نقد الفكر االديني
 
 

 

الشخصية المحمدية

 

 القرآن واللوح المحفوظ

هل القرآن كان في اللوح المحفوظ , وأنزل على محمد دفعة واحدة , وما المقصود باللوح المحفوظ وما هو تعريف القرآن في المفهوم الديني وفي مفهوم اللغة 0
(00إن الكلام عن اللوح المحفوظ من تتمة البحث المتقدم في إنزال القرآن , لأن بعضهم قال : إن جبريل تلقفه تلقفاً روحانياًَ من الله ونزل به (5) 0 ومنهم من قال : أخذه من اللوح المحفوظ ونزل به (6) , فلذا رأينا أن نتكلم شيئاً عن اللوح المحفوظ فنقول :
من الأمور التي شط بها علماء الدين عن الحقيقة واليقين ما قالوه في اللوح المحفوظ من الأقوال الواهية 0 فقد قال جماعة منهم إن القرآن أنزل جملة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت السماء الدنيا ما يقال له بيت العزة فحفظه جبريل (1) , وغشي على أهل السموات من هيبة كلام الله فمر بهم جبريل وقد أفاقوا وقالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق , يعني القرآن , وهو معنى قوله : ( حتى إذا فزع عن قلوبهم ) (2) فأتى جبريل إلى بيت العزة فأملاه على السفرة الكتبة , يعني الملائكة , وهو معنى قوله تعالى : ( بأيدي سفرة * كرام بررة ) (3) 0
إن هذا الكلام قد نقلناه لك من كتاب الإتقان لجلال الدين السيوطي , ولنضعه تحت مجهر من التدبر والتفكير , ولننظر ماذا فيه ومن أين حصل وكيف لفق , وعندئذ تتبين لنا الحقيقة كما هي 0 أولاً : إن قولهم بأن القرآن نزل جملة واحدة في ليلة القدر قد علمنا منشأه ومبلغه من الحقيقة في ما مر من الكلام , فلا حاجة إلى أعادته 0
ثانياً : إن اللوح المحفوظ قد دلهم عليه القرآن فأخذوه وفهموه فهماً ما أنزل الله به من سلطان , ولم أقف على من دلهم على بيت / 888/ العزة , فمن أين أخذوه وكيف عرفوا اللوح المحفوظ من آخر آية سورة البروج : ( بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ ) (5) 0 ولنتكلم أولاً في اللوح ماذا يراد به في القرآن ثم نأتي على ما يقوله هؤلاء 0
يطلق اللوح في اللغة على كل صحيفة عريضة من خشب أو عظم أو غير ذلك , وكانوا في الزمان الأول يكتبون فيما وجدوه من ألواح الحجارة والخشب والعظام وغيرها لفقد القرطاس عندهم أو لقلته , فيقال كتب في اللوح , حتى قيل إن اللوح مأخوذ من أن المعاني تلوح فيه بالكتابة 0 وهذا القول صحيح بالنظر إلى استعمالهم اللوح للكتابة كالقرطاس , وإلا فاللوح في أصل اللغة لا يطلق إلا على ما فيه عرض واتساع , ولذا يطلق اللوح ( بفتح اللام وبضمها ) على ما بين السماء والأرض من الهواء أي الفضاء لانبساطه واتساعه 0
ولما كان اللوح يستعمل للكتابة عندهم , صح في الاستعمال اللغوي إطلاقه على الكتاب كما هو في هذه الآية , ويدل على ذلك أن القرآن استعمل الكتاب بدل اللوح في آية أخرى من سورة الواقعة فقال : ( إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون ) (6) أي مصون , فاللوح والكتاب في الآيتين شيء واحد 0
الكتاب
قد علمنا أن المراد باللوح المحفوظ وبالكتاب المكنون شيء واحد , ولننظر الآن في معنى الكتاب في أصل اللغة , ما هو وماذا يراد به في الاستعمال , فنقول : الكتاب مصدر كتب كتباً وكتاباً وكتبة وكتابة , فهذه أربعة / 889/ مصادر قد أطلقوا الثاني منها وهو الكتاب على المكتوب أيضاً تسمية بالمصدر , وهو كثير في كلامهم 0
