نقد الفكر الديني
 
 


 ماضاع من القرآن


((القرآن الذي بأيدينا اليوم لا يحوي كل القرآن الذي نزل على محمد))

جرب أن تقول الجملة السابقة لأحد معارفك من المسلمين وانظر ماذا ستكون ردة فعله، ستكون على الأغلب مزيجاً من الدهشة والاستنكار البالغ، وقد يصف هذا القول بأنه كفر، ولكنه لا يعرف بأن الجملة السابقة هى من المسلمات عند معظم علماء المسلمين، ويسمونه بـ "نسخ التلاوة"، فأقسام النسخ هى:
1- نسخ الحكم دون التلاوة. وهذا النوع هو المعروف عند المسلمين وبمثاله الشهير الساذج حول التدرج في تحريم الخمر.
2- نسخ الحكم والتلاوة. أي أن تنزل آية بحكم، فيُنسخ هذا الحكم، ويُمحى نص الآية ولا يعود قرآناً بعد ذلك، ومثاله قول عائشة (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ. ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ.) البخاري رقم 3670
3- نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، أي يُمحى نص الآية على الرغم من أن ما فيها من حكم هو باق غير منسوخ، ومن أشهر أمثلة ذلك آية الرجم ونصها (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، فهذه الآية كانت من القرآن ثم نُسخت تلاوتها وبقي ما فيها من حكم وهو الرجم للزاني المحصن.
انظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 2/58-66 ، مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني 2/154 ، البرهان في علوم القرآن للزركشي 2/35.

وتأتي الكارثة الكبرى حين يتبين أن ما نُسخ من نص القرآن هو ليس فقط آيات معدودات، بل قسم كبير للغاية بحيث ذهبت سور بأكملها.
جاء في المستدرك على الصحيحين للحاكم:
3554 - أخبرنا أبو العباس أحمد بن هارون الفقيه ثنا علي بن عبد العزيز حجاج بن منهال ثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة و كان فيها الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه. تعليق الذهبي في التلخيص : صحيح.


وأخرجه ابن حبان في صحيحه رقم4505و 4506، والضياء المقدسي في المختارة 1164، وأحمد بن حنبل في مسنده 21244، وعبد الرزاق في مصنفه 5990، وأبو عبيد في فضائل القرآن 580، والنسائي في سننه الكبرى 7150، والبيهقي في دلائل النبوة 3084، والطبراني في المعجم الأوسط 4502 والمعجم الكبير 4502، والطبري في تهذيب الآثار 900، والبيهقي في السنن الكبرى 16688، والهيثمي في موارد الظمآن 1/435، والشاشي في مسنده 1399، والطيالسي في مسنده 536.

للإطلاع على جميع الروايات:
http://el7ad.com/smf/index.php?action=down...;sa=view;id=573

وقالت عائشة زوجة النبي:
حدثني ابن أبي مريم ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، قالت : كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي صلى الله عليه وسلم مائتي آية ، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلا على ما هو الآن. (فضائل القرآن للقاسم بن سلام رقم 579)

وجاء في صحيح مسلم
2466 - حَدَّثَنِى سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ دَاوُدَ عَنْ أَبِى حَرْبِ بْنِ أَبِى الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَعَثَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِىُّ إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثَلاَثُمِائَةِ رَجُلٍ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ فَقَالَ أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ فَاتْلُوهُ وَلاَ يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَإِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِى الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ فَأُنْسِيتُهَا غَيْرَ أَنِّى قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا لَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا وَلاَ يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ. وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ فَأُنْسِيتُهَا غَيْرَ أَنِّى حَفِظْتُ مِنْهَا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ) فَتُكْتَبُ شَهَادَةً فِى أَعْنَاقِكُمْ فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

(وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن 586، والبيهقي في دلائل النبوة 3084، والطحاوي في مشكل الآثار 1713، وأبو نعيم في حلية الأولياء 1/257)

وجاء في المستدرك:
3274 - حدثنا علي بن حمشاد العدل ثنا محمد بن المغيرة اليشكري ثنا القاسم بن الحكم العرني ثنا سفيان بن سعيد عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن حذيفة رضي الله عنه قال : ما تقرؤون ربعها يعني براءة و أنكم تسمونها سورة التوبة و هي سورة العذاب
هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه
تعليق الذهبي قي التلخيص : صحيح


