تراث وفقـه
 
 
00-11-2015


مذبحة كربلاء


مذبحة كربلاء : دراسة بحثية تاريخية ( ترفع ضغط الدم .!! )
د . احمد صبحى منصور
الفهرس :
هذا الكتاب :
مقدمة الكتاب
الباب الأول : قبل مذبحة كربلاء
الفصل الأول : معاوية والحسن والمال المعبود: (أولا : معاوية يستخدم المال فى الايقاع ( بالخليفة ) الحسن بن على بن أبى طالب . ثانيا : معاوية يستخدم المال فى جعل الحسن يتنازل له عن الخلافة . ثالثا : معاوية يرشو وجوه بنى هاشم ليضمن سكوتهم . رابعا : الحسن بن على ينشغل بالمال والنساء عن طموحه السياسى . خامسا : معاوية يرشى زوجة الحسن لتقتله بالسم . سادسا : معاوية بالمال يتخلص من زعيم كنده صهر الحسن . سابعا سابعا : هل قتل معاوية السيدة عائشة . ثامنا : معاوية يرشو ابن عباس داهية الهاشميين ليسكت على إغتيال الحسن . تاسعا : المال السُّحت هو معبودهم الأكبر . عاشرا : هذا المال السُّحت من عرق الفلاحين المساكين . حادى عشر : إحتقار صحابة الفتوحات لأبناء البلاد المفتوحة. أخيرا )

الفصل الثانى : العهد ليزيد بن معاوية ( مقدمة . أولا : جهود معاوية فى ترتيب إستحقاق التوريث .
ثانيا : خطوات معاوية فى التجهيز للتوريث . ثالثا : إعلان البيعة ليزيد . )

الفصل الثالث : قبيل مذبحة كربلاء : مراسلة الكوفيين الحسين وقتل مسلم بن عقيل.
(أولا : بعض شيعة الكوفة يراسلون الحسين ليأتى اليهم والحسين يبعث لهم بابن عمه مسلم بن عقيل ـ ثانيا : قدوم مسلم بن عُقيل للكوفة ـ ثالثا : موقف أمير الكوفة وقتئذ ( النعمان بن بشير الأنصارى ) ـ رابعا : تعيين عبيد الله بن زياد ابن أبيه والي البصرة واليا على الكوفة أيضا ــ خامسا : سياسة ابن زياد فى الكوفة ــ سادسا : مسلم بن عقيل يستجير بهانىء بن عروة المرادى ــ سابعا : ابن زياد يعتقل هانىء بن عروة المرادى ويعذبه ــ ثامنا : مسلم بن عقيل يحاصر قصر ابن زياد فيفشل ويتفرق عنه أصحابه ــ تاسعا : مسلم يختفى فى بيت إمرأة ــ عاشرا : محمد بن الأشعث بن قيس يخبر ابن زياد بمكان مسلم بن عقيل ــ حادى عشر : مسلم يقاتلهم دفاعا عن نفسه ثم يخدعه محمد بن الأشعث بالأمان فيستسلم ـ ثانى عشر : لقاء الخصمين (مسلم وابن زياد ) ، وضرب عنق مسلم بن عقيل ــ ثالث عشر : قتل هانىء بن عروة )
الفصل الرابع : مسيرة الحسين للعراق برغم تحذيرات الناصحين : ( أولا : نصائح وتحذيرات للحسين بعدم الذهاب للكوفة ، والحسين يرفض بإصرار . ثانيا : تحذيرات بعد خروج الحسين بآله من مكة يريد العراق . ثالثا : الحسين فى طريقه الى الكوفة . ) :

الباب الثانى : مذبحة كربلاء
الفصل الأول : مفاوضات قبيل الاشتباك الحربى فى كربلاء ( أولا : المفاوضات و المواجهة مع جيش الحُرّ بن يزيد التميمي ـ ثانيا : جيش عمربن سعد بن أبى وقاص ومفاوضات ما قبل الحرب ــ ثالثا : خطابات قبيل الاشتباك الحربى )

الفصل الثانى : وقائع مذبحة كربلاء : ( مقدمة عن روايات المعركة / المذبحة ــ أولا : بدء القتال واحتدامه ــ ثانيا : مقتل الحسين ــ ثالثا : السلب بعد القتل . رابعا : التمثيل بجثة الحسين بعد قطع رأسه وحمل بقية أهله الى ابن زياد . خامسا : أهل الحسين عند يزيد فى دمشق .سادسا : أهل الحسين من دمشق الى المدينة . )

الباب الثالث : جدل حول مذبحة كربلاء
الفصل الأول : هل كان من حق الحسين الثورة على ( يزيد ) ؟ ( أولا :يزيد حاكم شرعى بالاستحقاق السياسى . ثانيا : حق الحسين فى الثورة بين القرآن والتشريع السُّنّى . ثالثا : الحسين يرفض نُصح الناصحين .الخاتمة) الفصل الثانى : ردا على التعليقات على مقال : (هل كان من حق الحسين الثورة على يزيد ).
الفصل الثالث : ردا على رسالة بذيئة :هذا الشيعى ( عبد الحسين )

هذا الكتاب :
هذا الكتاب كان مقالات فى مذبحة كربلاء ، تبحثها موضوعيا من الناحية التاريخية ، معتمدا على أشهر المصادر التاريخية فى التراث السنى . وتم تنقيحها وتجميعها فى هذا الكتاب .


مذبحة كربلاء : دراسة بحثية تاريخية
مقدمة الكتاب
1 ـ إخترنا مذبحة كربلاء لأنها محطة هامة فى تطور الدين الشيعى ، وقد ظلت تداعياتها تؤرخ كل عام تقريبا فى العصر العباسى ، والأهم أنها لا تزال تأثيراتها حية فى واقعنا الراهن فى العراق ، حيث يفقد آلاف الأبرياء من الشيعة حياتهم بسبب إحتفالاتهم الدينية المرتبطة بذكرى كربلاء ، والتى لا علاقة لها بالاسلام .
2 ـ وسيتناول هذا الكتاب ــ بعرض تاريخى تحليلى موجز وسريع ــ الظروف التاريخية التى أدت الى هذه المذبحة ، ثم أحداثها .
3 ـ ولا بأس من التذكير مجددا بموقفنا السياسى الحقوقى : أننا ضد الظالمين ومع كل المظلومين فى الماضى والحاضر . مع السنيين المضطهدين فى ايران، والشيعة والصوفية المضطهدين فى الخليج ومصر ، مع الضحايا فى كل مكان .
4 ـ ولا بأس من التذكير مجددا بمنهجنا : فنحن لا نؤلف من خيالنا تاريخا للصحابة والمسلمين ، وإنما ندخل حجرة فيها مصادر تاريخ الصحابة والعصر الأموى وماتلاه . لا نفرض أمانينا على التاريخ المكتوب ، بل مُلزمون ببحثه موضوعيا بلا تقديس لبشر أو أنحياز لشخص على حساب آخر . نحن لسنا مع أو ضد الحسين ، كلهم عندنا سواء ، مجرد شخصيات تاريخية ، وكل ما نعلمه عنهم هو ذلك المكتوب عنهم . ونتعامل معهم بالبحث التاريخى بمنهجيته الصارمة الباردة ، وهذا هو تخصصنا لمدة أربعين عاما. وننقل معظم الروايات من تاريخ الكامل لابن الأثير ، وميزته أن ابن الأثير قام بتجميع وتلخيص روايات الطبرى بعد فحصها وتمحيصها . ومنهج الطبرى إيراد كل الروايات فى الموضوع الواحد بكل خلافاتها وتناقضاتها والتداخل بينها .
.5 ــولأننا نبحث تاريخا معروفا مشهورا ، ومصادره الأصلية معروفة ومُتاحة فلسنا فى حاجة الى إثبات الهوامش . نحن نكشف المجهول المقروء ، هو مقروء ومجهول لأن الناس تعودت أن تقرأ بلا نقاش حيث توارثوا تقديس الصحابة وتقديس آل البيت ( وبلا نقاش ). ونحن هنا ندق على عقولهم ليفيقوا ولينتبهوا . وندعوهم الى مراجعة الروايات التى نعتمد عليها فى المصادر الأصلية للتحقق منها ، ونحن بذلك نسدى لهم خدمة ، هى أن يستعملوا عقولهم وأن يتجهوا مباشرة الى مصادر التاريخ يقرأونها بتدبر وتمعن . وموجود على الانترنت كل مصادر البحث ، من الطبقات الكبرى لابن سعد الى تاريخ الطبرى وتاريخ ابن الأثير وتاريخ المسعودى وابن كثير و المنتظم لابن الجوزى .
ولكن المشكلة فى عصرنا الردىء الذى يتسيده الفقر العلمى او ( الجهل العلمى ). ونتحمل نحن أوزاره سبّا وشتما كلما إجتهدنا فى فضح وذبح الأبقار المقدسة للمحمديين ، وهى ابقار مقدسة صنعوها من خيالاتهم ، وأسموها بأسماء أبى بكر وعمر وعثمان وعلى والحسين وعائشة وطلحة والزبير وابن الزبير وأبى هريرة . وهذه الأبقار المقدسة المصنوعة من أوهام تخالف المكتوب عنها فى المصادر التاريخية . وإذا قمنا ببحثها تاريخيا والاحتكام فيها لرب العزة قرآنيا تعرضنا للسّبّ واللعن ..
6 ـ ليس ذنبنا أن التعليم فاسد وأن الشيوخ جهلة ، وأن العوام صم بكم عمى فهم لا يعقلون، وأنهم يتعلمون تقديس الخرافة من المساجد والمدارس وقنوات التليفزيون. ليس ذنبنا أن التعليم لدى المسلمين أصبح تعليما للجهل ونشرا للخرافة بعد أن سيطرت عليه الأديان الأرضية . ليس ذنبنا أن صعاليك الانترنت ينصبون من أنفسهم علماء ، وكل منهم يتقيأ على ما نكتب سبأ وشتما لأننا نقدم له معرفة تخالف ما عاشوا عليه من جهالة وضلالة . ليس ذنبنا أن أغلبية مثقفى اليوم يكتبون ولا يقرأون وإذا قرأوا لا يفقهون . ليس هذا كله ذنبنا ، بل إن هذا كله يدفعنا الى الجهاد فى سبيل الاصلاح والتنوير.
7ـ وفى قيامنا بفريضة الدعوة للحق وواجب الاصلاح لا نفرض رأينا على أحد ، ولا نزعم العصمة من الخطأ ، فقط نرجو ممن يختلف معنا أن تكون حجته علمية لنستفيد منه ، فربما يكون على صواب فيصحح لنا ، والباحث محتاج للتصحيح لأنه ( باحث ) عن الحق والحقيقة .
8 ــ وليتذكّر المختلف معنا أن غيرنا ينعق ليؤجّج الفتنة التى تريق دماء المسلمين كل يوم ، أما نحن فنكتب لإنقاذ المسلمين منها ، فنقدم فكرا ورأيا يهدف للاصلاح وتكسير الأصنام البشرية والحجرية لإنقاذ المسلمين من شرور أديانهم الأرضية ، التى بسببها تسيل دماؤهم اليوم .
نقوم بهذا إبتغاء مرضاة الله جل وعلا ، وكفى به جل وعلا وليا وكفى به جل وعلا نصيرا .
أحمد صبحى منصور
نوفمبر 2015

