الاساطير المؤسسة للاصولية
الدينية
الحلقة السادسة
صحيح
الدين
المشهد الثاني : ما لدي الآن هو مشهد في
مسرحية من الكوميديا السوداء ..
ابتليت مصر في السبعينات بالتنظيمات
الإسلامية المتطرفة التي توطنت في صعيد مصر
مستغلة دعم السادات و نظامه لها ، متناغمة مع
فقر مدقع و متناسلة من بؤس مكين . كان هناك
العديد من هذه التنظيمات التي تكاثرت مثل
الخلايا السرطانية ، و لكن أخطرها كان
تنظيمي الجماعة الإسلامية و الجهاد . كانت
الجماعة الإسلامية هو اسم التنظيم التصادمي
الذي تزعمه كرم محمد زهدي سليمان ،وهو شاب –
وقتها -من مواليد 1953حاصل على بكالوريوس معهد
التعاون بأسيوط ،و متزوج من شقيقة زوجة
الشيخ عمر عبد الرحمن المسجون حاليا في
الولايات المتحدة على خلفية فتاوى الإرهاب
،وقد التفت الجماعة حول عمر عبد الرحمن الذي
أفتى لها بتكفير السادات و أن حكم الإسلام
فيه هو القتل ، و اتصلت الجماعة بمكفر آخر هو
شهيدهم محمد عبد السلام صاحب كتيب ( الفريضة
الغائبة ) ، و نعرف جميعا كيف اغتالت هذه
الجماعة السادات ودخلت في حرب أهلية ضد
الدولة ،و بالطبع انتصرت الدولة و قضت على
الجماعة ، فقبضت على الصف الأول و الصف
الثاني من قيادتها كما منعت اتصالاتها
بالخارج و نجحت في إيقاف تمويلها بالتنسيق
مع الحكومة السعودية . هنا أفاقت الجماعة و
قامت قيادتها في السجون بما يسمى بمبادرة
تاريخية لإيقاف العنف ، أصدرت الجماعة أربع
كتب مزدانة بمجموعة من الفتاوى من ماركة (
صحيح الدين ) و المضادة لجرائمهم السابقة
أدانت فيها الجماعة في تلك الكتب كل
تصرفاتها السابقة !.فلماذا لا نتابع تلك
الفتاوى التي استحلوا بها دم السادات و قتال
المجتمع و تخريب الاقتصاد ،و أيضا الفتاوى
المضادة التي يقولون لنا فيها :" sorry يا
جماعة كنا مخطئين و سندخل السادات الجنة ،و
سنجعله كمان شهيدا إن شالله ما حد حوش "!.هكذا
يستخفون بنا و بعقولنا ولو رفضنا أن نكون
بلهاء و ننصاع لتلك الترهات صرنا نحن
المتطرفين أليست تلك قسمة ظالمة ؟.
استند الشيخ الضرير عمر عبد الرحمن في
تكفيره للسادات على آيات في القرآن فسرها
وفقا لأهوائه بعد أن عزلها عن سياقها
التاريخي (أسباب التنزيل) ، وهذه الآيات هي
آيات الحاكمية الثلاث في سورة المائدة أرقام
44-45-47 . و سوف أثبتها كاملة كما شرحت أخطرها في
نهاية الآية نفسها و هي الآية 44 و كلها أسفل
هذه المداخلة حتى لا أعترض استطراد الموضوع
، هذه الآيات نزلت في اليهود و النصارى رغم
هذا أفتى عمر عبد الرحمن بقتل الحاكم و لم
يبق سوى أن ينفذ صحيح الدين أولئك الشباب
الذين وصفوا أنفسهم في كتابهم (حرمة الغلو في
الدين و تكفير المسلمين ) بأنهم " فساد
فكرهم ، وفساد الفكر أخطر من كل شيء " و "
أنصاف المتعلمين و أنصاف الجهال " .