وفي فضائل القرآن لأبي عبيد
578 - حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : « لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله ؟ قد ذهب منه قرآن كثير ، ولكن ليقل : قد أخذت منه ما ظهر منه »

وفقاً للروايات السابقة يمكن الوصول إلى أقرب تحديد لما نُسخت تلاوته من القرآن، فسورة الأحزاب كانت بحجم سورة البقرة، وهى وفقاً لطبعة مجمع الملك فهد 48 صفحة، بينما الأحزاب عشر صفحات. وشبّه أبو موسى الأشعرى طول سورة ضائعة بطول سورة التوبة التي تبلغ 21 صفحة، وشبّه السورة الضائعة الأخرى بإحدى المسبِّحات، والمسبِّحات هى الحديد والحشر والصف والتغابن، ومتوسط عدد صفحات السورة الواحدة منهم هو صفحتان. وتحدث حذيفة بن اليمان عن أن ما بقي من سورة التوبة هو أقل من الربع، أي أن ما ذهب منها على الأقل ستون صفحة. وبذلك فمجموع ما فُقد من القرآن هو 121 صفحة على الأقل.
38 (ما فُقد من سورة الأحزاب) + 21 (السورة التي مثل التوبة في الطول) + 60 (ما فُقد من سورة التوبة) + 2 (السورة التي تشبه إحدى المسبحات) = 121 صفحة.
وعدد صفحات القرآن اليوم 604.

والروايات السابقة هى على درجة كبيرة من الصحة، خاصة التي تعود إلى أبيّ بن كعب وأبي وموسى الأشعري، فهما من علماء الصحابة في القرآن، وقد قال النبي عن أبيّ (وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب) (الترمذي رقم 3791 وصححه الألباني) ، وقال أيضاً ((اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ ، وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ)) (صحيح البخاري 3760)
وهو من الصحابة الأربعة الذين ينتهي إليهم إسناد القرآن بقراءة حفص عن عاصم التي يقرأ عليها المسلمون اليوم.


وسلسلة الرواة الذين نقلوا ما قاله ابي بن كعب عن سورة الأحزاب هى في غاية القوة والمصداقية، فالذي نقل الخبر عن أبي بن كعب هو أحد أبرز تلامذته زر بن حبيش (ت 83 هـ) الذي روى القرآن عن أبي ولازمه حتى قال له أبي: يازر، ما تريد أن تدع من القرآن آية إلا سألتني عنها (1) ؟. (سير أعلام النبلاء 4/168)، ويعود إلى زر إسناد قراءة حمزة وإسناد قراءة شعبة عن عاصم، أما من نقل خبر سورة الأحزاب عن زر بن حبيش فهو تلميذه عاصم بن أبي النجود (ت 127هـ) الإمام الذي يقرأ معظم المسلمين اليوم القرآن على روايته (انظر الصورة السابقة)، ونقل الخبر عن عاصم ثلاثة عشر راوياً كان من بينهم شعبة أحد أبرز رواة القرآن عن عاصم والمُقدَّم على حفص نفسه.
وهذا مخطط أعددته لأسانيد هذا الخبر:



فالخبر إذاً ثابت ثبوت الجبال.
وكل هذه الروايات قال علماء المسلمين عنها بأنها تشير إلى نسخ التلاوة، أي أن 121 صفحة من القرآن قد نُسخت تلاوتها.
هل تشعر أخي القارئ بالتناقض الرهيب؟
حيث لا توجد أمة من الأمم تقدس نص القرآن كما يقدسه المسلمون، ولا توجد جماعة دينية جعلت لنص كتابها من الكمالات والإعجازات ما جعله المسلمون لكتابهم، فهو معجز بلغته يعجز البشر عن الإتيان بثلاث آيات مثله، ولا يوجد حرف ولا حركة فيه إلا وهى لغاية بيانية مقصودة، وهو معجز بأخبار الغيب التي يحويها، ومعجز بإشاراته العلمية التي سبقت الغرب بـ 1400 سنة، ومعجز بتشريعاته، هو باختصار معجزة من جميع النواحي، هو كنز كنوزالكون، كيف لا وهو كلام الله خالق الأكوان وفي آخر تخاطب له مع البشر؟
فبحق العقل وبحق المنطق وبحق السموات والأرض قل لي: كيف جعلوا لنص القرآن كل هذه القدسية وكل تلك الإعجازات وفي نفس الوقت تُمحى منه هذه الأجزاء الكبيرة وتُنسى إلى الأبد هكذا وبكل بساطة وكأنه نص عادي؟.
ولتعرف حجم المأزق، انظر إلى التبريرات التي ساقها الزرقاني أحد كبار علماء القرآن بل وكان التركيز في كتابه كبيراً على رد الشبهات عن القرآن، فلننظر إلى ما قاله:
(( يقولون إن نسخ التلاوة مع بقاء الحكم عبث لا يليق بالشارع الحكيم لأنه من التصرفات التي لا تعقل لها فائدة
وندفع هذه الشبهة بجوابين
أحدهما أن نسخ الآية مع بقاء الحكم ليس مجردا من الحكمة ولا خاليا من الفائدة حتى يكون عبثا بل فيه فائدة أي فائدة وهي حصر القرآن في دائرة محدودة تيسر على الأمة حفظه واستظهاره وتسهل على سواد الأمة التحقق فيه وعرفانه وذلك سور محكم وسياج منيع يحمي القرآن من أيدي المتلاعبين فيه بالزيادة أو النقص لأن الكلام إذا شاع وذاع وملأ البقاع ثم حاول أحد تحريفه سرعان ما يعرف وشد ما يقابل بالإنكار وبذلك يبقى الأصل سليما من التغيير والتبديل مصداقا لقوله سبحانه إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
والخلاصة أن حكمة الله قضت أن تنزل بعض الآيات في أحكام شرعية عملية حتى إذا اشتهرت تلك الأحكام نسخ سبحانه هذه الآيات في تلاوتها فقط رجوعا بالقرآن إلى سيرته من الإجمال وطردا لعادته في عرض فروع الأحكام من الإقلال تيسيرا لحفظه وضمانا لصونه والله يعلم وأنتم لا تعلمون))
اهـ

وهذا تبرير في غاية التهافت، فلو كان صاحب القرآن حريصاً على تقليل حجمه لتسهيل حفظه، لكان خالياً مما فيه من تكرار كثير جداً. راجع موضوعي: مثال بسيط على إفلاس القرآن اللغوي:
http://www.ladeenyon.net/forum/viewtopic.p...427905fd12ab2c2

يكمل الزرقاني فيقول:
((ثانيهما أنه على فرض عدم علمنا بحكمة ولا فائدة في هذا النوع من النسخ فإن عدم العلم بالشيء لا يصلح حجة على العلم بعدم ذلك الشيء وإلا فمتى كان الجهل طريقا من طرق العلم ثم إن الشان في كل ما يصدر عن العليم الحكيم الرحمن الرحيم أن يصدر لحكمة أو لفائدة نؤمن بها وإن كنا لا نعلمها على التعيين وكم في الإسلام من أمور تعبدية استأثر الله بعلم حكمتها أو أطلع عليها بعض خاصته من المقربين منه والمحبوبين لديه وفوق كل ذي علم عليم وما أوتيتم من العلم إلا قليلا
ولا بدع في هذا فرب البيت قد يأمر أطفاله بما لا يدركون فائدته لنقص عقولهم على حين أنه في الواقع مفيد وهم يأتمرون بأمره وإن كانوا لا يدركون فائدته والرئيس قد
يأمر مرؤوسيه بما يعجزون عن إدراك سره وحكمته على حين أن له في الواقع سرا وحكمة وهم ينفذون أمره وإن كانوا لا يفهمون سره وحكمته
كذلك شأن الله مع خلقه فيما خفي عليهم من أسرار تشريعه وفيما لم يدركوا من فائدة نسخ التلاوة دون الحكم ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم))
اهـ مناهل العرفان في علوم القرآن 2/157.

وقد ذهب إلى هذا القول أيضاً الشيخ فوزي سعيد في كتابه (شبهات حول قضية النسخ) ص21:
((سؤال : إذا كان حكم الآية ثابتًا وباقيًا إلى نهاية الدنيا ، فلماذا نسخ لفظ الآية ؟ ألم يكن الأولى أن تظل باقية فلا تكون فتنة ، ولا يجترئ أحد على إنكار الحكم !؟
الجواب : (1) الله تعالى له كمال الملك والعلم والقدرة والحكمة ، فيثبت ما يشاء وينسخ ما يشاء بمقتضى علمه وحكمته وقدرته وملكه ، والمؤمنون مُسَلِّمون لَهُ سبحانه في ذلك وفي كل شيء ، سواء علموا من تلك الحكمة أو لم يعملوها ، ولا يمنعهم ذلك من سؤال المسترشد المستنصح المستفهم ، أما غيرهم فيسال سؤال المعترض المتِّبع لما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، فيتبيَّن الذين صدقوا ، ويتميَّز عنهم الكاذبون والمرتابون .
قال تعالى:(( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا )) الإسراء ، وقال :(( مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ )) آل عمران ، وقد سبق بيان ذلك في المقدمة ، فقضية النسخ هي مما يختبر ويمتحن به الناس ، وبالتالي لا وجه لقول السائل : (ألم يكن الأوْلى إبقاء لفظ الآية) لأن نسخ الَّلفظ أمُرٌ يراد ، وكم كشف الله به من أمر الكاذبين والمُدِّعين .
))