الباب الأول : قبل مذبحة كربلاء

الفصل الأول : معاوية و( الحسن بن على ) والمال المعبود
أولا : معاوية يستخدم المال فى الايقاع ( بالخليفة ) الحسن بن على بن أبى طالب
1 ـ بويع معاوية بالخلافة فى شوال 41 .
وبين ثنايا الروايات التاريخية نلمح تخطيط معاوية فى إرغام ( الحسن ابن على ) على التنازل له عن الخلافة . فقد بويع الحسن بعد يومين من مقتل أبيه . فى رمضان سنة اربعين . وظل خليفة 8 أشهر وعشرة أيام ، ثم اضطر للتنازل لمعاوية .
2 ــ تقول الروايات أن الناس تفرقت عن الحسن ، وبقى معه أوباش الأعراب ، وهؤلاء ( نهبوا سرادق الحسن ،حتى نازعوه بساطًا كان تحته .وطعنوه فى خاصرته )، ( لما قتل علي رضي الله عنه توجه الحسن والحسين رضي الله عنهما إلى المدائن ، فلحقهما الناس بساباط ، فحمل على الحسن رجل فطعنه في خاصرته ، فسبقهم حتى دخل قصر المدائن .. ثم وجه ألى معاوية فصالحه‏.‏ ). ويذكر المسعودى أن الحسن خطب ( فقال : يا أهل الكوفة، لو لم تذهل نفسى عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت : مقتلكم لأبى ، وسلبكم ثقلى ، وطعنكم فى بطنى . وإنى قد بايعت معاوية فاسمعوا له وأطيعوا " . يقول المسعودى :" وقد كان أهل الكوفة انتهبوا سرادق الحسن ورحله ، وطعنوه بالخنجر فى جوفه ، فلما تيقن ما نزل به إنقاد للصلح . ). وذلك في سنة إحدى وأربعين فسمي عام الجماعة .
3 ـ ونقرأ تخطيط معاوية من خلال فهم سياسته ، فبينما كان ( على ) سريعا للحرب دون إعداد سليم ، كان معاوية لا يلجأ اليها إلا بعد أن يفشل أهم سلاح لديه ، وهو سلاح المال الذى كان يحوّل به المحايد الى صديق ـ ويحيّد به العدو ، ويزيد به الأنصار، ويزداد به ولاءا وتأييدا . وبسلاح المال نجح معاوية فى التحالف مع ( عمرو بن العاص ) ، ونجح فى تثبيط وتخذيل أتباع ( على ) وبه نجح فى الايقاع بالحسن بن على .
4 ــ المال هو الأقوى مفعولا ، لأنه كان ـ ولا يزال ـ لغة التعامل فى دنيا السياسة القائمة على المنفعة بعيدا عن الشعارات ومزاعم التقوى والصلاح والضحك على الذقون . كان العرب فى الجاهلية يقتتلون على الشاة والبعير ومواضع الكلأ والرعى ، ثم أشرفوا بالفتوحات على نعيم الدنيا وزخرفها وورثوا أغنى المدائن فأذهلتهم الدنيا وتفتّحت شهيتهم بما أصبح تحت لديهم فتقاتلوا بسببه، وأصبح المال هو المعبود الأكبر لدى صحابة الفتوحات . وفهم معاوية هذا ، فجعله وسيلة التعامل ، يشترى به الأتباع ويهدّىء به النفوس .
5 ـ لذا لا نستبعد أن يكون عملاء معاوية هم الذين حرّضوا أوباش الأعراب على نهب متاع الحسن وطعنه والتطاول عليه . أراد معاوية أن يزيل هيبة ( الخليفة الحسن بن على ) ويجعل حياته مهددة .
لو أراد قتله لاستطاع ، ولكن قتل الحسن لن يُحلّ مشكلة معاوية ، لأن من بايع الحسن سيبايع بعد مقتله للحسين ، ثم بعد الحسين لفلان وفلان من أولاد (على ) وما أكثرهم . إذن فالحل هو جعل الحسن يتنازل لمعاوية طواعية ، وأن يبايع له طواعية هو إخوته وشيعته .
ثانيا : معاوية يستخدم المال فى جعل الحسن يتنازل له عن الخلافة
1 ــ وهنا يأتى دور المال فى تشجيع ( الحسن ) على التنازل .
تقول الروايات : ( فلما رأى الحسن تفرق الناس عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح‏.‏ فبعث معاوية إليه عبد الله ابن عامر وعبد الرحمن بن سمرة ، فقدما عليه المدائن فأعطياه ما أراد ، وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها . ) وكان من شروط الصلح أن يكون الأمر من بعد معاوية للحسن ثم للحسين ، وأن لا يقضي معاوية بشيء دون مشورة الحسن ، وعدم شتم (على ) وعدم ملاحقة شيعته ، وأن يعطيه معاوية خراج دار بجرد فى فارس ، وأن يعطيه ما فى بيت مال الكوفة .
2 ــ وهنا نصل الى المقصود الأعظم ؛ وهو المال .
فقد تنازل الحسن عن الخلافة وبايع معاوية مقابل أن يأخذ من بيت مال الكوفة 5 مليون درهم . وحسبما تقول الرواية فقد ( كان معاوية قد أرسل إليه قبل ذلك صحيفة بيضاء ، وكتب إليه : "اشترط في هذه الصحيفة ما شئت . " فاشترط أضعاف الشروط التي سألها معاوية قبل ذلك . وأمسكها عنده. وأمسك معاوية صحيفة الحسن التي كتب إليه فيها . فلما اِلتقيا ، سأله الحسن أن يعطيه الشروط التي شرط في الصحيفة فأبى معاوية وقال‏:‏ لك ما كنت تسألني‏.‏ ). أى أعطاه معاوية ( شيك على بياض )، فكتب فيه الحسن ما شاء . ثم أراد الحسن مبلغا أكبر فرفض معاوية.
ثالثا : معاوية يرشو وجوه بنى هاشم ليضمن سكوتهم
1 ـ واستعمل معاوية فى خلافته سلاح المال أحسن إستعمال ليتفادى الحروب والفتن ما استطاع . وهذه مزية تُحسب له .
2 ــ فقد أغدق معاوية المال على (الحسن والحسين ) وسائر وجوه بنى هاشم كى يضمن سكوتهم وولاءهم . وحتى يشغلهم بالنعيم عن السياسة .
3 ــ وقد جمع ابن كثير بعض الروايات التى تذكر كرم معاوية فى خلافته مع الهاشميين. :
( قال‏:‏ قدم الحسن بن علي على معاوية فقال له‏:‏ لأجيزنك بجائزة لم يجزها أحد كان قبلي، فأعطاه أربعمائة ألف ألف‏.‏ )
(ووفد إليه مرة الحسن والحسين فأجازهما على الفور بمائتي ألف، وقال لهما‏:‏ ما أجاز بهما أحد قبلي‏.‏ فقال له الحسين‏:‏ ولم تعط أحدا أفضل منا‏.‏ )
( أرسل الحسن بن علي، وعبد الله بن جعفر إلى معاوية يسألانه المال، فبعث إليهما - أو إلى كل منهما - بمائة ألف.) .
( وروى الأصمعي قال‏:‏ وفد الحسن وعبد الله بن الزبير على معاوية فقال للحسن‏:‏ مرحباً وأهلاً بابن رسول الله، وأمر له بثلاثمائة ألف‏.‏ وقال لابن الزبير‏:‏ مرحباً وأهلاً بابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر له بمائة ألف‏.) .
3 ـ وبسبب كثرة الأموال التى كان يهبها معاوية لهم ، فقد كانوا يتبارون فى تفريقها كرما.
تقول الروايات ( بعث معاوية إلى الحسن بن علي بمائة ألف فقسمها على جلسائه، وكانوا عشرة، فأصاب كل واحد عشرة آلاف‏.‏ وبعث إلى عبد الله بن جعفر بمائة ألف فاستوهبتها منه امرأته فاطمة ، فأطلقها لها.)
( كان لعبد الله بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف، فاجتمع عليه في بعض الأوقات دين خمسمائة ألف، فألحّ عليه غرماؤه فاستنظرهم حتى يقدم على معاوية فيسأله أن يسلفه شيئاً من العطاء، فركب إليه فقال له‏:‏ ما أقدمك يا بن جعفر‏؟‏ فقال‏:‏ دين ألحّ علي غرماؤه‏.‏ فقال‏:‏ وكم هو‏؟‏ قال‏:‏ خمسمائة ألف‏.‏ فقضاها عنه وقال له‏:‏ إن الألف ألف ستأتيك في وقتها‏.‏ ) .
هذا مع الكرماء ، أما عبد الله بن الزبير المشهور بالبخل ، فتقول الرواية عنه (..وبعث إلى عبد الله بن الزبير بمائة ألف فقال للرسول‏:‏ لم جئت بها بالنهار‏؟‏ هلا جئت بها بالليل‏؟‏ . ثم حبسها عنده ولم يعط منها أحداً شيئاً‏.‏ ).
رابعا : الحسن بن على ينشغل بالمال والنساء عن طموحه السياسى
1ـ وفعلا إنشغل الحسن بأمواله ونسائه عن حقوقه السياسية التى إشترطها على معاوية ، وهى ( أن لا يقضي معاوية بشيء دون مشورة الحسن. ) .
2 ــ إنهمك الحسن فى الزواج وإقتناء السبايا والجوارى . فاشتهر بكثرة زيجاته ، وانه كان مزواجا مطلاقا ، وأحيانا كان يتزوج المرأتين فى ليلة واحدة ، وجمع فى ليلة زفاف بين زوجتين كل منهما ابنة عم الأخرى . وصار له 20 ولدا ، وتقول الرواية ‏:‏( أرخى الحسن بن علي رضي الله عنهما ستره على مائتي حرة‏.‏ ) أى تزوج مائتى حُرة ، غير السبايا المملوكات ، وقد انجب منهن أيضا.
خامسا : معاوية يرشى زوجة الحسن لتقتله بالسم
1 ـ وبالمال ايضا تخلّص معاوية من الحسن قتلا بالسّم عندما قرّر معاوية أن الوقت قد حان ( للتوريث )، أى للعهد لابنه يزيد بالخلافة . وبالتالى كان لا بد من إغتيال الحسن.
2 ــ ولجأ معاوية للمال. يروى المسعودى فى (مروج الذهب ) أن معاوية بعث الى جعدة بنت الأشعث بن قيس زوجة الحسن برسالة يقول فيها : " إنّك إن إحتلت فى قتل الحسن وجهت اليك بمائة الف درهم ، وزوجتك من يزيد " . فسقته السم فمات ، فبعث لها معاوية بالمال وكتب لها " إنا نحب حياة يزيد ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه " ).!.
سادسا : معاوية بالمال يتخلص من زعيم كنده صهر الحسن
1ـ جدير بالذكر أن معاوية ـ فى إعتقادنا ـ مسئول عن الموت المفاجىء لزعيم قبائل كندة القحطانية ، والد السيدة ( جعدة ) ، وهو الأشعث بن قيس الذى مات فجأة بعد مقتل (على ) بأربعين يوما ، وكان موته المفاجىء هذا تمهيدا لأن ينفرد معاوية بالحسن بن على وأن يتلاعب به . كان وقتها الحسن خليفة لا يزال ، ويحظى بالأعوان والجُند ، خصوصا من قبائل كندة ، وهذا بسبب تأييد صهره والد زوجته ( جعدة ) زعيم قبائل كندة ( الأشعث بن قيس ) .
2 ــ وهذا الأشعث الطموح للسلطة يرى فى خلافة الحسن فرصته الكبرى للسيادة ،وهو من قبل قد تزوج أخت أبى بكر فى سبيل الصعود السياسى ، فجاء موت أبى بكر المفاجىء وقوّض أحلامه، ثم حاول ان يوثّق علاقته بخالد بن الوليد فوقف له (عمر ) بالمرصاد وأطاح (عمر ) بخالد . ثم حقّق الأشعث بعض أمانيه فى خلافة عثمان ، ثم عزله (على ) فتسبب الأشعث فى فشل ( على ) وتضييع إنتصاره فى صفين . ونجح الأشعث فى تزويح الحسن بابنته جعدة . ولكن مكر معاوية أسرع بإغتياله ، ليس فقط لينفرد معاوية بالحسن ـ كما حدث ـ ولكن أيضا لينفرد صهر معاوية حسان بن بحدل الكلبى بزعامة القبائل القحطانية بلا منازع بعد إغتيال الأشعث بن قيس ، ولتنفرد قبائل كلب بزعامة القبائل القحطانية اليمنية بدلا من كندة .
سابعا : هل قتل معاوية السيدة عائشة :
تردد هذا فى بعض الروايات . قد يصدق بعضهم هذه الروايات على إعتبار أن السيدة عائشة ( أم المُشاغبين ) كانت ستعارض التوريث وتقيم حربا مثل حرب الجمل . ولكننا لا نأخذ بهذه الروايات لأسباب التالية :
1 ـ إنها عاشت بعد ماساة معركة الجمل فى ندم حيث أشعلت أول حرب أهلية فى تاريخ المسلمين بلا داع ، وكان يتم تذكيرها بهذا وتأنيبها به ، وعاشت تحمل هذا الإثم الى أن ماتت ، وبالتالى لا نتصور أن ترتكب نفس الخطيئة. 2 ـ إن معاوية كان حريصا على كسب ودها والتقرب اليها ومشاورتها إتقاء لشرّها ، ونجح فى كسبها الى صفه الى درجة أنها إكتفت بعبارات هينة فى إحتجاجها على قتل معاوية لحُجر بن عدى الكندى المعارض المُسالم ، وبدليل أنها لم ترفع صوتها إحتجاجا على قيام معاوية بإستلحاق زياد بن أبيه وجعله ابن أبى سفيان بعد موت أبى سفيان ، خلافا للشرع الاسلامى والعُرف الجاهلى . إنهالت الانتقادات على معاوية وسكت عنها بحُلمه المشهور . وسكتت السيدة عائشة ، وهى قامة سياسية وفكرية فى وقتها .
3 ـ إن ثورتها على معاوية فى التوريث ستكون فى صالح بنى هاشم ( الحسين بن على ) وهى مشهورة بعدائهم . 4 ـ ثم كانت عائشة قد تجاوزت الخامسة والسبعين ـ أى بلغت أرذل العمر ، ولم تعد صالحة للطموح السياسى كما كان العهد بها من ربع قرن .
5 ـ ومن يتجول فى عقل معاوية يعرف أنه كانت له حسابات فى تحييد خصومه بالمال أو بالاغتيال ، حتى لا ترتد عليه مكائده . وبالتالى فلا نعتقد انه يبادر بإغتيال عائشة . لقد كانت لغما متفجرا فى خلافة عثمان وخلافة على ، ولكن هذا اللغم أصبح فى النهاية مجرد قطعة من خُردة لا خوف منها .
ثامنا : معاوية يرشو ابن عباس داهية الهاشميين ليسكت على إغتيال الحسن
جدير بالذكر أيضا أن معاوية نجح بالمال فى تحييد عبد الله بن عباس ( الداهية الهاشمى ). ومعاوية يعرف دهاء عبد الله بن عباس ، ويعرف أيضا حبّ ابن عباس للمال ، وهو الذى سرق بيت مال البصرة وهرب به من قبل . الخطورة هنا أن يقوم ابن عباس بفضح مخطط معاوية بعد إغتيال الحسن إبتزازا له ، وفهم معاوية قصده ، لذا بادر معاوية برشوة ابن عباس حتى يسكت . تقول الرواية ( قال معاوية‏:‏ يا عجباً للحسن بن علي ‏!‏‏!‏ شرب شربة عسل يمانية بماء رومة فقضى نحبه،) أى يتعجب من مقتل الحسن بالسم ، وهذا فى حضور ابن عباس . أى يريد أن يعرف موقف ابن عباس . تقول الرواية عن معاوية ( ثم قال لابن عباس‏:‏ لا يسؤك الله ولا يحزنك في الحسن بن علي‏.‏ ) . وفهم ابن عباس بحصافته السياسية العرض الخفىّ فى كلام معاوية وأن مصلحته فى كسب ودّ معاوية وماله ، فأجاب ينافق معاوية : ( فقال ابن عباس لمعاوية‏:‏ لا يحزنني الله ولا يسوءني ما أبقى الله أمير المؤمنين‏.‏ ). وكانت النتيجة أن أعطاه معاوية مليون درهم وأشياء أخرى وعروضا أى ممتلكات عينية له ولأهله : ( فأعطاه ألف ألف درهم وعروضاً وأشياء‏.‏ وقال‏:‏ خذها فاقسمها في أهلك‏.‏ ).
تاسعا : المال السُّحت هو معبودهم الأكبر
1 ـ من الآخر ..الهدف هو المال يا ولدى .!!، وهذا المال ليس مالهم ، ولم يؤت به من داخل الصحراء العربية ، ولكن من الجزية والخراج وعرق ودماء اهل البلاد المفتوحة . أى مال سُحت .
2 ــ ـ وترى هذا المال السُّحت يغلّف سياسة الخلفاء ( الراشدين ) لا فارق بينهم وبين الخلفاء ( الفاسقين ) ، ونفسر من خلاله تاريخ أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وكبار الصحابة المشهورين .
3 ـ فعندما أختلف (على ) مع عماله فى الشرق كان بسبب المال. إلا إن عليا كان (عادلا ) فى توزيع هذا المال ( السُّحت ) على العرب فقط ، مثل (عمر ) . وعندما فارق ابن عباس ابن عمه عليا حرص ابن عباس على أن يأخذ معه بيت مال البصرة ، واستعان بأخواله ، وصار المال الذى معه سبب صراع بين الأعراب ، وكادوا أن يقتتلوا بسببه.
عاشرا : هذا المال السُّحت من عرق الفلاحين المساكين
1 ـ لم يكن للعرب علم بإدارة البلاد المفتوحة وكيفية تسيير شئونها الادارية والمالية وحسابات الخراج والضرائب وغيرها ، فتركوا هذا للإدارات المحلية التى كانت تمسك الدفاتر والحسابات للملوك السابقين ، وتقوم بجمع الجزية والخراج من القرى والفلاحين باسم الملوك . وتنافس كبار تلك النواحى فى دفع الرشاوى للقيام بمسئولية الادارة وتحصيل الأموال . ثم يقومون بالتحصيل من الفلاحين وأهل البلاد أضعاف أضعاف ما قدموه من رشاوى ، يعطون نصيب الخليفة ويأكلون معظم الباقى .
2 ــ ومن هذا المال السّحت كان معاوية يسترضى بنى هاشم وغيرهم من وجوه قريش . ومن هذا المال السّحت كانوا يتنافسون فى إنفاقه كرما وسخاءا كما هو حال الهاشميين ، أو يجمعونه حرصا وبخلا كما كان ابن الزبير . 3 ــ وتقول الرواية : ( كان لعبد الله بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف، ويقضي له معها مائة حاجة، ) أى يطلب منه مائة طلب فيلبيها له معاوية . ( فقدم عليه عاماً فأعطاه المال وقضى له الحاجات، وبقيت منها واحدة، فبينما هو عنده إذ قدم أصبغهند سجستان يطلب من معاوية أن يملكه على تلك البلاد، ) أى يجعله يديرها لحساب الخليفة . ( ووعد من قضى له هذه الحاجة من ماله ألف ألف‏.‏ ) أى يبحث عن واسطة يتوسط له عند معاوية ليجعله معاوية مديرا لبلاد " سجستان " ، ووعد بأن يدفع رشوة قدرها مليون درهم .( فطاف على رؤوس الأشهاد والأمراء من أهل الشام وأمراء العراق، ممن قدم مع الأحنف بن قيس، فكلهم يقولون‏:‏ عليك بعبد الله بن جعفر، فقصده الدهقان .). وتوسط عبد الله بن جعفر له عند معاوية ، ونجحت التوصية ( فكلم فيه ابن جعفر معاوية ، فقضى حاجته تكملة المائة حاجة‏.‏ وأمر الكاتب فكتب له عهده، وخرج به ابن جعفر إلى الدهقان فسجد له وحمل إليه ألف ألف درهم‏.‏ فقال له ابن جعفر‏:‏ "اسجد لله واحمل مالك إلى منزلك، فإنا أهل بيت لا نبيع المعروف بالثمن‏.‏ ).
4 ــ هنا نرى ابن جعفر كريما يصنع معروفا مع هذا الرجل الراشى الفاسد الذى عرض مليون درهم رشوة ، بمعنى أنه سيربح أضعافها بعد تأدية المقرر من الخراج والجزية . ومع ذلك يتنازل ابن جعفر لهذا الرجل الفاسد عن مليون درهم ، ويمكّنه من رقاب مئات الألوف من الفلاحين المستعبدين فى الأرض .!
فهل هذا معروف ؟!. .
حادى عشر : إحتقار صحابة الفتوحات لأبناء البلاد المفتوحة
1 ـ والعجيب أن التاريخ لعصر الخلفاء الراشدين والأمويين فى تركيزه على العرب يتجاهل تماما الاشارة لأهل البلاد المفتوحة ، وكأنه لا وجود لهم . وهذا إنعكاس لموقف الصحابة من هؤلاء المساكين . حتى ( على ) الذى كان يزعم مراعاة العدل كان لا يرى أهل البلاد المفتوحة ؛ كان لا يرى سوى العرب. وحين كان يهاجم أتباعه من أوباش الأعراب يقول ( يا أهل العراق ) كأنما لا يوجد فى العراق سوى الأعراب . وكان يقال عن الأعراب الثائرين على ( عثمان ) القادمين من مصر ( المصريون ) أما سكان مصر فهم ( الأقباط ) . أهل العراق الحقيقيون هم غير العرب ، ممن كانوا يطلق عليهم العرب ( الموالى ) .
2 ــ أى تملّك العرب الأرض ومن عليها ، وإحتقروا أصحاب الأرض وسكانها الذين يتمتعون بثمار عرقهم وخيرات أرضهم . وهو نفس تعامل الانسان مع الأنعام التى سخرها رب العزّة له . فالانسان يتملك الماشية ويستغلها ويذبحها ويأكلها ، ثم لا يراها أهلا للتساوى به . وهذا لا بأس به فقد سخّر الله جل وعلا لنا الأنعام . ولكنه جل وعلا لم يسخر سكان فارس وايران والعراق والشام ومصر وشمال افريقيا للعرب الصحابة . بل خلقنا أخوة لآب واحد وأم واحدة ، وجعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف لا لنتقاتل، يقول جل وعلا :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13) الحجرات ) .
ولكن كفر صحابة الفتوحات بهذا ، وظهر هذا فى تعامل الصحابة والأجيال اللاحقة لهم مع أبناء الأمم المفتوحة . إمتصوا دماءهم ، ونهبوا اموالهم واسترقوا نساءهم وذرياتهم وقتلوا خيرة رجالهم ، وعاشوا على خيراتهم ، وتجاهلوهم كأنه لا وجود لهم . وحين كانت تضطرهم الظروف للتعامل مع ابناء البلاد المفتوحة كانوا يعاملونهم باحتقار شديد ، خصوصا فى العصر الأموى . وعاقبوهم بكل وحشية إذا ثاروا دفاعا عن أنفسهم .
3 ــ ومن يقرأ الحوليات التاريخية كالطبرى وغيره لا يرى أدنى إشارة لأصحاب البلاد . كل الكلام عن العرب فقط . أما أصحاب الوطن الغلابة فلا وزن لهم ولا ذكر لهم ، وحتى لو أسلموا كان الأمويون يأخذون منهم الجزية !.
أخيرا :
الجهاد فى الاسلام هو بذل النفس والمال فى سبيل الله جل وعلا ، دعوة سلمية أو قتالا دفاعيا فى إطار تقوى الله جل وعلا . الجهاد الذى قام به صحابة الفتوحات وأنشأوا به امبراطوريتهم كان فى سبيل المال والثرة والجاه والسلطان . كان جهادا ـ ليس فى سبيل الله ـ ولكن فى سبيل الشيطان . لذا تقاتلوا ، ولا يزال على أثرهم المسلمون يهرعون . ونشقى الآن بهذا الجهاد فى سوريا وباكستان والعراق وأفغانستان والجزائر والشيشان ومصر وليبيا والسودان .. أما (الاسلام ) فقد أصبح فى ( خبر ..كان ).!