سوف نعبر السنوات المؤلمة الطويلة التي صبغ
فيها هؤلاء الجهلة السفهاء وجه مصر بالدماء
و أهانوا فيها – وما زالوا – عقولنا ، حتى
يمر 20 عاما ، ثم نسمع هذه الفتوى الجديدة
التي تعبر عن ( صحيح الإسلام ) أيضا من حمدي
عبد الرحمن فقيه الجماعة الإسلامية نفسها و
مفتيها و عضو مجلس شورى الجماعة، و التي أفتى
بها بعد الإفراج عنه ، و ليس في السجن حتى لا
يدفع أحد بأنها مجرد تقية (الكذب و التدليس
المتأسلم ) !.هذه الفتوى وردت في كتاب مكرم
محمد أحمد ( مؤامرة أم مراجعة ) الصادر عن دار
الشروق – القاهرة – رقم 977-09-0853-3 . ط 2 عام 2002 ،
ص 121 .
: "إن الخروج على الحاكم في جميع العصور
تسبب في مفاسد جمة عادت على الأمة الإسلامية
، ليس فقط في حادث الرئيس السادات ولكن قبل
ذلك في كل حوادث الخروج السابقة مثل خروج
سيدنا الحسين بن علي على يزيد بن معاوية
،وخروج ابن الأشعث و عبد الله بن الزبير ،
فكل أنواع الخروج على الحاكم بما في ذلك
الخروج على السادات أدت إلى مفاسد كثيرة و
كبيرة و فتن و أدت إلى تمزيق الأمة ، و
بالتالي فهو محرم شرعا ، لذلك في جزء كبير من
لبحث ركزنا على هذه النقطة ،و أكدنا على
خطورة الخروج على الحاكم شرعا ،و لدينا أدلة
كبيرة على ذلك .
أولا : التجربة أكدت أن كل خروج من المسلمين
على الحاكم كانت له مفاسد مثل خروج الحسين
على يزيد بن معاوية ، رغم أن الحسين كان
الأولى بالخلافة لكنه تسبب في مفاسد كثيرة ..
الثاني : أن كل الأدلة الشرعية تمنع الخروج
على الحاكم ومنها حديث الرسول عليه الصلاة و
السلام الذي يأمر بالسمع و الطاعة للحكام
إلا إذا رأينا من الحاكم كفرا بواحا أي صريحا
وواضحا تتفق عليه كل الأمة بعلمائها ، وهذه
هي الحالة الوحيدة التي يسمح فيها بالخروج
على الحاكم ، وحتى في هذه الحالة لا يسمح
فيها بالخروج إلا بعد دراسة المفاسد و
المصالح التي ستتسبب في الخروج على الحاكم ،
فإذا كانت المفاسد التي ستتحقق أكثر فلا
يسمح بالخروج على الحاكم في هذه الحالة ،
لذلك أمرنا الرسول – عليه الصلاة و السلام –
بالصبر على الأمراء و عن ظلموا ( و إن جلد
ظهرك و أخذ مالك ) ، وقبل ذلك يأتي الدليل
الشرعي الثالث وهو قوله تعالى (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ
وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي
الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي
شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ
وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ
بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (النساء 59) )
" .و عندما سئلوا عن موقف ضحاياهم من
المصريين بما في ذلك السادات أفتوا أنهم
شهداء ، و أنهم سوف يدفعون دية القتل الخطأ
إلى ذوي الضحايا عندما يفتح الله عليهم ، و
لم ينسوا أن يذكروا أن قتلاهم هم أيضا شهداء..
محتار أضحك أم أبكي أم أوصفها لكل إسلامي
جهادي .. (اقتل كما تريد و اقبض بالدولار و
الريال و غيرها ، وعندما تتوب فعط القتلى صك
الشهادة ) ، ومن يجد البلهاء الذي يقبلون هذا
الهراء و يرددونه و يبررونه بالاجتهاد
المصيب ثم بصحيح الإسلام ويجعلونها سابقة
فقهية كما فعل سي الغنوشي ثم لا يدوس هذه
الأمة بالحذاء و يركبهم كالإيماء كما يفعلون
بنا فلن يغفر له !.هل رفضنا هذا المشهد الوقح
الذليل نكون متطرفين ..هل أصبح العقل فضيلة
مهجورة ؟.
