نقد الفكر الديني
 
 


 دراسة: الاحرف السبعة


هذه بداية لسلسلة من الدراسات النقدية في تاريخ القرآن وفي إعجاز القرآن البياني، أستهلها بهذا الموضوع وهو المقدمة، يليها المقدمة الإسلامية وهى شرح موجز لتاريخ القرآن وقراءاته من المنظور الإسلامي.
ويسعدني أن أقدم إلى جانب هذه الدراسات، عملاً مهماً هو الأول من نوعه، وقد استغرق مني إعداده جهداً عظيماً.
هذا العمل هو: تصنفيات في القراءات، وفيه جمعت من بين كل اختلافات القراءات العشر ما انتمى إلى الأصناف التالية:

1- تغير الكلمة إلى كلمة أخرى من جذر مختلف.
2- التغير في أوجه المتكلم والخطاب والغيب.
3- التغير في البناء للمعلوم والبناء للمجهول.
4- التغير في الجمع والإفراد.
5- التغير في التذكير والتأنيث.

أتمنى أن يخدم هذا العمل الباحثين والمتخصصين في الدراسات القرآنية، وأتمنى أن يسهم هذا العمل مع دراساتي القادمة في التوعية بحقيقة اختلاف القراءات وإزالة وهم "النص القرآني الواحد" المستشري بين الناس.

وأحب أن أشكر في هذا المقام الأستاذ Seta Soujirou الذي صور كتاب "تاريخ القرآن" لعبد الصبور شاهين وزودني به، وقد أفادني الكتاب فوائد جمة، فشكراً مرة أخرى للعزيز على خدماته غير المشروطة والتي تكشف عن معدن نفيس وأصيل عز وجوده في هذا الزمان. رابط الكتاب: تاريخ القرآن، لعبد الصبور شاهين

وهذا رابط لكتاب أبي شهبة "مدخل لدراسة القرآن الكريم" والذي سأنقل منه الكثير في الدراسات القادمة:

مقدمة الدراسات النقدية


لا يوجد كتاب مقدس ادعى له أتباعه من الكمالات مثل ما ادعى المسلمون لكتابهم، فالقرآن معجز بنظمه لم ولن يقدر أحد على الإتيان بثلاث آيات مثله، وفيه حقائق علمية سبقت أحدث الكشوفات العلمية بـ 1400 سنة ، ومعجز بتشريعاته، وفيه من أنباء الماضي التي لم يكتشفها العلماء إلا مؤخراً، وفيه من أنباء المستقبل ما سبق وتحقق وما سيأتي، وهو معجز بترتيب سوره وآياته وكلماته وأعدادها، وأخيراً هو معجز بنقله، فهو وصل إلينا كما نزل دون أن يتغير منه حرف واحد.

إن كل واحدة مما سبق هو ادعاء كبير بحد ذاته، وحين تجتمع كل هذه الادعاءات معاً فإذاً نحن بحق أمام حالة فريدة في التاريخ تشد ذوي الألباب شداً للوقوف أمامها ودراستها وتمحيصها، وفي هذه الدراسات سأتحقق من ادعاء الوثاقة المطلقة للنقل القرآن، وادعاء الإعجاز البياني، على أن أتناول في دراسة تليها ادعاء الإعجاز العلمي.
ولكن لا يحتاج الأمر لخبير لمعرفة السر الكامن وراء هذه الدعاوى الكبرى وما لها من قبول عريض، فإذا كان لديك عامة يجهلون أبسط الحقائق عن كتابهم، وبعض من أشباه العلماء لا يتورعون عن الكذب والتدليس، وعلماء يتسترون على أشباه العلماء مطبقين مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، فطالما أن هذه الأكاذيب تقوي الإيمان وتدخل الآخرين إلى الإسلام، فما الحرج منها؟

