منشورات ابو النور للعصر الاسلامي
المنشور التاسع
نص
المنشور التاسع , و هو يقول :
مصطلح الحديث , اسمه [ علم السنة ] في
لغة الفقه . و هو علم لا يعترف
بمنهجية العلم , بل ينتحل لنفسه صفة القداسة ,
و يتوجه لاستنباط أحكام شرعية من أحاديث
منسوبة إلى الرسول , من دون دليل علمي واحد .
لكن الصفة الأكثر مدعاة للريبة , في منطق هذا
العلم المقدس , أنه يقوم صراحة على مخالفة
صريحة لسنة رسول الله بالذات . [/color]
فالرسول لم يكتب الحديث , و لم يطلب من أحد أن
يكتبه , و لم يقل إنه مصدر للتشريع , لا في مكة
, و لا في المدينة , و لا في السر , و لا في
العلن . و هو موقف لم يتخذه الرسول , لأنه كان
يجهل حاجة الشريعة إلى الحديث النبوي , بل
لأن رسالته نفسها , كانت موجهة لأسقاط
الأحاديث النبوية من أساسها . ان
علم السنة الذي قام على مخالفة هذه السنة , قد
قرأ رسالة النبي محمد , مقلوبة جدا , رأسا على
عقب .
ففي عصر الرسول , كان [ الحديث النبوي ]
هو نص التوراه و الأنجيل . و كان الكهنة قد
عبثوا بهذا النص طوال ألفي سنة على الأقل , و
سخروا فكرة الحديث المنقول لكي يسجلوا على
ألسنة الأنبياء أقوالا محرفة تحريفا خطيرا .
بعضها ناجم عن سوء الترجمة , مثل قول الأنجيل
ان المسيح ابن الله بدل رسول الله . و بعضها
ناجم عن سؤ النية , مثل تحريض التوراه على
إبادة[ الغرباء] , و طردهم من كل الأرض . و
عندما بعث الرسول في القرن السابع , كان هذا
النص المزور هو النص المعتمد رسميا , و كانت[
الأحاديث النبوية ] قد انحرفت بتعاليم
الدين , من شريعة لجمع شتات الناس على سنة
واحدة , إلى شريعة لتفريقهم بين السنن .
في عصر الرسول كانت كلمة [
كتاب الله ] تعني - حرفيا - كتب الحديث
النبوي في التوراه و الأنجيل , و كان هذا
الخلط الظاهر للعين المجردة غائبا كالسحر عن
جميع العيون .
فالأنجيل ليس كتابا مقدسا واحدا , بل سبعة
كتب على الأقل , سقطت منها ثلاثة بأمر من
الكنيسة , و بقيت أربعة كتب , تحمل اسماء
مؤلفيها , و تسجل سيرة السيد المسيح , في أربع
روايات مختلفة , هي انجيل متى و مرقس و لوقا و
يوحنا .
و التوراه ليست كتابا دينيا أصلا , بل سيرة
تاريخية لليهود , تتابع تاريخهم , منذ بداية
الخلق إلى عصر النبي موسى , [ الذي تلقى
ألواحا مقدسة في حوريب ] , و كلمة الألواح
المقدسة , تعني أن موسى قد تلقى كتابا سماويا
, لكن التوراه لا تثبت متن الكتاب نفسه , بل
تروي [ أحاديث نبوية ] على لسان موسى , الذي ظل
يتكلم , حتى بعد وفاته , في
استعراض أبدي لمدى قدرة الكهنة على العبث
بنصوص الدين . في ضؤ هذا الواقع ,
كانت معركة النبي محمد , محددة سلفا , ضد كتب
الحديث النبوي بالذات . و كانت هذه الكتب قد
تحصنت وراء اسم [ الكتاب المقدس ] , و صارت
علما ربانيا مقدسا , لا يتعالى عن النقد فحسب
, بل يبيح دم الناقد نفسه , و يتوعده بالخلود
في النار . إن الرسول محمدا , يرد على
الأحاديث المنحولة , بنص مكتوب , محرر من عبث
الرواة , اسمه [ كتاب الله ] , و لم يكن محض
المصادفة ان يفتتح هذا الكتاب نزوله , بقوله
تعالى في الآية الأولى من سورة العلق : [ اقرأ
باسم ربك الذي خلق ] .