نعم هكذا و بسهولة و خفة البلهاء و سخافتهم ،
يتحول الكافر الواجب قتله إعمالا لنصوص
مقدسة حاكما يحق له أن يسلب المال و يلهب
الظهور دون أن نخرج عليه أيضا إعمالا لنصوص
مقدسة و صحيح الدين !. هذا هو يا سادة هو معلوم
الدين الذي يدعوننا إليه و يكفرون منكره ،
الشيء و نقيضه باسم الله و صحيح دينه !.
لم تكتف الجماعة الإسلامية أكبر جماعات
الإسلام السياسي في مصر بالنكوص عن كل
الدعائم التي استندت إليها في جرائمها تجاه
الإنسانية و التي امتدت حوالي 15عاما ،
ولكنها أصدرت 4 كتب تسفه فيها كل دعاويها
السابقة و أيضا على أساس صحيح الإسلام و لكن
بعد تعديل هذا الصحيح الغائب ، هذه الكتب هي (
تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء
)و ( حرمة الغلو في الدين و تكفير المسلمين )و (
الفتح و التبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين )
و ( مبادرة وقف العنف ، رؤية واقعية و نظرة
شرعية ) وكلها تنسف دعوى الجهاد و التكفير
نسفا ،و قد أعود إليها جميعا ولكن ما يعنيني
هنا فقط صحيح الدين في اغتيال السادات كما
أصبح يراه قاتلوه !!.
في كتاب ( حرمة الغلو في الدين و تكفير
المسلمين ) تقول الجماعة الإرهابية التائبة
– غير المتطرفة !- في قراءة جديدة (وَمَنْ
لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ
فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) .. معتذرين
عن عدم تطبيق الحاكم لهذا الشرع الذي كانوا
يرونه كفرا بواحا واجب القتل بأنه مجرد
الكفر الأصغر يا ولداه :" أما الكفر الأصغر
الذي لا يعدوا أن يكون معصية لا تخرج صاحبها
من الإيمان ، فربما يقع إذا وجدت ظروف ضاغطة
تمنع الحاكم من تطبيق بعض قواعد الشريعة
حفاظا على وحدة الأمة ، أو مسايرة لروح العصر
مثل الامتناع عن قطع يد السارق لأن قيم العصر
لا تجيز ذلك ، أو بسبب وجود أعذار تمنع
الحاكم من تطبيق هذه الشرائع " . حسنا
وماذا عن الكفر الأكبر؟ يقول الكتاب لا فض
فوه :" وفي كل الأحوال فإن من يقع في الكفر
الأكبر الذي يخرج صاحبه من الإيمان سواء كان
حاكما أو محكوما لا يصح تكفيره إلا بعد إقامة
الحجة عليه و التي يتم بمقتضاها التأكد من
ثبوت شروط الكفر و انتفاء موانعه ،وهو أمر
يختص به أهل العلم و الشرع من الثقاة موضع
إجماع المسلمين و ليس أنصاف الجهال و أنصاف
المتعلمين " . انتهى الاقتباس .
و انتهي المشهد .. المؤلم الحزين .. وقد أقول
أنه لم ينته تماما .
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا
هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا
النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا
لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ
وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ
كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ
شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ
وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي
ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ
بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْكَافِرُونَ . ( المائدة 44 )
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ
النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ
بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ
وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ
بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن
تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ
وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا
أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم
بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْفَاسِقُونَ (47)
ولو تناولنا الآية الأولى تحديدا فسنجد أنها
موجهة إلى بني إسرائيل كما هو واضح من شرح
الجلالين .
تفسير الآية 44 من المائدة كما جاء بالجلالين
.
"إنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاة فِيهَا
هُدًى" مِنْ الضَّلَالَة "وَنُور"
بَيَان لِلْأَحْكَامِ "يَحْكُم بِهَا
النَّبِيُّونَ" مِنْ بَنِي إسْرَائِيل
"الَّذِينَ أَسْلَمُوا" انْقَادُوا
لِلَّهِ "لِلَّذِينَ هَادُوا
والرَّبَّانِيُّون" الْعُلَمَاء مِنْهُ
"وَالْأَحْبَار" الْفُقَهَاء "بِمَا"
أَيْ بِسَبَبِ الَّذِي "اُسْتُحْفِظُوا"
اُسْتُوْدِعُوهُ أَيْ اسْتَحْفَظَهُمْ
اللَّه إيَّاهُ "مِنْ كِتَاب اللَّه"
أَنْ يُبَدِّلُوهُ "وَكَانُوا عَلَيْهِ
شُهَدَاء" أَنَّهُ حَقّ "فَلَا
تَخْشَوْا النَّاس" أَيّهَا الْيَهُود
فِي إظْهَار مَا عِنْدكُمْ مِنْ نَعْت
مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَالرَّجْم وَغَيْرهَا "وَاخْشَوْنِي"
فِي كِتْمَانه "وَلَا تَشْتَرُوا"
تَسْتَبْدِلُوا "بِآيَاتِي ثَمَنًا
قَلِيلًا" مِنْ الدُّنْيَا
تَأْخُذُونَهُ عَلَى كِتْمَانهَا "وَمَنْ
لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه
فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ" بِهِ.
عندما أقرأ
آراء المنافحين عن تطبيق الحدود
أشعر أنهم يتخبطون ،و أعجب في
نفس الوقت من افتقادهم المعيب
القدرة على الحوار الموضوعي
بينما لا يكفون عن اللهجة
الإستعلائية ، و أفضل عليهم
كثيرا أولئك البسطاء الذين
يعترفون بعجزهم ، و يسمون الحوار
مجادلة ، و يقولون لنا :" دا
شرع ربوونا ،و أنتم عايزين إيه
يا كفرة يا ضلالية !) ، رغم أنني
لا أرى في النهاية فارق حقيقي
بين الطائفتين .
و لنستعرض بعضها متجاوزين ما سبق
تعرضت له .
1- يرى المجدد الكبير ( محمد علي
الصابوني – أستاذ بكلية الشريعة
و الدراسات الإسلامية بمكة ) أن
من لا يوافق على تطبيق العقوبات
الجسدية عدو للإنسانية ، لماذا ؟.
و أرجو عدم السخرية أو الضحك
فالرجل جاد كل الجدية ،وهو ليس
بالقطع خلبوص ساخر من الشريعة أو
مهرج في سيرك ، بل فقيه جليل يرى
الأصوليون لآرائه كغيره من
الفقهاء حجية تشريعية، السبب يا
سادة كما يراه هذا الفقيه هو ..لأن
تشريع جز الرؤوس و قطع الأطراف و
فقأ العين بسبب أن تلك الأعضاء
في جسد الجاني حل بها الفساد و
انتشر بها المرض فبات قطافها
وقاية للجسد من انتقال العدوى
إليه ، و بهذا تكون الرحمة
الإنسانية هي البتر ليسلم سائر
البدن من شرور اليد المقطوعة !.(
المصدر – روائع البيان في تفسير
آيات الإحكام – مكتبة الغزالي –
دمشق ).. هكذا يلقمون العلمانيين
حجرا، هذا الفقي يخشى أن يتسرب
مرض السرقة من اليد إلى البطن و
القدم و اللسان فيسرقون كما سرقت
اليد الآثمة !و لكنه يجهل للأسف
ما يعرفه الأطفال أن لا علاقة
بين اليد المقطوعة و السلوك
المؤدي إلى الجريمة المعاقب
عليها ، فالجريمة تمت بتدبير من
العقل لا بفساد اليد ،ولو صح هذا
التخريج المضحك المبكي المخجل
لكان قطع الذكر عقوبة للزنا و
قطع اللسان عقوبة للقذف !.هذا
الرجل ليس حالة خاصة و لم يذهب به
أحد لمستشفى المجانين ،و لكنه
نموذج لمن ( لا يجهل معلوما من
الدين بالضرورة ) .