فانظر أخي الكريم كيف أن نظرية نسخ التلاوة غير منطقية لدرجة لم يجد معها اثنان من علماء القرآن سوى أن يقولوا بأن نسخ التلاوة هو مما تقصر عقول البشر عن إدراك مغزاه، وأن الحكمة عند الله.
وهذا القول منهم هو في ميزان البحث العلمي هراء لا يستحق الالتفات إليه، وهو مثال على ما يمكن للعقل المؤمن أن يصل إليه، فهم جعلوا القرآن الكتاب الوحيد المعجز من بين كتب الأنبياء السابقة، وجعلوا معجزته عقلية، والزرقاني الذي حشى كتابه بشتى أنواع التفنيدات لـ"الشبهات"، حين وصل إلى شيء لا يمكن تبريره كنسخ التلاوة لم يجد سوى أن يكفر بالعقل ويهدم البنيان الذي بناه، فهؤلاء العلماء الذين يتغنون بالعقل والعقلانية إذا ما ضاقت عليهم السبل ولم يجدوا مخرجاً للإشكال فإنهم لا يتورعون عن أن يدوسوا على العقل بنعالهم.

والآن وأمام هذا السقوط الذريع لنظرية نسخ التلاوة لابد إذاً من بديل يقدم تفسيراً منطقياً للـ 121 صفحة التي ذهبت من القرآن، فما هو الحل؟
لننظر قليلاً في عملية جمع القرآن كما رواها البخاري في صحيحه:
((4986 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ - رضى الله عنه - قَالَ أَرْسَلَ إِلَىَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ - رضى الله عنه - إِنَّ عُمَرَ أَتَانِى فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّى أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنِّى أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ .
قُلْتُ لِعُمَرَ كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ عُمَرُ هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ .
فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِى حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِى لِذَلِكَ ، وَرَأَيْتُ فِى ذَلِكَ الَّذِى رَأَى عُمَرُ . قَالَ زَيْدٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْىَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِى نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَىَّ مِمَّا أَمَرَنِى مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِى حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِى لِلَّذِى شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ - رضى الله عنهما - فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِى خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِىِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ) حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِى بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ - رضى الله عنه - .))


نجد مما سبق أن عمر بن الخطاب خشي على ضياع القرآن بسبب مقتل الحفاظ، ونجد زيد بن ثابت يذكر "صدور الرجال" كأحد المصادر التي جمع منها القرآن، وهذا كله يدل على أن القرآن لم يكن كله مكتوباً قبل عملية الجمع، ما يعني بأن أجزاءً من القرآن معرضة للضياع مع ذهاب حفّاظها، ومعركة اليمامة قُتل فيها عدد كبير من حفظة القرآن بلغ خمسمائة.(فضائل القرآن لابن كثير ص25)، وهذا بحد ذاته يكفي للافتراض بأن الـ 121 صفحة قد ذهبت في هذه المعركة، فكيف هو الحال حين نجد شهادات من ثلاثة من كبار التابعين يصرّحون فيها بالفعل بأن يوم اليمامة قد ذهب فيها قرآن كثير؟.
الشهادة الأولى هى من ابن شهاب الزهري (58هـ - 124هـ)الذي قال عنه الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز (عليكم بابن شهاب هذا فإنكم لا تلقون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه .) سير أعلام النبلاء 4/326
أخرج ابن أبي داود في كتاب المصاحف ص208 وصححه محقق الكتاب محب الدين واعظ:
81- حدثنا أبو الربيع قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب قال : « بلغنا أنه كان أنزل قرآن كثير ، فقتل علماؤه يوم اليمامة ، الذين كانوا قد وعوه فلم يعلم بعدهم ولم يكتب ، فلما جمع أبو بكر وعمر وعثمان القرآن ولم يوجد مع أحد بعدهم ، وذلك فيما بلغنا ، حملهم على أن يتبعوا القرآن فجمعوه في الصحف في خلافة أبي بكر خشية أن يقتل رجال من المسلمين في المواطن معهم كثير من القرآن ، فيذهبوا بما معهم من القرآن ، ولا يوجد عند أحد بعدهم ، فوفق الله عثمان فنسخ تلك الصحف في المصاحف ، فبعث بها إلى الأمصار (1) ، وبثها (2) في المسلمين »

