نقد الفكر الديني
 
 

 

نبوة زيد بن عمرو بن نقيل

 

  اسمه: زيد بن عمرو بن نفيل بن عبدالعزى بن عبدالله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي (مات قبل الاسلام) وكان يستقبل القبلة.

ومات زيد بن عمرو بن نفيل قبل الإسلام ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنه يبعث أمة وحده
الراوي: زيد بن خارجة - خلاصة الدرجة: إسناده صحيح - المحدث: ابن تيمية - المصدر: الجواب الصحيح - الصفحة أو الرقم: 5/167
ــــــــــــــــــــــــــــ
زيد بن عمرو بن نفيل يبعث يوم القيامة أمة وحده
الراوي: - - خلاصة الدرجة: في غاية الصحة، منقول نقل التواتر - المحدث: ابن حزم - المصدر: أصول الأحكام - الصفحة أو الرقم: 1/594

140589 - سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية ويقول إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم ويسجد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يحشر ذاك أمة وحده بيني وبين عيسى بن مريم
الراوي: جابر بن عبدالله - خلاصة الدرجة: إسناده جيد حسن - المحدث: ابن كثير - المصدر: البداية والنهاية - الصفحة أو الرقم: 2/224

النبي زيد كان ينهى عن وأد البنات ودعوته:

91207 - رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما ، مسندا ظهره إلى الكعبة ، يقول : يا معاشر قريش ، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري . وكان يحيي الموءودة ، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته : لا تقتلها ، أنا أكفيكها مؤونتها ، فيأخذها ، فإذا ترعرعت ، قال لأبيها : إن شئت دفعتها إليك ، وإن شئت كفيتك مؤونتها .
الراوي: أسماء بنت أبي بكر - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الصفحة أو الرقم: 3828

كان لا يأكل ما ذبح للنصب والأصنام:

128796 - أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح وذلك قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها وقال : إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه وحدث هذا عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
الراوي: عبدالله بن عمر - خلاصة الدرجة: إسناده صحيح - المحدث: أحمد شاكر - المصدر: مسند أحمد - الصفحة أو الرقم: 8/234

92123 - أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح ، قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي ، فقدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال زيد : إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ، ولاآكل إلا ما ذكر اسم الله عليه . وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ، ويقول : الشاة خلقها الله ، وأنزل لها من السماء الماء ، وأنبت لها من الأرض ، ثم تذبحونها على غير اسم الله . إنكارا لذلك وإعظاما له .
الراوي: عبدالله بن عمر  -  خلاصة الدرجة: صحيح  -  المحدث: البخاري  -  المصدر: الجامع الصحيح  -  الصفحة أو الرقم: 3826

... عن ابن اسحق قال: فحُدِّثْتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يحدِّث عن زيد بن عمرو بن نفيل: إنْ كان لأول من عاب علي الأوثان، ونهاني عنها. أقبلت من الطائف ومعي زيد بن حارثة حتى مررت بزيد بن عمرو وهو بأعلى مكة، وكانت قريش قد شهرته بفراق دينها حتى خرج من بين أظهرهم، وكان بأعلى مكة، فجلست إليه ومعي سفرة لي فيها لحم يحملها زيد بن حارثة من ذبائحنا على أصنامنا، فقربتها له، وأنا إلام شاب، فقلت: كل من هذا الطعام أَيْ عَمِّ. قال: فلعلها، أي ابن أخي، من ذبائحكم هذه التي تذبحون لأوثانكم؟ فقلت: نعم. فقال: أما إنك يا ابن أخي لو سألت بنات عبد المطلب أخبرنك أني لا آكل هذه الذبائح، فلا حاجة لي بها. ثم عاب على الأوثان ومن يعبدها ويذبح لها، وقال: إنما هي باطل لا تضر ولا تنفع، أو كما قال. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما تحسستُ بوثن منها بعد ذلك على معرفة بها، ولا ذبحتُ لها حتى أكرمني الله عز وجل برسالته صلى الله عليه وسلم.

... عن المسعودي عن نفيل بن هشام عن أبيه قال: مر زيد بن نفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى زيد بن حارثة، فدعواه إلى سفرة لهما، فقال زيد: يا ابن أخي، إني لا آكل ما ذُبِح على النُّصُب. قال: فما رُئِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك اليوم يأكل شيئا ذبح على النصب.

يقول ابن الكلبى´"وقد بلغنا أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ذكرها يوما فقال‏:‏ لقد أهديت للعزى شاة عفراء، وأنا على دين قومي‏.‏ وكانت قريش تطوف بالكعبة وتقول‏:‏ واللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى‏!‏ فإنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لتُرْتَجَى‏!

"قد كان نفر من قريش: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وعثمان بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، وعبد الله بن جحش بن رئاب، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم حليف بني أمية، حضروا قريشا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم. فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر إلى بعض، قالوا: تصادقوا، وليكتم بعضكم على بعض. فقال قائلهم: تعلمون والله ما قومكم على شيء. لقد أخطأوا دين إبراهيم عليه السلام وخالفوه. ما وثنٌ يُعْبَد لا يضر ولا ينفع؟ فابتغوا لأنفسكم. فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل الكتاب من اليهود والنصارى والملل كلها. فأما ورقة بن نوفل فتنصر، فاستحكم في النصرانية، واتبع الكتب من أهلها حتى علم علما كثيرا من أهل الكتاب. فلم يكن فيهم أعدل أمرا ولا أعدل شأنا من زيد بن عمرو بن نفيل: اعتزل الأوثان وفارق الأديان من اليهود والنصارى والملل كلها إلا دين إبراهيم. يوحد الله عز وجل ويخلع مَنْ دونه، ولا يأكل ذبائح قومه. باداهم بالفراق لما هم فيه.


النبي زيد كان على ملة ابراهيم:

91206 - أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشأم ، يسأل عن الدين ويتبعه ، فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم ، فقال : إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني ، فقال : لا تكون على ديننا ، حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله ، قال زيد : ما أفر إلا من غضب الله ، ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا ، وأنى أستطيعه ؟ فهل تدلني على غيره ؟ قال : ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا ، قال زيد : وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم ، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله . فخرج زيد فلقي عالما من النصارى فذكر مثله ، فقال : لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله ، قال : ما أفر إلا من لعنة الله ، ولا أحمل من لعنة الله ، ولا من غضبه شيئا أبدا ، وأنى أستطيع ؟ فهل تدلني على غيره ؟ قال : ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا ، قال : وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ، ولا يعبد إلا الله . فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج ، فلما برز رفع يديه ، فقال : اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم .
الراوي: عبدالله بن عمر  -  خلاصة الدرجة: صحيح  -  المحدث: البخاري  -  المصدر: الجامع الصحيح  -  الصفحة أو الرقم: 3827

... عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والذي نفس زيد بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري. ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به، ولكني لا أعلمه. ثم يسجد على راحته.

... عن ابن اسحق قال: حدثني بعض آل زيد بن عمرو بن نفيل أن زيدا كان إذا دخل الكعبة قال: لبيك حقا حقا، تعبُّدًا ورِقًّا. عذت بما عاذ به إبراهيم وهو قائم، إذ قال: أنفي لك عانٍ راغم. مهما تجشمني فإني جاشم. البِرَّ أبغي لا الخال (يقول: لا الفخر). ليس مُهَجِّرٌ كمن قال.

عن ابن أسحق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، أو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن عمر بن الخطاب وسعيد ابن زيد قالا: يا رسول الله، نستغفر لزيد؟ فقال: نعم، فاستغفروا له، فإنه يُبْعَث أمة وحده... عن المسعودي عن نفيل بن هشام عن أبيه أن جده سعيد بن زيد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه وزيد بن عمرو فقال: يا رسول الله، إن أبي زيد بن عمرو كان كما رأيت وكما بلغك. فلو أدركك آمن بك. أفأستغفر له؟ قال: نعم، فاستغفرْ له، فإنه يجيء يوم القيامة أمة وحده. وكان، فيما ذكروا، يطلب الدين فمات وهو في طلبه".

تحمله الأذى والضرر في سبيل الدعوة

عن ابن اسحاق: وكان الخطاب قد آذى زيدا ، حتى أخرجه إلى أعلى مكة ، فنزل حراء مقابل مكة ، ووكل به الخطاب شبابا من شباب قريش وسفهاء من سفهائها ، فقال لهم ‏‏:‏‏ لا تتركوه يدخل مكة ؛ فكان لا يدخلها إلا سرا منهم ، فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم ، وأن يتابعه أحد منهم على فراقه ‏‏.‏‏  فقال وهو يعظم حرمته على من استحل منه ما استحل من قومه ‏‏:‏‏  لاهُمَّ إني محرم لا حِلَّهْ * وإن بيتي أوسط المحلَّهْ عند الصفا ليس بذي مَضلَّهْ *

 زيد يعاتب زوجته لمنعها له عن البحث في الحنيفية
قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وكان زيد بن عمرو قد أجمع الخروج من مكة ليضرب في الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، فكانت صفية بنت الحضرمي كلما رأته قد تهيأ للخروج وأراده آذنت به الخطاب بن نفيل ، وكان ‏الخطاب بن نفيل عمه وأخاه لأمه ، وكان يعاتبه على فراق دين قومه ، وكان الخطاب قد وكَّل صفية به ، وقال ‏‏:‏‏ إذا رأيتيه قد هم بأمر فآذنيني به - فقال زيد ‏‏:‏‏
لا تحبسيني في الهوا ن * صفيَّ ما دأبي ودابُهْ
إني إذا خفت الهوا ن * مشيع ذُلُل ركابه
دعموص أبواب الملو ك * وجائب للخرق نابه
قطاع أسباب تذ لّ * بغير أقران صعابه
وإنما أخذ الهوا ن * العير إذ يوهي إهابه
ويقول إني لا أذ لّ بصك * جنبيه صلابه
وأخي ابن أمي ثم * عمّي لا يُواتيني خطابه
وإذا يعاتبني بسوء * قلت أعياني جوابه
ولو أشاء لقلت ما * عندي مفاتحه وبابه
هجرة النبي زيد:

قيل أنه خرج إلى الشام وهلك   ... عن ابن اسحق قال: وقد كان زيد أجمع على الخروج من مكة يضرب في الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم، فكانت امرأته صفية ابنة الحضرمي كلما أبصرته قد نهض إلى الخروج وأراده آذنت به الخطاب بن نفيل. فخرج زيد إلى الشام يلتمس ويطلب في أهل الكتاب الأول دين إبراهيم ويسأل عنه. فلم يزل في ذلك حتى أتى الموصل أو الجزيرة كلها، ثم أقبل حتى أتى الشام فجال فيها حتى أتى الموصل أو الجزيرة كلها، ثم أقبل حتى أتى راهيا انتهى إليه علم النصرانية فيما يزعمون، فسأله عن الحيفية دين إبراهيم، فقال الراهب: إنك لتسأل عن دينٍ لستَ بواجد من يحملك عليه اليوم. لقد درس علمه، وذهب من يعرفه، ولكنه قد أظلك خروج نبي يُبْعَث بأرضك التي خرجت منها بدين إبراهيم الحنيفية، فعليك ببلادك فإنه مبعوث الآن. هذا زمانه. وقد كان شامَ اليهوديةَ والنصرانيةَ، فلم يرض شيئا منهما، فخرج سريعا حين قال له الراهب ما قال، يريد مكة. حتى إذا كان بأرض لخم عَدَوْا عليه فقتلوه (ومع ذلك يبدو انه تمكن ان يخبر بتفاصيل القصة قبل ان يموت)...

ورقة يرثي زيدا

فقال ورقة بن نوفل بن أسد يبكيه ‏‏:‏‏
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما * تجنبت تنورا من النار حاميا ‏
بدينك ربا ليس رب كمثله * وتركك أوثان الطواغي كما هيا
وإدراكك الدين الذي قد طلبته * ولم تك عن توحيد ربك ساهيا
فأصبحت في دار كريم مقامها * تُعلَّل فيها بالكرامة لاهيا
تلاقي خليل الله فيها ولم تكن * من الناس جبارا إلى النار هاويا
وقد تدرك الإنسان رحمة ربه * ولو كان تحت الأرض سبعين واديا

قرآن زيد بن عمرو:

وقال زيد بن عمرو بن نفيل في فراق دين قومه ، وما كان لقي منهم في ذلك ‏‏:‏‏
أربا واحدا أم ألف رب * أدين إذا تُقسمت الأمورُ
عزلت اللات والعزى جميعا * كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها * ولا صنمَيْ بن عمرو أزور
ولا هبلا أدين وكان ربا * لنا في الدهر إذ حلمي يسير
عجبت وفي الليالي مُعجبات * وفي الأيام يعرفها البصير
بأن الله قد أفنى رجالا * كثيرا كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين ببر قوم * فيربِل منهم الطفل الصغير
وبينا المرء يفتر ثاب يوما * كما يتروّح الغصن المطير
ولكن أعبدالرحمن ربي * ليغفر ذنبي الرب الغفور
فتقوى الله ربكم احفظوها * متى ما تحفظوها لا تبوروا
ترى الأبرار دارهمُ جنان * وللكفار حامية سعير
وخزي في الحياة وإن يموتوا * يلاقوا ما تضيق به الصدور

وقال زيد بن عمرو بن نفيل أيضا:
إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا * وقولا رصينا لا يـَني الدهر باقيا
إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقه * إله ولا رب يكون مدانيا
ألا أيها الإنسان إياك والردى * فإنك لا تخفي من الله خافيا
وإياك لا تجعل مع الله غيره * فإن سبيل الرشد أصبح باديا
حنانيك إن الحن كانت رجاءهم * وأنت إلهي ربنا ورجائيا
رضيت بك اللهم ربَّا فلن أرى * أدين إلها غيرك الله ثانيا
أدين لرب يُستجاب و لا أرى* أدين لمن لم يسمع الدهر داعيا
وأنت الذي من فضل منّ ورحمة * بعثت إلى موسى رسولا مناديا
فقلت له يا اذهب وهارون فادعوا * إلى الله فرعون الذي كان طاغيا
وقولا له ‏‏:‏‏ أأنت سويت هذه * بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا
وقولا له ‏‏:‏‏ أأنت رفعت هذه * بلا عمد أرفقْ إذا بك بانيا
وقولا له ‏‏:‏‏ أأنت سويت وسطها * منيرا إذا ما جنه الليل هاديا
وقولا له ‏‏:‏‏ من يرسل الشمس غدوة * فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا
وقولا له ‏‏:‏‏ من ينبت الحب في الثرى * فيصبح منه البقل يهتز رابيا
ويخرج منه حبه في رءوسه * وفي ذاك آيات لمن كان واعيا
وأنت بفضل منك نجيت يونسا * وقد بات في أضعاف حوت لياليا
وإني ولو سبحت باسمك ربنا * لأكثر ، إلا ما غفرت ، خطائيا
فرب العباد ألقِ سيبا ورحمة * علي وبارك في بَنيَّ وماليا

  قول زيد حين يستقبل الكعبة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثت عن بعض أهل زيد بن عمرو بن نفيل ، أن زيدا كان إذا استقبل الكعبة داخل المسجد ، قال ‏‏:‏‏ لبيك حقا حقا ، تعبدا ورقا ‏‏.‏‏
عذت بما عاذ به إبراهيمْ * مستقبل القبلة وهو قائم‏
إذ قال ‏‏:‏‏
أنفي لك اللهم عان راغمْ * مهما تجشمني فإني جاشم
البرَّ أبغي لا الخال * ليس مُهجِّر كمن قال ‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ البر أبقى لا الخال ، ليس مهجر كمن قال ‏‏.‏‏
قال ‏‏:‏‏ وقوله ‏‏(‏‏ مستقبل الكعبة ‏‏)‏‏ عن بعض أهل العلم ‏‏.‏‏
قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وقال زيد بن عمرو بن نفيل ‏‏:‏‏
وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا ثقالا
دحاها فلما رآها استوت * على الماء أرسى عليها الجبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له المزن تحمل عذبا زلالا
إذا هي سيقت إلى بلدة * أطاعت فصبت عليها سجالا
وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ له الريح تُصْرَف حالا فحالا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
»سيرة الرسول« (جزء 1 ص 79).
وكذلك نستفيد من هذا الكتاب أن النبي محمد (ص) كان معتاداً أن يقيم في غار جبل حراء في صيف كل سنة للتحنُّث حسب عادة العرب. فالأرجح أنه كان يجتمع بزيد بن عمرو، لأنه أحد أقربائه. وأقوال ابن إسحق تؤيد هذا القول، لأنه قال إنه لما كان محمد في ذات هذا الغار »جاءه جبريل بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء في شهر رمضان.. كان رسول الله يجاور في حراء من كل سنة شهراً، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية والتحنث التبرر.. قال ابن هشام تقول العرب التحنث والتحنف يريدون الحنيفية فيبدلون الفاء من الثاء« (جزء 1 ص 80 و81).
فكل من له اطلاع على القرآن والأحاديث يرى مما تقدم أن آراء زيد بن عمرو أثرت تأثيراً مهماً جداً في تعاليم محمد، لأن كل آراء زيد نجدها في ديانة محمد أيضاً. وهذه الآراء هي:
(1) منع الوأد (2) رفض عبادة الأصنام (3) الإقرار بوحدانية الله (4) الوعد بالجنان (5) الوعيد بالعقاب في سعير وجهنم. (6) اختصاص الله سبحانه بأسماء: الرحمن. الرب. الغفور. وقد قال محمد ما قال زيد بن عمرو، لأن زيداً وكل واحد من الحنفاء قال إنهم يبحثون عن »دين إبرهيم« غير أن زيداً قال إنه أدرك غايته، وهي أنه وجد هذا الدين، وأن محمداً قال إن غايته هي دعوة الناس إلى دين إبراهيم بواسطته. وكثيراً ما أطلق القرآن على إبراهيم أنه حنيف مثل زيد وأصحابه، وإن كان إطلاقه هذا اللقب في القرآن على إبراهيم يفيد ذلك بطريق الالتزام. ولتأييد هذا نورد من القرآن بعض آيات قليلة، فورد في سورة النساء 4: 125 »ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً، واتخذ الله إبراهيم خليلاً« وورد في سورة آل عمران 3: 95 »قل صدَق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين« وورد في سورة الأنعام 6: 161 »قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً«. فكل من له إلمام بتراكيب اللغة العربية وقواعدها يرى أنه مع أن القرآن لم يطلق على إبراهيم أنه »حنيف« إلا أنه أطلق عليه ضمناً أنه كان حنيفاً، وحض القرآن أصحاب محمد على قبول ملة إبراهيم، لأن من قبل ملة إبراهيم كان من عداد الحنفاء. وأصل كلمة »حنيف« في اللغة العبرية والسريانية تعني »نجس أو مرتد« لأن عبَدة الأصنام من العرب أطلقوا على زيد وأصحابه لقب »الحنفاء« ليصفوهم بالارتداد، لأنهم تركوا ديانة أسلافهم عبدَة الأصنام. فاستحسن محمد والعرب الحنفاء أن يختصوا بهذا اللقب، وفسَّروا هذه اللقب تفسيراً حسناً وصبغوه بمعنى مناسب. ولعلهم فعلوا ذلك لأنهم لم يروا فرقاً بين التحنُّف والتحنُّث. ولا ننسى أن هؤلاء الأشخاص الأربعة الذين دُعوا حنفاء كانوا من أقرباء محمد لأنهم تناسلوا جميعهم من لؤي. كما أن عبيد الله كان ابن خالة محمد، وتزوج محمد أم حبيبة أرملة عبيد الله. وذكر ابن هشام أن ورقة وعثمان ابني عم خديجة كانا من الحنفاء، فمن المستحيل أن آراء زيد وغيره من الحنفاء ومذاهبهم وأقوالهم وتعاليمهم لا تُحدِث في أفكار محمد أثراً مهماً جداً. ومع أنه لم يؤذن لمحمد (حسب الحديث الذي ذكره البيضاوي في تفسيره على سورة التوبة 9: 113) أن يستغفر لآمنة والدته، إلا أنه استغفر لزيد بن عمرو، فقال إنه سيُبعث أمة وحده في يوم القيامة، وهذا تصديقُ محمد لمبادئ زيد بن عمرو.
ونذكر ما قاله الدكتور العلامة جواد على في أمرهم لنتأكد من أثر هؤلاء الحنفاء على الإسلام وتقاليده: -
وقد عرف هؤلاء بالحنفاء وبالأحناف، ونعتوا بأنهم كانوا على دين ابراهيم، ولم يكونوا يهودأَ ولا نصارى، ولم يشركوا بربهم أحداً. سفهوا عيادة الأصنام، وسفهوا رأي القائلين بها.
وقد أشير إلى "الحنيفية" و "الحنفاء" في كتب الحديث. وقد بحث عنها شرّاح هذه الكتب. ومما نسب اليه حديث: "لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة". وحديث: "بعثتُ بالحنيفية السمحة السهلة". وحديث "أحب الأديان إلى الله تعالى الحنيفية السمحة".
ويذكر أهل الأخبار أن الجاهليين جميعاً كانوا قبل عمرو بن لحي الخزاعيّ على دين ابراهيم. كانوا موحدين يعبدون الله جل جلاله وحده، لا يشركون به ولا ينتقصونه. فما جاء عمرو بن لحيّ، أفسد العرب، ونشر يينهم اضاليل عبادة الأصنام، بما تعلمه من وثنيي بلاد الشام حين زارهم، وحل بينهم، فكان داعية الوثنية عند العرب والمبشر بها ومضلهم الأول. وهو على رأيهم موزع الاصنام بين القبائل، ومقسمها عليها. فكان من دعوته تلك عبادة الاوثان، إلى أن جاء الإسلام فأعاد العرب إلى سواء السبيل، إلى دين ابراهيم حنيفاً، وما كان ابراهيم من المشركين.
ويقول الدكتور أيضاً:
وقد وردت لفظة "حنيفاً" في عشر مواضع من ا!قرآن الكريم. ووردت لفظة "حنفاء" في موضعين منه. وبعض الايات التي وردت فيها آيات مكية، وبعضها آيات مدنية. وقد نص في بعض منها على ابراهيم، وهو على الحنيفية، ولم ينص في مواضع منها على اسمه. وقد وردت لفظة "حنفاء" في سورتين فقط، هما: سورة الحج وسورة البينة.، وهما من السور المدنية.
المرجع : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام – الجزء الثالث – د. جواد على
مرجع البحث: السيرة النبوية لابن هشام (المكتبة الاسلامية)
http://www.al-eman.com/Islamlib/viewtoc.asp?BID=249