أما المعنى المصدري لكتاب في أصل اللغة فنستطيع أن نفهمك إياه بثلاث كلمات متقاربة في معانيها : وهي الجمع والضبط والحفظ , فالذي نفهمه من هذه الكلمات الثلاث بمجموعه هو المعنى المصدري للكتاب كما يدل عليه الاستعمال اللغوي , فقد قالوا : كتب الكتاب إذا صور فيه اللفظ بحروف الهجاء 0 ولا ريب أن تصور الألفاظ بالحروف يتضمن جمعها وضبطها وحفظها من الضياع أو النسيان 0 وقالوا أيضاً : كتب السقاء إذا خرزه أي خاطه بسيرين , وكتب القربة إذا شدها بالوكاء وهو الرباط الذي يربط فيه فمها , وقالوا : كتب الناقة إذا ظأرها أي عطفها على ولد غيرها فخرم منخريها وشدها بشيء لئلا تشم البو (1) 0 وإيضاح ذلك أن الناقة شديدة الحنين على حوارها فإذا مات أخذوا جلده وحشوه تبناً ووضعوه في جنبها فتشمه , وهذا هو البو 0 فإذا أرادوا منعها من شم البو كتبوها0 وقالوا : كتيبة لجماعة من الجيش أو من الخيل لتجمعها وتحيزها وانضمام بعضها إلى البعض , إلى غير ذلك مما يطول إذا استوعبناه 0 وكل هذا نفهم منه ما هو معنى الكتابة في أصل اللغة (2) 0
إذا علمنا هذا ونظرنا في المعنى المراد من قضاء الله في الأزل ( سيأتي الكلام عن القضاء ) رأينا بينه وبين الكتاب تقارباً في المعنى وتشابهاً في القصد 0 فالكتاب يجمع ويضبط ويحفظ , وكذلك القضاء الأزلي , فإن الحادثات الكونية بأسرها مجموعة فيه مضبوط أمرها محفوظ من التخلف حدوثها , فلذلك نعم استعمل الكتاب في القرآن بمعنى قضاء الله في الأزل 0 / 890/
وقد أشرنا فيما مر إلى أن القرآن له اصطلاح خاص في استعمال الكلمات فقد يخرج في استعمالها بعض الخروج عن معانيها اللغوية المعروفة , ومن ذلك إطلاقه الكتاب على قضاء الله في الأزل 0 على أن الكتاب قد أطلق في اللغة أيضاً على الفرض والحكم وعلى القدر , كما هو مسطور في كتب اللغة , فبهذا قد علمنا ما هو اللوح المحفوظ 0 وها نحن نذكر لك بعض ما جاء في القرآن من استعمال الكتاب بمعنى قضاء الله في الأزل 0
قال في سورة الحجر : ( وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ) (3) , فكتابها هنا أجلها الذي سبق قضاء الله به في الأزل 0 وقال في سورة الأنعام : ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ) (1) ما تركنا وما أغفلنا شيئاً من الكائنات في قضائنا الأزلي الذي مشينا فيه بكل كائن يكون 0 وفي الأنعام أيضاً : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) (2) أي في قضائه الأزلي فهو عالم بكل شيء , وكيف لا يعلمه وقد جرى به قضاؤه وقدره في الأزل 0 وفي سورة الإسراء : ( وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطوراً ) (3) أي مقضياً به في الأزل لا يتبدل ولا يتغير كأنه مسطور في كتاب 0 وفي سورة هود : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) (4) أي كل ذلك مضبوط في قضائنا الأزلي 0 وفي سورة الملائكة : ( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ) (5) أي قضاء قضاه وقدر قدره 0 وفي سورة الحديد /891/ : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ) (6) أي هي قضاء قضى به الله في الأزل من قبل حدوثها ووقوعها 0
