تراث وفقـه
 
 
00-01-2017


المغيرة بن شُعبة، من الغدر الى الزنا

لا للجنس
1 ـ الـمُـغِـيْـرَة بن شُـعْـبَـة
فإنّ أوّل مَن ولاّه معاوية على الكوفة هو المُغِيْرَة بن شعبة(1)، وقد كان الوالي عليها من قبل عمر بن الخطّاب، وعزله عثمان... فلم يزل والياً عليها مِن قِبل معاوية إلى أن مات نحو سـنة 50 هـ. وللمغيرة تراجم مطوّلة في كتب التاريخ والرجال، كتاريخ دمشق وسير أعلام النبلاء وغيرهما(2)... والذي يجدر ذكره من أخباره: خبر كيفية إسلامه، فقد رووا عنه أنّه قال:
«كنّا قوماً من العرب، متمسّكين بديننا، ونحن سَدَنة اللات، قال: فأراني لو رأيت قومنا قد أسلموا ما تبعتهم، فأجمع نفر من بني مالك الوفود على المُقَوْقس وأَهدوا له هدايا، وأجمعت الخروج معهم، فاستشرتُ عمّي عروة بن مسعود، فنهاني وقال: ليس معك من بني أبيك أحد، فأَبيتُ إلاّ الخروج، فخرجتُ معهم، وليس معهم أحد من الأحلاف غيري، حتّى دخلنا الإسكندرية، فإذا المقوقس في مجلس مطلّ على البحر، فركبت زورقاً حتّى حاذيتُ مجلسه، فنظر إليَّ فأنكرني، وأَمر من يسألني مَن أنا وما أُريد، فسألني المأمور، فأخبرتُه بأَمرنا وقدومنا عليه، فأمر بنا أن ننزل في الكنيسة، وأجرى علينا ضيافة. ثمّ دعا بنا، فدخلنا عليه، فنظر إلى رأس بني مالك فأدناه إليه، وأجلسه معه ثمّ سأله: أكلّ القوم من بني مالك؟ فقال: نعم، إلاّ رجل واحـد من الأحلاف; فعرَّفه إيّاي، فكنت أهون القوم عليه، ووضعوا هداياهم بين يديه، فسرّ بها وأَمر بقبضها، وأمر لهم بجوائز وفضّل بعضهم على بعض، وقصّر بي، فأعطاني شـيئاً قليلا، لا ذِكر له، وخرجنا. وأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهليهم وهم مسرورون، ولم يعرضْ علَيَّ رجل منهم مواساة، وخرجوا وحملوا معهم الخمر، فكانوا يشربون وأشرب معهم، وتأبى نفسي تدعني ينصرفون إلى الطائف بما أصابوا وما حباهم الملكُ ويخبرون قومي بتقصيره لي وازدرائه إيّاي، فأجمعت على قتلهم. فلمّا كنّا ببيسان تمارضتُ وعصبت رأسي، فقالوا لي: ما لك؟ قلت: أُصدَّع; فوضعوا شرابهم ودَعَوْني، فقلت: رأسي يُصَدّع ولكنّي أجلس فأسقيكم; فلم ينكروا شيئاً، فجلست أسقيهم وأشرب القدح بعد القدح، فلمّا دَبَّت الكأس فيهم اشتهوا الشراب، فجعلت أُصَرّف لهم وأنزع الكأس فيشربون ولا يدرون، فأهمدتهم الكأس حتّى ناموا ما يعقلون، فوثبت إليهم فقتلتهم جميعاً، وأخذتُ جميع ما كان معهم. فقدمت على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فأجده جالساً في المسجد مع أصحابه وعلَيَّ ثياب سفري، فسلّمتُ بسلام الإسلام، فنظر إليّ أبو بكر بن أبي قحافة وكان بي عارفاً، فقال: ابن أخي عروة؟ قال: قلت: نعم، جئت أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمّـداً رَسُول الله; فقال رَسُول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «الحمد لله الذي هداك للإسلام». فقال أبو بكر: أمن مصر أقبلتم؟ قلتُ: نعم; قال: فما فعل المالكيّون الذي كانوا معك؟ قلت: كان بيني وبينهم بعض ما يكون بين العرب ونحن على دين الشرك، فقتلتهم وأخذت أسلابهم وجئت بها إلى رَسُول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ليخمّسها أو يرى فيها رأيه، فإنّما هي غنيمة من مشركين، وأنا مسلم مصدّق بمحمّـد صلّى الله عليه وآله وسلّم. فقال رسـول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أمّـا إسـلامك فنقبلـه، ولا آخذ من أموالهم شـيئاً، ولا أُخمّسه; لأن هذا غدر، والغدر لا خير فيـه».
قال: فأخذني ما قرب وما بعد، وقلت: يا رسول الله! ما قتلتهم وأنا على دين قومي ثمّ أسلمتُ حيث دخلت عليك الساعة; قال: «فإنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله».
قال: «وكان قتل منهم ثلاثة عشر إنساناً، فبلغ ذلك ثقيفاً بالطائف، فتداعوا للقتال، ثمّ اصطلحوا على أن تحمّل عني عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية.
قال المُغِيْرَة: وأقمت مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حتّى اعتمر عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة سـتّ من الهجرة، فكان أوّل سفرة خرجت معه فيها، وكنت أكون مع أبي بكر الصدّيق، وأَلزَمُ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في من يلزمه»(3).

ومن قضايا المُغِيْرَة ما فعله ـ مع الإحصان ـ مع امرأة، ودرء عمر بن الخطّاب الحدّ عنه، وهي قضيّته مع أُمّ جميل بنت عمرو، امرأة من قيس، في قضية هي من أشهر الوقائع التاريخية في العرب، كانت سنة 17 للهجرة، لا يخلو منها كتاب يشتمل على حوادث تلك السنة.
وقد شهد عليه بذلك كلٌّ من: أبي بكرة ـ وهو معدود في فضلاء الصحابة وحملة الآثار النبوية ـ، ونافع بن الحارث ـ وهو صحابي أيضاً ـ، وشبل بن معبد، وكانت شهادة هؤلاء الثلاثة صريحة فصيحة بأنّهم رأوه يولجه فيها إيلاج الميل في المكحلة، لا يكنّون ولا يحتشمون، ولمّا جاء الرابع ـ هو زياد بن سميّة ـ ليشهد، أفهمه الخليفة رغبته في أن لا يخزي المُغِيْرَة، ثمّ سأله عمّا رآه، فقال: رأيت مجلساً وسمعت نفساً حثيثاً وانتهازاً، ورأيته مسـتبطنها.
فقال عمر: أرأيته يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة؟
فقال: لا، ولكن رأيته رافعاً رجليها، فرأيت خصيتيه تتردّد إلى ما بين فخذيها، ورأيت حفزاً شديداً، وسمعت نفساً عالياً.
فقال عمر: رأيته يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة؟
فقال: لا.
فقال عمر: الله أكبر! قم يا مغيرة إليهم فاضربهم.
فقام يقيم الحدود على الثلاثة.
وإليكم تفصيل هذه الواقعة بلفظ القاضي أحمد، الشهير بابن خلّـكان، في كتابه «وفيات الأعيان»، إذ قال ما هذا لفظه:

«وأمّا حديث المُغِيْرَة بن شعبة الثقفي والشهادة عليه، فإنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه كان قد رتّب المُغِيْرَة أميراً على البصرة، وكان يخرج من دار الإمارة نصف النهار، وكان أبو بكرة ـ المذكور ـ يلقاه فيقول: أين يذهب الأمير؟ فيقول: في حاجة. فيقول: إنّ الأمير يزار ولا يزور. قالوا: وكان يذهب إلى امرأة يقال لها: أُمّ جميل بنت عمرو، وزوجها الحجّاج بن عتيك بن الحارث بن وهب الجشمي» ثمّ ذكر نسـبها. ثمّ روى أنّ أبا بكرة بينما هو في غرفة مع إخوته، وهم نافع، وزياد، وشـبل بـن مـعـبـد، أولاد سـمـيّـة، «فهـم إخـوة لأُمّ، وكانـت أُمّ جـمـيـل ـ المذكورة ـ في غرفة أُخرى قبالة هذه الغرفة، فضربت الريح باب غرفة أُمّ جميل ففتحته ونظر القوم، فإذا هم بالمُغِيْرَة مع المرأة على هيئة الجماع، فقال أبو بكرة: هذه بلية قد ابتليتم بها، فانظروا! فنظروا حتّى أثبتوا. فنزل أبو بكرة فجلس حتّى خرج عليه المُغِيْرَة من بيت المرأة، فقال له: إنّـه قد كان من أمرك ما قد علمت، فاعتزلنا!
قـال: وذهب المُغِيْرَة ليصلّي بالنـاس الظهر، ومضى أبو بكـرة فقال: لا والله لا تصلّ بنا وقد فعلت ما فعلت.
فقال الناس: دعوه فليصلِّ، فإنّه الأمير، واكتبوا بذلك إلى عمر رضي الله عنه.
فكتبوا إليه، فأمرهم أن يقدموا عليه جميعاً، المُغِيْرَة والشهود، فلمّا قدموا عليه جلس عمر رضي الله عنه، فدعا بالشهود والمُغِيْرَة، فتقدّم أبو بكرة، فقال له: رأيتَـه بين فخذيها؟ قال: نعم، والله لكأنّي أنظر إلى تشريم جدري بفخذيها.
فقال له المُغِيْرَة: لقد ألطفتَ في النظر!
فقال أبو بكرة: لم آلُ أن أُثبت ما يخزيك الله به.
فقال عمر رضي الله عنه: لا والله حتّى تشهد لقد رأيتَه يلج فيها ولوج المرود في المكحلة.
فقال: نعم أشهد على ذلك.
فقال: فاذهب عنك مغيرة، ذهب ربعك. ثمّ دعا نافعاً فقال له: علامَ تشهد؟
قال: على مثل شهادة أبي بكرة.
قال: لا حتّى تشهد أنّه ولج فيها ولوج الميل في المكحلة.
قال: نعم حتّى بلغ قُـذذه.
فقال له عمر رضي الله عنه: اذهب مغيرة، ذهب نصفك.
ثمّ دعا الثالث فقال له: على ما تشهد؟ فقال: على مثل شهادة صاحبَيّ.
فقال له عمر رضي الله عنه: اذهب عنك مغيرة، ذهب ثلاثة أرباعك.
ثمّ كتب إلى زياد وكان غائباً فقدم، فلمّا رآه جلس له في المسجد واجتمع عنده رؤوس المهاجرين والأنصار، فلمّا رآه مقبلا قال: إنّي أرى رجلا لا يخزي الله على لسانه رجلا من المهاجرين. ثمّ إنّ عمر رضي الله عنه رفع رأسه إليه فقال: ما عندك يا سلح الحبارى؟

فقيل: إنّ المُغِيْرَة قام إلى زياد، فقال: لا مخبأ لعطر بعد عروس.
فقال له المُغِيْرَة: يا زياد! اذكر الله تعالى واذكر موقف يوم القيامة، فإنّ الله تعالى وكتابه ورسوله وأمير المؤمنين قد حقنوا دمي إلاّ أنْ تتجاوز إلى ما لم تر ممّا رأيت، فلا يحملنّك سوء منظر رأيته على أن تتجاوز إلى ما لم تر، فوالله لو كنت بين بطني وبطنها ما رأيت أن يسلك ذكري فيها.
قال: فدمعت عينا زياد واحمرّ وجهه وقال: يا أمير المؤمنين! أمّا أنْ أحقَّ ما حقَّ القوم فليس عندي، ولكن رأيت مجلساً وسمعت نفساً حثيثاً وانتهازاً، ورأيته مسـتبطنها.
فقال عمر رضي الله عنه: رأيتَـه يدخل كالميل في المكحلة؟
فقال: لا.

وقيل: قال زياد: رأيته رافعاً رجليها، فرأيت خصيتيه تتردّد إلى بين فخذيها، ورأيت حفزاً شديداً، وسمعت نفساً عالياً.
فقال عمر رضي الله عنه: رأيتَه يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة؟
فقال: لا.
فقال عمر رضي الله عنه: الله أكبر! قم إليهم فاضربهم. فقـام إلى أبي بكرة فضربه ثمانين، وضرب الباقين، وأعجبه قول زياد، ودرأ الحدّ عن المُغِيْرَة.
فقال أبو بكرة بعد أن ضُرب: أشهد أنّ المُغِيْرَة فعل كذا وكذا.
فهمّ عمر رضي الله عنه أن يضربه حدّاً ثانياً، فقال له عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه: إن ضربته فارجم صاحبك! فتركه.
واسـتتاب عمر أبا بكرة، فقال: إنّما تسـتتيبني لتقبل شهادتي.
فقال: أجل.
فقال: لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا.
فلمّا ضُربوا الحدّ قال المُغِيْرَة: الله أكبر، الحمد لله الذي أخزاكم.
فقال عمر رضي الله عنه: بل أخزى الله مكاناً رأوك فيه».

قال: «وذكر عمر بن شبّة في كتاب (أخبار البصرة)، أنّ أبا بكرة لمّا جلد أمرت أُمّه بشاة فذُبحت وجعل جلدها على ظهره، فكان يقال: ما كان ذاك إلاّ من ضرب شديد».
قال: «وحكى عبـد الرحمن بن أبي بكرة، أنّ أباه حلف لا يكلّم زياداً ما عاش، فلمّا مات أبو بكرة كان قد أوصى أنْ لا يصلّي عليه زياد، وأن يصلّي عليه أبو برزة الأسلمي، وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم آخى بينهما، وبلغ ذلك زياداً فخرج إلى الكوفة، وحفظ المُغِيْرَة بن شعبة ذلك لزياد وشكره. ثمّ إنّ أُمّ جميل وافقت عمر بن الخطّاب رضي الله عنه بالموسم والمُغِيْرَة هناك، فقال له عمر: أتعرف هذه المرأة يا مُغِيْرَة؟
فقال: نعم، هذه أُمّ كلثوم بنت عليّ.
فقال له عمر: أتتجاهل علَيَّ؟! والله ما أظنّ أبا بكرة كـذب عليك، وما رأيتُـك إلاّ خفتُ أن أُرمى بحجارة من السماء».

قال: «ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في أوّل باب عدد الشهود في كتاب (المهذّب): وشهد على المُغِيْرَة ثلاثة: أبو بكرة، ونافع، وشبل بن معبـد». قال: «وقال زياد: رأيت اسـتاً تنبو، ونفساً يعلو، ورجلين كأنّهما أُذنا حمار، ولا أدري ما وراء ذلك. فجلد عمر الثلاثة، ولم يحدّ المُغِيْرَة».
قال: «قلت: وقد تكلّم الفقهاء على قول عليّ رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه: إنْ ضربتَـه فارجم صاحبك. فقال أبو نصر بن الصبّاغ: يريد أنّ هذا القول إن كان شهادة أُخرى فقد تمّ العدد، وإنْ كان هو الأوّل فقد جلدته عليه. والله أعلم».
انتهت هذه المأساة وما إليها بلفظ القاضي ابن خلّكان عيناً; فراجعه في ترجمة يزيد بن زياد(4).
قالوا: وكان المُغِيْرَة بن شُعْبَة من المعتزلة، لكنّ ابن عساكر روى أنّه أراد من عمّـار بن ياسـر أنْ يتخلّى عن الدعوة لأمير المؤمنين عليّ عليه الصلاة والسلام(5).
وروى الذهبي، عن عبـد الله بن ظالم، قال: «كان المُغِيْرَة ينال في خطبته من عليّ، وأقام خطباء ينالون منه»(6).


(1) تاريخ بغداد 1 / 193 رقم 30.
(2) تاريخ دمشق 60 / 13 ـ 62 رقم 7591، سير أعلام النبلاء 3 / 21 ـ 32 رقم 7، الطبقـات الكبـرى ـ لابن سعد ـ 6 / 97 98 رقم 1848،معرفة الصحابة ـ لأبي نُعيـم ـ 5 / 2582 ـ 2585 رقم 2757، الاسـتيعاب 4 / 1445 ـ 1447 رقم 2479، أُسد الغابة 4 / 471 ـ 473 رقم 5064، الإصابة 6 / 197 ـ 200 رقم 8185، تاريخ الطبري 2 / 492 ـ 493، الأغاني 16 / 105 ـ 109، الكامل في التاريخ 2 / 384، المنتظم 3 / 143 ـ 144، البداية والنهاية 7 / 66 ـ 67.
(3) تاريخ دمشق 60 / 22 ـ 24.
(4) وفيات الأعيان 6 / 364 ـ 367.
وانظر: تاريخ الطبري 2 / 492 ـ 493، الأغاني 16 / 105 ـ 109، المستدرك على الصحيحين 3 / 507 ـ 508 ح 5892، تاريخ دمشق 60 / 33 و 35 ـ 39، المنتظم 3 / 143 ـ 144، الكامل في التاريخ 2 / 384، البداية والنهاية 7 / 66 ـ 67، النصّ والاجتهاد: 354 ـ 358، وغيرها.
(5) تاريخ دمشق 60 / 43 ـ 44.
(6) سـير أعلام النبلاء 3 / 31.