إسلاميات
 
 

 

الشخصية المحمدية

 

الشخصيّة المحمدية ( محمد )
الكتب القيمة في البلدان العربية والإسلامية , تُخفى , ولا أحد يذكرها أو يدلنا عليها , إن كتاباً فكرياً وتحليلياً ونقدياً مثل كتاب : الشاعر العراقي الكبير – معروف الرصافي – المعنون / كتاب الشخصية المحمدية / أو حل اللغز المقدس , يبقى طي الأدراج أكثر من /سبعين عاما/ لا لشيء فقط لأنه كتاب جرئ تحليلي , ينظر إلى الرسالة المحمدية وفق منهج منطقي , لذا نراه يُخفى ونحرم من قراءته إذ هو أهم الكتب التي عالجت السيرة المحمدية في القرن التاسع عشر , ويظهر لنا هذا الكتاب أن مؤلفه ليس كاتبا متميزاً للشعر فقط بل هو مفكر كبير فتعالوا نقرأ 0
(أعظم رجل عرفة التاريخ , أحدث في البشر أعظم انقلاب عام في الدين والسياسة والاجتماع , وقد أوجد هذا الانقلاب بواسطة نهضة عربية المبتدأ عالمية المنتهى , بدلت مجرى الحياة الإنسانية وحولتها إلى ما هو أعلى مّما كانت عليه قبلها حتى أن آثارها في قليل من الزمن عمت الشرق والغرب ولم تزل آثارها باقية إلى يومنا هذا وستبقى إلى ما شاء الله 0)
أن تلك الشخصية العظمى التي يمثلها شخص محمد بن عبد الله في بني آدم قد اجتمع فيها من عناصر الكمال البشري ما لم يعرف التاريخ اجتماعه في أحد قبله :
عزم لا يرده راد , وتفكير عميق الغور بعيد المرمى , وخيال واسع قوي يكاد يقاوم الحقيقة بقوته , وطموح إلى العلى لا يعلو عليه طموح 0
هذه من العناصر الأصلية التي تتكون منه شخصية محمد , أضف إلى ذلك ما أوتيه من غزارة عقل وثقوب ذكاء , إلاّ أنه في هذه الناحية لا يفوق إلا المحيط الذي نشأ فيه والعنصر الذي هو منه , أي أن عقليته لا تتجاوز في تفوقها إلا العقلية العربية في زمانه وبيئته , ولئن جاز أن يعلو عليه عال في العقل والذكاء فلا يجوز ولن يجوز أن يفوقه أحد فيما أوتي من صبر وحزم , وهو مع ذلك بشر يتعاوره من أحوال البشر ما يتعاور كل إنسان 0
وإذا دحضنا ما جاء به الرواة من الأخبار الملفقة بما يكذبها من المعقول ومن آيات القرآن لم نرَ في حياته ما يخرق العادة ويخالف سنة الله , التي لا تقبل التبديل ولا التحويل , أعني بسنة الله نواميس الطبيعة , بل نرى حياته كلّها لم تكن إلاّ طبق ما تقتضيه /4/ سنة الله في خلقه 0
وبما أنه بشر لا يخلو من معايب , ولا أقول هنا : (( كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه )) , بل أقول : (( جل ما لا عيب فيه وعلا )) لأن العبارة الثانية دون الأولى تنص على أن الكمال المطلق هو لله وحده 0 على أن المعايب للبشرية كلها لم تكن معايب , لذاتها بل لأمور اقتضتها المصلحة العامة في المجتمع , وإذا كان المرء عاملاً للمصلحة العامة فمعايبه التي تبدو في عمله لا تكون معايب , إذ يجوز أن تقتضي مصلحة العموم أن يعمل عملاً يكون عند الفرد معيباً والفرد لا حكم له في جنب العموم 0
ثم هي تختلف باختلاف مراتب الناس فقد يكون الشيء معيباً بالنسبة إلى أحدهم وغير معيب بالنسبة إلى الآخر , وقد قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين 0 ولا ريب أن الأمور التي نؤاخذ بها شخصية محمد لم تكن معايب إلاّ بالنسبة إلى تلك الشخصية من المقام الأسمى والمرتبة العليا 0