2- هناك من يثير أن الإسلام كان
أكثر تسامحا من المسيحية أو
اليهودية ، أو أن هناك قوانين
عنصرية شهدها العالم الغربي في
ألمانيا النازية أو ما زال
يشهدها في إسرائيل على سبيل
المثال، و لن أعترض على ذلك بل
أدعمه ،و لكني أريد أن أكون
قاطعا وواضحا فأقول أن القانون
الوضعي العادل ( العدل نسبي
بالطبيعة ) كما هو مطبق في معظم
الأمم الأوروبية المعاصرة مثلا
أكثر عدلا ( و بالتالي نفعا ) من
قوانين الفقه الإسلامي ، مهما
تجرد منفذوها من الأهواء ،
فالإسلام يشترط في القصاص
المساواة بين القاتل و القتيل ،
فالحر يساويه الحر ،و العبد
يساويه العبد ،و الأنثى تساويها
الأنثى ، وفي القصاص لا يقتل
الوالد بولده ، ولا السيد بالعبد
، ولا المسلم بالذمي . و يستدل
أهل السنة على ذلك بحديث يرويه
البخاري :( لا يقتل مسلم بكافر ) ،
ويعقب أحد كبار الفقهاء (
الصابوني ) قائلا ( لا فض فوه !)
:" كيف يتساوى المؤمن مع
الكافر ، مع أن الكافر أشر عند
الله من الدابة ،و المؤمن طيب
طاهر ؟" .
3- يرى السيد الحجة الفقيه ( عبد
السميع سالم الهراوي ) في كتابه (
لغة الإدارة في صدر الإسلام –
الهيئة المصرية العامة للكتاب )
أن الهدف من العقاب في الإسلام
ليس النكال و الإيلام فحسب و
إنما معالجة الجنوح في نفس
الجاني !..فصاحب هذا الرأي لم
يشرح لنا كيف نعالج الجنوح في
نفس المجرم بقطع يده ، ولما كانت
هذه العقوبة في حد ذاتها ستدمر
نفس الصحيح ، فالمنطقي أنها
ستجعل نفس المجرم أشد جموحا و
أفدح ضررا ، بل كيف تتوقع منه أن
يكسب عيشه لو تاب فعلا ،وهو الذي
فشل في كسب عيش كريم بيديه
كلتاهما فسرق !!.
4- يرى العلامة القطري ( القرضاوي
) أنهم سيعطلون الشريعة ( تطبيق
الحدود ) حتى علاج مشكلات
المجتمع وبخاصة مشكلات الفئات
الضعيفة والمسحوقة فيه ... الخ ،و
لكن من ناحية أخرى يرون ألا علاج
لتلك المشاكل سوى بتطبيق
الشريعة ، أي أنهم سيطبقون
الشريعة أولا لحل مشاكل المجتمع
ثم بعد ذلك سيطبقونها مرة أخرى
لأن مشاكل المجتمع حلت خلاص !...لا
نحتاج لمزيكا الآن بل لأوركسترا
سيمفوني ، فالطرح يتجاوز أي
استخفاف بالعقل و يصل بنا لمرحلة
الاستح
إضافات:عطى
من لا يملك وعدا لمن لا يستحق ..بالجنة
.
(المتفقهين و رعاياهم في
الجماعات المسلحة )
أرى أنه من
الشاذ أن يطالب البعض بالتطبيق
الفوري للشريعة الإسلامية دون
أن تكون هناك شريعة إسلامية
ملائمة للعصر ، أو حتى فكر
تشريعي إسلامي واضح متفق عليه .رغم
هذا لابد أن نتوقف عند آراء بعض
الفقهاء من يقرون بقصور الفقه
الإسلامي ،و لكنهم يرون أنه من
الممكن بل الضروري تطوير
الشريعة و إخراجها من الاغتراب
،و إعادة تأهيلها للقرن ال 21 .