الشهادة الثانية من سفيان الثوري (97هـ - 161 هـ) الذي هو (قال شعبة وابن عيينة وأبو عاصم ويحيى بن معين وغيرهم : سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث .) سير أعلام النبلاء 7/230
أخرج عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه:
13363 - عبد الرزاق عن الثوري عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال : قال لي أبي بن كعب : كأين (1) تقرؤن سورة الاحزاب ؟ قال : قلت : إما ثلاث وسبعين ، وإما أربعا وسبعين ، قال : أقط ؟ إن كانت لتقارب سورة البقرة ، أو لهي أطول منها ، وإن كانت فيها آية الرجم ، قال : قلت : أبا المنذر ! وما آية الرجم ؟ قال : " إذا زنيا الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله ، والله عزيز حكيم " (3).
قال الثوري : وبلغنا أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقرؤن القرآن ، أصيبوا يوم مسيلمة ، فذهبت حروف من القرآن.


الشهادة الثالثة من مجاهد (21هـ 104هـ) شيخ القراء والمفسرين، أخذ القرآن والتفسير عن ابن عباس وعرض القرآن عليه ثلاثين مرة (حدثني الفضل بن ميمون أبو الليث قال سمعت مجاهدا يقول عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة) سير أعلام النبلاء 4/450
قال الحافظ ابن عبد البر الأندلسي :(( وروى أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا سيف عن مجاهد قال : كانت الأحزاب مثل سورة البقرة أو أطول ، ولقد ذهب يوم مسيلمة قرآن كثير ، ولم يذهب منه حلال ولا حرام )) ( 2 ) . (التمهيد في شرح الموطأ ج 4ص275 شرح حديث رقم 21)

وبهذه الشهادات تتضح حقيقة الأمور.
وحين نعيد النظر في الروايات التي عرضناها في بداية الموضوع نجد بعضها صريحاً في أن ما ذهب من القرآن كان ضياعاً لا نسخاً، كالخبر عن عائشة:
((حدثني ابن أبي مريم ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، قالت : كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي صلى الله عليه وسلم مائتي آية ، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلا على ما هو الآن .)) (فضائل القرآن للقاسم بن سلام رقم 579)
فعائشة هنا تقول "لم يقدر"، أي لو قدر عثمان لوضع الأحزاب كاملة، ولو كان ما ذهب منها منسوخاً ويعلم الصحابة بأنها منسوخة وذهبت قرآنيتها لما قالت عائشة ذلك، فكان الأمر فوق طاقة عثمان لأن ما فعله لم يكن سوى إعادة نسخ لنسخة زيد التي كُتبت بعد معركة اليمامة التي ذهبت فيها بقية الأحزاب.
ولننظر إلى ما قاله عبد الله بن عمر بن الخطاب كما في فضائل القرآن لابن سلام:
578 - حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : « لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله ؟ قد ذهب منه قرآن كثير ، ولكن ليقل : قد أخذت منه ما ظهر منه »

وهذا واضح جداً في أن الأمر ضياع لا نسخ، خاصة حين وصف ما بقي من القرآن بأنه "ما ظهر منه"، ولو كان الذي ذهب منسوخاً لما قال ذلك لأن المنسوخ لم يعد قرآناً أصلاً.

ختاماً أقول بأننا حين نستذكر أن معركة اليمامة قُتل فيها عدد كبير من حفظة القرآن، وبأنها دفعت المسلمين إلى جمع القرآن لأول مرة، وحين نجد ثلاثة من أئمة التابعين يصرّحون بأن قرآناً كثيراً قد ذهب يوم اليمامة، وحين يجتمع كل ذلك مع فشل نظرية نسخ التلاوة، لا يبقى حينها سوى أن أقوال أكابر الصحابة في ذهاب كثير من القرآن تشير إلى الفقدان والضياع لا النسخ، وهو ما حصل في معركة اليمامة.
121 صفحة ضاعت من كتاب الله الخاتم المعجز، فمن يعثر لنا على هذا الكنز؟.