الفصل الثانى : العهد ليزيد بن معاوية
مقدمة : معاوية بينفذ وصية أبيه بتوارث السُّلطة
1 ـ عند وصول عثمان للخلافة أوصى أبوسفيان بنى أمية بأن يتداولوا الخلافة بينهم ، تقول الرواية : ( حين بويع عثمان دخل أبو سفيان داره ومعه بنو أمية ، فقال ابو سفيان ـ وكان قد عمى ـ أفيكم أحد غيركم ؟ قالوا : لا . قال : يا بنى أمية تلقفوها تلقف الكرة ، فو الذى يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم . ولتصيرنّ الى صبيانكم وراثة. ). حمل معاوية فى قلبه وصية أبيه فأعدّ العدة مبكرا ولاحقا لتوريث ابنه يزيد .
2 ــ مشكلة معاوية هنا معقدة ، فهو أول توريث فى تاريخ المسلمين يجرى فرضه عليهم ، ثم إن إبنه يزيد بمجونه وفسوقه لا يصلح للخلافة، أى دخل معاوية فى (استحقاق ) هائل .
3 ــ والاستحقاق هو العمل السياسى الذى يخلق واقعا بكل السبل بعيدا عن الاخلاق وقيم الاسلام العليا. ونجح معاوية فى فرض التوريث فأقام إبنه خليفة ، ولكن إبنه الفاشل السيىء الماجن أضاع مجهود ابيه ، وترتب عليه خروج فرع آل أبى سفيان مبكرا من الخلافة الأموية ليحل محلهم الفرع المروانى ، نسبة لمروان بن الحكم بن العاص بن أمية .
4 ــ ونتتبع هنا جهد معاوية فى التوريث بعده ، كتمهيد لمذبحة كربلاء :
أولا : جهود معاوية فى ترتيب إستحقاق التوريث
1 ـ معاوية هو إبن مخلص للثقافة العربية السائدة فى الانتماء للقبيلة والولاء لها .
هذا الانتماء حاربه الاسلام ، ووضع بديلا له هو الانتماء للقيم الاسلامية العليا من السلام والعدل والاحسان والحرية فى الدين وفى السياسة. وحقّقت دولة الرسول الاسلامية هذا واقعا استمر عشر سنوات ، فدخل فى ولايتها أناس شتى من القبائل العربية وبعض غير العرب مثل سلمان الفارسى وصهيب الرومى ، ودخلها رقيق سابقون ومستضعفون وأشراف وأثرياء وفقراء ورجال ونساء ، تعايشوا كلهم فى ظل الحرية والعدل والمساواة والتكافل الاجتماعى. ولكن ظل الولاء القبلى لقريش حيّا فى قلوب معظم المهاجرين ، وتعرضوا بسبب ذلك للتأنيب القرآنى بسبب ولائهم لقبيلتهم قريش حتى فى وقت الصراع معها ، وقد تتابع هذا التأنيب من بداية الاقامة فى المدينة فى سورة الممتحنة الى قبيل موت النبى عليه السلام فى سورة التوبة.
هذا التعصب القبلى عاد سافرا بعد موت النبى عليه السلام وإتّحاد القرشيين من المهاجرين السابقين ومن دخل منهم فى الاسلام قبيل موت النبى. وكانت الردة محاولة للتحرر من زعامة قريش ، وبإخمادها تزعمت قريش العرب فى الفتوحات، وسلّمت القبائل العربية للقيادة القرشية ، وإعتلى الأمويون موجة الفتوحات التى كانت أفظع عصيان للاسلام ، فاختفت ثقافة الولاء للقيم الاسلامية لدولة الرسول، واستحكم البديل ، وهو الولاء للقبيلة وما تكتسبه لأفرادها من غنائم ومكاسب ، وما يتبعه من تعصب قبلى . ونبهنا الى فشل (على) فى خلافته لأنّه كان يتغنى بالقيم الاسلامية من العدل والتقوى وهو يحكم دولة قامت على اسس الظلم والقهر والسلب والسبى لشعوب بأكملها. بينما كان معاوية يعزف ويعرف لغة خطاب واحدة هى إرادة الدنيا بكل صراحة وبلا نفاق ، وهو يعطى بعض هذه الدنيا لمن يتحالف معه ويخدمه، فنجح وأجاد معاوية اللعب على ثقافة قومه ، فجعل هذا التعصب القبلى فى خدمة أهدافه مذ أن بويع خليفة فى بيت المقدس فى شهر شوال عام 41 .
إنّ القبيلة العربية هى جيش عسكرى متحرك ، جنوده هم رجال القبيلة ، وقائده هو شيخ القبيلة ، ويتفانى أفراد القبيلة فى طاعة قائدهم ، حتى لو كان قائدا أحمق ،مثل (الأحمق المُطاع : الأقرع بن حابس ) الذى قيل عنه ( إنه لو غضب ، غضب لغضبه مائة ألف سيف لا يسألونه لماذا غضب ) . هذه الثقافة العربية الجاهلية لعب عليها معاوية بمهارة شديدة، وأسّس عليها إستحقاقه فى الوصول للخلافة ، ثم نجح بها فى جعل إبنه يزيد خليفة برغم كل التحديات .
2 ـ وقد ساعده فى النجاح عاملان :
الأول : أنه باستثناء الخوارج ( وهم قد تحولوا الى عصابات ارهابية متشاكسة لايؤبه بها فى التقييم السياسى ) فإن كل القبائل العربية كانت تُسلّم بأحقية قريش فى القيادة والخلافة ، فانحصر التنافس والتعصب القبلى فيما بين تلك القبائل فقط فى تأييد هذا الفرع أو ذاك من قريش : ( الأمويون ؟ الهاشميون / ابن الزبير )، بما يعنى إمكانية أن يجعل الخليفة القرشى هذا التعصب القبلى تنافسا بين القبائل فى خدمته .
العامل الثانى : هو المال الذى أصبح بالفتوحات الاها معبودا. فالصراع والاقتتال فى سبيل المال فاق ما تعوده العرب من قبل حين كانوا يقتتلون على المرعى والكلأ والشاة والبعير . أصبح صراعا حول الملايين من الدرهم والدينار وجنات زراعية دنيوية تجرى من تحتها الأنهار . وخلافا ( لعلى ) فقد نجح معاوية فى استغلال سلاح المال ، كان يكفيه أن يشترى زعيم القبيلة ليضمن قوتها العسكرية فى خدمته ، بل أن تتنافس القوى العسكرية فى خدمته . وبالمال نجح معاوية فى جعل ابنه خليفة بعده ، وبالمال نجح يزيد وفشل الحسين ، وبالمال نجح مروان ابن الحكم وابنه عبد الملك وفشل ( البخيل ) ابن الزبير . المال هو الذى جعل القبائل تتبع الأمويين وتتخلى عن الهاشميين ، وبالتالى كان حتما أن يخسر ابن الزبير، فقد جمع مع البخل أنه كان الأقل شأنا من الأمويين والهاشميين .، وأنه حاز الحقارة بكل ما تعنيه الكلمة .
3 ـ ومن مهارة معاوية فى استخدام سلاح المال أنه تنوّع فى استخدامه حسب الظروف:
3 / 1 : إستخدمه فى التآمر لقتل خصومه. وفى تجنيد الأتباع وفى تحييد الخصوم كما فعل مع الهاشميين وكبار قريش ، وفى زيادة الولاء لدى أتباعه وولاته ليصبحوا أكثر ولاءا وطاعة ، . وسبق أنه أعطى عمرو بن العاص مصر ( طُعمة ) له ليستأثر بولائه ، وبعد موت عمرو استولى معاوية على كنوزه ، وعيّن عبد الله بن عمرو فترة قصيرة ، ثم عزله ، وولى مكانه أخاه ابن أبيه ليضمن السيطرة على مصر بالذات ولتكون عُمقا له . وقد أغدق بالملايين على أتباعه وخصومه فى نفس الوقت .
وهى سياسة حصيفة لأنه بالمال تجنب الحروب وسفك الدماء وإحتمال الهزيمة وضياع مُلك له يرى كثيرون أنه لا حقّ له فيه . ولكنه بسياسة الاستحقاق أصبح أكثر إستحقاقا له من ( على ) و بنيه ، الذين أثبتوا فشلهم السياسى ، ودفعوا الثمن هزيمة وقتلا .
3 / 2 : ومع أنه تزوج ( زواجا سياسيا ) من سيمون بنت بحدل الكلبى زعيم قبيلة كلب اليمنية القحطانية ، وهى التى تسيطر على الطرق الى الشام ، والتى كانت حليفا من قبل لقريش ( الأمويين ) فى رحلتى الشتاء والصيف ، والتى ساعدت القادة الأمويين فى فتح الشام . عزّز معاوية صلته بهذه القبيلة التى تعرف السمع والطاعة للحاكم بحكم مجاورتها للروم ودول الشام وقتها . وهذا بعكس القبائل الصحراوية المتمردة بطبيعتها ، والتى لا تعرف الطاعة ، وتحتكم الى السيف فى خلافاتها ، وخلافاتها جزء من أهوائها المتقلبة . وهذه هى القبائل التى كانت عماد حركة الردة ، ثم عماد الفتوحات ، ثم كان منها الثوار الذين قتلوا عثمان ، ثم إنضموا لعلى ، ثم كان منهم الخوارج الذين قتلوا عليا ، ثم إستمروا فى الخروج على معاوية والأمويين .
معاوية انجب إبنه يزيد من سيمون بنت بحدل ، وجعل إبنه يزيد ينشأ فى كفالة أخواله الكلبيين فى الصحراء بعيدا عن نعومة القصور . ولم يكتف بالاصهار ، إلا إنه قرن المصاهرة بعقد سياسى مالى ليضمن ولاء قبائل كلب كلها وهى المسيطرة على جنوب الشام . وطبقا للعقد كان معاوية يفرض لهم عطاءا ماليا لألفى رجل من كبارهم ؛ ألفين الفين ، وإن مات زعيم منهم أقام إبنه أو ابن عمه مكانه ، وجعل صهره ابن بحدل واليا على جنوب الشام يتوارثها فى عقبه، وجعل لهم الأمر والنهى وصدر المجلس والحل والعقد والمشورة فى خلافة معاوية . ولأن إبنه يزيد تربى فى مضارب أخواله فى الصحراء وتعلم هناك الفروسية على أيديهم فقد توثقت صلة الابن بأخواله. ولم يكتف معاوية بذلك بل قام بتجديد العقد بنفس الشروط مع قبيلة كلب ليضمن تأييدهم ليزيد مقدما..
3/ 3 : ولم يضع معاوية كل البيض فى سلة واحدة .
كانت قبائل قيس المُضرية تنافس قبائل كلب فى الشام ، فاستمالهم معاوية بالمال والمناصب ، وصار زعيم قيس ( الضحاك بن قيس الفهرى ) من كبار أعوانه فى دمشق ، وهو الذى تولى الدعوة للعهد ليزيد فى حياة معاوية ، ثم فى تثبيت خلافة يزيد بعد موت معاوية .
ولم يغفل معاوية عن قبائل كنده اليمنية القحطانية وسيطرتها فى العراق، فعمل على إستمالتهم . و بعد أن تخلّص بالسم من زعيمهم الأشعث بن قيس ، إستطاع شراء إبنه محمد بن الأشعث بن قيس زعيم قبائل كنده بعد موت أبيه ، فضمن معاوية ولاء قبائل كنده . ومحمد بن الأشعث هذا ، سنقابله فى ماساة الحسين لاحقا ، فهو الذى خدم عبيد الله بن زياد والى الكوفة الأموى من قبل يزيد بن معاوية ، خدمه فى الايقاع بمسلم بن عقيل ـ الرسول المبعوث من الحسين الى الكوفة ليمهد له الأمور فيها . وبسبب المال باع محمد بن الأشعث من جاء رسولا من الحسين يطلب عونه
.ثانيا : خطوات معاوية فى التجهيز للتوريث
1 ـ قام بالتخلص من خصومه الذين يحتمل أن يكونوا عقبة فى التوريث ، أو محتمل أن ينافسوا ابنه يزيد فى الخلافة ، فمات بالسم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد عام 46 هجرية ، وبنفس الطريقة مات الحسن بن على والذى كان مفروضا أن يلى الخلافة بعد معاوية تنفيذا للاتفاق بينهما فى عام الجماعة . وقبله مات بالسم الأشعث بن قيس .
2 ـ بث الخلاف والايقاع بين الطموحين من الأمويين لتولى الخلافة ، وهم نظراء معاوية نفسه ، وبالتالى فهم عقبة فى تولى ابنه يزيد الخلافة . لم يستعمل معاوية وسيلة القتل ليتخلص من زعماء الأمويين منافسى ابنه يزيد ، والذين هم أحق منه (أمويا ) بالحكم بما لهم من سوابق سياسية فى وصول البيت الأموى للحكم من عهد عثمان الى عهد معاوية .
الى جانب معاوية كان يوجد إثنان من كبار بنى أمية ، ومن أعمدة ملك معاوية ، وهما سعيد بن العاص ومروان بن الحكم ، وكلاهما من فرع العاص بن أمية الذى ينتمى اليه عثمان بن عفان . هما منافسان قويان ليزيد ، و(يزيد ) بالنسبة لهما لا شىء . ومعاوية لا يستطيع شراءهما بالمال فهم لديهم ما يكفيهم من المال ، وربما لو أعطاهم أموالا زيادة فسيزدادون به قوة على قوتهم . ومعاوية لا يستطيع التخلص منهما بالقتل لحاجته لهما وللحفاظ على وحدة البيت الأموى . إذن لا بد من طريقة أخرى لتحييدهما مع الابقاء على حياتهما ، وهى زرع العداوة بينهما . كيف يزرع بينهما العداوة وهما ابناء عم وأقرب لبعضهما من قرابتهما لمعاوية ؟.
إعتاد معاوية بذر الشقاق بينهما بأن يعزل أحدهما ويولى الاخر مكانه ، ويأمر أحدهما بالانتقام من الآخر .
فى عام 53: كان عزل سعيد عن المدينة واستعمال مروان مكانه .
