تراث وفقـه
 
 
00-08-2017


الجن والشياطين في التراث الاسلامي

أخبرنا الشيخ الثقة أبو الطاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر الفرشيّ الخشوعي رحمه الله قراءة عليه، وأنا أسمع في يوم اثنين تاسع عشرين من ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين وخمسمئة، قال: أخبرنا الشيخ أبو الحسن علي بن المُسلَّم بن محمد بن الفتح السُّلمي الفقيه قراءة عليه، وأنا أسمع، في شوال سنة تسع عشرة وخمسمئة، قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن أبي الحديد السُّلميّ، بقراءتي عليه، في ذي الحجّة سنة ست وستين وأربعمئة، قال: أنبأ جدّي أبو بكر محمد بن أحمد بن عثمان السُّلمي، قراءةً عليه، قال: أنبا أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل السَّامرِّيِّ الخرائطيِّ، قال: حدثنا إبراهيم بن هانئ النيسابوري، قال: ثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية ابن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جُبير بن نُفير، عن أبي ثعلبة، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: الجنُّ على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيّات وكلاب، وصنف يحلُّون ويظعنون. (هواتف الجنان، الخرائطلي، النسخة الالكترونية، ص 1-2)

حدثنا عبد الله بن محمد البلوي، قال: ثنا عمارة بن زيد، قال: حدثني أبو البَخْتَرَي وهب بن وهب، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن يحيى ابن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، قال: حدثني سلمان الفارسي، قال: كُنَّا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده في يوم مطير، ذي سحائب ورياح، ونحن ملتفُّون حوله، فسمعنا صوتاً لا نرى شخصه، وهو يقول: السلامُ عليك يا رسول الله. فَرَّد عليك السلام، وقال: ردَّوا على أخيكم السلام قال: فرددنا عليه. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلمَّ: من أنت؟ قال: أنا عُرفُطة، أظهر لنا "رحمك الله" في صورتك.
قال سلمان: فظهر لنا شيخٌ أَزَبُّ أشعر، قد لبس وجهه شعر غليظ متكاثف قد واراه، وإذا عيناه مشقوقتان طولاً، وله فم في صدره، فيه أنياب بادية طوال، وإذا له في موضع الأظفار من يديه مخالب كمخالب السباع، فلما رأيناه اقشعرَّت جلودنا، ودنونا من النبيِّ صلّى الله عليه وسلَّم.
فقال الشيخ: يا نبيّ الله. أبعث معي من يدعوا جماعة قومي إلى الإسلام، وأنا أردُّهُ إليك سالما إن شاء الله.
فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلَّم لأصحابه، أيُّكم يقومُ فيبلِّغُ الجنَّ عنِّي وله عليَّ الجنَّة. فما قام أحد.
وقال الثانية والثالثة، فما قام أحد.
فقال عليٌّ كرم الله وجهه: أنا يا رسول الله.
فالتفت النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الشيخ، فقال: وافِني إلى الحرَّة، في هذه الليلة، أبعثُ معك رجلاً، يفصل بحكمي، وينطق بلساني، ويبلَّغ الجنّ عنّي. قال سلمان: فغاب الشيخ، وأقمنا يومنا، فلما صلَّى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم العشاء الآخرة، وانصرف الناس من المسجد، قال: يا سلمان سر معي. فخرجت معه، وعليٌّ بين يديه، حتى أتينا الحرَّة.
فإذا الشيخ على بعير كالشاة، وإذا بعير آخر على ارتفاع الفرس، فحمل عليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عليّاً، وحملني خلفه، وشدَّ وسطي إلى وسطه بعمامة، وعصَّب عينيَّ؛ وقال: يا سلمان لا تفتحنَّ عينيك حتى تسمع عليّاً يؤذِّن، ولا يروعك ما تسمع، فإنك آمن إن شاء الله. ثم أوصى عليّاً بما أحبَّ أن يوصيه، ثم قال: سيروا، ولا قوَّة إلاَّ بالله.
فثار البعير سائراً يدفُّ كدفيف النعام، وعليٌّ يتلو القرآن؛ فسرنا ليلتنا حتى إذا طلع الفجر أذَّنَ عليٌّ، وأناخ البعير، وقال: انزل يا سلمان. فحللت عينيَّ ونزلت، فإذا أرض قوراء، لا ماء ولا شجر، ولا عود ولا حجر، فلمَّا بأن الفجر أقام عليٌّ الصلاة وتقدَّم وصلَّى بنا أنا والشيخ. ولا أزال أسمع الحسَّ حتى إذا سلَّم عليٌّ التفت، فإذا خلق عظيم، لا يُسمعهم إلاَّ الخطيب الصَّيِّت الجهير، فأقام عليٌّ يسبِّح ربَّه، حتى طلعت الشمس، ثم قام فيهم خطيباً، فخطبهم، فاعترضه منهم مَرَدَةٌ، فأقبل عليٌّ عليهم، فقال: أبالحقِّ تكذِّبون، وعن القرآن تصدفون، وبآيات الله تجحدون؟ ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: بالكلمة العظمى، والأسماء الحسنى، والعزائم الكبرى، والحيِّ القيّوم، محيي الموتى، وربِّ الأرض والسماء؛ يا حَرَسَة الجنِّ، ورَصَدَة الشياطين، خُدَّام الله الشرهباليين، ذوي الأرواح الطاهرة.