يعكس هذا الرأي التزاما قويا
بالدين و رغبة في الحداثة معا ،
انطلاقا من فكرة أنه لا يمكن أن
نتطور إلا بتطوير العقيدة
الإسلامية ذاتها حيث أنها
المكون الثقافي الأعمق في تكوين
الأمة الإسلامية / العربية . و
هذا يدفعني مباشرة لصياغة
السؤال المحوري التالي :" هل
يمكن عمليا تحديث الفقه
الإسلامي ،وهل يمكن أن يكون ذلك
بتناول موضوعاته من خلال رؤية
عصرية خارج مرجعية النص ؟" .
و لمزيد من الوضوح هل يمكن
الاعتماد على المبادئ العامة
المتعارف عليها ( لتحصيل المصالح
و دفع المفاسد ) أو - نظرية
النفعية العامة كما يذهب الفكر
الفلسفي- في تطوير الفقه
الإسلامي حتى ولو لم ترتبط تلك
المبادئ بوحي أو تعتمد على تشريع
سابق ؟. أم أن هذا الهدف يستحيل
تحقيقه ،و يصبح من المحتم علينا
إما الرضوخ للفقه الإسلامي
التقليدي و الاصطدام بالعالم و
التخاصم مع العصر ، أو فصل
التشريع القانوني عن الفقه
الإسلامي كلية ؟ .
أؤكد أنه يجب تناول الموضوع
بأعلى قدر من المسؤولية ففي
الإجابة على هذا السؤال تحديدا
يتخبط الفكر التشريعي الإسلامي
المعاصر و يضطرب اضطرابا شديدا،
وفيه أيضا تتصارع العواطف و
الأفكار و يحسم المستقبل .
من الجدير بالملاحظة أن التشريع
الإسلامي يقر بأن التغيير ناموس
طبيعي ،و أن التشريع لابد أن
يلاحق هذا التغيير ، و لكنه يغفل
أن يكون لهذا التغيير وجود بعد
وفاة النبي ، و يزعم الفقهاء أن
الله قد أجرى كل التغييرات خلال
23 سنة هي عمر الرسالة ، فخلال تلك
الفترة جرى نسخ الأحكام و
تبديلها على الدوام بما يلائم
المستجدات ،و يزعمون أنه في
الخاتمة بلغت البشرية نهاية
المستجدات ،و لا حاجة بعد ذلك
إلى تشريع جديد ، و أن الشريعة
صالحة لكل زمان و مكان و ملائمة
لأي حالة من حالات الإنسان . وهم
بهذا يرون أن المستجدات خلال تلك
ال 23 سنة احتاجت كل هذا النسخ و
التبديل بينما لا حاجة لأي تشريع
جديد بعد ذلك ، ولكننا نجد على
النقيض من ذلك أن كل المستجدات
خلال تلك ال 23 عام لا تعادل 1/
مليون من المستجدات بعد الرسالة
إلى اليوم !.
استقرت عقيدة الفقهاء على أن
النص الديني قراءنا كان أو سنة
هو ((إفصاح من الخالق عن مراده
لهذا العالم ،وما يبتغيه منه ))
،وهكذا واجههم السؤال الحتمي :
كيف يتناقض هذا العالم مع النص
الذي هو المعبر عن رغبة الله و
إرادته دون أن يكون هذا العالم
فاسدا ؟.إن الإجابة المنطقية
كانت أنه لابد من تغيير العالم
ليلائم ما يريده الله في شرعه ،
ولم يكن ذلك أقل من محاولة صنع
إنسان على قدر الرداء ، و صياغة
واقع على قدر النص . ولأن هذا
محال فإن الواقع الجديد ألح دوما
على التشريع إلحاحا ، فلم يجد
التشريع الإسلامي - و في ظل مفهوم
عقائدي للتشريع - سوى أن يلجا إلى
التأويل المتعسف ، ووضع قيود
التطبيق ، ثم الاجتهاد بإيجاد
رابطة افتراضية بين الحدث
المستجد و حدث تراثي نظير له يقع
تحت مظلة التشريع ، ومن ثم
القياس عليه عبورا إلى مرحلة
الاستحسان أو المصلحة و الإجماع
،وغيرها من مصادر التشريع
المقبولة فقهيا !.