فالقرآن لم يقل [ اكتب ] , بل قال : [ اقرأ
] , لأنه ليس كتابا جديدا , بل قراءة جديدة في
كتاب الله نفسه , تتوجه لتنقيح هذا النص من
شوائب الأحاديث النبوية بالذات . و لهذا
السبب , يتشابه نص القرآن مع نصوص التوراه و
انجيل لوقا , إلى حد يدعو المستشرقين إلى
القول بأنه نسخة معربة عنهما . لكن مثل هذا
الحكم السطحي , لا يتورط فيه أصلا سوى رجل يرى
الدنيا بعين التوراه , مثل أغلب المستشرقين .
فالواقع , أن القرآن لا ينقل عن التوراه و
الأنجيل , بل هو التوراه و الأنجيل , في
صياغتهما الالهية المحررة من عبث رواة
الحديث . إنه يسمي نفسه [ كتاب الله ] , لأنه
بديل عن كتب الحديث النبوي . و يسمي كلامه [
وحيا مباشرا من الله ] , لأنه بديل عن الكلام
المنقول بطرق الرواية . و في هذا النص المنقح
, استعاد الدين لغته العالمية , و تم اكتشاف
السنة الواحدة القائمة وراء جميع السنن .
بالنسبة إلى الأنجيل , أثبت القرآن
رواية لوقا في سورتي مريم و آل عمران , لكنه
أسقط بقية الأناجيل , و رفض قولها أن المسيح
ابن الله , و ندد كثيرا بالترجمة الأغريقية ,
متعمدا ضرب القاعدة التي تقوم عليها سلطة
البابوات .
بالنسبة إلى التوراه , أوجز القرآن عرض
أسفار التكوين و الخروج إلى سفر الملوك
الأول , و هو منهج مهمته اعداد هذا النص
للتصحيح في نقطتين :
الأولى : ان التوراه تسجل الأحداث
باعتبارها [ علما و تاريخا ] , و تحدد مواعيدها
في المكان و الزمان , مما ورطها في تناقض صريح
مع مسير العلم منذ عصر جاليليو . أما القرآن
فقد اختار أن يرويها باعتبارها [قصصا
] للعظة و العبرة . و نجح بذلك في تجنب
الصدام اللامجدي , بين النص المقدس , و بين
النص العلمي .
الهدف الثاني : أن التوراه تروي
هذه الأحداث , لأثبات نظرية الشعب المختار .
أما القرآن , فأنه يرويها لألغاء هذه النظرية
بالذات , و تصحيح النص الديني الذي استحدثت
منه صفة الشرعية .
. . . . خلال الثلاث و العشرين سنة
التالية و أنجز القرآن مهمته في استبدال كتب
الحديث , بكتاب منقح واحد , له نص مكتوب واحد ,
محصن ضد التحريف , و محرر من نظريات الكهنة ,
حول أصل اليهود , و طبيعة السيد المسيح . و قد
اختار الرسول أن يعلن هذه الخاتمة بنفسه , في
حجة الوداع , و اعتمدها القرآن في قوله تعالى
: [ اليوم اكملت لكم دينكم ]
( سورة المائدة 3 )
إن كلمة [
أكملت ] تفيد صراحة أن النص الشرعي قد
اكتمل في صيغة القرآن , و أنه لم يعد يحتاج
إلى اضافات , و ان كل نص , يزيد عليه أو يخالفه
, يصبح تلقائيا خارج الشريعة . لكن علم السنة
الذي نشأ بعد مائة عام من [ إكتمال
] الشريعة , عاد فاكتشف , أنها لا تزال
ناقصة , وورط نفسه في كتب الحديث النبوي مرة
أخرى , متعمدا أن يحيي منهج الرواية الشفوية
الذي جاء القفرآن أصلا لألغائه . ان هذا ((العلم
)) الطارئ , يرتكب خطأ مريبا , لا يليق بمنهج
العلم .
فكلمة [ السنة ]
لا تعني - لغويا - نص الحديث النبوي , بل تعني
نص القرآن . و هي حقيقة يسهل
اثباتها من القرآن نفسه الذي لا يدخر
وسعا , في الأعلان عن وحدة السنة بين جميع
السنن.