اهبطوا بالجمرة التي لا تطفأ، والشهاب الثاقب، والشواظ المحرق، والنحاس القاتل، بآلمص، والذاريات، وكهيعص، والطواسين، ويس، و (ن والقلم وما يسطرون) (والنجم إذا هوى) (والطور وكتاب مسطورٍ في رَقٍّ منشورٍ والبيت المعمور) والأقسام والأحكام، ومواقع النجوم؛ لما أسرعتم الانحدار إلى المَرَدةِ المتولِّعين المتكبرين، الجاحدين لآيات ربِّ العالمين.
قال سلمان: فحسستُ الأرض من تحتي ترتعد، ثم نزلت نار من السماء صَعِقَ لها كلُّ مَن رآها من الجن، وخرَّت على وجوهها مغشيّاً عليها، وخررتُ أنا على وجهي، ثم أفقت فإذا دخان يفور من الأرض يحول بيني وبين النظر إلى عَبَثَة المردة من الجن، فأقام الدخان طويلاً بالأرض.
قال سلمان: فصاح بهم عليّ: ارفعوا رؤوسكم: فقد أهلك الله الظالمين، ثم عاد إلى خطبته، فقال: يا معشر الجنِّ والشياطين والغيلان، وبني شمراخ وآل نجاح، وسكان الآجام والرمال، والأقفار، وجميع شياطين البلدان: اعلموا أن الأرض قد مُلئت عدلاً، كما كانت مملوءة جوراً. هذا هو الحقُّ (فماذا بعد الحقِّ إلاَّ الضلال فأنى تُصرفون) .
قال سلمان: فعجبت الجنُّ لعلمه، وانقادوا مذعنين له، وقالوا: أمنّا بالله وبرسوله، وبرسول رسوله، لا نكذِّب وأنت الصادق والمصدَّق.
قال سلمان: فانصرفنا في الليل على البعير الذي كنّا عليه، وشدَّ علٌّ وسطي إلى وسطه، وقال: اعصب عينيك، واذكر الله في نفسك. وسرنا يدفُّ بنا البعير دفيفاً، والشيخ الذي قدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أمامنا، حتى قدمنا الحرَّة، وذلك قبل طلوع الفجر، فنزل عليٌّ ونزلت، وسَرَّح البعير فمضى، ودخلنا المدينة فصلينا الغداة مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمَّا سلَّم رآنا، فقال لعليٍّ: كيف رأيت القوم؟ قال: أجابوا وأذعنوا. وقصَّ عليه خبرهم. فقال رسول الله: أما إنهم لا يزالون لك هائبين إلى يوم القيامة. (السابق، ص 3-7)

حدثنا أبو موسى عمران بن موسى المؤذن، قال: ثنا محمد بن عمران "بن محمد بن عبد الرحمن" ابن أبي ليلى، قال: ثنا سعيد بن عبيد الله الوصافي، عن أبيه عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: دخل سواد بن قارب السدوسي على عمر بن الخطاب، فقال: نشدتك بالله يا سواد بن قارب؛ هل تحسُّ اليوم من كهانتك شيئاً؟ فقال: سبحان الله يا أمير المؤمنين! ما استقبلت أحداً من جلسائك بمثل ما استقبلتني به. قال: سبحان الله يا سواد! ما كنّا عليه من شركنا أعظم ممّا كنت عليه من كهانتك، والله يا سواد لقد بلغني عنك حديث إنه لعجب من العجب. قال: أي والله يا أمير المؤمنين، إنه لعجب من العجب. قال: فحدثنيه. قال: كنت كاهناً في الجاهلية، فينا أنا ذات ليلة نائم إذ أتاني نجيّي، فضربني برجله، ثم قال: يا سواد! اسمع أقل لك. قلت: هات قال "من السريع":
عجبتُ للجنِّ وإيجاسها ... ورحلها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمنوها مثل أرجاسها
فارحلْ إلى الصفوة من هاشمٍ ... واسمُ بعينيك إلى رأسها
قال: فنمتُ، ولم أحفل بقوله شيئاً، فلما كانت الليلة الثانية، أتاني فضربني برجله، ثم قال: قم يا سواد اسمع أقُلْ لك. قلت: هات. قال "من السريع":
عجبتُ للجنِّ وتطلابها ... ورحلها العيسَ بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما صادقو الجنّ ككذّابها
فارحلْ إلى الصفوة من هاشم ... ليس المقاديمُ كأذنابها
قال: فحرَّك قوله مني شيئاً، ونمت: فلما كانت الليلة الثالثة، أتاني فضربني برجله، ثم قال: يا سواد، أتعقل أم لا تعقل؟ قلت: وما ذاك؟ قال: قد ظهر بمكة نبيٌّ، يدعو إلأى عبادة ربه، فالحقْ به: اسمع أقلْ لك. قلت: هات. قال: "من السريع":
عجبتُ للجنِّ وأخبارها ... ورحلها العيسَ بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمنوها مثل كفّارها
فارحلْ إلى الصفوة من هاشمْ ... بين روابيها وأحبارها
قال: فعلمتُ أن الله عزّ وجل قد أراد بي خيراً.
فقمتُ إلى بُردة لي ففتقتُها، ولبستُها، ووضعتُ رجلي في غرز ركاب الناقة حتى انتهيت إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فعرض عليَّ الإسلام، فأسلمتُ وأخبرته الخبر. قال: إذا اجتمع المسلمون فأخبرهم.