فالكتاب في هذه الآيات لا معنى له سوى قضاء الله في الأزل , وإنما سماه كتاباً لأن معنى الكتاب من أصل اللغة الضبط والجمع , كما مر ّ آنفاً , والكائنات بأسرها مضبوطة في قضاء الله وإرادته , فهو أي قضاء الله بمنزلة الكتاب الذي كتبت فيه الألفاظ والحروف أي جمعت وضبطت لكي لا تنسى ولا تضيع 0 أما وصفه هذا الكتاب بأنه محفوظ أو مكنون أي مصون فلأنه لا يقبل التبديل و التغيير , فهو منزه من أن تناله يد بشيء من ذلك , لا كما يقولون من أنه محفوظ من وصول أيدي الشياطين إليه 0 فمن هذا تعلم أنه ليس عند الله لوح أو كتاب بالمعنى الذي تفهمه عامة الناس , وأنه ليس لهذا الكتاب كتبة يكتبونه ويستنسخونه , وهم السفرة البررة أي الملائكة كما تقول الحشوية 0
القضاء والقدر
فإن قلت : قد فهمنا هذا ولكن ماذا يراد بالقضاء الذي جعله محمد كتاباً مكتوباً فيه كل كائن يكون , وماذا يراد بالقدر ؟
قلت ُ : إنني كتبت رسالة في آراء أبي العلاء المعري في لزومياته , فتكلمت فيها عن الجبر وعن القضاء والقدر , وها أنا أنقل لك ههنا ما قلته لأنه كاف ٍ لأن يكون جواباً لسؤالك هذا0 / 892/
إن كل حادث في الكون لا يكون إلا مسبباً عن حادث آخر قبله , إذ لا يأتي شيء من العدم إلى الوجود , كما لا يذهب شيء من الوجود إلى العدم , فكل حادث لا يحدث إلا مسبباً عن حادث آخر قبله يكون سبباً لحدوثه , وعندئذٍ يكون السبب هو الحادث الأول والمسبَّب هو الثاني 0 ويجوز أن يكون السبب خفياً غير ظاهر لنا فلا نراه ولا نعلم به , ولكن لا يجوز ولن يجوز أن يكون معدوماً لا موجوداً , بل هو ضروري الوجود لا بد منه , لأن بداهة العقل تحكم حكماً جازماً بأنه لا يكون مسبب بلا سبب 0 ثم إن ذلك الحادث الأول الذي كان سبباً للثاني لا يكون أيضاً إلا مسبباً عن حادث آخر قبله يكون سبباً له , وهكذا تمتد الأحداث في جهة الماضي متسلسلة إلى الأزل فيكون كل واحد منها حلقة من حلقات تلك السلسلة وتكون كل حلقة منها مسببة عما قبلها وسبباً لما بعدها , وهكذا حتى تصل السلسلة في الأزل إلى السبب القديم الأول الذي هو سبب الأسباب كلها وهو الله 0
فبهذا قد حصلت لنا سلسلة من الحادثات ذات طرفين : أحدهما : هو الطرف الأخير عندنا , والآخر : وهو الطرف الأول في الأزل 0 أما الأزل ( بفتحتين ) فهو القدم , ويطلق في الماضي على ما يقابل الأبد في المستقبل , وهو مأخوذ من الأزل ( بفتح فسكون ) بمعنى الضيق , فجعل أسماً لما يضيق القلب عن تقرير بدايته , كما أن الأبد اسم لما ينفر القلب من تقدير نهايته مأخوذ من الأبود وهو النفور 0
أتدري أيها القارئ الكريم ما هو القضاء والقدر ؟ هما طرفا هذه السلسلة التي صورناها لك 0 فالطرف الذي في الأزل هو القضاء / 893/ الصادر عن مسبب الأسباب وعلى العلل كلها , والطرف الذي عندنا هو القدر 0
قال علماء الكلام : إن تعلق الله بأمر من الأمور في الأزل هو القضاء , وإن إيجاد ذلك وإظهاره في الوجود على الوجه الذي أراده الله في الأزل هو القدر 0 فالسبب القديم الأول الذي ليس له ابتداء كما أنه ليس له انتهاء هو الله 0 وتعلق إرادته في الأزل هو القضاء الذي هو مسبب الأسباب , والأقدار كلها مسبَّبة ( بفتح الباء ) عنه بالتسلسل على الوجه الذي ذكرناه 0
