الوحي كوسيلة لمعالجة قضايا الحق والخير والجمال بشكل يفضي إلى إيمان “لا شك فيه ولا ارتياب”، والفلسفة التي اعتبرها الكتاب “ليست كفيلة بإرشاد الإنسان إلى الصواب”. مجلة العرب الالكترونية، بتاريخ 17-01-14


هل تعلم؟
هل تعلم أنّ رجال هم الدّين أحرقوا كتب ابن رشد، وأنه لولا الغرب لما وصلنا من كتبه شيئاً؟
هل تعلم أنّ ابن سينا كان ملقّبا بإمام الملحدين أو شيخ الملحدين؟
هل تعلم أنّ الرّازي أعلن كفره بكلّ مذاهب شيوخ الدّين وكان يسخر منهم في كلّ مجالسه؟
هل تعلم أنّ التّوحيدي أحرق كتبه بنفسه بسبب القهر واليأس من رجال الدّين في عصره؟ وأنّ المعرّي فرض السّجن على نفسه لنفس الأسباب؟
هل تعلم أنّ ابن المقفّع قتل أشنع قتلة، فقطع جسده وجرى شويه وأجبر على اكلها، وهو لم يتجاوز الثّلاثينات من عمره؟
هل تعلم ان الجعد بن درهم أول مفكر قتل في الاسلام ذبحا وفي المسجد لانه نزه الله من الصفات. ولاقى خبر ذبحه استحسانا كبيرا بين العامة ورجال الدين على السواء.
هل تعلم أنّ إخوان الصّفاء كانوا لا يذكرون أسماءهم بسبب الخوف من إهدار رجال الدّين لدمائهم؟
هل تعلم أنّ أمّ الجاحظ كانت تشتكي من ابنها بسبب إفراطه في طلب العلم والقراءة… إلى أن مات المسكين بسبب سقوط خزانة كتبه عليه!!
هل تعلم أنّ خيرة رجال الدّين، وفي مقدّمتهم الإمام الشّافعيّ، كانوا يعتبرون أنّ بعض علوم الطّبيعة والكيمياء والفلسفة من المحرّمات، مثلها مثل التّنجيم والضّرب بالرّمل والسّحر!!!
هل تعلم أنّ الإمام الغزالي والذّهبي وابن القيّم وابن الجوزي وابن تيمية، وغيرهم من "كبار"رجال الدّين، أفتوا بتكفير وهدر دم كلّ من يمتهن أنواع العلوم العقليّة الّتي قد تتسبّب في كفر المسلمين وابتعادهم عن دينهم الحنيف؟
هل تعرف أن الغزالي الذي كفّر الفلاسفة تمّ تكفيره هو الاخر في عهود متأخرة؟
الطّبري، صاحب تفسير الطبري، مات كمدا وقهرا بعد أن رجمه الحنابلة واتّهموه بالكفر والإلحاد بسبب اختلافه مع مذهب الإمام ابن حنبل. الحنابلة رجموا منزله بالحجارة إلى درجة أنّ باب منزله لم يعد يُفتح بسبب أكوام الحجارة المتراكمة عليه.
هل تعلم أن أئمة المذاهب الاربعة افتت بقتل المتصوف الكبير الحلاج، وشهدت التمثيل بجسده حيا حتى مات ووضع رأسه على جسر بغداد
هل تعلم ان الذي اغتال المفكر المصري فرج فودة، بسبب فتوى تكفير ، لم يقرأ كتاب فودة الذي كفر بسببه؟
هل تعلم لماذا فر المفكر نصر حامد ابو زيد من مصر، بعد ان افتى الشيوخ بعدم شرعية زواجه؟
هل تعلم لماذا كُفّر الفكر التونسي الطاهر الحداد صاحب رائعة «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» ؟


رد لعثيمين عن دوران الشمس
فتوى العثيمين عن ثبات الارض ودوران الشمس
بداية محاكم التفتيش في تاريخ المسلمين
خرافة العصر الذهبي في صدر الاسلام
جناية العقل الفقهي على العلم
حقيقة الحضارة الاسلامية للشيخ ناصر الفهد
هل تدور الارض في الفقه الاسلامي؟
اخطاء المفاهيم الفلكية عند العرب
هل كانت لدينا حضارة اسلامية؟
خلق الانسان بالكيمياء، عند جابر بن حيان
الكيمياء والشعوذة في العصور الاسلامية
تحول علم الحرف الى دجل وشعوذة
دور النص الديني في سقوط الحضارة الاسلامية
الاسطورة في القرآن الكريم
هل انتج الاسلام حضارة؟
ثروت البطاوي