فلمّا اجتمع الناس قمتُ فقلتُ "من الطويل":
أتاني نجيِّ بعد هَدءٍ ورَقدةٍ ... ولم يكُ فيما قد بلوتُ بكاذبِ
ثلاث ليالٍ قولُهُ كلَّ ليلةٍ ... أتاكَ رسولٌ من لؤيّ بن غالبِ
فشمَّرتُ عن ذيلي الإزار ووسَّطت ... بي الدُّعلبُ الوجناءُ غبر السَّباسبِ
وأعلمُ أنَّ اللهَ لا ربّض غيرُه ... وأنك مأمونٌ على كلِّ غائبِ
وأنك أدنى المؤمنين وسيلةً ... إلى الله يا بن الأكرمين الأطايبِ
فمرنا بما يأْتيكَ يا خيرَ مُرسلٍ ... وإنْ كان فيما جاءَ شيبُ الذَّوائبِ
وكن لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍ ... سواك بمغنٍ عن سواد بن غاربِ
قال: فسُرَّ المسلمون بذلك، وبالطبع سرور المسلمين هدف القصة..
فقال عمر: هل تحسُّ اليوم منها بشيء؟ قال: أمَّا مُذ علَّمني الله القرآن فلا.
وتصور لو انه قال نعم ماذا كان سيحل به. (السابق، ص 10-7)

حدثنا عبد الله بن محمد البلويّ، بمصر، قال: ثنا عُمارة بن زيد، حدثني عيسى بن زيد، عن صالح بن كيسان، عَمَّن حدّثه، عن مرداس بن قيس الدَّوسيّ، قال: حضرتُ النّبي الله عليه وسلّم، وقد ذُكرت عنده الكناهة، وما كان من تعبيرها عند مخرجِهِ. فقلت: يا رسولَ الله، قد كان عندنا من ذلكَ شيءٌّ، أُخبرك أَنَّ جاريةً منّا يقال لها خلصَة، لم نعلمْ عليها إِلاَّ خيراً، إِذا جاءَتنا فقالت: يا معردوس، العَجَبَ العَجَب لِمَا أَصابني! هل علمتم إلاّ خيراً؟ قلنا: وما ذاك؟ قالت: إنّي لفي غنمي، إذا غشيتني ظلمةٌ، ووجدت كحسِّ الرجل مع المرأة، فقد خشيت أن أكون قد حبلت. حتى إذا دنت ولادتها، وضعت غلاماً أغضف له أذنان كأذني الكلب، فمكث فينا حتى إنه ليلعب مع الغلمان، إذا وثب وثبةً، وألقى إزاره، وصاح بأعلى صوته، وجعل يقول: يا ويله يا ويله، يا عوله يا عوله، يا ويل غنم، ويا ويل فهم، من قابس النار "من الرجز":
الخيلُ واللهِ وراءَ العقبة ... فيهنّ فتيانٌ حِسانٌ نَجَبَه
قال: فركبنا وأخذنا الأداة، وقلنا: ويلك ما ترى؟ قال: هل من جاريةٍ طامث؟ قلنا: ومن لنا بها؟ فقال شيخٌ منّا: هي والله عندي، عفيفة الأمّ. فقلنا: فجعلها؛ وأتى بالجارية، وطلع الجبل، وقال للجارية: اطرحي ثوبك واخرجي في وجوههم.
وقال للقوم: اتبعوا أثرها. وصاح برجل منّا يُقال له: أحمر بن حابس، فقال: يا أحمر بن حابس، عليك أول فارسٍ.
فحمل أحمر فطحن أول فارس فصرعه، وانهزموا وغنمناهم. قال: فابتنيا عليه بيتاً وسميناه: ذا الخلصة. وكان لا يقول لنا شيئاً إلاّ كان كما يقول. حتى إذا كان مبعثك يا رسول الله، قال لنا يوماً: يا معشر دوس نزلت بنو الحارث بن كعب فاركبوا، فركبنا، فقال لنا: أكدسوا الخيل كدساً، واحشوا القوم رمساً، القوهم غُدَيَّة، واشربوا الخمر عشيَّة.
قال: فلقيناهم فهزمونا وفضحونا، فرجعنا إليه فقلنا: ما حالك؟ وما الذي صنعت بنا؟ فنظرنا إليه وقد احمرت عيناه، وابيضَّت أُذناه، وانزمَّ غضباً، حتى كاد أن ينفطر، وقام. فركبنا واغتفرنا هذه له.
ومكثنا بعد ذلك حيناً، ثم دعانا، فقال: هل لكم في غزوة تهب لكم عِزاً، وتجعل لكم حرزاً، وتكون في أيديكم كنزاً؟ قلنا: ما أحوجنا إلى ذلك.
فقال: اركبوا، فركبنا، وقلنا: ما تقول؟ قال: بنو الحارث بن مسلمة، ثم
قال: قفوا، فوقنا. ثم قال: عليكم بفهم، ثم قال: ليس لكم فيه دمٌ؛ عليكم بمضر، هم أرباب خيل ونعم. ثم قال: لا، زهط بن دريد الصِّمَّة. قليل العدَّة، وفيِّ الذِّمة، ثم قال: لا، ولكن عليك بكعب بن ربيعة، واشكرها صنيعة، عامر بن صعصعة، فلتكن بهم الوقيعة.
قال: فلقيناه فهزمونا وفضحونا، فرجعنا وقلنا: ويلك! ما تصنعّ بنا؟ قال: ما أدري، كذبني الذي كان يصدقني؛ اسجنوني في بيتي ثلاثا ثم ائتوني ففعلنا به ذلك، ثم أتينا بد ثالثةٍ، ففتحنا عند فإذا هو كأنه جمرةٌ نار. فقال: يا معشر دوس حرست السماء، وخرج خير الأنبياء.