أدت هذه الرؤية القاصرة إلى
انفصال الفقه عن الواقع ،و ذلك
بالطبع لم يأت بغتة ،و لكنه نتاج
تراكمات طويلة كان خلالها النص
جامد بقدسية مرجعيته ، و الواقع
متغير دائما بقانون تطوره ،و ذلك
هو جوهر المشكلة التي ألزم
المسلمون بها أنفسهم لزوما لما
لا يلزم ، كيف للفقه القائم على
الثبات أن يواجه الواقع بالتحدي
لطبيعته دائمة التغير؟ ، وفقا
لهذا الطرح فالبدائل محدودة ،
فإما أن ينصاع الواقع لجمود
الفقه و نسقه ليدخل حظيرة الشرع
وهذا عين المحال ، أو يظل الواقع
على تمرده فتوصد دونه أبواب
الإرادة الإلهية ليدلف مباشرة
إلى حظيرة الشرك من باب الضلال.
يفرز هذا العصر واقعا مشفرا
بالرموز الرياضية ، ويطرح تحديا
غير مسبوق على الفقه الجزائي
الإسلامي ،فهناك سيل من الوقائع
التي لم يرد في شأنها نص من قرآن
أو سنة ،و لم تخطر ببال الفقهاء ،
وأصبح مطلوبا الآن استحداث
أحكاما لها . إن الإنسان لم يعد
مهددا بسرقة رحله بل العبث
بشفرته الوراثية ليصبح قردا ،و
لم تعد المرأة في حاجة لرجل كي
تنجب ، فهي تستنسخ لو شاءت أو عند
الضرورة لو أبت ، و الأرحام صارت
تؤجر بالدولارات ، و الفقراء
يباعون بالتجزئة كقطع غيار ،
هناك اليوم من يسرقون البنوك و
ينشرون الأوبئة و الغازات
القاتلة و النظائر المشعة ، هناك
حكام يسرقون أعمار شعوبهم ، هناك
قضايا من عينة الاستنساخ ، و
الأغذية المعدلة وراثيا و
الإجهاض ، هذا العالم لن يسمع
منا لو سألناه التوقف عن التغير
لأننا قفلنا باب الاجتهاد منذ 1100
عام . بالرغم من صعوبة التحدي
،فالأمر ليس مرسلا بلا قيود
،فهناك اتفاق غير مكتوب بين
الفقهاء أن تعتمد الأحكام على
مبادئ و أصول أرشدت إليها
الشريعة ،و ألا تناقض نصا أو
دليلا من الأدلة التفصيلية (
السياسة الشرعية و الفقه
الإسلامي – عبد الرحمن تاج )
،ولا يخرج عن هذا الرأي سوى عدد
نادر من المجتهدين الثوريين أو
ما يمكن أن نطلق عليهم المعتزلة
الجدد ،وهم لا يشكلون تيارا
فعالا على الساحة الإسلامية
،ولا تدعمهم أي هيئة دينية أو
سلطة رسمية أو جماهيرية كاسحة .
هذا الرأي السابق كما هو واضح
أملاه الخوف من الغرق في بحر
الأفكار القانونية الوضعية ، و
لكنه بالقطع يكبل الاجتهاد
تكبيلا و لا يعدو أن يكون
التفافا حول القضية ، فهذه
السياسة الشرعية بقيودها تلك لا
تخرج عن الفقه المعروف سواء في
المنهج أو الأسس ، وهي بالتالي
تبحث عن الإجابة في أصل بات
عاجزا عن احتواء عصر جديد لا
يعرف عنه شيئا . إن الاجتهاد
الفقهي يبحث دائما عن حل خلال
النص ذاته ، و سبيله في هذا إعادة
قراءة النص ، ومحاولة استنطاقه
لاستيلاد دلالات جديدة ، حتى في
حالة الغياب الكامل للرابطة بين
الواقعة و النص المقاس عليه .أي
أنه يقرأ الواقع خلال النص ،
بينما المطلوب هو نص يقرأ الواقع
.