أقول حين تجتمع هذه الفئات الثلاث، ثق تماماً أن أي ادعاء مهما كان خرافياً فإنه سينمو ويترعرع إلى أن يصبح حقيقة مُسَلَّمَة عند الناس.
وكدليل على ما يمكن أن يفعله الجهل، انظر إلى ما يسمى بـ"الإعجاز العددي"، وهو إعجاز قائم على عدد الأحرف والكلمات في القرآن وأرقام السور والآيات وغير ذلك، ولهذا الإعجاز شعبية جارفة اليوم، حتى أن مصطفى محمود في كتابه الشهير "حوار مع صديقي الملحد" جعل قاسمة الظهر للملحد أبحاث رشاد خليفة عن أسرار فواتح السور الرقمية وغير ذلك، وكل يوم يظهر إلينا بحث عن عجائب رقمية في القرآن، وآخر المخازي التي يتجلى فيها سكوت العلماء عن الباطل هو أن يفوز كتاب "إشراقات الرقم سبعة في القرآن" بجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم!، بينما أي مطلع في الدراسات القرآنية وتاريخ القرآن يعلم تماماً أن الإعجاز العددي مجرد عبث وعلامة محزنة على انتشار الجهل، فربما يعلم عدد غير قليل من العوام بأن القرآن الموجود بين أيديهم هو برواية حفص عن عاصم، ولكن معظمهم لا يعلمون بأنها واحدة من بين "عشرين" رواية أخرى للقرآن تختلف بينها في عدد الأحرف والكلمات وفي طريقة عد الآيات، حيث تحتسب بعض القراءات البسملة كآية وتدخل في العد، وأخرى لا تفعل، وتختلف القراءات في بعض الآيات فما يكون آية كاملة في قراءة يكون مقسوماً إلى آيتين في قراءة أخرى، وأهل المغرب وموريتانيا في هذا اليوم وفي هذه اللحظة يقرأون برواية ورش عن نافع، ويختلف فيها عدد الحروف عن تلك في قراءة حفص، وتسقط منها كلمة كاملة في رواية حفص وذلك في {فإن الله هو الغني الحميد} الحديد/24 فهى في مصاحفهم بدون "هو"

ولا يعلم العوام بأن ترتيب السور هو عمل اجتهادي من الصحابة لا دخل للوحي فيه، وبأنه كان لصحابة آخرين مصاحفهم الخاصة المختلفة في ترتيب السور، ومع ذلك يُقبل العوام وبشغف كبير على ما يُسمى بالإعجاز العددي ظناً منهم أن القرآن هو نص واحد فقط وهو الذي بين أيديهم، وهم لا يعلمون بأن رواية حفص لم تنتشر إلا في المئتي سنة الأخيرة، وقبلها كانت القراءة الشائعة هى قراءة أبي عمرو البصري في المشرق وورش وقالون عن نافع في إفريقيا، فوحدة النص القرآني ليست إلا خرافة ، فلا عدد الآيات ثابت، ولا عدد الأحرف ثابت، ولا عدد الكلمات ثابت، شيء واحد فقط هو الثابت: أن الجهل يصنع العجائب.

أما من يظنون أنفسهم من العامة بأنهم مطلعون على القراءات، فالحاذق منهم يعرف بأمر بعض الاختلافات في الأداء كالمذاهب في الهمز والإشمام والإمالة وغير ذلك، ولكنهم لا يعلمون بأن اختلافات القراءات سببت تغييرات جوهرية في المعاني غيرت في الأحكام الشرعية وأحلت الحرام وحرمت الحلال وأخلت ببلاغة وفصاحة القرآن بحيث تجده أمراً اعتياداً لدى قدماء المفسرين واللغويين أن يطعنوا ويرفضوا العديد من القراءات بحجة مخالفتها لللغة ومنافرتها للكلام البليغ، وطبعاً كان لقراءة عاصم نصيبها من هذه الانتقادات مثلها مثل غيرها.

ولو قيل لأحد العوام بأن القرآن الذي بين أيدينا اليوم لا يحوي كل القرآن الذي نزل على محمد، لصُعق ولوصف هذا القول بأنه كفر، ولكنه لا يعرف بأن هذا القول هو من المسلمات عند علماء المسلمين، فهو من أنواع النسخ عندهم ويُسمى بنسخ التلاوة، وقد طال ليس آيات كاملة فحسب، بل أتى على سورة كاملة كبيرة شبهها الصحابي أبو موسى الأشعري بأنها كانت مثل التوبة في طولها وشدتها، وأتى هذا النسخ أيضاً على سورة الأحزاب والتي وبشهادة أبي بن كعب وعائشة كانت بحجم سورة البقرة أي 48 صفحة ، بينما سورة الأحزاب اليوم لا تتجاوز العشر صفحات.