قلنا: أين؟ قال: بمكة؛ وأنا ميت فادفنوني في رأس جبل فإني سوف اضطرم ناراً، وإن تركتموني كنت عليكم عاراً. فإذا رأيتم اضطرامي وتلهُّبي فاقذفوني بثلاثة أحجار، ثم قولوا من كل حجرٍ: باسمك اللهم. فإني أهدأ وأطفأ. قال: وإنه مات فاشتعل نارا، ففعلنا بعه ما أمر فقذفناه بثلاثة أحجار نقول مع كلّ حجر باسمك اللهم. فخمد وطفئ.
وأقمنا حتى قدم علينا الحاجُّ فأخبرونا بمبعثك يا رسول الله. (السابق، ص 12-10)

حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح، أبو بكر الوّراق، قال: ثنا عمرو بن عثمان، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عبد الله بن عبد العزيز، قال: حدثني محمد بن عبد العزيز، عن الزُّهري، عن عبد الرحمن بن أنس السُّلمي، عن العباس بن مرداس. انه كان يغير في لقاح له نصف النهار إذا طلعت عليه نعامة بيضاء عليها راكب، عليه ثياب بيض مثل اللبن، فقال: يا عباس بن مرداس، ألم تر أنّ السماء كُفَّتْ أحراسها، وأنّ الحرب جُرِّعت أنفاسها، ولأن الخيل وضعت أحلاسها، وأنّ الدين نزل بالبرّ والتقوى، يوم الاثنين ليلة الثلاثاء "مع" صاحب الناقة القصوى؟
قال: فرجعت مرعوباً، قد راعني ما رأيت وسمعت حتى جئت وثناً لنا يُدعى الضِّماد وكنَّا نعبده، ونُكلَّمُ من جوفه؛ فكنست ما حوله، ثم تمسَّحتُ به، وقبَّلتُهُ، فإذا صائحٌ من جوفه يقول "من الكامل":
قلْ للقبائل من سُلي كُلِّها ... هلكَ الضِّمادُ، وفازَ أَهلُ المسجدِ
هلكَ الضِّمادُ كان يُعبدُ مَرَّةً ... قبلَ الصَّلاةِ مع النبيّ محمدِ
إِنّ الذي جا بالنبوَّة والهدى ... بعدَ ابن مريمَ من قريشٍ مهتدِ
قال: فخرجت مرعوباً حتى أتيت قومي. فقصصت عليهم القصة وأخبرتهم الخبر، وخرجت في ثلاثمئة من قومي من بني حارثة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو بالمدينة فدخلنا المسجد. فلمّا رآني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال لي: يا عباس، كيف كان إسلامك؟ فقصصت عليه القصة. قال: فسُرَّ بذلك، فأسلمت أنا وقومي. (السابق، ص 20-19)

حدثنا عبد الله، قال: ثنا عمارة، قال: حدثني عبد الله بن العلاء قال: ثنا محمد بن بُكير عن سعيد بن جُبير. أن رجلاً من بني تميم، يُقال له: رافع بن عُمير، وكان أهدى الناس لطريقٍ، وأسراهم بليلٍ، وأهجمهم على هولٍ، وكانت العرب تُسميه لذلك: دعموص العرب لهدايته وجرأته على السير.
فذكر عن بدء إسلامه، قال: إني لأسير برمل عالجٍ ذات ليلة، إذ غلبني النَّوم، فنزلتُ عن راحلتي، وأنختها، وتوسَّدتُ ذراعها، ونمت؛ وقد تعوَّذتُ قبل نومي، فقلت: أعوذ بعظيم هذا الوادي من الجنِّ، من أن أُوذَى أو أًهاج. فرأيتُ في منامي رجلاً شاباً يرصد ناقتي وبيده حربة يريد أن يضعها في نحرها، فانتبهت لذلك فرعاً، فنظرتُ يميناً وشمالاً، فلم أرَ شيئاً. فقلتُ: هذا حُلم.
ثم عُدتُ فغفوتُ، فرأيتُ في منامي مثل رؤياي الأولى، فانتبهتُ فدرتُ حول ناقتي، وإذا ناقتي ترعد.
ثم غفوتُ فرأيتُ مثل ذلك، فانتبهتُ فرأيتُ ناقتي تضطرب، فالتفتُّ فإذا أنا برجلٍ شابٍّ، كالذي رأيته في المنام، بيده حربة، ورجل شيخ ممسك بيده يرُدُّه عنها، وهو يقول "من الكامل":
يا مالكَ بنَ مهلهلَ بنَ أثارِ ... مَهْلاً فدىً لكَ مئزري وإزاري
عن ناقةِ الإنسيِّ لا تعرض لها ... واخترْ بها ما شئتَ من أثواري
ولقد بدا لي منكَ ما لم أحتسبْ ... إلاَّ رعيتَ قرابتي وذماري
تسمو إليه بحربةٍ مسمومةٍ ... تبّاً لفعلك يا أبن العقَّارِ
لولا الحياءُ وأنّ أهلكَ جيرةٌ ... لعلمتَ ما كشَّفتَ عن أخباري
قال: فأجابه الشاب وهو يقول "من الكامل":
أأردتَ أن تعلو وتُخفَض ذكرنا ... في غير مِرزِئَةٍ أبا العيزارِ
ما كان فيكم سيِّدٌ فيما مضى ... إنَّ الخيارَ همُ بنو الأخيارِ
فاقصدْ لقصدكَ يا مكيرُ إنما ... كان المجيرُ مهلهل ابن أثار
قال: فبينما هما يتنازعان إذ طلعت ثلاثة أثوار من الوحش، فقال الشيخ للفتى: قُم يا ابن أُختِ فخذ أيُّها شئت فداءً لناقة جاري الإنسيِّ. فقام الفتى فأخذ منها ثوراً، وانصرف. ثم التفت إليَّ الشيخ فقال: يا هذا إذا نزلتَ وادياً من الأودية، فخفتَ هوله، فقل: أعوذ بالله ربَّ محمدٍ من هول هذا الوادي، ولا تعذ بأحدٍ من الجنِّ؛ فقد بطل أمرها.