هذا ما نقوله في اللوح المحفوظ وفي الكتاب المكنون الوارد ذكرهما في القرآن 0 أما ما يقوله علماء التفسير ورواة الأحاديث فلا نطيل عليك فيه , وإنما نلخصه لك في أنه لوح , وأنه محفوظ من أن تصل إليه الشياطين , وأنه فوق السماء السابعة تحت العرش , وأن القرآن مكتوب فيه , وأن أحرف القرآن مكتوبة فيه كل حرف منها بقدر جبل قاف , وأن تحت كل منها معاني لا يحيط بها إلا الله , إلى غير ذلك من الأقوال التي ذكرها صاحب الإتقان (1) 0 ولنذكر لك بعد هذا بعض ما قالوه في كيفية إنزال القرآن من اللوح المحفوظ تكملة لما ذكرناه فيما تقدم 0
لقد تعددت أقوالهم في كيفية إنزال القرآن من اللوح المحفوظ , فقال الطيبي كما في الإتقان لعل نزول القرآن على النبي أن يتلقفه الملك من الله تلقفاً روحانياً , أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به إلى الرسول فيلقيه عليه (2) 0
ملاحظة
نرى الطيبي متردداً في أن يأخذه الملك من اللوح المحفوظ , وما أدري إلى أي دليل يستند /894/ في الوجهين اللذين تردد فيهما , فإن كان الذي حمله على القول بأخذه من اللوح المحفوظ هو امتناع أخذه من الله ولو بطريق التلقف الروحاني كما قال , فلا بد أن أخذه من اللوح لا يكون إلا بأمر من الله , فكيف تلقى الأمر من الله وبأي طريق أخذه 0 ويظهر من قول الطيبي هذا أنه ليس من القائلين بإنزال القرآن في أول المر جملة واحدة إلى المساء الدنيا , لأنه يقول : إن الملك يتلقفه من الله أو يحفظه من اللوح فينزل به إلى الرسول لا إلى السماء الدنيا 0
وفي الإتقان قال القطب الرازي في حواشي الكشاف : الإنزال لغة بمعنى الإيواء , وبمعنى تحريك الشيء من علو إلى أسفل , وكلاهما لا يتحققان في الكلام , فهو مستعمل فيه بمعنى مجازي , فمن قال القرآن معنى قائم بذات الله فإنزاله أن يوجد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى ويثبتها في اللوح المحفوظ 0 ومن قال القرآن هو الألفاظ فإنزاله مجرد إثباته في اللوح المحفوظ , وهذا المعنى مناسب لكونه منقولاً على المعنيين اللغويين , ويمكن أن يكون المراد بإنزاله إثباته في السماء الدنيا بعد الإثبات في اللوح المحفوظ , وهذا مناسب للمعنى الثاني (3) 0 ) يتبع 00
(1) الإتقان , 1/ 40 – (2) سورة القدر , الآية : 1 – (3) الإتقان , 1/ 41 – (4) اعتمد المؤلف في كتابة هذا الفصل , على الجزء الأول من الإتقان , 1/ 39 – 43 – (5) الإتقان , 1/ 43 – (6) الإتقان , 1/ 40 – (1) الإتقان , 1/ 40 – (2) سورة سبأ , الآية : 23 – (3) سورة عبس , الآيتان : 15 – 16 – (4) الإتقان , 1/ 44 – (5) سورة البروج , الآيتان : 21 – 22 – (6) سورة الواقعة , الآيتان : 77- 78 – (1) أنظر لسان العرب , كتب ؛ والقاموس المحيط , كتب – (2) أنظر لسان العرب , كتب ؛ والقاموس المحيط و كتب – (3) سورة الحجر , الآية : 4 – (1) سورة الأنعام , الآية : 38 – (2) سورة الأنعام , الآية : 59 – (3) سورة الإسراء الآية : 58 – (4) سورة هود , الآية : 6 – (5) سورة فاطر , الآية : 11 – (6) سورة الحديد , الآية : 22- (1) الإتقان , 1/ 43 – (2) الإتقان , 1/ 43 – (3) الإتقان , 1/ 43 0
* من كتاب الشخصية المحمدية للكاتب والشاعر الأديب – معروف الرصافي