إن هناك الكثير من الحقائق التي لا يعرفها المسلم العادي الذي يعيش في وهم النص الموَّحد المُقدس المترفع عن الزلل والخطأ، والدراسات القادمة هى محاولة لتسليط الضوء على هذه الحقائق وتبيانها للقارئ.
الدراسات ستحمل العناوين الآتية:
الأحرف السبعة والقراءة بالمعنى.
أخطاء المصاحف العثمانية.
تواتر القراءات العشر ومصدرها.
صفة قراءة الرسول.
نسخ التلاوة وتواتر القرآن.
الشيعة والقرآن.
إعجاز القرآن البياني.

هذه هى خطتي، ولا أدري كم من الأشهر أحتاج لإتمام هذه الدراسات. الدراسة الأولى شبه منتهية وسأضعها في الأيام القليلة المقبلة، ولكن الدراسات الأخرى ليست الآن إلا رؤوس أقلام ومسودات مبعثرة، ولا أدري حين أباشر كتابتها ما سيحدث فقد ينقسم المبحث الواحد إلى اثنين، أو قد يُدمج المبحثان في واحد.
لفهم الدراسات القادمة بأفضل صورة ممكنة أعددت المقدمة التالية وهى تشرح بشكل موجز من وجهة النظر الإسلامية كيف وصل إليك القرآن الشائع اليوم برواية حفص عن عاصم.
إذا كنت تريد أن تعرف المزيد عن القراءات بإمكانك قراءة هذا الكتاب المبسَّط: المدخل الى علم القراءات، للكاتب محمد بن محمود حوا

المقدمة الإسلامية


على الرغم من صعوبة الفترة المكية على النبي وجماعته، كان القرآن يُكتب حينها، حيث نجد في قصة إسلام عمر بن الخطاب أن سورة طه كانت مكتوبة. بعد الانتقال إلى المدينة استقرت الجماعة وصار للإسلام أرض، فصار التدوين الكتابي هناك أفضل وأكثر تنظيماً، حيث كان للنبي أكثر من كاتب أشهرهم زيد بن ثابت، وكما يقول زيد عن نفسه أنه حين كان جاراً للرسول ومتى ما نزل القرآن استدعاه الرسول ليكتب (كتاب المصاحف رقم 5). على الرغم من اهتمام النبي بتدوين القرآن، إلا أن التدوين الكتابي لم يكن سوى أداة ثانوية تأكيدية، حيث كان الحفظ الشفوي هو المعول عليه في حفظ القرآن. وتساعد على ذلك عوامل كثيرة منها أن تلاوة القرآن عبادة وتصل إلى الوجوب في الصلوات، وترغيب النبي في حفظ القرآن، واشتهار العرب بقوة الحافظة، وغير ذلك. (للمزيد انظر المدخل لدراسة القرآن الكريم لأبي شهبة ص403)

كان جبريل يعارض النبي القرآن في كل عام، وفي العام الذي توفي فيه النبي عارضه جبريل مرتين(البخاري 3624) ، وكانت العرضة الأخيرة هى الناسخة لكل ما سبقها. أبرز شكلين من أشكال الاختلاف بين العرضات هو في نسخ التلاوة والاختلاف في الأحرف السبعة، أما نسخ التلاوة فيعني رفع تلاوة آيات أو أجزاء من آيات بحيث تُمحى ولا تُقرأ فيطويها النسيان، ومن أشهر أمثلة التلاوة المنسوخة آية الرجم ونصها (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (مسند أحمد 21808 ووردت في مصادر كثيرة أخرى) . وفي وقت ما بعد الهجرة، بدأ نزول القرآن على سبعة أحرف، وهى رخصة للتيسير على الناس، وقد اختلف العلماء في تحديد المراد بالأحرف السبعة، وكان التفسير الأكثر تأييداً أن المراد أن تنزل الكلمة بأوجه أقصاها سبعة من اللغات المتفقة المعنى، مثل: هلم وأقبل وتعال. ووجه التيسير أن العرب أمة مختلفة الألسن، فيشق إلزام غير القرشي بأن يقرأ بلسان قريش،فيجوز له أن يقرأ بالحرف الذي يوافق لغته، ولذلك نزل هذا الحديث بعد الهجرة أي بعد أن دخل في الإسلام الكثير ممن يتنمون لقبائل مختلفة غير قريش (المدخل ص173). حين توفي النبي كان القرآن كله مكتوباً ولكن ليس مجموعاً في مصحف، وفي حروب الردة وتحديداً معركة اليمامة، قُتل الكثير من حفاظ القرآن، فخشي عمر على ضياع القرآن فأشار على أبي بكر بجمعه فوافق بعد تردد، فأوكلوا المهمة إلى زيد بن الثابت ، فقام بكتابة القرآن اعتماداً على ما جمعه من قرآن مكتوب على جريد النخل والجلود وعظام أكتاف المواشي، وكذلك على ما أخذه من الصدور، وكان زيد لا يقبل قرآناً إلا بشهادة اثنين على أنها كُتبت بين يدي النبي (البخاري 4679).