و كما رأينا فالتطور أصبح ملحا
،و لكن التطور الوحيد الذي يمكن
أن يقبله الفقهاء إسلاميا يصرون
أن يكون من خلال نص ، غافلين أن
هذا النص لو كان صالحا ما كانت
هناك حاجة أصلا لتطويره . إن
التطوير الفعال الوحيد هو
التطوير من خارج النص بالاعتماد
على المبادئ العامة المتعارف
عليها ( لتحصيل المصالح و دفع
المفاسد ) .، و لكن ذلك لم يدر
بخلد الفقهاء لأنه يعني أن تكون
المرجعية هي القيم و المبادئ
المنتجة في العالم الخارجي
المدان فقهيا ، وذلك شيء يستحيل
تصوره لمن ينظر إلى النص الديني
من خلال الشاخص وراءه ( الله –
الرسول ) و ليس من خلال تاريخيته
، و أولئك الرافضين لمرجعية
خارجية ذات جذور علمانية هم (
جمهور الفقهاء ) ، و هؤلاء كما
نعلم و بحكم ثقافتهم (( يفكرون
بالنص ولا يفكرون في النص ! )) كما
يقول المفكر الأستاذ رشاد سلام .
إن من يتحدثون عن تحديث الفقه (
فقه المستجدات ) ، يبنون
اجتهاداتهم على نفس القواعد
القديمة بالاعتماد على علوم
التفسير و السنة و اللغة ،
منصرفين تماما عن الأسس العلمية
للقانون ( وضع قواعد النظرية –
صياغة القواعد القانونية ) ،و
بهذا يفارقون الروح العلمية
التي هي من مقتضيات بناء منظومة
تشريعية قابلة للتكيف و النمو .بهذا
أرى أن عملية تطوير الفقه
الإسلامي التي يعتقد البعض أنها
ممكنة لن تكون أبدا مثمرة ، و
أنها جهد ضائع .
أرى أن المتشددين الذين يرفضون
تجميل الإسلام بما ليس فيه أكثر
مصداقية ممن يجملونه بما يناقضه
مع حسن نواياهم ،فإن فكرة مثل
قطع اليد بمعنى منع السبب في
السرقة عن طريق توفير لقمة العيش
للفقراء ،وهي التي ذهب إليها
الفقيه الدستوري عبد العزيز
فهمي باشا واضع دستور 1923
الليبرالي في مصر ، أرى أنها و
نظائرها تخريج غير موفق ،
فالمسلمون في عهد النبوة و
الخلافة قطعوا الأيدي ، و فعل
العرب مثل ذلك في جاهليتهم ( قطع
الوليد بن المغيرة اليد للسرقة )
، و بالتالي فإن مثل هذه الفكرة
الطوباوية التي ذهب إليها عبد
العزيز فهمي قد تصلح كأساس لمذهب
اشتراكي و ليس لمذهب إسلامي .
من يقول أن (الله عز و جل أعطانا
الحدود العليا حتى لا نتجاوزها
.... أما ما دونها فهذا تقرره
المجتمعات كل مجتمع حسب ما
يناسبه....) هذا التخريج أوافق
عليه ، ولكن هل يوافق عليه من
يتنادون بقطع الأيدي !، إني أرى
كل الأحكام تاريخية مرتبطة
بالسبب ، و ليست مطلقة بعموم
اللفظ ،وهذا يفسر النسخ ، فالله
لا يغير رأيه ، بل يلهم النبي
بالحكم وفقا للحالة ، ولأنه لا
وحي لدينا الآن ، فقد حان أن نشرع
لعصرنا بما يلائمه . أما السادية
التي تدفعنا للبحث عن عقوبات
جسدية قبلية عنيفة لتطبيقها
باسم الله ، فتلك وحشية لا
أستطيع قبولها، ولن أقبل من
أجلها رشوة السماء . ولكنني في
جانب آخر لا أزعم أني فقيها ولا
أشرع للمسلمين ، وأما الفقهاء
الذين يشرعون لهم فيرفضون كل ما
سبق ،و لهذا لا نملك بدورنا سوى
رفض تطبيق الشريعة الإسلامية
التي يعرضونها علينا معبأة في
صندوق تغطيه الدماء