أن هذا الكلام الذي ألمنا فيه بالشخصية العجيبة المحمدية كلام مجمل سيأتيك بيانه مفصلاً مدللاً ومن الله التوفيق 0
لاإله إلاّ الله
مرِّ على البشر دهر كانوا فيه مستعبدين يعيشون بين رب ومربوب , وكان الرب الواحد منهم في نعيم والألوف من المربوبين في شقاء , وكان الأرباب فيهم كثيرين على درجات مختلفة , أمّا المربوبون فهم السواد الأعظم الذي يكد ويشقى لينعم الأرباب , وكان المربوبون يعملون لهم ويعبدونهم خوفاً وطمعاً , وقد أشار محمد إلى هذه الحالة بآية من آياته القرآنية إذ قال : (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) (1)0 أما القوة التي كان الأرباب يستعبدون بها المربوبين فهي إما مادية كالقوة البدنية وما يتبعها من سلاح وأعوان , وإما أدبية كالدين وما يتبعه من رؤساء وكهان 0 وقد تكون هاتان القوتان إحداهما عوناً للأخرى وقد تجتمعان في شخص واحد , وخلاصة القول أن هاتين القوتين كانتا منذ عرف التاريخ إلى يومنا هذا هما الواسطة لاستعباد البشر بعضهم بعضاً 0
لاشك أن هذه الحالة التي لا تعرف للمجتمع حقوقاً غير حقوق الأرباب محتاجة إلى الإصلاح , وإن خير ضامن لإصلاحها ما جاء به محمد من كلمة التوحيد (( لا إله إلاّ الله )) وهي من مخترعاته التي لم يسبق إليها على ما أرى , لأن ((يهوا)) إله اليهود وإن كان واحداً , ألاّ أنه ليس بإله عام بل هو إله إسرائيل فقط , كما أنه إله إسرائيل في الأرض الموعودة فقط , أمّا الإله الأعظم العام والشامل المهيمن على جميع المخلوقات فهو الله الذي عرفه /5/ ووحّده محمد لا غير , فهو إذن بهذا المعنى من تصوراته التي لم يسبقه أحد إليها 0
قد يقال إن العرب في جاهليتهم قبل محمد كانوا يعرفون الله بهذا المعنى , أي أنه إله عام خالق لجميع المخلوقات ( لئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ) (1) , فأقول نعم ! ولكنهم لا يوحدونه بل يجعلون له شركاء فلم تنتف عنهم العبودية لغيره من أصنام وغير أصنام 0
وإذا تأملنا جيداً في معنى (( لا إله إلاّ الله ) وجدنا كل ما فيها أنها ترتقي بالناس من طور أدنى إلى طور أعلى , إذ تخرجهم من طور عبودية عامة إلى طور عبودية خاصة أي أنها تجعل الناس كلهم مستعبدين لإله واحد لا شريك له هو خالق الكائنات 0 فالمنفعة المترتبة على كلمة التوحيد هي للناس لا لله لأنها تحررهم من العبودية لغير الله , فنفعها لا يعود إلاّ إليهم وفائدتها لا تكون إلاّ لهم وإلاّ فإن الله لا يضره أن يعبد الناس غيره , كما لاينفعه أن يعبدوه دون سواه ( أن الله غني عن العالمين ) (2)0
(1) سورة آل عمران , الآية : 164- (1) سورة لقمان , الآية : 125 – سورة الزمر الآية : 38- (2) سور آل عمران . الآية : 97- 0
* معروف الرصافي مواليد عام – 1875م – 1945 م شاعر وأديب عراقي 0 أشتغل معظم حياته في التدريس ومارس الصحافة صدر أول ديوان له ببيروت عام 1911 , كما مارس الترجمة عن التركية وله العديد من المؤلفات النثرية والشعرية وله العديد من المخطوطات التي لم تُطبع ومنها هذا الكتاب الذي أنجزه عام 1933 في الفلوجة بالعراق – وهو صادر عن منشورات ( الجمل ) 0 الطبعة الأولى ألمانيا – 2002 0
الكتاب مأخوذ عن النسخة الأصلية الوثائقية الموجودة في إحدى مكتبات جامعة ( هارفرد )


هدف محمد من الدعوة