ولأن زيداً كان ممن شهد العرضة الأخيرة للقرآن فإنه كتب القرآن بما يوافقها. وبعد انتهاء زيد من كتابة المصحف، لم يتم فرضه على الجميع، فقد كان لصحابة آخرين مصاحفهم الخاصة كعبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب، وهى تختلف عن مصحف زيد في احتوائها على آيات وقراءات منسوخة لأنها لم تلتزم بما جاء في العرضة الأخيرة فقط، وكذلك تختلف في ترتيب السور. وفي نحو عام 30 هـ في خلافة عثمان، اجتمعت جيوش أهل الشام وأهل العراق لغزو أرمينيا وأذربيجان، وكان أهل الكوفة يقرأون بقراءة واليهم ابن مسعود، وكان أهل البصرة يقرأون بقراءة واليهم السابق أبي موسى الأشعري، وكان أهل الشام يقرأون بقراءة أبي بن كعب، فتنازع الجنود في القراءة، وراح يقول أحدهم للآخر (قراءتي أصح من قراءتك)، ففزع القائد العسكري والصحابي حذيفة بن اليمان من ذلك، فلما وصل إلى المدينة قال لعثمان ((أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى)) ، وقد تزامنت هذه الحادثة مع بدء التنازع في المدينة نفسها حيث كان معلموا القرآن يعلمون تلاميذهم بقراءات مختلفة، فاختلف تلاميذ المعلمين ورفعوا اختلافهم إلى معلميهم، فما كان من المعلمين إلا أن كفّروا بعضهم (كتاب المصاحف رقم 74).

بعد حصول كل ذلك طلب عثمان من حفصة ابنة عمر النسخة التي كتبها زيد لينسخوها، وأوكل المهمة إلى أربعة على رأسهم زيد بن ثابت، وبعد إتمام النسخ أرسل بنسخة إلى أهل كل بلد وأمر بالمصاحف الأخرى أن تُحرق (البخاري 4987)، وتم حمل الناس على مصحف واحد، وبذلك تم وقف العمل برخصة الأحرف السبعة لأن الغاية منها قد تحقق، ففي البدء كان العرب حديثو عهد بالإسلام والقرآن فكانت الرخصة، أما في زمن عثمان فقد لانت ألسن العرب واعتادت على لغة القرآن، فبذلك زالت المشقة في إلزام جميع العرب بحرف واحد وهو حرف قريش. هذا الحرف من ضمنه قراءات مختلفة، استمرت القراءة بها بعد التوحيد العثماني ولم يمنعها لأن الخط العربي حينها كان خالياً من النقط والشكل، وحتى لو كان النقط والشكل معروفاً لما كتب عثمان عليه المصحف لأن في ذلك قضاء على قراءات متواترة ثابتة عن العرضة الأخيرة، فعثمان أراد بعمله توحيد القراءات على ما ثبت في العرضة الأخيرة. وكانت هناك قراءات لا يحتلمها رسم المصحف، مثل إثبات "هو" وحذفها من قول القرآن {فإن الله هو الغني الحميد} الحديد 24، وكلتاهما متواترتان عن النبي،فبذلك يتسبب الإلزام بمصحف واحد بذهاب قراءات متواترة ، فقام عثمان بتوزيع مثل هذه القراءات بين النسخ المختلفة فلا تضيع بذلك هذه القراءات، فأثبت "هو" من {فإن الله هو الغني الحميد} الحديد 24، في جميع النسخ إلا نسختي أهل المدينة الشام. انظر إلى المصحف برواية ورش في موقع وزارة الأوقاف المغربية، اذهب إلى سورة الحديد وأدخل رقم الصفحة: 4