في سورة الأسراء :77 [ سنة
من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا , و لن تجد
لسنتنا تحويلا ]
وفي سورة الفتح 23 [ سنة
الله التي قد خلت من قبل , و لن تجد لسنة الله
تبديلا ]
و في سورة غافر 85 [ سنة
الله التي قد خلت في عباده ]
و في سورة النساء 26 [ يريد
الله ليبين لكم , و يهديكم سنن الذين من قبلكم
]
فالسنة التي يتحدث عنه
القرآن , ليست هي كتب الحديث النبوي , بل هي نص
القرآن الذي رفض فكرة الأحاديث النبوية
بالذات , و حرر الشريعة من عبودية التاريخ , و
أنهى سلطة رجال الدين , و اعتمد دستور الشرع
الجماعي , لكي يعيد القرار إلى أيدي الناس ,
في نظام اداري محصن ضد الظلم بقدر الأمكان .
هذه السنة لا تقوم على أحاديث منسوبة إلى
أحد من الأنبياء , لأنها ليست سيرة تاريخية ,
بل منهجا تطبيقيا حيا , يعيش عبر العصور , و
يخاطب أجيالا لا تحصى , في ظروف لا تحصى . و هي حقيقة
لم تغب عن علم الرسول محمد , بل غابت عن علم
السنة .
ان الرسول لم يكتب الحديث , لأنه كان يقصد
أن لا يكتبه , و كانت رسالته موجهة أساسا إلى
إلغاء كتب الحديث , و تحرير النص المقدس من
أهواء المؤسسات السياسية , و جمع الناس على
سنة نافعة واحدة . و هي رسالة ابلغها الرسول
حرفيا , و اختار حجة الوداع , لكي يسمع بشهادة
المسلمين على انفسهم , بأن البلاغ قد وصلهم
كاملا , و ان النص الشرعي قد اكتمل في صيغة
القرآن . و في ذلك الوقت , لم يكن الحديث قد
نشأ , و لم يكن ثمة حاجة شرعية إلى نشوئه في
شريعة [ اكتملت و تمت ]
بشهادة من الله و رسوله معا . ان ظهور علم
السنة , كان مجرد رد سياسي على [ سنة
الله ] بالذات .
فقبل أن يولد الأمام مالك , الذي افتتح
مسيرة الحديث , كانت شريعة الأسلام الجماعية
, قد خسرت الحرب على السلطة , و أخلت مكانها
لحكومة اقطاعية قائمة على مبدأ الحق الألهي
المقدس في الحكم . و هو مبدأ يستحيل احتواؤه
في دستور الشرع الجماعي , و يحتاج -بالضرورة-
إلى دستور خاص , في سنة جديدة , و قرآن آخر ,مما
دعا إلى احداث تحريف معلن في معنى كلمة [
السنة ] التي خسرت اسمها القرآني الصريح , فلم
تعد هي [ سنة الله ] كما سماها القرآن , بل
أصبحت هي سنة رسوله المستمدة من أحاديث
نبوية قابلة للتحريف إلى ما لا نهاية , و في
أعقاب الغارة الفقهية , كانت كلمة السنة تعني
القبول بمبدأ الحق الألهي المقدس في الحكم ,
و مبايعة يزيد بن معاوية لولاية العهد . و كان
الحديث النبوي , قد استعاد شرعيته التي خسرها
بنزول القرآن , و صار علما ربانيا مرة أخرى ,
يسميه الرواة باسم [ الحديث القدسي ] , من باب
الدقة في تقليد الكتاب المقدس . إن
المؤامرةعلى سنة القرآن , تصبح سنة نبوية
مباركة . و طوال الأربعة عشر
قرنا التالية , كانت السنة الجديدة , تحتضن
نظم الأقطاع في حكومات عائلية , تتوارث
السلطة بموجب الحق الألهي المقدس في الحكم .
و كان علماء السنة قد محوا من ذاكرة الناس أن
الرسول شخصيا , لا يعترف بمثل هذا الحق , و أنه
مات من دون أن يورث السلطة لأحد , و ان مخالفة
هذه السنة الصريحة , لا يكون اسمها (( علما
)) إلا من باب السخرية بالعلم .
أن عالم السنة الذي بايع الرسول في حجة
الوداع على نص القرآن وحده , عاد يبايع الأسر
الحاكمة على نص الحديث . و إذا لم تكن هذه
البداية الرديئة , خيانة عارية الرأس , فلا بد
من أنها خيانة تغطي رأسها بمنديل .
المنشور العاشر