قال: فقلتُ له: ومن محمد هذا؟ قال: نبيٌّ، عربيٌّ، لا شرقيٍّ ولا غربيٍّ، بُعث يوم الاثنين. قلت فأين مسكنه؟ قال: يثرب ذات النخل.
قال: فركبتُ راحلتي حين برق لي الصبح، وحدّدت السير، حتى تقحَّمتُ المدينة. فرآني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فحدَّثني بحديثي قبل أن أذكر له منه شيئاً، ودعاني إلى الإسلام، فأسلمت.
قال سعيد بن جُبير: وكنّا نرى أنه هو الذي أنزل الله فيه: (وأنه كان رجالٌ من الإنسِ يعوذون برجالٍ من الجنِّ فزادوهم رَهَقاً) .
(السابق، ص 24-22)

حدثنا عبد الله بن محمد البَلَويّ، قال: ثنا عُمارة بن زيد، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه عن ابن عباس، قال: لمّا توجه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الحديبية إلى مكة، أصاب الناس عطش شديد، وحرٌّ شديد؛ فنزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الجحفة متعطشاً والناس عطاش. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: مَن رجل يمضي في نفر من المسلمين معهم القِرَب، فيَردون البئر ذات العَلَم، ثم يعود، فيضمن له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الجنَّة؟ فقام رجل من القوم فقال: أنا يا رسول الله. فوجَّهه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ووجَّه معه السُّقاة. فأخبرني سَلَمَة بن الأكوع، قال: كنتُ في السُّقاة. قال: فمضينا؛ حتى إذا دنونا من الشجر والبئر سمعنا في الشجر حسّاً وحركةً شديدةً، ورأينا نيراناً تتّقد بغير حطب، فأُرعب الرجل الذي كنّا معه، وأُرعبناً رُعباً شديداً حتى ما يملك أحد منا نفسه، فرجعنا ولم نطقْ أن نجاوز الشجر. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ما لَكَ رجعت؟ بأبي وأُمي يا رسول الله؛ إني لماض إلى الدَّغل والشجر إذ سمعنا حركةً شديدةً، ورأينا نيراناً تتقد بغير حطب، فأُرعبنا رعباً شديداً، فلم نقدر أن نجاوز موضعنا، فرجعنا إليك يا رسول الله. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: تلك عصابة من الجنِّ هوَّلت عليك. أما أنك لو مضيت لوجهك حيث أمرتك ما نالك منهم سوء، ولرأيت فيهم عبرةً وعجباً. قال: ثم دعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رجلاً آخر من أصحابه، فوجَّه به، وقد سمع كلام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم للرجل الأول حيث قال: أما أنك لو مضيت لوجهك حيث أمرتك لما نالك مكروه. قال سلمة: ومضى الرجل ونحن معه نحو الماء وجعل يرتجز ويقول "من الرجز": أَمن عزيفِ الجنِّ في دَوْحِ السَّلَمْ ... ينكلُ مَن وَجَّههُ خيرُ الأُممْ من قبلِ أن يبلغَ آبارَ العَلَمْ ... فيستقي والليلُ مبسوطُ الظُّلَمْ ويأْمنُ الذَّمَّ وتوبيخَ الكَلِمْ ثم مضى، حتى إذا كان في ذلك الموضع، سمع وسمعنا من الشجر ذلك الحسَّ، وتلك الحركة؛ فذُعر ذعراً شديداً حتى ما يستطيع أحدنا أن يُكلِّم صاحبه. فرجع ورجعنا لا نملك أنفسنا. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم للرجل: ما حالك؟ فقال: يا رسول الله؛ والذي بعثك بالحقِّ لقد ذُعرت ذعراً شديداً ما ذُعرت مثله قط. وقلنا ذلك معه. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: تلك عصابة من الجنِّ هوَّلوا عليكم؛ ولو سرتَ حيث أمرتك لما رأيت إلاَّ خيراً، ولرأيت فيهم عبرة ولم ترَ سوءاً. قال: واشتدَّ العطش بالمسلمين، وكره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يهجم بالمسلمين في الشجر والدَّغل ليلاً. فدعا عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، فأقبل إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال له: سرْ مع هؤلاء السُّقاة حتى ترِد بئر العلم، فتسقي وتعود إن شاء الله. قال سلمة بن الأكوع: فخرج عليٌّ أمامنا ونحن في أثره، والقِرَبُ في أعناقنا، وسيوفنا بأيدينا؛ وعليٌّ يقدمنا، وإنّا لنحضر خلفه ما نلحقه، وهو يقول "من الرجز": أعوذُ بالرَّحمنِ أن أميلا ... من عزفِ جِنٍّ أظهرت تهويلا وأوقدت نيرانها تعويلا ... وقرّعت معْ عزفها الطبولا قال: فسار ونحن معه، نسمع تلك الحركة، وذلك الحسَّ، فدخلنا من الرُّعب مثل الذي كنّا نعرف. وظننَّا أن عليّاً سيرجع كما رجع صاحباه. فالتفت إلينا وقال: اتبعوا أثري، ولا يفزعنّكم ما ترون، فليس بضائركم إن شاء الله. ومرَّ لا يلتفت على أحد حتى دخل بنا الشجر. فإذا نيران تضطرم بغير حطب. وإذا رؤوس قد قُطعت لها ضجَّة ولألسنتها لجلجة شديدة، وأصوات هائلة. فتا لقد أحسست برأسي قد انصرفت قشرته، ووقعت شعرته، ورجف قلبي حتى لا أملك نفسي. وعليٌّ يتخطَّى تلك الرؤوس، ويقول: اتبعوني ولا خوف عليكم، ولا يلتفت أحد منكم يميناً ولا شمالاً. فجعلنا نتلو أثره حتى جاوزنا الشجر ووردنا الماء، فاستقتِ السُّقاة، ومعنا دلو واحد، فأدلاه البراء بن مالك في البئر، فاستسقى دلواً أو دلوين، ثم انقطع الدَّلو فوقع في القليب. والقليب ضيِّق مظلم بعيد. فسمعنا في أسفل القليب قهقهة وضحكاً شديداً، فراعنا ذلك. فقال عليٌّ: مَن يرجع إلى عسكرنا فيأتينا بدلو أو دلوين؟ فقال أصحابه: ومن يستطيع أن يجاوز الشجر مع ما رأينا وسمعنا؟ قال عليٌّ: فإني نازل في القليب، فإذا نزلت فأدلوا إليَّ قِرَبكم. ثم اتزر بمئزر، ثم نزل في القليب. وما تزداد القهقهة إلاَّ علوّاً. فوالذي نفس محمد بيده إنه لينزل وما فينا أحد إلاَّ وعضداه يهتزَّان رعباً. وجعل ينحدر في مراقي القليب إذ زلَّت رجله فسقط في القليب، فسمعنا وجبة شديدة ازددنا لها رعباً. وجعلنا نسمع اضطراباً شديداً، وغطيطاً كغطيط المجنون. ثم نادى عليُّ: الله أكبر، الله أكبر؛ أنا عبد الله وأخو رسوله، هلمّوا قِرَبَكُم، فدلَّيناها إليه، فأفعمها وعصَّبها في القليب، ثم أصعد على عنقه شيئاً شَيئاً عن آخرها. ثم حمل قربتين وحملنا نحن قِربةً قِربةً، ومرَّ بين أيدينا لا يكلِّمنا، ولا نُكلِّمه، ولا يذكر لنا شيئاً؛ إلاَّ أنَّن نسمع همهمةً. حتى إذا صرنا بموضع الشجر لم نَرَ مما رأينا شيئاً، ولا سمعنا ممّا كنّا نسمع حسّاً. حتى إذا كدنا أن نجاوز الشجر سمعنا صوتاً منقطعاً أبحَّ وهو يقول "من الرجز": أيّ فتى ليلٍ أخي رَوْعاتِ ... وأيّ سَبَّاقٍ إلى الغايات للهِ درُّ الغُررِ السّاداتِ ... من هاشم الهاماتِ والقاماتِ مثل رسول اللهِ ذي الآياتِ ... وعمِّه المقتولِ ذي السبقاتِ حمزةَ ذي الجنّاتِ والرَّوضاتِ ... أو كعليٍ كاشف الكرباتِ كذا يكونُ الموفيَ الحاجاتِ ... والضرب للأبطالِ والهاماتِ قال سَلَمَة بن الأكوع: وعلٌّ أمامنا يرتجز ويقول "من الرجز": الليلُ هولٌ يرهبُ المهيبا ... ويُذهلُ المشجَّعَ اللبيبَا ولستُ فيه أرهبُ الترهيبا ... لأنني أهولُ منه ذيبَا ولستُ أخشى الرَّوع والخطوبا ... ولا أُبالي الهولَ والكروبا إذا هززتُ الصَّارم القضيبا ... أبصرتَ منه عجباً عجيبا قال سَلَمَة: وانتهى عليٌّ إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وله زجل. فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ماذا رأيت في طريقك يا عليُّ؟ فأخبره بما رأى. فقال: إنّ الذي رأيت مَثَل ضَرَبَه الله لي ولمن حضر معي في وجهي هذا. قال عليٌّ: بأبي وأمي يا رسول الله فاشرحه لي. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أمَّا الرؤوس التي رأيت والنيران، والرؤوس ملجلجة بألسنتها لها أصوات هائلة، وضجة مفزعة: فذاك مثل أناس يشهدون معي، ويرون إحساني ويسمعون كتاب ربّي وحكمته، ولا تؤمن قلوبهم. والهاتف الذي هتف بك فذاك قاتل الحقِّ وهو سملقة بن عراني الذي قتل عدوَّ الله مِسْعراً شيطان الأصنام الذي كان يكلِّم قريشاً منها ويسرع في هجائي لعنه الله. (السابق، ص 30-25)

حدّثنا أبو بكر أحمد بن منصور الرمادي، قال: ثنا داود بن الصغدي، قال: ثنا أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، قال: شهدتُ نكاحاً للجنِّ بكوثى، قال: وتزوَّج رجل منهم إلى الجنِّ، فقيل لهم: أيّ الطعام أحبُّ إليكم؟ قالوا: الأرزَّ. قال الأعمش: فجعلوا يأتون بالجفان فيها الأرزُّ فيذهب ولا نرى الأيدي. (السابق، ص 35)

حدثني أبو الحارث محمد بن مصعب الدمشقي وغيره، قال: حدثني سليمان بن شرحبيل الدمشقي قال: ثنا عبد القدوس بن الحجّاج، قال: ثنا مجالد بن سعيد، عن الشعبيّ، عن رجل، قال: ر بن الخطاب، وعنده جماعة من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، يتذاكرون فضائل القرآن. فقال بعضهم: خواتيم سورة النحل، وقال بعضهم: سورة يس.
وقال عليٌّ: فأين أنتم عن آية الكرسيّ، أما أنها خمسون كلمة، في كلِّ كلمة سبعون بركة.
وفي القوم عمرو بن معدي "كرب" لا يحير جواباً. فقال: فأين أنتم عن (بسم الله الرحمن الرحيم) ؟ فقال عمر: حدثنا يا أبا ثور. فقال: بينا أنا في الجاهلية، إذ أجهدني الجوع، فأقحمتُ فرسي البرِّيَّة فما أصبتُ غير بيض النَّعام. فبينا أنا أسير إذا أنا بشيخ عربيٍّ في خيمة وإلى جانبه جارية كأنها شمس طالعة، ومعه غنيمات له. فقلت له: استأسر ثكلتك أُمُّك. فرفع رأسه إليَّ وقال: يا فتى إن أردت قِرىْ فانزل، وإن أردتَ معونة أعنَّاك. فقلتُ له: استأسر. فقال "من الطويل":
عرضنا عليكَ النُّزلَ مِنَّا تكرُّماً ... فلم ترعوي جهلاً كفعلِ الأشائمِ
وجئت ببهتان وزورٍ دونَ ما ... تمنيتهُ بالبيضِ حزُّ الحلاقمِ
ووثب إليَّ وثبة، وهو يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم) . فكأني مُثلتُ تحته. ثم قال: أقتلك أم أخلِّي عنك؟ قلتُ: بل خلِّ عنّي. قال: فخلَّى عنّي. ثم أنّ نفسي حادثتني بالمعاودة؛ فقلتُ: أستأسر ثكلتك أُمك فقال "من الوافر":
ببسم الله والرحمن فزنا ... هنالك والرحيمِ به قهرنا
وما تغني جلادةُ ذي حفاظٍ ... إذا يوماً لمعركةٍ برزنا

ثم وثب إليَّ وثبة كأني مُثلثٌ تحته. فقال: أقتلك أم أُخلِّي عنك؟ قلتُ: بل خلِّ عني، فخلَّى عني. فانطلقتُ غير بعيد ثم قلت في نفسي: يا عمرو أيقهرك مثل هذا الشيخ! والله للموت خير لك من الحياة. رجعت إليه، فقلت له: استأسر ثكلتك أمُّك. فوثب إليَّ وثبة وهو يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم) فكأني مُثلث تحته.
فقال: أقتلك أم أخلّي عنك؟ فقلت: بل خلِّ عنِّي. قال: هيهات! يا جارية ائتني بالمدية، فأتته بالمدية، فجزّ ناصيتي.
وكانت العرب إذا ظفرت برجل فجزَّت ناصيته استعبدته. فكنت معه أخدمه مدة. ثم إنه قال: يا عمرو أريد أن تركب معي البرِّيَّة، وليس بي منك وجد، وإني ب (بسم الله الرحمن الرحيم) لواثق. قال: فسرنا حتى أتينا وادياً أشباً نشباً، مهولاً مغولاً، فنادى بأعلى صوته: (بسم الله الرحمن الرحيم) فلم يبق طير في وكره إلاَّ طار، ثم أعاد الصوت فلم يبق سبع في مربضه إلاَّ هرب. ثم أعاد الصوت فإذا نحن بحبشيٍّ قد خرج علينا من الوادي كالنخلة السحوق. فقال لي: يا عمرو إذا رأيتنا قد اتّحدنا فقل: غلبه صاحبي ب (بسم الله الرحمن الرحيم) .
قال: فلما رأيتهما قد اتّحدا، قلت: غلبه صاحبي باللات والعزّى فلم يصنع الشيخ شيئاً: فرجع إليَّ وقال: قد علمت إنك خالفت قولي: قلتُ: أجل، ولست بعائد. فقال: إذا رأيتنا قد اتّحدنا فقل: غلبه صاحبي ب (بسم الله الرحمن الرحيم) . قلت: أفعل. فلمّا رأيتهما قد اتّحدا قلتُ: غلبه صاحبي ب (بسم الله الرحمن الرحيم) .
قال: فاتكأ عليه الشيخ فبعجه بسيفه، فانشقَّ جوفه، فاستخرج منه شيئاً كهيئة القنديل الأسود، ثم قال: يا عمرو هذا غشُّه وغلُّه؛ ثم قال: أتدري من تلك الجارية؟ قلت: لا. قال: تلك الفارعة بنت السُّليل الجرهمي، وكان أبوها من خيار الجنِّ، وهؤلاء أهلها وبنو عمِّها، يغزوني كلَّ عام رجل ينصرني الله عليه ب (بسم الله الرحمن الرحيم) ، ثم قال: قد رأيت ما كان مني إلى الحبشيِّ، وقد
قال: فوجم لذلك "عمر" ثم أنشأ يقول "من البسيط":
بالغدرِ نلتَ أخا الإسلام عن كثبٍ ... ما أن سمعت كذا في سالفِ العربِ
والعُجْمُ تأنفُ ممّا جئتهُ كرماً ... تبّاً لما جئتهُ في السيد الأربِ
إني لأعجبُ أنّى نلتَ قِتلَتهُ ... أم كيف جازاكَ عن الذنب لم تتبِ
لو كنتُ آخذُ في الإسلام ما فعلوا ... في الجاهلية أهل الشرك والصُّلُبِ
إذاً لنالتكَ من عدلي مشطَّبَةً ... يُدعى لذائقها بالويل والحَرَبِ
قال: ثم ماذا كان من حال الجارية؟ قلت: ثم إني أتيت الجارية، فلمّا رأتني قالت: ما فعل الشيخ؟ قلت: قتله الحبشيُّ. قالت: كذبت، بل قتلته أنت بغدرك. ثم أنشأت تقول "من الخفيف":
عيني جودي للفارسِ المغوارِ ... ثم جودي بواكفاتٍ غزارِ
لا تملِّي البكاءَ إذ خانك الده ... ر بوافي حقيقةٍ صبَّارِ
وتقيٍّ وذي وقارٍ وحلمٍ ... وعديلِ الفخارِ يوم الفخارِ
لهفَ نفسي على بقائكَ عمرو ... أسلمتك الأعمارُ للأقدارِ
ولعمري لو لم تَرُمْهُ بغدرٍ ... رُمْتَ ليثاً بصارمٍ بتَّارِ
فاحفظي قولها، فاستللتُ سيفي، ودخلتُ الخيمة لأقتلها، فلم أرَ في الخيمة أحداً، فاستقتُ الماشية وجئتُ إلى أهلي.