في عصر ابن مجاهد (245- 324هـ) بلغت قراءات القرآن درجة كبيرة من الاتساع، والتبس فيها الصحيح والشاذ، فقامت محاولات من أئمة في القراءة لحصر القراءات القانونية بعدد معين من الأئمة، وكُتب النجاح لمحاولة ابن مجاهد أحد أبرز أئمة القراءات في عصره حيث حصر القراءات القانونية للقرآن بقراءات سبعة من كبار أئمة الإقراء من أمصار متفرقة ، والسبعة هم: نافع من المدينة، ابن كثير من مكة، عاصم وحمزة والكسائي من الكوفة، أبو عمرو من البصرة، وابن عامر من الشام. ولأن كل إمام من هؤلاء له عدد غير قليل من الرواة الذي يروون قراءته، حصر ابن مجاهد الرواة لكل قاريء باثنين، فكان لعاصم حفص وشعبة، وكان لنافع قالون وورش. استمر هذا التقسيم معمولاً به إلى أن أضاف ابن الجزري (ت833هـ) ثلاثة إلى الأئمة السبعة وهم يعقوب البصري وأبو جعفر المدني وخلف الكوفي، فصار لدينا مسمى القراءات العشر.
والقراءات السبع حكمها عند المسلمين أنها من الوحي، وإنكار شيء منها هو كفر، لأنها نُقلت إليهم عن الرسول بالتواتر المفيد للقطع، أما القراءات الثلاث المتممة فقد اختلف العلماء في تواترها، وإن كان تواترها هو الراجح لدى أكثرهم.
ولكل إمام من الأئمة السبعة سنده في تلقي القراءة الذي يصل إلى الصحابي الذي أخذ القراءة مباشرة من النبي، وعدد الصحابة الذين دارت عليهم أسانيد القراءات العشر هم ثمانية أخذوا القراءة من النبي دون واسطة، وهم: عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، أبي بن كعب، عبد الله بن مسعود، زيد بن ثابت، أبو موسى الأشعري، أبو الدرداء، وعمر بن الخطاب. (انظر كتاب جمع القرآن في مراحله التاريخية 32)

وكان الإمام في القراءة يختار قراءة له من بين القراءات المختلفة لموضع معين من آية معينة، وبذلك يصبح للإمام قراءة مستقلة هى عبارة عن اختياراته، فجميع ما ورد في قراءته من أحرف هو مقروء من أئمة آخرين ووارد بأسانيد أخرى، فالقراءة تُنسب للإمام لأنه اختارها واشتهر بها وعُرف بإتقانها.
وليس من اللازم أن يكون لإمام اختيار واحد فقط، ولذلك تحصل اختلافات بين الرواة الذين يروون القراءة عن إمام واحد لأنه علم كل راو قراءته باختيارات مختلفة.
وليست كل قراءة تُنسب إلى أحد الأئمة العشرة هى قراءة صحيحة، فقد وُجدت أحرف شاذة لكل إمام ورُفضت، فهؤلاء الأئمة لشهرتهم وكثرة الصحيح في قراءاتهم تم اختيارهم على غيرهم. (انظر النشر 1/19)
أما الضابط الذي يميز من خلاله العلماء القراءة الصحيحة عن الشاذة فهو:
((كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم)) اهـ (النشر1/19)

ولذلك تُرفض عدد من قراءات الصحابة الصحيحة السند، مثل ما ثبت في الصحيحين أن ابن مسعود وأبا الدرداء كانا يقرآن (والذكر والأنثى) بدلاً من (وما خلق الذكر والأنثى) الليل/3،(صحيح البخاري رقم4943 ) فهذه قراءة انطبق عليها الشرط الأول موافقة اللغة العربية، وانطبق عليها الشرط الثالث صحة السند، ولكنها خالفت الشرط الثاني وهو موافقة رسم المصاحف العثمانية، لأن رسم الآية في جميع المصاحف كان – بإزالة النقط والهمز- (وما خلق الذكر والأنثى).

