تراث وفقـه
 
 
00-01-2016


تاريخ حكم الاشراف

بعد انتهاء الخلافة الراشدة وحسم الصراع على السلطة، بين الزبير وعلي والامويين، لصالح الامويين، صارت مكة يحكمها والي مُعين من قبل الخليفة في دمشق او بغداد، غالبا من سلالة الحسن.

ومن ولاة مكة ماذكره الجاحظ بقوله لما أصاب أهل مكة السيل الذي شارف الحجر ، ومات تحته خلق كثير ، كتب عبيد الله بن الحسن العلوي ، وهو والي الحرمين إلى المأمون : إن أهل حرم الله ، وجيران بيته ، وآلاف مسجده وعمرة بلاده ، قد استجاروا بعز معروفك من سيل تراكمت أخرياته في هدم البنيان ، وقتل الرجال والنسوان ، واجتياح الأصول ، وجرف الأبقال ، حتى ما ترك طارفاً ولا تالداً للراجع إليهما في مطعم ، ولا ملبس . فقد شغلهم طلب الغذاء عن الاستراحة إلى البكاء على الأمهات والأولاد والآباء والأجداد ، فأجرهم يا أمير المؤمنين بعطفك عليهم ، وإحسانك إليهم تجد الله مكافئك عنهم ، ومثيبك عز الشكر منهم . قال : فوجه إليهم المأمون بالأموال الكثيرة ، وكتب إلى عبيد الله : أما بعد فقد وصلت شكيتك لأهل حرم الله أمير المؤمنين ، فبكاهم بقلب رحمته ، وأنجدهم بسبب نعمته ، وهو متبع ما أسلف إليهم بما يخلفه عليهم عاجلاً وآجلاً ، إن أذن الله تثبيت عزمه على صحة نيته ؛ قال : فصار كتابه هذا آنس لأهل مكة من الأموال التي أنفذها إليهم .