(السابق، ص 32-36)

حدَّثنا عليُّ بن حرب، قال: ثنا أبو أيوب يعلى بن عمران، من آل جرير بن عبد الله البجليِّ، قال: حدثني مخزوم بن هانئ المخزومي، عن أبيه، وأتت له خمسون ومئة سنة، قال: لمّا كان ليلة ولد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شُرفَة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوه، ورأي الموبذان إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها. فلمّا أصبح كسرى أفزعه ذلك، فصبر عليه تشجّعاً ثم رأى أنه لا يدّخر ذلك عن مرازبته، فجمعهم، ولبس تاجه، وجلس على سريره، ثم بعث إليهم. فلمّا اجتمعوا عنده قال: تدرون فيمَ بعثتُ إليكم؟ قالوا: لا، إلاَّ أن يخبرنا الملك. فبينا هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النيران، فازدادوا غمّاً إلى غمَّة؛ ثم أخبرهم ما رأى وما هاله. فقال الموبذان: وأنا "أصلح الله الملك" قد رأيت في هذه الليلة رؤيا؛ ثم قصّ عليه رؤياه في الإبل. فقال: أيّ شيء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدث يكون في أرض العرب؛ وكان أعلمهم في أنفسهم. فكتب عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر؛ أما بعد: فوجِّه إليَّ برجل عالم بما أريد أن أساله عنه. وجَّه إليه بعد المسيح بن عمرو بن حنان بن نُفيلة الغساني؛ فلما ورد عليه قال له: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه؟ قال: ليخبرني الملك، أو ليسألني عمّا أحبَّ، فإن كان عندي منه علم، وإلاَّ أخبرته بمن يعلمه. فأخبره بالذي وجَّه إليه فيه. فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام، يقال له: سُطَيح. قال: فأته، فاسأله عما سألتك عنه، ثم ائتني بتفسيره. فخرج عبد المسيح حتى انتهى إلى سُطيح، وقد أشفى على الضريح، فسلَّم عليه، وكلَّمه فلم يردَّ إليه سطيح جواباً، فأنشأ يقول "من الرجز": يا فاصلَ الخطَّةِ أعْيَتْ مَنْ ومَنْ ... أتاكَ سيخُ الحيِّ من آلِ سَنَنْ وأُمُّهُ من آل ذِئب بن حَجَنْ ... أزرقُ مَهْمُ النابِ صرّارُ الأُذُنْ أبيضُ فضفاضُ الرِّداءِ والبَدَنْ ... رسولُ قَيْلِ العُجْمِ يسري للوسَنْ يجوبُ في الأرضِ عَلَنداةٌ شَجَنْ ... لا يرهبُ الرَّعدَ ولا ريبَ الزَّمَنْ ترفعُ بي وَجْنا وتهوي بي وَجَنْ ... حتى أتى عاري الجآجي والقَطَنْ تَلُفُّهُ في الريحِ بوغاءُ الدِّمَنْ ... كأنّما حثحث من حِضنَيْ ثَكَنْ قال: فلما سمع سُطيح شعره، رفع رأسه يقول: عبد المسيح، على جمل مشيح، أتى سُطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النِّيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلاً صعاباً تقود خيلاً عِراباً قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها. يا عبد المسيح: إذا كثرت التِّلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السَّماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، وكلُّ ما هو آتٍ آت. ثم قضى سُطيح مكانه. فنهض عبد المسيح إلى راحلته وهو يقول "من البسيط": شَمِّر فإنّك ماضي العزم شِمِّيرُ ... لا يُفز عنَّكَ تفريقٌ ونغييرُ إنْ يُمسِ مُلكُ ساسانَ أفرطهم ... فإنَّ ذا الدَّهرِ أطوارٌ دهاريرُ فربّما ربّما أضحوا بمنزلةٍ ... تَهابُ صولهُمُ الأُسدُ المهاصيرُ منهم أخو الصَّرحِ بِهرامٌ وإخوتُهُ ... والهُرمزانِ وسابورٌ وشابورُ والنّاسُ أولادُ علاّتٍ فمن عملوا ... أنْ قد أقَلَّ فمحقورٌ ومهجورُ وهمْ بنو الأُمِّ إِمَّا أن يَرَوا نَشَباً ... فذاكَ بالغيبِ محفوظٌ ومنصورُ والخيرُ والشرُّ مقرونان في قَرَنٍ ... فالخيرُ متَّبعٌ والشرُّ محذورُ فلمّا قدم عبد المسيح على كسرى، أخبره بما قال له سطيح. فقال كسرى: إلى أن يملك منّا أربعة عشر ملك، كانت أمور وأمور. فملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون إلى خلافة عثمان بن عفّان، رضي الله عنه. (السابق، ص 36-40)



الموسوعة الدينية لكشف الشياطين