تُصنَّف اختلافات القراءات إلى قسمين: الأصول، وفرش الحروف.
((يُقصد بالأصول: القواعد المطردة التي تنطبق على كل جزئيات القاعدة، والتي يكثر دورها ويتحد حكمها. مثالها: الاستعاذة، البسملة، الإدغام الكبير، هاء الكناية، المد والقصر، الهمزتين من كلمة ومن كلمتين، الإمالة، إلخ.
الفرش ( الكلمات الفرشية): هي الكلمات التي يقل دورها وتكرارها، ولا يتحد حكمها. وتسمى أيضاً: الفروع.))
اهـ (مدخل إلى علم القراءات ص26 بتصرف)

((ويقصدون بالخلاف الأصولي ما كان من جهة قواعد الأداء كقاعدة قالون في ضم الميمات وقاعدة، ورش في البدل، وقاعدة ابن كثير في قصر الممدود وغير ذلك.
فالخلاف الأصولي تضبطه قواعد مطردة، تتكرر في القرآن الكريم في كل موطن تحققت فيه شرائط الراوي لإعمال القاعدة.
وأما الخلاف الفرشي فهو ما جاء على غير مثال، لا تضبطه قاعدة مطردة، وإنما يعرف بالسماع لكل موضع بمفرده، ومحله رسم القرآن الكريم، حيث يكون للكلمة ذاتها أكثر من وجه في الأداء، ورد بالتواتر ويحتمله الرسم القرآني ويوافق وجهاً من وجوه العربية.))
اهـ (القراءات المتواترة لمحمد حبش ص94 نسخة إلكترونية)
قلت: وكمثال على الأصول، يقرأ ورش بحذف الهمزة في أول الكلمة ونقل حركتها إلى ما قبلها إذا كان لام التعريف أو حرفاً ساكناً من آخر الكلمة السابقة. استمع إلى سورة الزلزلة بقراءة ورش ولاحظ كيف يقرأ "الأرض" ، "الإنسان"، و "ليُروا أعمالهم". واستمع أيضاً إلى سورة القدر ولاحظ "من ألف": إضغط هنا إضغط هنا

وكمثال آخر: بعض القراء يقرأ بعض الألفات بالإمالة إلى الكسر ، وتجده في كلمة "أدراك" في سورة القدر السابقة.
وقد قرأ حفص بالإمالة في موضع واحد فقط هو هود/41 {بسم الله مجريها ومرساها} ، وفي أحد الوجوه الواردة عن حمزة فإنه يسكت على لام التعريف قبل الهمز، استمع إلى سورة الزلزلة بقراءة حمزة.

والإمالة، مثلها مثل معظم الأصول، لها تفاصيل واستثناءات كثيرة لا مجال لذكرها في هذه العجالة، إن أردت مزيداً من التفاصيل راجع كتاب القراءات المتواترة لمحمد حبش.

فما سبق كان من الأصول، فهى قواعد تنطبق على جميع أجزائها الواردة في القرآن، أما فرش الحروف فمثاله البقرة/74 {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} {يَعْمَلُونَ} ابن كثير. فهذا تحول من الخطاب إلى الغيب، وجاء مثله كذلك في مواضع أخرى كثيرة من القرآن ولكن بشكل عشوائي لا تنطبق عليه أي قاعدة، ولذلك سميت مثل هذه الاختلافات بفرش الحروف، فهى مفروشة لا قاعدة ولا ضابط لها، وعدد القراءات المختلفة في فرش الحروف تصل إلى نحو ألفين.

