نقد الفكر االديني
 
 

 

النبي امية بن ابي الصلت

 

  يشاع بين الكثيرين أن عرب الجاهلية كانوا على جانب كبير من الإنحطاط في تفكيرهم الديني. و هذا أمر ينقضه ما عرف عن الجزيرة العربية في ذلك الزمان. فقد ذكر القرآن الأديان التي كان للعرب إتصال بها مثل اليهود و النصارى و الصابئة و المجوس. كما ذكر  ملة إبراهيم و الحنيفية، بل وجعلهم شاهدا على صحة دعوة محمد، إضافة الى ان دعوة محمد لم يكن فيها من جديد إذ اغلب التشريعات والطقوس قد اقتبست من الاديان والاعتقادات السابقة.

و كانت العرب تعرف الله و توحده و تعبد الأصنام لتقربهم لله زلفى و كذلك تحج و تقول لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك. إلا شريك هو لك. تملكه و ما ملك.

كان امية بن ابي الصلت من المتحنفين. و لم يكن هؤلاء المتحنفون أصحاب عقيدة معينة و إنما كانت كلمة متحنف تطلق على من كان لا يشرك بالله و يحج البيت و يختتن و يغتسل من الجنابة و يدعو لمكارم الأخلاق و يبتعد عن الفواحش.

و من هؤلاء المتحنفين من أسلم مثل صرمة بن أنس.  و منهم من تنصر مثل عثمان بن الحويرث. و منهم من أسلم و عاد فتنصر مثل عبدالله بن جحش. و منهم من لم يسلم و لم يتنصر مثل زيد بن عمرو بن نفيل الذي يقول:
 

أربـاً واحــداً أم ألـف رب      أدين إذا تقسـّـمت الأمور

و لكن أعبد الرحمن ربي      ليغفر ذنبي الرب الغفور

 
و قد قال الرسول في زيد: يبعث يوم القيامة أمة وحده (طبقات بن سعد).

أما أمية فقد توفي في السنة الثانية للهجرة على الأرجح و لم يسلم و لم يتنصر و مات شيخاً قارب الثمانين أو التسعين.  و ربما كانت آخر قصائده القصيدة التي يرثي فيها قتلى قريش في معركة بدر، و يذم الرسول و أصحابه, و قد نهى الرسول عن روايتها و فيها يقول:

ماذا ببدر فالعقنقـ     ـل من مرازبة جحاجح

العقنقل: كثيب رمل ببدر. مرازبة: جمع مرزبان: الفارس الشجاع.
 
و قد روي أن أبا سفيان قال لأمية كالمستهزء به: قد خرج النبي الذي كنت تنعته. فقال أمية: أما أنه على حق فاتبعه.  قلت: ما يمنعك من إتباعه؟  قال: يمنعني الإستحياء من نساء ثقيف، كنت أحدثهن أني هو ( أي أنا النبي) ثم يرينني تابعاً لغلام من عبد مناف.

كما يروى أن الفارعة اخت أمية, قدمت على الرسول, فقال لها: يا فارعة هل تحفظين شيئاً من شعر اخيك؟  فقالت نعم, ثم ذكرت خبر وفاته و أنشدت شيئاً من اشعاره. و في حديث آخر ثم أنشدت قصيدته التي يقول فيها:

يوقف الناس للحساب جميعاً      فشـقي معـذب و سـعيد

 
و في صحيح مسلم عن الشريد بن سويد قال: ردفت (ركبت وراء) رسول الله (ص) فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت نعم. قال: هيه، فأنشدته بيتاً، فقال: هيه فأنشدته بيتاً, فقال هيه حتى أنشدته مائة بيت. فقال: كاد ليسلم.

عن إبن عباس أن الرسول أنشد هذا البيت لأمية:

رجل و ثور تحت رجل يمينه     و النسر للأخرى و ليث مرصد

و قال: صدق فهذه صفة حملة العرش.

مرصد: مترقب

و يقول الأصمعي (122ـ 216 هـ): ذهب أمية في شعره بعامة ذكر الآخرة.

و قد جمع محمد بن حبيب (توفي 245 هـ) ديواناً لأمية و شرحه و كان آخر من ذكر بأنه رأى هذا الديوان عام 1205 هـ  المرتضى الزبيدي صاحب القاموس. ثم فقد اليوان بعد ذلك.

قال الحجاج: ذهب قوم يعرفون شعر أمية و كذلك إندراس الكلام.

لقد تعرض أمية في شعره لمواضيع دينية متعددة, من يقرأها يظنها إسلامية و منها:

التوحيد:

الحمد لله لا شريك له     من لم يقلها فنفسه ظلما
كما يقول:

إذا قيل من رب هذي السما      فليس سواه له يضطرب
رب الخلق:

    
لله نعمتنا تبارك ربنا     رب الأنام و رب من يتابد

يتأبد: يتفرد للعبادة.

الإيمان:

  
يا رب لا تجعلني كافراً أبداً     و اجعل سريرة قلبي الدهر إيمانا

الدوام لله:

ألا كل شيء هالك غير ربنا     و لله ميراث الذي كان فانيا

البعث و الحساب:

و الناس راث عليهم أمرساعتهم      فـكـلـهـم قـائـل للديـن إيـانا
كـل إمريء سـوف يجزى حسناً     أو سيئاً و مديناً كالذي دانا
راث: أبطأ.

يتساءل عن رسول:

ألا رسول لنا منا فيخبرنا     ما بعد غايتنا عن رأس مجرانا

غايتنا: نهايتنا. رأس مجرانا: مكان الجري أي بدايتنا.

السماوات السبع:

فأتم ستاً فاستوت أطباقها      و أتى بسابعة فأنى تورد
استوت: تماثلت. تورد: يمكن الوصول إليها.

رجم الشياطين:

و ترى شياطيناً تروغ مضافة     و رواغها شتى إذا ما تطرد

يـلـقى عليها فـي السـماء مـذلة     و كـواكـب ترمى بها فتعرّد
تروغ: تحيد. مضافة: خوفاً. شتى: مشتت. تعرد: تهرب.

القمر:

و الشهر بين هلاله و محاقه     أجل لعلم الناس كيف يُعدد
الشهر: القمر.

جهنم:

يقول خزانها ما كان عندكم     ألم يكن جاءكم من ربكم نُذُر
أصحاب الأعراف (سور بين الجنة و النار):

      
و آخرون على الأعراف قد طمعوا      بجنة حفها الرمان و الخَضِر

الجنة:

إن الحدائق في الجنان ظليلة      فيها الكواعب سدرها مخضود
الكاعب: ناهدة الثدي. السدر: شجر يشبه العناب. مخضود: منزوع الشوك.

خلق الليل و النهار:

خلق الليل و النهار فكل     مستبين حسابه مقدور

يوم الحساب:

و لا يوم الحساب و كان يوماً     عبوساً في الشدائد قمطريرا

قمطرير: شديد العبوس.

ثمود:

كثمود التي تـفـتـكـت الـديـن عتياً و أم ســقب عـقـيـرا
ناقة الإله تسرح في الأرض و تنتاب حول ماء مَديرا
تفتكت: فتكت. عتياً: تكبراً. سقب: ولد الناقة.

 تنتاب: تقصد الماء عدة مرات. مَدير: وجه الحوض المطين.

إبراهيم:

و لإبـراهيم الموفـي بالنذ     ر إحتسـاباً و حـامل الأجـذال

أبـنـي إنــي نـذرتــك لـلــ      ـه شحيطاً فاصبر فذلك حالي

بينما يخلع السرابيل عنه      فـكــه ربـــه بـكـبـش جُـــلال

احتساباً: طلباً لوجه الله. شحيطاً: ذبيحاُ.

 سرابيل: لباس. جلال: عظيم.

نوح:

تجـري سـفينة نـوح فـي جوانـبه      بكل موج مع الارواح تقتحم
حتى تسوت على الجودي راسية      بكل ما استودعت كانها أطم

تسوت: استقرت. أطم: حصن.

فرعون:

و لفرعون إذ تشاق له الما     ء فهلا لله كان شكورا

عيسى:

و في دينكم من رب مريم آيـة      منبئة و العبد عيسـى بن مريـم
أنيبي واعطي ما سؤلت فإنني      رسول من الرحمن يأتيك بإبنم
فقالت له أنّى يكون و لم أكــن      بغياً و لا حبلـى و لا ذات قـيّــم

حادثة الفيل:

و من صنعه يوم فيل الحبو     ش إذ كلما بعثوه رزم
فأرســل من فوقهم حاصباً      فـلـفهم مثل لف القزم

حاصب: ريح تحمل الرمل و الحصى.

لوط:

ثم لوطاً أخـا ســدوم أتـاهـا      إذ أتاها برشــدهـا و هـداهـا

راودوه عن ضيفه ثم قالوا      قـد نهيـناك أن تقيـم قـراهــا

أرســل الله عند ذاك عذابـاً      جعل الأرض سفلها أعلاها

موسى:

و أنت الذي من فضل منّ و رحمة      بعثت إلى موسى رسـولاً مناديـا

فقلت أيا اذهب و هـارون فـادعــو      إلى الله فرعون الذي كان طاغيا

يونس:

و أنت بفضل منك نجيت يونساً       و قد بات في أضعاف حوت لياليا

فأنـبـت يقطيناً عـلـيـه بـرحـمــة       مـن الله لــولا الله أصـبح ضـاويــا

ذو القرنين:

  
بلغ المشـارقَ والمغاربَ يبتغي      أسبابَ أمرٍ من حكيمٍ مرشـــدِ      

فرآى مغيبَ الشمسِ عند مآبها      في عينِ ذي خُلُبٍ وثأْطٍ حَرْقَدِ    


خلب: طين.  ثأط: الحمأة.  حرقد: الأسود من الحمأة.

 

من ديوان أمية بن أبي الصلت
للدكتور عبد الحفيظ الصطلي، أستاذ الأدب الجاهلي و الإسلامي بجامعة دمشق


وهنا نخبة من اقوال أمية بن أبي الصلت الشاعر ومايتصل بها من آيات قرآنية تعطي المعنى الذي كان يعرفه امية قبل الوحي، يقول‏:‏
لك الحمد والنعماء والملك ربنا * ولا شيء أعلى منك جدا وأمجدا‏.‏

(وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا 3(الجن)

عليه حجاب النور والنور حوله وانهـار نور فوقـه تتوقــد
فلا بصر يسمــو إليه بطرفه ودون حجاب النور خلق مؤيد

(لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ 103(الأنعام)

وبث الخلق فيها إذ دحاها فهم قطانها حتى التنادي
وأنشد المبرد‏:‏
دحاها فلما رآها استوت على الماء أرسى عليها الجبالا
وقيل‏:‏ دحاها سواها؛ ومنه قول زيد بن عمرو‏:‏
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالا
دحاها فلما استوت شدها بأيد وأرسى عليها الجبالا

(أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا 31 وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا 32 (النازعات)
وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 15 (النحل)

قال زيد بن عمرو بن نفيل يسخر من فرعون:
وقولا له ‏‏:‏‏ أأنت سويت هذه * بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا
وقولا له ‏‏:‏‏ أأنت رفعت هذه * بلا عمد أرفقْ إذا بك بانيا

(أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا 6 وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا 7 (النباء)
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ 10 ) الآية

وقال علقمة بن قرط‏:‏
حتى إذا الصبح لها تنفسا وأنجاب عنها ليلها وعسعسا

(وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ 17 وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ 18(التكوير)
آية التكوير

وقام القسط بالميزان عدلًا كما بان الخصيم من الجدال

(ونضع الموازين القسط ليوم القيامة)

قال ابن هشام ‏‏‏‏:‏‏‏‏ تروى لأمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي ‏‏‏‏:‏‏‏‏
خلق الليل والنهار فكل * مستبين حسابه مقدور
ثم يجلو النهار رب رحيم * بمهاة شعاعها منشور

(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ 33(الأنبياء)
آية الانبياء

لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه * والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح به * والجن والإنس فيما بينها مرد
أين الملوك التي كانت لعزتها * من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنالك مورود بلا كذب * لا بد من ورده يوماً كما وردوا

(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ 81 (الأنبياء)
آية الانبياء
أمية بن الصلت:
مليك على عرش السماء مهيمن * لعزته تعنوا الوجوه وتسجد

وعنت الوجوه للحي القيوم " ( طه، 111) آية طه

وقال رؤبة بن العجاج‏:‏
ومسهم ما مس أصحاب الفيل ترميهم حجارة من سجيل
ولعبت طير بهم أبابيل فصيروا مثل كعصف مأكول

(وأرسل عليهم طيراً أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل) الآية

أمية بن الصلت:
أم من تلظى عليه واقدة النار * محيط بهم سرادقها
إنا اعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها
أم اسكن الجنـة التي وعد**** الأبرار مصفوفة نمارقهـا

" أكواب موضوعة. ونمارق مصفوفة " ( الغاشية 14-15 )

لا يستوي المـنزلان ثم ولا **** الأعمال لا تستوي طرائقها
هما فـريقان فـرقة تدخـل **** الجنـة حفت بهـم حدائقها
وفـرقة منهـم قـد أدخلت **** النـار فساءتهـم مرافقهـا
(فريق في الجنة وفريق في السعير)

وهذا الامر الواضح في تقارب اقوال امية مع تعابير القرآن يجعل السؤال مشروعا. هل اخذ امية مفاهيمه من القرآن ام ان القرآن اقتبس تعابير امية؟

بالنسبة لأمية لا يمكنه أن يأخذ من القرآن, لانه سابق للقرآن. صحيح هو عاصرالإسلام حتى السنة الثانية للهجرة, و لكن شعره روي خلال فترة طويلة, و قبل انتشار الإسلام. كما أن أمية لم يسلم, و كان من المعيب بالنسبة إليه, أن يقال عنه تابعاً لغلام من عبد مناف, فكيف بالأحرى أن يأخذ من كلام هذا الغلام, و يصيغه شعراً, إذن لإستهزأ به قومه و عابوا عليه ذلك.

أما أن يكون القرآن قد أخذ من أمية, فهذا أيضاً لا يستقيم. فلو حدث ذلك لشنعت قريش على الرسول و فضحت أمره.

 الحل المعقول هو أن كليهما أخذا من مصدر واحد. هذا المصدر هو المرويات الدينية الشفهية التي كانت معروفة في مكة و ما حولها عن اليهودية و النصرانية. و يكفي أن تلاحظ أن كلاً من القرآن و أمية يرويان هذه المواضيع بطريقة مختصرة, أو بطريقة الإشارة إليها, لتعرف:

 أولاً: بأن المستمع على إطلاع  بهذه المواضيع, و لديه ما يعرفه عنها. إذ لا يمكن أن تروي للناس عبراً و حكماً من نص ليس لديهم فكرة عنه أصلاً.

ثانياً: أن هذه النصوص عبارة عن فقرات قصيرة و مجتزأة مما يسهل حفضها و تداولها شفاهاً و ليست نصاً طويلاً متكاملاً يستدعي تدوينه في كتب كبيرة و هو الأمر الذي لم يكن متوفراً لدى عرب الجزيرة آنذاك.

و لكن طالما اطلع العرب على هاتين الديانتين, فلم لم يعتنقوها؟.

 أعتقد أن وراء ذلك ثلاثة أسباب:

أولاً: الديانة اليهودية ليست ديانة تبشيرية أصلاً, و قد اقتنع العرب بأنها تخص بني إسرائيل وحدهم. و لكنهم إطلعوا مع ذلك على بعض نصوص التوراة و التلموذ المترجمة إلى السريانية و التي نقلها عرب الحيرة بدورهم إلى العربية و كذلك بعض الموالي من هذه الديانات حسب ما ورد في القرآن من إتهام قريش للرسول.

ثانياً: المسيحية و هي ديانة تبشيرية, لكنها و صلت إلى العرب بمذاهبها المختلفة و المتصارعة لدرجة الإضطهاد و هي الملكية الرومانية و النسطورية و المونوفيزية او اليعقوبية ( السريانية و القبطية و الحبشية) و الآريوسية (القريبة من التوحيد), و حتى النصوص الغير معترف بها من قبل الكنيسة كإنجيل الطفولة و التلموذ مثلاً . و هذا ما جعلهم يقفون موقف المتفرج منها. و حتى القرآن كانت نظرته للنصارى نظرة متفاوتة,  فاحياناً رهبان و قسيسين يجب إحترامهم و احياناً اخرى مثلثين مشركين.

ثالثاً: السبب الأهم. و هوالمنعة الدينية التي شكلها وجود الكعبة في مكة, و التي كانت تجمع شمل العرب حولها فهي تحتوي أصنامهم, كما شكلت ما نستطيع أن نسميه إكتفاءً ذاتياً من الإحتياج الديني. فالحج إلى الكعبة ينشط سوقهم التجارية, و الأشهر الحرم تعطي الأمان لقوافلهم و التسامح الديني كان مصدر إزدهار لتجارتهم, و كان إعتناق أي دين بالنسبة لهم, سيؤدي للفرقة و التصارع و إستعداء الجوار لهم مما ينعكس سلباً على تجارتهم. و لذلك نجد أن الحنيفية التي بدأت بالظهور و التي تدعو لمكارم الأخلاق و التوحيد, لم تتحول إلى دين حقيقي, و إنما بقيت كممارسات فردية يدعو إليها بعض المتألهين كأمية بن أبي الصلت و زيد بن عمرو بن نفيل و غيرهم.

هذه الحنيفية, طورها محمد اخيراً إلى دين. فقاومته قريش بشراسة خوفاً على تجارتها التي تتطلب التسامح و الإنفتاح على جميع البلاد المجاورة. و لكن ما حصل فيما بعد كان عكس توقعهم, فقد استولى دين محمد الجديد, على أموال و خيرات و نساء شعوب بلاد فارس و الروم و بلاد الشام و مصر و شمال افريقيا لتتمتع بها قريش بشكل لم يخطر لها على بال.

انبياء اخرين
نبوة زيد بن عمرو بن نقيل