غير ان الولاة اعلنوا الاستقلال عندما حانت لهم الفرصة. في عام 1388 هجري استطاع احد احفاد الحسين، وهو جعفر بن الحسن من سلالة موسى الجون، ان يؤسس امارة في مكة اسمها شرافة مكة، انطلاقا من احقية اهل البيت بالحكم، واستغلالا لاحترام الناس لاحفاد فاطمة وعلي. واستمرت هذه الامارة حتى عام 1925 ميلادي عندما قضى عليها آل سعود.
بعد عامين من نشوء امارة احفاد الحسن في مكة  تمكن احفاد الحسين من اعلان استقلالهم في المدينة عام 360 هجري. والطرفان اصبحوا يدعون للخليفة الفاطمي واضافوا تعبير " خير على حي العمل " الى الاذان، وهي العبارة التي يتميز بها أذان الشيعة عن السنة. (يجب الاشارة الى ان الطرفين لم يكونوا شيعة وانما يزيديين، وهو تيار يعتبر االخليفين ابي بكر وعمر بن الخطاب، ائمة عادلة).
 عندما علم الخليفة العباسي ارسل الى مكة نقيبب الطالبيين الحسين بن موسى الموسوي والد الشريف الرضي، حيث كان اميرا للحج، فتمكن من اقناع جعفر بن الحسن بقطع الدعاء للفاطميين واعادته للعباسيين، ولكن جعفر لم يستمر طويلا على ذلك.(تاريخ مكة، احمد السباعي، طبعة مكة 1372، ص 29)
مات المؤسس فخلفه ابنه عيسى الذي مات ايضا عام 384 هجري فخلفه اخوه الحسن الملقب بأبو الفتوح.
 بدأ ابو الفتوح عهده بقتل ابناء عمومته الاشراف الحسينيين في المدينة كما قاتل ابناء عمه الاشراف الحسنيين في اليمن (فؤاد حمزة، قلب جزيرة العرب، طبعة الرياض 1968، ص 314)
 اعلن ابو الفتوح عصيانه على الفاطميين عندما طلبوا منه التبرأ من الخليفتين واعلن الخلافة بأسم " الراشد بالله" واستولى على اموال تجار جدة كما حمل قضيبا ادعى انه قضيب رسول الله (عبد الملك العصامي، سمط النجوم العوالي، القاهرة، ج4، ص196)
 ولكن الحاكم بأمر الله قطع الميرة عن الحجاز، فأرسل ابو الفتوح اليه يعلن التوبة واعاد الدعاء له في الكعبة، فعفا عنه الحاكم وابقاه على شرافة مكة.
مات ابو الفتوح فخلفه ابنه شكر وحارب الحسينيين في المدينة وانتصر عليهم لتصبح المدينة خاضعة لمكة.
مات شكر عام 4522 هجري ولم يخلف ولدا ذكرا، فتعاركت اسرتين من الاشراف هم السليمانيون والهواشم. استمرت الحروب طويلة بينهما حتى انتصر الهواشم، واصبح الزعيم الجديد محمد ابو هاشم. (المصدر السابق، ص 197-198)
كانت هذه الاسرة تتقلب في االولاء وبيع دعائها من على منصة الحرم المكي،  تارة للفاطميون وتارة اخرى للعباسيون، تبعا لمن يدفع اكثر.
 السلطان السلجوقي ألب ارسلان ارسل من العراق نقيب الطالبيين نور الهدى الزيني الذي تمكن من اقناع ابي هاشم بقطع الخطبة للفاطميين، فقطع الفاطميون الميرة، فرد ابو هاشم الخطبة الى الفاطميين، فأرسل ألب ارسلان اليه ثلاثين الف دينار ومرتب سنوي مقداره عشرة الاف دينا وخلع كثيرة. فقطع ابو هاشم خطبته للفاطميين وقال في خطبته:" الحمد لله الذي هدانا أهل بيته الى الرأي المصيب، وعوض بنيه لبسة الشباب بعد لبسة المشيب، وأمال قلوبنا الى الطاعة ومتابعة أمام الجماعة" (المصدر السابق، ص 200)
 والغريب ان ابو هاشم ظل محافظا على اذان الشيعة بالرغم دعائه للعباسيين، فأرسل اليه العباسيون أبا طالب لاقناعه بترك أذان الشيعة، وقد حاوره ابو طال فقال له ابو هاشم :" هذا أذان أمير المؤمنين علي بن ابي طالب"، فرد عليه أبو طالب قائلا:" أن ذلك لم يصح عنه وانما فعله ابن عمر في بعض أسفاره، فما أنت وابن عمر؟. فأقتنع ابا هاشم وعاد الى اذان السنة (احمد السباعي، تاريخ مكة، ص135)

في عام 5988 انتهت امارة الهواشم على يد " شريف" اخر هو قتادة بن ادريس، عندما كان اهل مكة مشغولين باحتفال لهم ففاجأهم بهجوم صاعق وطرد الهواشم بسهولة. وقضى فترة حكمه في نهب الحجاج ( احمد الداودي، عمدة الطالب، بيروت، ص115)21
أخ> قتادة يدعو للخليفة العباسي الناصر لدين الله، وفي عام 600 هجري أرسل اليه الخليفة الناصر يستدعيه الى بغداد، ووعده ومناه، فأستجاب فتادة له، ورحل متوجها الى العراق. وعندما وصل الى النجف، وكان قد خرج لاستقباله جمع غفير من الناس، شاهد بينهم درويشا وهو يقود اسد بسلسلة. فتشاءم قتادة من هذا المنظر وقال:" لا أدخل بلادا تذل فيها الاسود" ثم عاد الى الحجاز وطكتب الى الخليفة خمسة ابيات منها:
بلادي وان جارت علي عزيزة ......... ولو أنني أعرى بها وأجوعٍ
وماأنا إلا المسك في غير ارضكم....... أضوع وأما عندكم فأضيع
(المصدر السابق، ص115-116)
غضب الناصر غضبا شديدا وكتب الى قتادة يهدده قائلا:" أما بعد، فأذا نزع الشتاء جلبابه ولبس الربيع اثوابه قاتلناكم بجنود لاقبل لكم بها، ولنخرجنكم منها أذلة وانتم صاغرون". ثم اعد الناصر كتيبة من الجند وارسلها الى مكة لتأديب قتادة.

استعد قتادة لقتال الكتيبة وارسل الى ابناء عمه الحسينيين في المدينة يستنجد بهم وكتب لهم ابيات تقول:
بني عمنا من آل موسى وجعفر...... وآل حسين كيف صبركم عنا
بني عمنا انا كأفنان دوحة....... فلا تتركونا يتخذنا الفنا فنا
إذا ماأخ خلى اخاه لآكل.......بدا بأخيه الاكل ثم به ثنى
وقد استجاب الحسينيون لاستنجاد قتادة، فجاؤوا بجمعهم الى مكة، وحين وصلت كتيبة الناصر اليها قابلها الحسينيون والحسنيون معا، فهزموها وبددوا شملها (عبد الملك العصامي، ص 209)

لم يمض على هذه الحادثة سنة واحدة تقريبا حتى نشبت الحرب بين الحسنيين والحسينيين، ووقع قتال شديد بينهما في موضع يقال له ذو الحليفة، انتصر فيها قتادة، وقال في ذلك بيتا من الشعر هو:
مصارع آل المصطفى عدت مثلما .... بدأت ولكن صرت بين الاقارب
وقد اتجه قتادة بعد انتصاره نحو المدينة وحاصرها وكان الحسينيون في المدينة بقيادة رجل منهم اسمه سالم بن قاسم. وقد تمكن هذا الرجل من فك الحصار عن المدينة ثم اخذ يطارد قتادة حتى وصل الى مكة وحاصرها، وارسل الىقتتادة يقول:" حصر بحصر ياابن العم". ولم يستطع سالم الاستمرار في الحصار لان بعض اصحابه تفرقوا باغراء من قتادة، فعاد الى المدينة. ( عبد الملك العصامي،ج4، ص209-210)

دا حكم قتادة عشرين عاما قضاها في الحروب ونهب قوافل الحجاج. وكان قتادة يقول: انا احق من الناصر العباسي بالخلافة". ( عبد الملك العصامي، ج4، ص212) وفي عام 618 قتله ابنه حسن، وقيل قتله خنقا، ثم تولى الشرافة مكانه. ( عبد الملك العصامي، ج4، ص213)

ص21 حميضة بن ابي نمي
في عام 651 هجري تولى شرافة مكة احد مشاهير الاشراف وصلحائهم هو أبو نمي الاول، من سلالة قتادة، وطالت شرافته خمسين عاما. يقول عنه المقريزي:" لولا انه زيدي لصلح للخلافة لحسن صفاته" (تقي الدين المقريزي، كتاب السلوك، القاهرة 1970، ج1، ق1، ص927.)
مات ابو نمي عام 701 هجري وله ثلاثون ولدا ذكرا واثنتا عشرة بنتا. فحصل تنافس بين اولاده الاشراف على شرافة مكة استمر سنوات عديدة. كان التنافس على اشده بين اربعة اخوان: حميضة وابو الغيث ورميثة وعطيفة. في عام 715 ارسل حميضة احد عبيده الى أخيه ابي الغيث الذي كان ينافسه على الشرافة، فذبحه على مشهد من الناس، ثم دعا اخوته الاخرين الى وليمة، وقدم لهم رأس اخيهم القتيل مطبوخا في جفتة، كما أقام على رأس كل واحد منهم غلامين أسودين شاهرين السيوف، بغية أخط البيعة له منهم، فأذعنوا له قهرا. (عبد الملك العصامي، ج4، ص227-228)
هرب رميثة الى القاهرة مستغيثا بالملك الناصر بن قلاوون، وذكر له ان حميضة قطع اسمه من الخطبة في الكعبة وخطب لصاحب اليمن. فجهز الناصر رميثة بقوة كبيرة وعاد رميثة بتلك القوة الى مكة، وتغلب على حميضة واسره. ولكن حميضة تمكن من الهرب والتجأ الى العراق مستنجدا بالسلطان المغولي خدابندة بن أرغون بن أباقا بن هولاكو. فتلقاه خدابندة لقاء حسنا وأكرمه، وأقام حميضة عنده مدة غير قصيرة.
كان خدابندة قد اعتنق المذهب الشيعي الاثني عشري منذ عهد قريب بتأثير العالم الشيعي المعروف بالعلامة الحلي، فتمكن حميضة من التاثير في خدابندة عن طريق التعصب المذهبي، وحرضه على ارسال جيش لاحتلال مكة والخطبة له على منابرها. (تقي الدين المقريزي، السابق، القاهرة1971، ج2، ق1، ص 247-148)
استجاب خدابنده للتحريض وجهز حميضة بجيش كبير، سار نحو الحجاز عن طريق الصحراء، وانضم اليه في الطريق الكثير من القبائل، وخاصة قبيلة خفاجة برئاسة محمد بن عيسى بن مهنا، وحين وصل حميضة بالجمع الى مابين البصرة والقطيف ، بالقرب من موقع الكويت حاليا، وصلهم نبأ موت خدابندة بالهيضة، فأدى هذا النبأ الى تفرق الجيش. وانتهزت القبائل الفرصة، ولاسيما قبيلة خفاجة، فأنثالت على الجيش نهبا وتقتيلا ، وكان رئيس خفاجة يهتف بأسم الملك الناصر، سلطان مصر. ( المقريزي، السابق، ج2، ق1، ص148)
استطاع حميضة ان يصل بمن نجا معه الى مكة، وتمكن من الاستيلاء عليها، وقطع الخطبة للملك الناصر وصادر يدعو ابي سعيد بن خدابندة. فذهب رميثة الى مصر وعاد بجيش منها، فسمع حميضة بمجيئ اخيه ففر من مكة والتجأ الى اليمن، ثم عاد منها بجيش لاستعادة مكة، ولكن احد غلمانه وثب عليه وهو نائم فقتله، وكان ذلك عام 720 هجري. (عبد الملك العصامي، السابق،ج4، ص230-231)
ابو نمي الثاني
في عام 931 هجري تولى شرافة مكة رجل يدعى ابو نمى ويلقب بالثاني تمييزا له عن ابي نمي الاول. وقد نال حظوة كبيرة عند السلطان سليمان القانوني، إذ ارسل اليه ابنه احمد وهو يحمل كثيرا من هدايا جزيرة العرب كالخيول والصقور والاقمشة والاطياب. وكان احمد جميل الوجه، وحين دخل على السلطان وهو لابس الملابس الخاصة بالاشراف الحسنية قام السلطان له تعظيما، وهو امر لم يقع لااحد سواه، وخلع عليه الخلع الكثيرة. وكذلك قعلت زوجة السلطان وأعلنت للناس أنها تعتبر الشريف أحمد في مقام ولدها (عبد الملك العصامي، السابق، ج4،ص323).
حكم ابو نمي الثاني اطول فترة لمدة تزيد على الستين عاما ومات في عام 992 هجري.
يعتبر ابو نمي الثاني جد الاسرة التي ظلت تحكم الى ان قضى عليها ابن سعود عام 1925 ميلادي. والمعروف عن ابي نمي ان كان شديد الاعتزاز بالنسب واعتاد في حياته على التمييز بين الناس حسب أنسابهم وبيوتاتهم، مستندا في ذلك الى الحديث الذي يقول " أمرت أن انزل الناس منازلهم". وكان رأيه ان العرق دساس فمن كان رفيع النسب كان رفيع الخلق ايضا، أما الصعاليك من النس فهم في نظر ابي نمي لئام واذا نالوا المنازل العالية فربما حصل من ذذلك الضرر (المصدر السابق، ج4، 334-335). (علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث،ج6، ص27)


لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، على الوردي، ج6