الفقرة التالية نقلتها بتصرف من مقاطع من هذا البحث في موقع الشيخ محمد الأمين المتخصص في القراءات
((إلى عصر الإمام ابن مجاهد الملقب بـ ( مُسبّع السبعة ) والذي ألف كتابه سنة 300 هـ كانت القراءات السبع يقرأ بها في الأمصار، فكان الغالب على أهل المدينة قراءة نافع، وعلى أهل مكة قراءة ابن كثير، وعلى أهل الشام قراءة ابن عامر، وعلى أهل البصرة قراءة أبي عمرو ويعقوب، وعلى أهل الكوفة قراءة حمزة، أما مصر فكانت على قراءة ورش عن نافع، ومنها انتشرت إلى أنحاء إفريقيا. بعد ذلك بعدة قرون، بدأ يُكتب الانتشار لقراءة أبي عمرو البصري شيئاً فشيئاً حتى غلبت على أهل العراق والحجاز واليمن والشام ومصر والسودان وشرق إفريقيا إلى القرن العاشر الهجري.وفي فترة ما من الحكم العثماني الذي ابتدأ عام 1516م، بدأت تنتشر قراءة حفص عن عاصم المفضلة عند الأتراك، وبدأت الدولة العثمانية تبسط سلطانها على معظم أرجاء العالم الإسلامي، فصارت ترسل أئمة وقضاة ومقرئين أتراك إلى أرجاء العالم العربي فانتشرت رواية حفص عن طريقهم وكذلك عن طريق المصاحف التي تنسخها الدولة العثمانية برواية حفص.
يقول الشيخ عبد الرشيد الصوفي (الصومالي الأصل القطري المنزل): ((رواية حفص عن عاصم لم يكتب لها الانتشار والذيوع في المشرق الإسلامي سوى في المئتي سنة الأخيرة، حيث كان أهل المشرق من مصر والشام والعراق والحجاز والجزيرة العربية واليمن والسودان وغيرها لا يعرفون ولا يقرؤون إلا بقراءة أبي عمرو البصري براوييه الدوري أو السوسي، بدليل أن معظم من ألف في علم التفسير كان النص القرآني في تفسيره بقراءة أبي عمرو البصري، مثل تفسير الجلالين. وأنا لديّ مصحف مخطوط في مصر قبل نحو 250 سنة يقول كاتبه في المقدمة: "وقد خُط هذا المصحف على ما يوافق قراءة أبي عمرو البصري، لأن أهل مصر لا يعرفون سواها ولا يقرؤون إلا بها" انتهى. ويقول عن سبب انتشار رواية حفص: عندما بدأت المطابع في زمن الخلافة العثمانية وأرادوا أن يطبعوا المصحف بالآلة الطابعة التي كانت بدائية جدا في ذلك الزمان، بحثوا عن أقرب الروايات تقاربا في اللفظ والكتابة، فوجدوا رواية حفص عن عاصم هي الأقرب للمطلوب. فاستقر رأيهم على أن تكون رواية حفص هي المعتمدة في الطباعة، حيث لا توجد فيها إمالات أو حروف مسهلة. ولذلك فإن البلاد التي ابتعدت عن السلطة العثمانية في هذا الزمن، ظلت على قراءة أبي عمرو مثل أهل السودان واليمن والصومال وغيرها، حتى أنهم لما كانت تأتيهم المصاحف برواية حفص كانوا يذهبون بها إلى المطوع ليصحح لهم ظنا منهم أن بها أخطاء.))
اهـ

وبعد الحكم العثماني، انحسرت القراءات الأخرى إلى درجة الانقراض في كثير من البلدان وذلك بفضل الكميات الهائلة التي طُبع بها مصحف المدينة المنورة برواية حفص وتوزيعها في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
وهكذا كُتب لقراءة حفص الذيوع والانتشار في العالم الإسلامي اليوم، بحيث لا يشذ عن ذلك إلا أهل المغرب العربي وخاصة المغرب وموريتانيا حيث القراءة عندهم برواية ورش عن نافع إلى يومنا هذا.

ما هى مصادر القراءات اليوم؟
جاء في مقدمة البسط ص71 بتصرف ((فالقراءات التي يصح أن يُقرأ بها اليوم هى ما وصل إلى عصرنا بالتواتر والاستفاضة وذلك محصور في ثلاثة كتب لا غير هى:
1- منظومة ((حرز الأماني ووجه التهاني)) في القراءات السبع، المعروفة بـ((الشاطبية)) للإمام الشاطبي (ت590هـ) ، وقد نظم فيها شعراً كتاب (التيسير في القراءات السبع) للإمام أبي عمرو الداني (ت44هـ).
2- منظومة (الدرة المضيّة في القراءات الثلاث المرضيّة) لابن الجزري (ت833هـ)، وقد نظم فيها شعراً قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف.
3- كتاب (النشر في القراءات العشر) لابن الجزري، وقد اعتمد في تأليفه على بضع وستين كتاباً من كتب القراءات قرأها على شيوخه.))
اهـ

وهناك عملان حديثان يعرضان القراءات بالشكل الأفضل والأسهل، الأول هو مصحف برواية حفص يتم فيه ذكر القراءات المختلفة عند كل موضع، بإمكانك تحميله من هذا الرابط إضغط هنا
والعمل الثاني هو "المبسط في القراءات العشر"، وهو مثل السابق ولكن يتميز برسم القراءات بدلاً من الوصف، ويشرح بشكل مختصر القراءات التي تحتاج إلى بيان لوجوهها ومعانيها. للتحميل: إضغط هنا

انتهت المقدمة



الفصل الاول
الفصل الثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع