نقد الفكر الديني
 
 

 

منشورات ابو النور للعصر الاسلامي

المنشور العاشر

 

 نص المنشور العاشر , و هو يقول : 


  التخلف ليس مرضا , بل مشكلة وراثية مثل قصر القامة , صفتها الأولى , أنها لا توجع أحدا  ,  و صفتها الثانية أن القصير - صاحب الشأن - هو آخر من يعلم بأنه قصير . و إذا علم ذات مرة , فإن مشكلته غير قابلة للحل أصلا , لا في جيل واحد , و لا في بضعة أجيال . إن التخلف مصير شبه أبدي , ((مكتوب )) في أصول الخلايا الأولية نفسها . 

  لهذا السبب لا يمكن  (( محاربة )) التخلف , و لا يمكن (( القضاء عليه )) , و لا يعني ترديد مثل هذه الكلمات في اللغة السياسية على طول العالم الثالث , سوى انحراف واضح - و متوقع - في فهم المشكلة من أساسها : فالتخلف ليس شيئا تقتله , بل تحييه .

  إنه إرث يعيش و يتنفس في واقع الناس , و هو دائما إرث مريض , و غير فعال , و بالغ الضرر , لكن     (( القضاء عليه )) ليس علاجا , بل جريمة قتل عادية , لأنه قضاء على الجذور الوحيدة , الحية فعلا في ثقافة الناس . و لعل رفع شعار (( محاربة التخلف )) لأول مرة في العالم الثالث , على يد رجل مثل مصطفى كمال أتاتورك , دليل في حد ذاته , على أن اختيار كلمة ((الحرب )) , مجرد تعبير خاطيء , من جندي مهزوم , (( يعاقب )) واقعه على الهزيمة , و ليست خطة مدروسة لحل مشكلة التخلف نفسها .

  فشيوع الفقر و الجهل بين أغلبية الناس , ليس سببا في تخلفهم , بل ترجمة حرفية له . أما السبب الوحيد , فهو الخلل الأداري القديم الدائم الذي تمثل منذ فجر الحضارة , في خروج الأدارة من أيدي الأغلبية , و تحويل مشروع الدولة من مشروع جماعي , إلى إقطاعية مسلحة خاصة . و منذ عصر فرعون , كان التخلف قد أصبح مصير الأغلبية في كل مكان , و في جميع الحضارات . فلم تصل نسبة التعليم مثلا إلى أكثر من شخص واحد , بين مئات الألوف , حتى في عصور , يعتبرها المؤرخون قريبة و مزدهرة , مثل عصر الباشا محمد علي . .
 أ سوأ من ذلك , تعرضت الأغلبية لحملة نفسية مروعة , قادها السحرة منذ عصر سومر , لتبرير سلطة الملك- الأله , في برنامج معقد من الخرافات و الأساطير , استهدف تخريب عقول الناس , و حرق كل جسر , يربطهم بواقعهم . و طوال سبعة آلاف سنة , من هذه الحرب السحرية , كان التخلف الجماعي هدفا ترمي الدولة إلى تحقيقه , و ليس إلى محاربته , و كانت جميع  حكومات العالم - بما في ذلك حكومات الهنود الحمر - تتبنى سياسة واحدة , موجهة رسميا , لحرمان الأغلبية من التعليم . و قد جاء في وصية ملك الأنكا : (( إن العلم لم يقصد به أن يمنح لرعاع الشعب , بل لأصحاب الدم النبيل , فالذين هم من أصل خسيس , يفقدهم العلم صوابهم , و يؤدي بهم إلى الغرور . كما لا يجوز لمثل هؤلاء , أن يتدخلوا في شؤون الدولة , لأن تدخلهم , يسيء إلى جلالة المناصب العليا , و يلحق الضرر بسير الأدارة . . )) .

  تحت إدارة هذا الملك المدبر بالذات , أبيد الأنكا على يد الأسبان , و أعدم الملك نفسه , خنقا بالأيدي , في مطلع العصر الذي شهد , غارة الأوربيين , على قارات العالم الجديد , و نجاح الرأسمالية , في بناء أول دولة ديموقراطية , قائمة على مبدأ سلطة الأغلبية عن طريق الأقتراع العام . إذ ذاك - فقط - بدأ (( التخلف )) يصبح مشكلة . 

  و إذ ذاك - فقط - أصبح التعليم حقا جماعيا , و حرية الرأي حقا جماعيا , و وصل قطاع الخدمات إلى القاعدة العريضة , و بدأ التخلف ينحسر , مخليا مكانه أمام مسيرة الأدارة الجماعية في غرب أوربا , و في مستوطنات الغربيين وحدهم . أما بقية شعوب العالم , فقد ظلت خارج المسيرة الجديدة , و ظلت تعايش ظروف الأدارة الحكومية نفسها , كما ولدت حرفيا في حكومة فرعون , حتى فاجأها الأوربيون الغربيون في مطلع عصر الأحتلال , بالحضارة العجيبة الجديدة , التي خطفت أبصار رجل مثل أتاتورك , إلى حد جعله يعتقد , أن (( التخلف )) هو أن لا تكون أوربيا غربيا . لكن أتاتورك , كان يحدق في ضوء ساطع .

   فالتخلف هو أن تكون أي شيء , و أن تسمي نفسك بكل الأسماء , ما عدا أن تمتلك - بالفعل - دستورا للأدارة الجماعية , قادر على حماية الأغلبية من التخلف . من دون هذا الدستور , تستطيع أن تنشر العلم في كل مكان , و تجعل السماء تمطر ذهبا , لكن غياب الأدارة الجماعية , سوف يجعل الذهب يتجمع كله في خزانة رجل واحد , و العلم يتجمع كله بين أيدي (( عالم )) واحد , ينطق دائما بصوت رسمي , مثل البابا لاكتانتيوس , الذي كان يقول ردا على كروية الأرض : (( هل يجن الناس , إلى هذا الحد , فيدخل في عقولهم أن البلدان و الأشجار تتدلى من الناحية الأخرى ؟ ... ))

. . من جهة أخرى , كان (( الباحث الأسلامي )) يعيش شخصيا في عصر العلم التجريبي الذي لا يقدس المعرفة , و لا يعتبر الكتب الدينية مصدرا للعلم , و لا يعترف بمبدأ العصمة من الخطأ , و لا يعول على أقوال رجال الدين بالذات . و هو موقف لم يكن في وسع هذا (( الباحث )) أن يحتويه في عالمه المسحور و إلا بوسائل الخداع البصري , على عادة السحرة في إيجاد الحلول . بين هذين النقيضين , لم يكن في وسع (( الباحث الأسلامي )) أن يقدم للنص الديني خدمة أخرى , سوى أن يحيله إلى نوع غريب من (( السحر العلمي )) الذي لا يستمد شرعيته من موقعه كعقيدة مقدسة , بل من كونه علما عصريا مكتوبا بالشيفرة , يمكن إثبات نتائجه في ضؤ العلم الحديث , بالتجربة و الحساب , و هي فكرة تبدو دينية في الظاهر , لكنها في الواقع معادية جدا لمفهوم الدين .

  أحد هؤلاء (( الباحثين )) عمد إلى تسخير الحاسبات في إحصاء حروف القرآن و كلماته ؛ و خرج بنتيجة (( علمية )) مؤداها :

     ((  إنه من أوجه إعجاز القرآن التي ظهرت الآن , إعجازه العددي الذي اكتشف منذ بضع سنين . و لا يزال يتوالى و يتضاعف , و يظهر فيه الجديد في كل حين . و ما بقى لأكثر مما سبق معرفته أصنافا مضاعفة ..... ))

   و بعد هذه المقدمة , يعرض الباحث نماذج من المعجزات :

  - كلمة (( الشهر )) تكررت في القرآن الكريم 12 مرة , أي بقدر شهور السنة .
 - كلمة (( اليوم )) تكررت 365 مرة , أي بقدر عدد أيام السنة .
  - كلمة (( الرحمن )) تكررت 57 مرة , و تكرر لفظ (( الرحيم )) 114 مرة , أي بمقدار الضعف, و هو عدد سور القرآن .
  - ذكرت (( المغفرة )) 234 مرة , بينما ذكر (( الجزاء )) 117 مرة فقط , لأن المغفرة ضعف الجزاء .
  - حروف البسملة تساوي 19 حرفا , و هو الرقم الذي ورد في قوله تعالى [ عليها تسعة عشر ] (سورة المدثر ) .
  - الرقم 19 له هوية سرية في القرآن . فهو يساوي عدد كلمات سورة العلق . أول ما نزل من القرآن . و يساوي أيضا عدد كلمات آخر آية . كما أن عدد الحروف في قوله : [ إياك نعبد و إياك نستعين ] يساوي 19 حرفا . و كذلك في قوله : [ اهدنا الصراط المستقيم ] .

  و عند هذا الحد , يكون القاريء قد تلقى فحوى الرسالة , ووقف مذهولا أمام حشد من (( الحقائق العلمية )) التي لا يستقيم تفسيرها إلا بالشك في جدوى العقل من أساسه , و هو موقف خرافي معقد يستطيع أن يشل قدرة الأنسان على المنطق , و يحيله إلى مخلوق غيبي تائه بين عوالم أسطورية مسحورة , إلا إذا شاءت الصدف , أن يعمد المرء ألى مراجعة أقوال (( الباحث الأسلامي )) على نص القرآن : إذ ذاك سيكتشف أن نتائج السيد الباحث , ليست حقائق , و ليست علمية , بل مجرد حيل معدة عمدا لخداع الجمهور , مثل جميع حيل الحواة .


  ...... و الواقع أنه - في غياب الأدارة الجماعية - كان الأوربيون انفسهم , أكثر شعوب العالم تخلفا و فقرا , و كانوا قد قضوا ألف سنة يطاردون الساحرات و القطط السوداء , و يشترون تذاكر للجنة , و يعالجون السعال الديكي بلبن الحمير , في دولة تدعو نفسها (( الأمبراطورية الرومانية المقدسة )) , و تدار رسميا بمباركة من البابا المعصوم عن الخطأ . و عندما انفجر بركان الثورة الجماعية التي افتتحت عصر الديموقراطيات الحديثة في غرب أوربا , لم يكن الأوربيون الفقراء , قد تعرفوا بعد على الصابون . إن الأدارة الجماعية , هي التي غيرت ذلك الحال , إلى هذا الحال , و وضعت خاتمة لعذاب الأغلبية , لأول مرة في التاريخ , لأنها بالفعل , الحل الصحيح و الوحيد , لأصل مشكلة التخلف الجماعي بالذات . لكن ثمة مشكلة أخرى :

  فالصيغة الأوربية للأدارة الجماعية , صيغة قامت على نظام الحزب الرأسمالي . و هو قوة جديدة طارئة على العالم , لم يعرفها تاريخ الأدارة من قبل , و لا يملكها أحد أصلا سوى الأوربيين الغربيين , لأنها قوة ظهرت , بفضل استيطان قارات العالم الجديد , و مولد شركات العصر الصناعي , التي تولت خلق ادارة رأسمالية , غير خاضعة لسلطة الجيش أو سلطة الأقطاع .

  من دون رأس المال , تنهار الصيغة الأوربية للديموقراطية , و تصبح نظاما لغويا صرفا , فتخرج الأدارة من أيدي الأغلبية , و يعاد فتح الباب مرة أخرى , أمام كل سبب ممكن للتخاف . و لو أن بقية شعوب العالم , كانت قد (( اكتشفت )) قارات جديدة , و وجدت هنودا حمرا , لكي تبيدهم , و تحتل أراضيهم , لكانت الصيغة الرأسمالية , وصفة عالمية حقا (( للقضاء على التخلف )) . لكن بقية شعوب العالم , مجرد ناس معدمين مثل الهنود الحمر أنفسهم . لا أحد منهم دخل العصر الصناعي , أو أصبح من أصحاب رأس المال . و لا أحد منهم , يستطيع بالتالي أن يوجه جهاز الدولة لمحاربة التخلف , إلا إذا وجد ضمانة أخرى للأدارة الجماعية , غير ضمانة رأ س المال . و هو شرط يعني بوضوح , أن الخطوة الأولى للقضاء على التخلف , تبدأ - فقط - عندما تضع كل أمة , نظام الحزب الرأسمالي على الرف , و تفتش عن الضمانة الشرعية داخل خزانتها . في هذه النقطة أثبت أتاتورك , أنه يفتش في الخزانة الخاطئة .

  فالأسلام أيضا ضمانة للأدارة الجماعية , و هي ضمانة كانت متاحة - مجانا مثل الشمس - أمام أتاتورك , و كانت صيغتها جاهزة في لغته . و لو أن شعار (( القضاء على التخلف )) كان يمثل خطة مدروسة لتحقيق هذا الهدف فعلا , لما احتاج أتاتورك و أن يدير ظهره للحل الصحيح الممكن , و يتطوع للبحث عن حل رأسمالي , في بلد من دون رأس مال . لكن شعار (( القضاء على التخلف )) مجرد ترجمة مقلوبة لشعار (( تقليد الأوربيين )) , تلك الفكرة المسكينة - و المستحيلة - التي تكاد أن تقول إن قصر القامة , علاجه شراء بدلة طويلة .

  أن الحل هو وحده الحل , و القضاء على التخلف ممكن - فقط - بعد استعادة الأدارة , إلى جانب الأغلبية نفسها . أما استيراد الصيغة الرأسمالية من دون رأس مال , أو الصيغة الشيوعية من دون شيوعيين , فإنه عمل - مثل إعلان الحرب على العمامة باسم الطربوش - نشاط عسكري لا لزوم له , في حرب زائدة , من دون رأس .
                   ....... أنتهى نص المنشور العاشر






المنشور الحادي عشر