تقول الرواية ( وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة واستعمل مروان‏ .‏ وكان سبب ذلك أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص أن يهدم دار مروان ويقبض أمواله كلها ليجعلها صافيةً ويقبض منه فدك وكان وهبها له ، فراجعه سعيد بن العاص في ذلك فأعاد معاوية الكتاب بذلك ، فلم يفعل سعيد ، ووضع الكتابين عنده ، فعزله معاوية وولى مروان ، وكتب إليه يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص وهدم داره ، فأخذ الفعلة ( العمال ) وسار إلى دار سعيد ليهدمها ، فقال له سعيد‏:‏ " يا أبا عبد الملك أتهدم داري ؟" قال‏:‏ " نعم ، كتب إلي أمير المؤمنين ولو كتب إليك في هدم داري لفعلت‏ " .‏ فقال‏:‏ "ما كنت لأفعل‏" .! . ‏ قال‏:‏ " بلى والله‏ " .‏ قال‏:‏ " كلا‏. " ‏ وقال لغلامه‏:‏" ايتني بكتاب معاوية "، فجاءه بالكتابين ، فلما رآهما مروان قال‏:‏ " كتب إليك فلم تفعل ولم تعلمني ؟ " فقال سعيد‏:‏ " ما كنت لأمن عليك وإنما أراد معاوية أن يحرض بيننا‏.".! . ‏ فقال مروان‏:‏ " أنت والله خير مني‏.‏ " !. وعاد ولم يهدم دار سعيد. وكتب سعيد إلى معاوية‏:‏ " العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا‏!‏ إنه يضغّن بعضنا على بعض . فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأخبثين وعفوه وإدخاله القطيعة بيننا والشحناء وتوارث الأولاد ذلك .! . فوالله لو لم نكن أولاد أب واحد لما جمعنا الله عليه من نصرة أمير المؤمنين الخليفة المظلوم واجتماع كلمتنا لكان حقًا على أمير المؤمنين أن يرعى ذلك‏.". ‏ فكتب إليه معاوية يعتذر من ذلك ويتنصل وأنه عائد إلى أحسن ما يعهده ‏.‏ ). الذى حمل معاوية على هذا السقوط الأخلاقى مع ركنى دولته ( مروان وسعيد ) هو تخطيطه للتوريث .
3 ـ قتل ( حُجر بن عدى ) زعيم الشيعة فى الكوفة ظلما وعدوانا ، فكان أول ضحية لحرية الرأى السياسى والمعارضة السياسية السلمية فى تاريخ المسلمين . قتله معاوية إرهابا للشيعة عام 53 .
4 ـ الذى فهم غرض معاوية فى التوريث ولعب به وعليه هو الداهية المغيرة بن أبى شعبة .
نحن الآن مع المغيرة قبيل عام 49 تقريبا ، وهو العام الذى توفى فيه ، على أصح الروايات .
ويبدو أن معاوية قد برم بالمغيرة لأنه لم ينجح فى ولايته على الكوفة فى استثارة حجر بن عدى وأصحابه وقتلهم . لذا أراد عزل المغيرة وتولية سعيد بن العاص مكانه . كان المغيرة فى آخر أيامه يريد الاستقرار واليا على الكوفة لا يتركها إلا بالموت ، فعلم نية معاوية فى عزله عن الكوفة ، فقال المغيرة لأصحابه: ( الرأي أن أشخص إلى معاوية، فأستعفيه ، ليظهر للناس كراهتي للولاية‏ .‏). لذا بادر المغيرة بالذهاب الى دمشق ليخدع معاوية بآخر سهم فى جعبته . قال المغيرة لأصحابه حين وصل إليه‏:‏ ( إن لم أكسبكم الآن ولاية وإمارة لا أفعل ذلك أبدًا‏.‏ ). وقبل أن يقابل معاوية ذهب المغيرة رأسا ليزيد بن معاوية ، وقال له‏:‏ ( إنه قد ذهب أعيان أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وآله وكبراء قريش وذوو أسنانهم وإنما بقي أبناؤهم ، وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأيًا وأعلمهم بالسنة والسياسة، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة‏.‏ قال‏:‏ أوترى ذلك يتم ؟ قال‏:‏ نعم‏.‏) .
فوجىء يزيد بأن ما يحلم به وما يخطط له أبوه سرا يأتى المغيرة له ويشجعه عليه : (فدخل يزيد على أبيه ، وأخبره بما قال المغيرة ، فأحضر المغيرة وقال له : ما يقول يزيد ؟ فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان ، وفي يزيد منك خلف، فاعقد له ، فإن حدث بك حادثٌ كان كهفًا للناس وخلفًا منك . ولا تسفك دماء ولا تكون فتنة‏.‏ قال‏:‏ ومن لي بهذا ؟ قال‏:‏ أكفيك أهل الكوفة ويكفيك زيادٌ أهل البصرة وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك‏.‏)
المغيرة هنا أدخل نفسه مع معاوية فى التخطيط لتحقيق الحلم ، وبالتالى لم يعد بوسع معاوية التخلى عنه ، لذا : ( قال‏:‏ فارجع إلى عملك وتحدث مع من تثق إليه في ذلك وترى ونرى‏.‏ فودعه ورجع إلى أصحابه‏.‏) .
رجع المغيرة منتصرا وهم فى انتظاره فى قلق : ( فقالوا‏:‏ مه ؟ قال‏:‏ لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمه محمد وفتقت عليهم فتقًا لا يرتق أبدًا ). أى إنه فى سبيل أن يبقى واليا على الكوفة عاما أو أكثر شجع معاوية على اتخاذ خطوة يعلم أنها ستزلزل المسلمين . وكله يهون ..فى سبيل الكرسى الملعون ..!
5 ـ ونعود للمغيرة بعد رجوعه للكوفة ، فقد جهز جماعة من بنى أمية واتباعهم ،وأرسلهم وفدا الى دمشق تحت قيادة ابنه موسى بن المغيرة ، ليطالبوا معاوية بأن يعهد لابنه بولاية العهد وتوارث الحكم . تقول الرواية : ( وسار المغيرة حتى قدم الكوفة ، وذاكر من يثق إليه ومن يعلم أنه شيعة لبني أمية ــ أمر يزيد ، فأجابوا إلى بيعته ، فأوفد منهم عشرة ويقال أكثر من عشرة وأعطاهم ثلاثين ألف درهم ، وجعل عليهم ابنه موسى بن المغيرة ، وقدموا على معاوية ، فزينوا له بيعة يزيد ودعوه إلى عقدها‏.‏ فقال معاوية‏:‏ لا تعجلوا بإظهار هذا وكونوا على رأيكم‏.‏ ) أى أدخلهم معاوية فى مخططه للتوريث ، يتحركون وقت أن يريد . ثم اختلى بموسى بن المغيرة قائد الوفد وسأله : (‏:‏ بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟! .قال‏:‏ بثلاثين ألفًا‏.‏ قال‏:‏ لقد هان عليهم دينهم‏.‏ .!! ). هذا هو سحر المال .!!. وهناك روايات أخرى تختلف فى التفاصيل ولكن تتفق فى اساسيات الموضوع وهو دور المغيرة فى تشجيع معاوية على التحرك العلنى نحو تحقيق حلمه بتوارث السلطة فى عقبه .
6 ــ وقد كان زياد بن أبيه هو المتحكم فى فارس فى خلافة (على ) وبعد مقتل ( على ) ، فاستماله معاوية بأن زعم أن زياد هو ابن لأبي سفيان ، وبإلحاق زياد ابن أبيه بنسب معاوية أصبح إسمه الرسمى زياد بن أبى سفيان ، وتحالف زياد مع معاوية وضم اليه فارس ، واستمر زياد بن أبيه أمير البصرة لمعاوية . ومات المغيرة فى طاعون عام 49 ، فضم معاوية الكوفة وأعمالها الى ( زياد ابن أبيه ) . فكان زياد هو أول من جمع ولاية العراق كله وما يتبعه من فارسوأواسط آسيا ( أى نصف الامبرطورية الأموية ) . كانت هذه رشوة لزياد ، وإنتظر معاوية منه الرد عليها بالموافقة على بيعة يزيد، إذ كتب معاوية الى زياد ابن أبيه يستشيره فى البيعة ليزيد . وكان زياد ابن أبيه يرى أن يزيد بن معاوية لا يصلح للخلافة ، فكتب الي معاوية ينصحه بالتروى وألا يعجل ، وأن يُصلح من أمر يزيد، تقول الرواية ( وكتب زياد إلى معاوية يأمره بالتؤدة وألا يعجل ، فقبل ذلك معاوية ، وكف يزيد عن كثير مما كان يصنع . ). أى مما يفعله يزيد من الخمر والمجون .
ثالثا : إعلان البيعة ليزيد
1 ـ ثم مات زياد ابن أبيه ( فجأة )، على العادة فى الموت الفُجائى لكل من يخشلى منهم معاوية، بعدها مباشرة كان إعلان معاوية البيعة ليزيد . تقول الرواية إنه ( لما مات زياد دعا معاوية بكتاب فقرأه على الناس باستخلاف يزيد ، وإن حدث به حدث الموت فيزيد ولي عهده . فاستوثق له الناس على البيعة ليزيد غير خمسة نفر )، وهؤلاء الخمسة هم فى هذه الرواية : ( بايع الناس ليزيد بن معاوية غير الحسين بن علي وابن عمر وابن الزبير وعبدالرحمن بن أبي بكر وابن عباس .) .
وتقول عناوين الروايات ( وفى عام 56 هجرية أعلن معاوية البيعة لابنه يزيد ) ، ( ثم دخلت سنة ست وخمسين : وفيها دعا معاوية الناس الى بيعة ابنه يزيد من بعده وجعله ولي العهد .).
2 ـ وابتدع معاوية السّنة التى سار عليها بعده المستبدون فى مسرحيات توريث العهد ، وهى أن يعقد مؤتمرا يتبارى فيه القادة المنافقون والمطبلون من (الملأ ) فى المطالبة بترشيح ابن السلطان وليا للعهد بعد السلطان ، ويقدمون لولى العهد البيعة والعهود والمواثيق .
معاوية هو مؤسس ومبتدع الكثير من ملامح الكفر السلوكى الذى وقع ويقع فيه مستبدو المحمديين ، من الرشوة والاغتيال الى توريث الحكم . فبعد أن أعدّ العدة على مهل أمر بعقد مؤتمر عام للبيعة لابنه يزيد فى سنة 59 هجرية . وخطط معاوية السيناريو الواجب إتباعه . أن يخطب معاوية ، ثم يقوم بعده بالتعقيب الضحاك بن قيس الفهرى ينادى بترشيح يزيد ، ثم يليه عبد الرحمن بن عثمان الثقفى ، ثم ابن عضاة الأشعرى ثم ابن معن السلمى ليوافقوا الضحاك فى البيعة ليزيد . وجاءت الوفود لحضور المؤتمر . وتكلم معاوية فمدح إبنه يزيد وأنه اصبح ( صالحا ) وأن صلاحه يدفع معاوية لأن يوليه العهد . ثم قام الضحاك وخطب ووجه خطابه لمعاوية قائلا : " إعزم على ما فعلت ". وقام عبد الرحمن بن عثمان الثقفى ، ثم ابن عضاة الأشعرى وابن معن السلمى يؤيدون الضحاك . وطلب معاوية رأى الأحنف بن قيس زعيم بنى تميم ، وكان ( حكيم زمانه ) فتكلم الأحنف يحمّل معاوية المسئولية بما يفيد معارضته للبيعة ، فأسرع الضحاك وابن عثمان الثقفى بالهجوم على الأحنف ، وربما ساد الهرج والمرج لأن رجلا من ( الأزد ) قام وسلّ سيفه وصاح قائلا لمعاوية: " أنت أمير المؤمنين ، فإذا متّ فأمير المؤمنين يزيد ، فمن أبى هذا ..فهذا " ولوّح بسيفه . فقال له معاوية : " اقعد ، فأنت أخطب الناس .".!.
أى من الآخر هى الغلبة والقوة والسيف ، سواء فى الفتوحات أو فى الاستبداد بالحكم . هكذا صراحة بلا لفّ ولا دوران ، وبلا رقص على السلم .
3 ـ وبعدها قام الدين السّنى بتشريع هذا تحت مقولة ( الملك لمن غلب ، والبيعة للمتغلب ) كما قام من قبل بتشريع الغزو والفتح والاحتلال بما يقال فيه (حق الفتح عنوة .).
وبتعبيرنا فإن ( الاستحقاق ) بالقوة والغلبة والظلم أصبح دينا تأسس بالشريعة السّنية ، وتبعتها شريعة الشيعة حين أقاموا لهم دولا فى مصر وشمال أفريقيا وفارس . وهذا الاستحقاق يرتكز على ظلم هائل لشعوب بأكملها ومصادرة لحريتها . وهذا الظلم مرفوض فى شريعة الاسلام ، ولكن أصبح هذا الاستحقاق الظالم للمستبد والغزاة حقا عاديا فى تاريخ المسلمين بكل أديانهم الأرضية ، لا يستوجب إنكارا ولا إحتجاجا ، لأنه تم تشريعه بالدين الأرضى الذى يوافق ثقافة العصور الوسطى . ولذا فأن فقهاء الدين الأرضى كانوا ـ ولا يزالون ـ يتنافسون فى خدمة المستبدين الظالمين . وتأسست الأديان الأرضية للمسلمين فى ظل هذا الظلم ، وعاش فى هذا المناخ الظالم أئمة الحديث والفقه قضاة وقصاصين وخدما لخلفاء وسلاطين الاستبداد .
4 ـ بإيجاز نقول أنه بدأ العرب بسبب طبيعتهم الحربية بالفتوحات ، وطبقا لتشريع القرآن والاسلام فهى ( كُفر سلوكى ) بالاعتداء . ثم تم تشريع هذا الكفر السلوكى بأحاديث وتشريعات فقهية ، فتمت ولادة الكفر العقيدى تشريعيا وعقيديا . ونحن نحظى فى عصرنا البائس بنوعى الكفر السلوكى ( الارهاب ) والعقيدى ( تقديس الصحابة والأئمة ). وبينما يتقدّم العالم المتحضر فى مجالات الديمقراطية وحقوق الانسان والمخترعات فإن المسلمين يتقدمون الى الخلف ، يجترّون ماضيا داميا ظالما شريرا ، يدافعون عن الظالمين ويسكنون مساكن الذين ظلموا أنفسهم ، بل يجعلون هذا التخلف الماضوى الرجعى دينا جديدا اسمه ( السلفية). وزعيم السلفيين فى العالم هو المستبد الأكبر فرعون إمام المستبدين والذى جعله الله جل وعلا مثلا وسلفا لمن اتى بعده من الظالمين : ( فَٱ-;-سْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ-;- فَأَطَاعُوهُ ۚ-;- إِنَّهُمْ كَانُوا۟-;- قَوْمًۭ-;-ا فَـٰ-;-سِقِينَ ﴿-;-٥-;-٤-;-﴾-;- فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱ-;-نتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰ-;-هُمْ أَجْمَعِينَ ﴿-;-٥-;-٥-;-﴾-;- فَجَعَلْنَـٰ-;-هُمْ سَلَفًۭ-;-ا وَمَثَلًۭ-;-ا لِّلْءَاخِرِينَ ﴿-;-٥-;-٦-;-﴾-;- الزخرف ).
ودائما : صدق الله العظيم .




الفصل الثالث
مراسلة الكوفيين الحسين وقتل مسلم بن عقيل
مقدمة : تقول الرواية عن ارسال مسلم بن عقيل للكوفة ( :‏ وكان مخرج ابن عقيل بالكوفة لثماني ليال مضين من ذي الحجةسنة ستين وقيل‏:‏ لتسع مضين منه ) .
ننقل الأحداث التاريخية برواياتها بالترتيب ، مع تلخيص لها
أولا : بعض شيعة الكوفة يراسلون الحسين ليأتى اليهم والحسين يبعث لهم بابن عمه مسلم بن عقيل :
1 ـ بعض شيعة الكوفة يراسلون الحسين ليأتى اليهم ، ويقولون إنهم يقاطعون الأمير الأموى ، وأنه لو جاءهم فسيطردون الأمير عليهم من لدن الأمويين .
تقول الرواية :( ولما بلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين وابن عمر وابن الزبير عن البيعة أرجفوا بيزيد ، واجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي ، فذكروا مسير الحسين إلى مكة ، وكتبوا إليه عن نفر ، منهم‏ :‏ سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر، وغيرهم‏:‏
" بسم الله الرحمن الرحيم . سلامٌ عليك . فإننا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد. فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة ، فابتزها أمرها وغصبها فيئها وتأمرعليها بغير رضىً منها ، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبعدت له كما بعدت ثمود. وأنه ليس علينا إمام. فاقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق. والنعمان بن بشير ( أمير الكوفة ) في قصر الإمارة ، لسنا نجتمع معه في جمعة ولاعيد . ولو بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام " ) .
وتقول الرواية : ( وسيروا الكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن والٍ . ثم كتبوا إليه كتابًا آخر وسيروه بعد ليلتين . فكتب الناس معه نحوًا من مائة وخمسين صحيفة . ثم أرسلوا إليه رسولًا ثالثًا يحثونه على المسير إليهم . ثم كتب إليه شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعروة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد ابن عمير التميمي بذلك‏.) .
2 ـ و يردّ الحسين عليهم بأنه سيبعث اليهم ابن عمه مسلم بن عقيل ليستكشف الأمر بنفسه، تقول الرواية :
( فكتب إليهم الحسين عند اجتماع الكتب عنده ‏:‏ أما بعد فقد فهمت كل الذي اقتصصتم . وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل ، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم . فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ملإكم وذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم إليكم وشيكًا إن شاء الله.) ‏.
ثانيا : قدوم مسلم بن عُقيل للكوفة
1 ـ ثم أرسل الحسين إبن عمه مسلم الى الكوفة ، فدخلها مسلم ، واجتمع به شيعة الكوفة ، ووعدوه بالنصرة ، تقول الرواية : (‏ ثم دعا الحسين مسلم بن عقيل فسيّره نحو الكوفة ، وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين له عجّل إليه بذلك‏.‏).. ( فسار مسلم حتى أتى الكوفة ، ونزل في دار المختار ، وقيل غيرها ، وأقبلت الشيعة تختلف إليه ( أى تزوره )، فكلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين فيبكون ، ويعدونه من أنفسهم القتال والنصرة . واختلفت إليه الشيعة حتى علم بمكانه ..).
ثالثا : موقف أمير الكوفة وقتئذ ( النعمان بن بشير الأنصارى )
1 ـ إلتزم أمير الكوفة وقتئذ ( النعمان بن بشير الأنصارى ) الطريق السلمى ، فأخذ يعظ شيعة الحسين ويحذّرهم رافضا أن يواجههم بالسلاح . وواضح من خطابه ووعظه لهم أنهم بايعوا يزيد . تقول الرواية ( وبلغ ذلك النعمان بن بشير وهو أمير الكوفة، فصعد المنبر فقال ‏:‏ " أما بعد فلا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة ، فإن فيهما تهلك الرجال وتسفك الدماء وتُغصب الأموال‏.‏". وكان حليمًا ناسكًا يحب العافية ، ثم قال‏:‏ " إني لا أقاتل من لم يقاتلني ، ولا أثب على من لا يثب علي . ولا أنبه نائمكم ، ولا أتحرش بكم ، ولا آخذ بالظنة ولا التهمة ، ولكنكم إن أبدلتم صفحتكم ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمة بيدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر ولامعين . أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل‏.‏".
وعارضه أنصار الأمويين فى الكوفة ، تقول الرواية : .( فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال‏ :‏ إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم . إن هذا الذي أنت عليه رأي المستضعفين‏.‏" . فقال‏:‏ " أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله‏.‏" ونزل‏. ) .
2 ــ لم يأبه بهم ، فطلبوا من الخليفة يزيد بن معاوية عزله ، يتهمونه بالضعف ، تقول الرواية : ( ‏فكتب عبد الله بن مسلم إلى يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل الكوفة، ومبايعة الناس له. ويقول له‏:‏ " إن كان لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلًا قويًا، ينفّذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوك ، فإن النعمان رجل ضعيف أو هو يتضعف‏.‏". وكان هو أول من كتب إليه . )
ثم كتب ليزيد آخرون منهم عمارة بن الوليد بن عقبة ، وعمرو بن سعد بن أبي وقاص.
رابعا : تعيين عبيد الله بن زياد ابن أبيه والي البصرة واليا على الكوفة أيضا
1 ـ وسارع يزيد بعزل النعمان بن بشير وضم الكوفة لوالى البصرة ( عبيد الله بن زياد ابن أبيه ) وأمره بقتل مسلم بن عقيل أو نفيه ، تقول الرواية : ( فلما اجتمعت الكتب عند يزيد دعا سرجون مولى معاوية ، فأقرأه الكتب، واستشاره فيمن يوليه الكوفة .) فأشار عليه بتولية عبيد الله بن زياد بن أبيه . ( فأخذ برأيه ، وجمع الكوفة والبصرة لعبيد الله ، وكتب إليه بعهده ، وسيّره إليه مع مسلم بن عمرو الباهلي ( والد قتيبة بن مسلم ) ، فأمره بطلب مسلم بن عقيل وبقتله أونفيه‏.‏ فلما وصل كتابه إلى عبيد الله أمر بالتجهز ليبرز من الغد . )
2 ـ وكان الحسين قد بعث برسالة موحدة الى زعماء أهل البصرة يدعوهم الى نُصرته ، فخافوا الرد عليه ، وأحدهم بعث بالرسالة الى الوالى عبيد الله بن زياد ، فقتل ابن زياد رسول الحسين. وحين جاء لابن زياد أمر تعيينه واليا أيضا على الكوفة ، وقبل أن يسافر الى الكوفة جمع أهل البصرة وهدّدهم بأشد العقاب لو تحركوا ضده وهو غائب عنهم فى الكوفة ، تقول الرواية : ( وكان الحسين قد كتب إلى أهل البصرة نسخةً واحدة إلى الأشراف، فكتب إلى مالك بن مسمع البكري والأحنف بن قيس والمنذر بن الجارود ومسعود بن عمرو وقيس بن الهيثم وعمر بن عبيد الله بن معمر ، يدعوهم إلى كتاب الله وسنة رسوله ، وأن السنة قد ماتت والبدعة قد أحييت، فكلهم كتموا كتابه إلا المنذر بن الجارود ، فإنه خاف أن يكون دسيسًا من ابن زياد. فأتاه بالرسول والكتاب ، فضرب ( ابن زياد ) عنق الرسول ، وخطب الناس وقال‏:‏ " أمابعد، فوالله ما بي تُقرن الصعبة وما يُقعقع لي بالشنان ، وإني لنكلٌ لمن عاداني وسلمٌ لمن حاربني ..يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين قد ولاني الكوفة، وأنا غادٍ إليها بالغداة ، وقد استخلفت عليكم أخي عثمان بن زياد ، فإياكم والخلاف والإرجاف . فوالله لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه ، ولآخذن الأدنى بالأقصى ، حتى تستقيموا ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاقُّ . وإني أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطىء الحصى ، فلم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم‏.‏" ).
3 ـ وسافر عبيد الله بن زياد للكوفة ومعه 500 من أتباعه ، فتفرقوا عنه فى الطريق يحاولون تعطيله حتى يصل الحسين للكوفة قبله ، ولكنه سبق ، ودخل الكوفة وحيدا ، متنكرا ، وكان أهل الكوفة يظنونه الحسين ، ودخل دار الامارة وقابل الأمير المعزول ، والذى كان يظن أيضا أنه الحسين ، فكشف له ابن زياد عن شخصيته ، وتولى مكانه واليا . تقول الرواية : ( ثم خرج من البصرة .. وقيل‏:‏ كان معه خمسمائة فتساقطوا عنه.... ورجوا أن ..يسبقه الحسين إلى الكوفة ، فلم يقف على أحد منهم حتى دخل الكوفة وحده ، فجعل يمر بالمجالس فلا يشكّون أنه الحسين ، فيقولون‏:‏مرحبًا بك يا ابن رسول الله‏!‏ وهو لا يكلمهم . وخرج إليه الناس من دورهم فساءه مارأى منهم . وسمع النعمان ( الوالى ) ، فأغلق عليه الباب، وهو لا يشك أنه الحسين . وانتهى إليه عبيدالله ومعه الخلق يصيحون ، فقال له النعمان ‏:‏ أنشدك الله ألا تنحيت عني‏!‏ فوالله ماأنا بمسلم إليك أمانتي وما لي في قتالك من حاجة‏!‏ فدنا منه عبيد الله وقال له‏:‏ افتح لا فتحت - فسمعها إنسان خلفه، فرجع إلى الناس وقال لهم‏:‏ إنه ابن مرجانة‏ ( أى ابن زياد ). ‏ففتح له النعمان فدخل ، وأغلقوا الباب . وتفرق الناس .) ..
خامسا : سياسة ابن زياد فى الكوفة
1ـ فى صباح اليوم التالى خطب ابن زياد معلنا سياسته لأهل الكوفة بالاحسان للمطيع منهم والقسوة مع المعارضة ، تقول الرواية :( وأصبح ، ..فجلس على المنبر ..وخطبهم .. فقال‏:‏ " أما بعد ، فإن أمير المؤمنين ولّاني مصركم وثغركم وفيئكم ، وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدة على مريبكم وعاصيكم . وأنا متبع فيكم أمره ومنفذٌ فيكم عهده ، فأنا لمحسنكم كالوالد البر ولمطيعكم كالأخ الشقيق، وسيفي وسوطي على من ترك أمري وخالف عهدي . فليبق أمرؤ على نفسه‏.‏".).
2 ـ وأمر ابن زياد أعوانه بتسجيل أى غريب قدم للكوفة أو يقدم اليها ، وأى مشبوه وأى متهم بأنه من الخوارج ( الحرورية )، وقسّم الكوفة الى مناطق ، وعلى كل منها رجل ، ويضمن كل منهم المنطقة التى هو مسئول عنها ، وهدد بصلب من يتوانى منهم فى أداء مهمته ، تقول الرواية : ( ثم نزل فأخذ العرفاء والناس أخذًا شديدًا . وقال‏:‏ اكتبوا إلىّ الغرباء ومن فيكم من طلبة أميرالمؤمنين ( اى المطلوبين ) ، ومن فيكم من الحرورية ( الخوارج ) وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق ، فمن كتبهم إلي فبرئ ، ومن لم يكتب لنا أحدًا فليضمن لنا ما في عرافته أن لايخالفنا فيهم مخالف ولا يبغي علينا منهم باغٍ. فمن لم يفعل فبرئت منه الذمة ، وحلال لنا دمه وماله . وأيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحدٌ لم يرفعه إلينا صُلب على باب داره..".. .‏ ثم نزل‏.‏ .)
سادسا : مسلم بن عقيل يستجير بهانىء بن عروة المرادى:
1 ـ بدأت محنة مسلم بن عقيل بعد إعلان عبيد الله بن زياد سياسته وتهديداته ، وأن القصد هو إعتقاله وتسليمه ، فإستجار بهانىء بن عروة شيخ عشيرة بنى مراد من قبيلة مذحج ، فيُجيره هانىء مُضطرا ، وتصبح دار هانىء ملتقى الشيعة الراغبين فى مقابلة مسلم بن عقيل . تقول الرواية : ( وسمع مسلم بمقالة عبيد الله فخرج من دار المختار ، وأتى دار هانئ ابن عروة المرادي، فدخل بابه ، واستدعى هانئًا فخرج إليه، فلما رآه كره مكانه . فقال له مسلم‏:‏ " أتيتك لتجيرني وتضيفني‏.‏"!. فقال له هانئ ‏:‏ لقد كلفتني شططًا ولولا دخولك داري لأحببت أن تنصرف عني ،غير أنه يأخذني من ذلك ذمام ادخل‏.‏" فآواه ، فاختلفت الشيعة إليه في دار هانئ ‏.‏). أى جاءت الشيعة الى دار هانىء تجتمع بمسلم بن عقيل .
2 ـ وأرسل ابن زياد جاسوسا وزرعه فى دار هانىء ليعرف أخبار مسلم وأنصاره ، تقول الرواية : ( ودعا ابن زياد مولى له ، وأعطاه ثلاثة آلاف درهم ، وقال له‏:‏ "اطلب مسلم ابن عقيل وأصحابه ، والقهم ، وأعطهم هذا المال ، وأعلمهم أنك منهم واعلم أخبارهم‏.‏". ففعل ذلك . وأتى مسلم بن عوسجة الأسدي بالمسجد ، فسمع الناس يقولون‏:‏ " هذا يبايع للحسين " وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته قال له‏ ( أى مولى ابن زياد ) :‏ " يا عبد الله إني امرؤ من أهل الشام أنعم الله علي بحب أهل هذا البيت وهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقدسمعت نفرًا يقولون إنك تعلم أمر هذا البيت ، وإني أتيتك لتقبض المال وتدخلني على صاحبك أبايعه ، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائي إياه‏." ‏فقال‏:‏ " لقد سرني لقاؤك إياي لتنال الذي تحب وينصر الله بك أهل بيت نبيه، وقد ساءني معرفة الناس هذا الأمر مني قبل أن يتم ، مخافة هذا الطاغية وسطوته‏" .‏فأخذ بيعته والمواثيق المعظمة ليناصحنّ وليكتمنّ ، واختلف إليه أيامًا( أى قابله ) ليدخله على مسلم بن عقيل‏.... ثم إن مولى ابن زياد الذي دسه بالمال اختلف إلى مسلم بن عوسجة .. فأدخله على مسلم بن عقيل ، فأخذ بيعته وقبض ماله ، وجعل يختلف إليهم ( اى يزورهم ) ويعلم أسرارهم وينقلها إلى ابن زياد‏.‏)
سابعا : ابن زياد يعتقل هانىء بن عروة المرادى ويعذبه
1 ـ وخطط ابن زياد لاعتقال هانىء بن عروة وإختطافه برغم عشيرته( بنو مراد ) وقبيلته ( مذحج ). وفى اللحظة المناسبة وقد توفرت المعلومات لدى ابن زياد ـ إستدعى هانىء بن عروة بخديعة إستعان فيها بزعماء الكوفة . تقول الرواية : ( وكان هانئ قد انقطع عن عبيد الله بعذر المرض ، فدعا عبيد الله : محمد بن الأشعث واسماء بن خارجة .. فسألهم عن هانئ وانقطاعه ، فقالوا‏:‏ " إنه مريض " ‏. ‏فقال‏:‏ " بلغني أنه يجلس على باب داره وقد برأ فالقوه فمروه أن لايدع ما عليه في ذلك" ‏. ‏فأتوه ، فقالوا له‏:‏ " إن الأمير قد سأل عنك" وقال‏:‏ لو أعلم أنه شاك ( أى مريض ) لعُدته ( أى زُرته ) ، وقد بلغه أنك تجلس على باب دارك وقد استبطأك . والجفاء لا يحتمله السلطان. أقسمنا عليك لو ركبت معنا‏.‏". فلبس ثيابه وركب معهم‏.‏ فلما دنا من القصر أحست نفسه بالشر ، فقال لحسان بن أسماء بن خارجة‏:‏"يا ابن أخي إني لهذا الرجل لخائفٌ فما ترى ؟ " فقال‏:‏ " ما أتخوف عليك شيئًا ، فلا تجعل على نفسك سبيلًا .")‏.‏
2ـ : ابن زياد يحقّق مع هانىء ويواجهه بالجاسوس ويثبت أن مسلم بن عقيل فى داره ، ويأمره ابن زياد بتسليم مسلم بن عقيل فيرفض هانىء فيقوم ابن زياد بضربه وتعذيبه ، وتقلق قبيلة مذحج على حياة هانىء ، فيأتى بعضهم الى خارج القصر ليطمئن على هانىء ، فيأمر عبيد الله بن زياد القاضى شريح فيخرج اليهم ويطمئنهم بأن هانىء بخير ، فانصرفوا وتركوا هانىء فريسة فى يد عبيد الله بن زياد. تقول الرواية : ( فدخل القوم على ابن زياد ، وهانئ معهم، فلما رآه ابن زياد .. قال ..‏:‏ "أريد حياته ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد"... فقال هانئ ‏:‏ "وما ذاك ؟ "فقال‏:‏ " يا هانئ ما هذه الأمور التي تربص في دارك لأمير المؤمنين والمسلمين؟ ‏!‏ جئت بمسلم فأدخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال وظننت أن ذلك يخفى علي‏!‏ ". قال‏:‏ "ما فعلت‏.‏".قال‏:‏ "بلى‏.‏". وطال بينهما النزاع ، فدعا ابن زياد مولاه ، ذاك العين ( الجاسوس ) ، فجاء حتى وقف بين يديه . فقال‏:‏ أتعرف هذا ؟ قال‏:‏ نعم . وعلم هانئ أنه كان عينًا عليهم ، فسقط في يده ساعة. ثم راجعته نفسه قال‏:‏ " اسمع مني وصدقني ، فوالله لا أكذبك. والله ما دعوته ولا علمت بشيء من أمره حتى رأيته جالسًا على بابي يسألني النزول علي، فاستحييت من رده ولزمني من ذلك ذمام ، فأدخلته داري وضُفته ، وقد كان من أمره الذي بلغك ، فإن شئت أعطيتك الآن موثقًا تطمئن به ورهينةً تكون في يدك حتى أنطلق وأخرجه من داري وأعود إليك‏.‏". فقال‏:‏ " لا والله‏.‏ لا تفارقني أبدًا حتى تأتيني به‏.‏" قال‏:‏ "لا آتيك بضيفي تقتله أبدًا‏.‏". فلما كثر الكلام قام مسلم بن عمرو الباهلي وليس بالكوفة شامي ولابصري غيره ، فقال‏( لابن زياد ):‏ " خلني وإياه حتى أكلمه لما رأى من لجاجه." وأخذ هانئًا ، وخلا به ناحية من ابن زياد ، بحيث يراهما فقال له‏:‏ " يا هانئ أنشدك الله أن تقتل نفسك وتدخل البلاء على قومك‏!‏ إن هذا الرجل ( مسلم بن عقيل ) ابن عم القوم ( يعنى أن مسلم هاشمى وبنو أمية وبنوهاشم أولاد عمومة ) وليسوا بقاتليه ولا ضائريه ، فادفعه إليه فليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة، إنما تدفعه إلى السلطان‏!‏ " ) قال( هانىء ) ‏:‏ " بلى ، والله إن علي في ذلك خزيًا وعارًا . لا أدفع ضيفي وأنا صحيح شديد الساعد كثير الأعوان . والله لو كنت واحدًا ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه‏.‏". فسمع ابن زياد ذلك فقال‏:‏ "أدنوه مني‏.‏". فأدنوه منه‏.‏فقال‏:‏" والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك‏!‏ " قال‏:‏ "إذن والله تكثرالبارقة حول دارك‏!‏ "( يعنى أن قبيلته ستثأر له ) . وهو يرى أن عشيرته ستمنعه‏. ‏فقال ( ابن زياد )‏:‏ "أبالبارقة تخوفني‏.؟"‏. وقيل إن هانئًا لما رأى ذلك الرجل الذي كان عينًا لعبيد الله علم أنه قد أخبره الخبر فقال‏:‏ " أيها الأمير قد كان الذي بلغك ولن أضيع يدك عندي ، وأنت آمن وأهلك فسر حيث شئت‏.‏" ( يعنى أن هانىء يعطى الأمان للأمير ابن زياد كى يترك الكوفة ويغادرها آمنا ، أى يهدد الأمير ) . فأطرق عبيد الله عند ذلك ، ومهران قائم على رأسه وفي يده معكزة فقال ( مهران يخاطب الأمير يحرضه على هانىء )‏:‏ " واذلاه‏!‏ هذا الحائك يؤمّنك في سلطانك‏!‏ " فقال (ابن زياد لمهران )‏:‏ "خذه." ، فأخذ مهران ضفيرتي هانئ ، وأخذ عبيد الله القضيب، ولم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب ، وضرب هانئ يده إلى قائم سيف شرطي وجبذه فمنع منه ، فقال له عبيد الله‏:‏ "أحروري؟ أحللت بنفسك وحل لنا قتلك‏!‏ ". ثم أمر به فألقي في بيت وأغلق عليه‏.‏ فقام إليه أسماء بن خارجة فقال ‏:‏" أرسله يا غادر‏!‏ أمرتنا أن نجيئك بالرجل فلما أتيناك به هشمت وجهه وسيلت دماءه وزعمت أنك تقتله‏.‏". فأمر به عبيد الله فلهز وتعتع ، ثم تُرك . ( أى ضربوه ضربا شديدا ثم تركوه ) . وبلغ عمرو بن الحجاج ( زعيم قبيلة مذحج ) أن هانئًا قد قتل ، فأقبل في مذحج ( قبيلة مذحج ) حتى أحاطوا بالقصر ونادى‏:‏ "أنا عمرو بن الحجاج ، هذه فرسان مذحج ووجوهها ، لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعةً‏.‏". فقال عبيد الله لشريح القاضي وكان حاضرًا‏:‏ " ادخل على صاحبهم ( أى هانىء ) فانظرإليه ثم اخرج إليهم فأعلمهم أنه حي‏.‏". ففعل شريح ، فلما دخل عليه ، قال له هانئ ‏:‏ " يا للمسلمين‏!‏ أهلكت عشيرتي.! أين أهل الدين؟ أين أهل النصر؟ أيخلونني وعدوهم وابن عدوهم‏!‏ "وسمع ( هانىء ) الضجة فقال‏:‏ يا شريح إني لأظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين ، إنه إن دخل علي عشرة نفرأنقذوني‏.‏" فخرج شريح ومعه عين ( جاسوس ) أرسله ابن زياد، قال شريح‏:‏ " لولا مكان العين لأبلغتهم قول هانئ ‏" .‏فلما خرج شريح إليهم قال‏:‏ "قد نظرت إلى صاحبكم وإنه حي لم يقتل‏." ‏فقال عمرو وأصحابه‏:‏ " فأما إذ لم يقتل فالحمد لله‏!‏ " ثم انصرفوا‏.‏).
ثامنا : مسلم بن عقيل يحاصر قصر ابن زياد فيفشل ويتفرق عنه أصحابه
1 ــ وبلغ مسلم ما حدث لهانىء ، فنادى أصحابه للحرب لانقاذ هانىء ، واعدّ جيشا لقتال عبيد الله بن زياد ، وحاصر بهم قصر الإمارة الذى تحصّن فيه ابن زياد، واتصل ابن زياد برءوس القبائل المتحالفين معه ، وأمرهم بالتحريض ضد مسلم بن عقيل، كما دعا من معه فى القصر من رءوس القبائل بأن يعلنوا من شرفات القصر أنصار مسلم بن عقيل بالترهيب والترغيب حتى ينفضوا عن مسلم . وفعلا ما لبث أن تفرّق عن مسلم أنصاره ، وصار وحيدا !!.
2 ــ تقول الرواية : ( وأتى الخبر مسلم بن عقيل فنادى في أصحابه‏:‏ يا منصور أمت‏!‏ وكان شعارهم ، وكان قد بايعه ثمانية عشر ألفًا ، وحوله في الدور أربعة آلاف ، فاجتمع إليه ناس كثير ، فعقد مسلم لعبد الله بن عزير الكندي على ربع كندة ، وقال‏:‏ "سر أمامي " ، وعقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج وأسد ، وعقد لأبي ثمامة الصائدي على ربع تميم وهمدان ، وعقد لعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة. وأقبل نحو القصر‏.‏ فلما بلغ ابن زياد إقباله تحرّز ( أى تحصّن ) في القصر ، وأغلق الباب، وأحاط مسلم بالقصر ، وامتلأ المسجد والسوق من الناس، وما زالوا يجتمعون حتى المساء. وضاق بعبيدالله أمره ، وليس معه في القصر إلا ثلاثون رجلًا من الشرط وعشرون رجلًا من الأشراف وأهل بيته ومواليه. وأقبل أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذي يلي دارالروميين ، والناس يسبون ابن زياد وأباه‏ . ‏فدعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج فيسير ويخذّل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم، وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس، وقال مثل ذلك للقعقاع بنشور الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر العجلي وشمر بن ذي الجوشن الضبابى ، وترك وجوه الناس عنده استئناسًا بهم ، لقلة من معه‏. ‏وخرج أولئك النفر يخذلون الناس. وأمر عبيد الله من عنده من الأشراف أن يشرفوا على الناس من القصر فيُمنُّوا أهل الطاعة ويخوّفوا أهل المعصية ، ففعلوا، فلماسمع الناس مقالة أشرافهم أخذوا يتفرقون حتى إن المرأة تأتي ابنها وأخاها وتقول‏: "‏انصرف الناس يكفونك " ويفعل الرجل مثل ذلك ، فما زالوا يتفرقون حتى بقي ابن عقيل في المسجد في ثلاثين رجلًا‏.‏).
تاسعا : مسلم يختفى فى بيت إمرأة
1 ـ واصبح مسلم بن عقيل يسير فى شوارع الكوفة خائفا يترقّب .!! ، وذهب الى مساكن قبيلة كنده ، يظن أنهم سينصرونه لأن زعيمهم محمد بن أشعث بن قيس من كبار الشيعة ، ولم يكن يعرف أنه أصبح عميلا لابن زياد ، فاستجار مسلم بامرأة من كندة، فأجارته وآوته .
2 ــ تقول الرواية عن حال مسلم بن عقيل : ( فلما رأى ذلك خرج متوجهًا نحو أبواب كندة ، فلما خرج إلى الباب لم يبق معه أحد ، فمضى في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب ، فانتهى إلى باب امرأة من كندة يقال لها طوعة ، أم ولد كانت للأشعث وأعتقها فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالًا . وكان بلال قد خرج مع الناس، وهي تنتظره ، فسلم عليها ابن عقيل وطلب الماء فسقته ، فجلس، فقالت له‏:‏ " يا عبد الله ألم تشرب ؟ "قال‏:‏ " بلى" ‏.‏قالت‏:‏ "فاذهب إلى أهلك . " فسكت . فقالت له ثلاثًا فلم يبرح . فقالت‏:‏ " سبحان الله‏!‏ إني لا أحل لك الجلوس على بابي‏.‏" ، فقال لها‏:‏ " ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ، فهل لك إلى أجر ومعروف ، ولعلي أكافئك به بعد اليوم ؟ " قالت‏:‏" وما ذاك ؟" قال‏:‏" أنا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم وغرّوني‏.‏"!. قالت‏:‏" ادخل".‏ فأدخلته بيتًا في دارها ، وعرضت عليه العشاء فلم يتعش‏ .‏ وجاء ابنها ، فرآها تكثر الدخول في ذلك البيت فقال لها‏:‏ "إن لك لشأنًا في ذلك البيت‏.‏"، وسألها فلم تخبره ، فألحّ عليها فأخبرته ،واستكتمته ،وأخذت عليه الأيمان بذلك فسكت‏.) .
عاشرا : محمد بن الأشعث بن قيس يخبر ابن زياد بمكان مسلم بن عقيل
1 ـ بعد أن تأكّد ابن زياد من تفرّق أنصار مسلم بن عقيل عنه جمع قادة شرطته وجنده فى المسجد ونادى فى الناس بالحضور فيه ، وأمرهم بالطاعة وهددهم إن عصوا ، وأمر الشرطة بتفتيش بيوت الكوفة وجعل جائزة لمن يأتيه بمسلم بن عقيل ، وخاف ابن السيدة التى أوت مسلم بن عقيل ، فأفشى الابن السّر لعبد الرحمن ابن محمد ابن الأشعث ، فأوصل عبد الرحمن الخبر الى ابيه محمد بن الأشعث ، فأوصله الى ابن زياد . فجعل ابن زياد محمد بن الأشعث ( الكندى ممثلا لقبائل قحطان اليمنية ) قائد الحملة المكلفة باعتقال مسلم بن عقيل وجعل معه أحد زعماء قبيلة قيس المُضرية فى الكوفة وهو عمرو بن عبيد الله السلمي ، ليكون هناك توازن بين قبائل (مُضر ) وقبائل ( قحطان ) فى إعتقال مسلم بن عقيل .
2 ــ تقول الرواية : ( وأما ابن زياد فلما لم يسمع الأصوات ( أى حين تفرق الناس المحاصرين للقصر ) قال لأصحابه‏:‏ " انظروا هل ترون منهم أحدًا ؟ " فنظروا فلم يروا أحدًا ، فنزل إلى المسجد قبيل العتمة ( أى خرج من القصر وذهب الى المسجد قبيل صلاة العشاء ) ، وأجلس أصحابه حول المنبر ، وأمر فنودي‏:‏ " ألا برئت الذمة من رجل من الشرط والعرفاء والمناكب والمقاتلة صلّى العتمة ( العشاء ) إلا في المسجد‏." . ( أى يهدد من لا يحضر صلاة العشاء معه فى المسجد ، يريد أن يجعل صلاة العشاء مؤتمرا عاما ) ‏فامتلأ المسجد فصلى بالناس ، ثم قام ، فحمد الله ثم قال‏:‏ " أما بعد فإنّ ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف والشقاق ، فبرئت الذمة من رجل وجدناه في داره ، ومن أتانا به فله ديته‏. " ‏وأمرهم بالطاعة ولزومها وأمر الحصين بن تميم أن يمسك أبواب السكك ثم يفتش الدور ..ودخل ابن زياد وعقد لعمرو بن حريث وجعله على الناس ، فلما أصبح جلس للناس‏ .‏ ولما أصبح بلال ابن تلك العجوز التي آوت مسلم بن عقيل أتى عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل ، فأتى عبد الرحمن أباه وهو عند ابن زياد فأسرّ إليه بذلك ، فأخبر به محمدٌ ( ابن الأشعث ) ابن زياد، فقال له ابن زياد‏:‏ " قم فأتني به الساعة . " وبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي في سبعين من ( قبيلة ) قيس ، حتى أتوا الدارالتي فيها ابن عقيل‏. ).
حادى عشر : مسلم يقاتلهم دفاعا عن نفسه ثم يخدعه محمد بن الأشعث بالأمان فيستسلم
1 ـ ودافع مسلم بن عقيل عن نفسه بما استطاع ، وفى النهاية إنخدع بوعد محمد بن الأشعث فسلّم نفسه جريحا ، بينما رفض القائد الآخر ( القيسى ) إعطاءه الأمان بل نزع سلاحه ، فأيقن مسلم بالغدر.
2 ــ تقول الرواية عن مسلم عندما أحسّ بمجىء الحملة لاعتقاله : ( فلما سمع الأصوات عرف أنه قد أُتي ( أى تعرض للخداع والخيانة وأنهم آتون لأخذه ) فخرج إليهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار ، ثم عاودا إليه فحمل عليهم فأخرجهم مرارًا، وضرب بكير بن حمران الأحمري فم مسلم فقطع شفته العليا وسقطت ثنيتاه، وضربه مسلم على رأسه وثنى بأخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه ، فلما رأوا ذلك أشرفوا على سطح البيت ، وجعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في القصب ويلقونها عليه‏. ‏فلما رأى ذلك خرج عليهم بسيفه فقاتلهم في السكة ، فقال له محمد بن الأشعث‏:‏ " لك الأمان فلا تقتل نفسك " ‏!‏ فأقبل يقاتلهم وهو يقول‏( شعرا ) :‏
أقسمت لا أقتل إلا حُرًا وإن رأيت الموت شيئًا نكرا
أو يخلط البارد سخنًا مرًا رد شعاع الشمس فاستقرا
كل امرىءٍ يومًا يلاقي شرًا أخاف أن أكذب أو أُغرا
فقال له محمد‏( ابن الأشعث ):‏ "إنك لا تُكذب ولا تُخدع ،القوم ( يعنى بنو أمية ) بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك‏.‏". وكان قد أثخن بالحجارة وعجز عن القتال ، فأسند ظهره إلى حائط تلك الدار ، فآمنه ابن الأشعث والناس ، غير عمرو بن عبيد الله السلمي ( القيسى )، فإنه قال‏:‏ " لا ناقة لي في هذا ولا جمل " ، وأتي ببغلة فحُمل عليها ، وانتزعوا سيفه ، فكأنه أيس من نفسه ، فدمعت عيناه ، ثم قال‏:‏ "هذا أول الغدر‏.‏!". قال محمد‏( ابن الأشعث ):‏" أرجو أن لا يكون عليك بأس‏.‏". قال‏:‏ " وما هو إلا الرجاء؟ أين أمانكم ؟! "ثم بكى‏.‏ فقال له عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي‏:‏ " من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك‏!‏ " فقال‏:‏ " ما أبكي لنفسي ، ولكني أبكي لأهلى المنقلبين إليكم .! أبكي للحسين وآل الحسين‏.‏.!! ثم قال لمحمد بن الأشعث‏:‏ " إني أراك ستعجز عن أماني ، فهل تستطيع أن تبعث من عندك رجلًا يخبر الحسين بحالي ويقول له عني ليرجع بأهل بيته ولا يغره أهل الكوفة، فإنهم أصحاب أبيك الذين كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل؟ " فقال له ابن الأشعث‏:‏ " والله لأفعلن‏!‏ " ثم كتب بما قال مسلم إلى الحسين ، فلقيه الرسول بزبالة ( مكان اسمه زبالة ) فأخبره ، ( أى أخبر الحسين ) فقال‏( الحسين ) :‏ " كلما قدر نازلٌ عند الله نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا‏.‏".! وكان سبب مسيره من مكة كتاب مسلم إليه يخبره أنه بايعه ثمانية عشرألفًا ويستحثه للقدوم‏.‏.) . أى كان مسلم قد أرسل رسالة الى الحسين بأن 18 ألفا قد بايعوه ويستحثون قدومه ، فتحرك الحسين بناءا على هذا .
ثانى عشر : لقاء الخصمين (مسلم وابن زياد ) ، وضرب عنق مسلم بن عقيل
1 ـ وجىء بمسلم الى قصر عبيد الله بن زياد ، وطلب محمد بن الأشعث من ابن زياد بأن يفى بعهد الأمان الذى قطعه ابن الأشعث لمسلم ، فرفض ابن زياد .
2 ــ ، تقول الرواية : ( وأما مسلم فإن محمدًا قدم به القصر، ودخل محمد على عبيد الله فأخبره الخبر وأمانه له، فقال له عبيد الله‏:‏ " ما أنت والأمان‏!‏ ما أرسلناك لتؤمنه إنما أرسلناك لتأتينا به‏!‏ " ، فسكت محمد. ولما جلس مسلم على باب القصر رأى جرةً فيها ماء بارد فقال‏:‏ " اسقوني من هذا الماء‏." ‏فقال له مسلم بن عمرو الباهلي‏:‏ " أتراها ما أبردها‏!‏ والله لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنم‏!‏" فقال لهم ابن عقيل‏:‏ " من أنت ؟ قال‏:‏ أنامن عرف الحق إذ تركته ونصح الأمة والإمام إذ غششته وسمع وأطاع إذ عصيته أنا مسلم بن عمرو‏.‏" . فقال له ابن عقيل‏:‏ " لأمك الثكل ، ما أجفاك وأفظك وأقسى قلبك وأغلظك‏!‏ أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني‏!‏ " ..‏ فدعاعمارة بن عقبة بماء بارد فصب له في قدح، فأخذ ( مسلم بن عقيل ) ليشرب فامتلأ القدح دمًا ، ففعل ذلك ثلاثًا فقال‏ ( مسلم بن عقيل ) :‏ " لو كان من الرزق المقسوم شربته‏.‏". وأُدخل على ابن زياد ، فلم يسلم عليه بالإمارة، فقال له الحرسي‏:‏ " ألا تسلّم على الأمير ؟ " فقال‏:‏ " إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه ؟ وإن كان لا يريد قتلي فليكثرن تسليمي عليه‏.‏" . فقال له ابن زياد‏:‏ "لعمري لتقتلن‏!‏ " فقال‏:‏ " كذلك ؟ " قال‏:‏ " نعم‏. " ‏قال‏:‏" فدعني أوصي إلى بعض قومي‏ " ‏قال‏:‏ " افعل‏ " . ‏فقال لعمر بن سعد‏ ( ابن أبى وقّاص ) :‏" إن بيني وبينك قرابة ولي إليك حاجة وهي سر " ، فلم يمكّنه ( عمر بن سعد بن أبى وقاص ) من ذكرها ، فقال له ابن زياد‏( أى قال ابن زياد لابن سعد بن أبى وقاص ) :‏ " لا تمتنع من حاجة ابن عمك‏.‏" ، فقام معه ، فقال‏ ( مسلم بن عقيل ):‏ " إن عليّ بالكوفة دينًا استدنته منذ قدمت الكوفة، سبعمائة درهم فاقضها عني ، وانظر جثتي فاستوهبها فوارها. ( أى إدفنها ولا تدعهم يصلبونها ) " فقال عمر ( ابن سعد ) لابن زياد‏:‏ إنه قال كذا وكذا‏.‏ فقال ابن زياد‏:‏ " لا يخونك الأمين ، ولكن قد يؤتمن الخائن ، أما مالك فهو لك تصنع به ما شئت ، وأما الحسين فإن لم يردنا لم نرده وإن أرادنا لم نكف عنه. وأما جثته فإنا لن نشفعك فيها".‏.‏ثم قال ( ابن زياد ) لمسلم‏:‏ " يا ابن عقيل ، أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتت بينهم وتفرق كلمتهم‏!‏ " فقال‏ ( مسلم ) :‏ " كلا ، ولكن أهل هذا المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب والسنة‏.‏" فقال‏ ( ابن زياد ) :‏ " وما أنت وذاك يا فاسق ؟ ألم يكن يعمل بذلك فيهم إذ أنت تشرب الخمر بالمدينة ؟ " قال‏:‏ " أنا أشرب الخمر‏!‏ والله إن الله يعلم أنك تعلم أنك غير صادق، وأني لست كما ذكرت ، وإن أحق الناس بشرب الخمر مني من يلغ في دماء المسلمين فيقتل النفس التي حرم الله قتلها على الغضب والعداوة وهو يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئًا‏.‏" ، فقال له ابن زياد‏:‏ " قتلني الله إن لم أقتلك قتلةً لم يقتلها أحدٌ في الإسلام‏!‏ " قال‏:‏ " أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما ليس فيه ، أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة ، ولا أحد من الناس أحق بها منك‏.‏" . فشتمه ابن زياد وشتم الحسين وعليًا وعقيلًا ، فلم يكلمه مسلم . ثم أمر( ابن زياد ) به فأصعد فوق القصر لتضرب رقبته ويتبعوا رأسه جسده . فقال مسلم لابن الأشعث‏:‏ " والله لولا أمانك ما استسلمت. قم بسيفك دوني قد أخفرت ذمتك‏.‏". فأُصعد مسلم فوق القصر، وهو يستغفر ويسبح ،وأُشرف به على موضع الحدائين فضربت عنقه ، وكان الذي قتله بكير بن حمران الذي ضربه مسلم . ثم أتبع رأسه جسده‏.‏ فلما نزل بكير قال له ابن زياد‏:‏ " ما كان يقول وأنتم تصعدون به؟ " قال‏:‏ " كان يسبح ويستغفر فلما أدنيته لأقتله قلت له‏:‏ " ادن مني ، الحمد لله الذي أمكن منك وأقادني منك‏ " !‏ . فضربته ضربة لم تغن شيئًا فقال‏:‏ أما ترى في خدش تخدشينه وفاء من دمك أيها العبد ؟" فقال ابن زياد‏:‏ " وفخرًا عند الموت‏ " !‏ قال‏:‏ ثم ضربته الثانية فقتلته‏.‏"
ثالث عشر : قتل هانىء بن عروة
1 ـ وحاول ابن الأشعث مع ابن زياد أن يعفو عن هانىء ، فلم ينجح ، ، تقول الرواية : ( وقام محمد بن الأشعث فكلم ابن زياد في هانئ ، وقال له‏:‏ قد عرفت منزلته في المصر وبيته وقد علم قومه أني أنا وصاحبي سقناه إليك ، فأنشدك الله لما وهبته لي ، فإني أكره عداوة قومه‏." .‏ فوعده أن يفعل‏.‏ ) .
2 ــ وحنث اين زياد بوعده بعد قتل مسلم ( فأمر بهانئ حين قتل مسلم فأخرج إلى السوق فضربت عنقه . ) ( وبعث ابن زياد برأسيهما إلى يزيد ، فكتب إليه يزيد يشكره ويقول له‏:‏" وقد بلغني أن الحسين قد توجه نحو العراق ، فضع المراصد والمسالح ، واحترس ، واحبس على التهمة ، وخذ على الظنة ، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك‏.‏. )


‏ الفصل الرابع : مسيرة الحسين للعراق برغم تحذيرات الناصحين
أولا : نصائح وتحذيرات للحسين بعدم الذهاب للكوفة ، والحسين يرفض بإصرار
مقدمة : يبدو أن مُحبّى الحسين كانوا يتوقعون ذهابه الى العراق ، وبدأ هذا بمجرد تولى يزيد الخلافة ، إذ غادر الحسين بيته فى المدينة وتوجه الى مكة ليسافر منها الى العراق . وتوالت التحذيرات مُشفقة عليه تحذره من الذهاب ،وتتنبأ له بما حدث ، وهو مُصمم على الرفض . بدأت النصائح والتحذيرات من أحبّته وأهله ومن غير أهله ، بل حتى من بعض الأمويين ومن الأعراب . ولم تفلح فى إقناع الحسين بالعدول عن رأيه . وحتى بعد أن إقترب من الكوفة وتيقن من خذلان شيعته له وقتل مسلم ابن عقيل وقتل رٌسُله الى الكوفة وأنه مٌقبل على معركة إنتحارية وغير متكافئة فإنه إستمر كما لو كان فى حالة تنويم مغناطيسى . ننقل الروايات هنا من تاريخ الكامل لابن الأثير ، وهى تبدو متماسكة متناسقة متدفقة ، لا عوج فيها ولا أمتا .
1 ــ تقول الرواية ( لما خرج الحسين من المدينة إلى مكة لقيه عبد الله بن مطيع فقال له: " جعلت فداك! أين تريد؟ " قال: " أما الآن فمكة، وأما بعد فإني أستخير الله. " قال: " خار الله لك وجعلنا فداك! فإذا أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة ، فإنها بلدة مشؤومة ، بها قُتل أبوك وخُذل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه، الزم الحرم، فإنك سيد العرب لا يعدل بك أهل الحجاز أحداً ، ويتداعى إليك الناس من كل جانب، لا تفارق الحرم، فداك عمي وخالي! فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك." ) نصيحة غالية مخلصة لم يعمل بها الحسين .
2 ـ وهو فى مكة جاءته نصيحة أخرى من أحد عُقلاء القرشيين وهو عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، بألا يذهب الى العراق ، ورفض الحسين نصيحته . تقول الرواية : ( لما أراد الحسين المسير إلى الكوفة بكتب أهل العراق إليه ، أتاه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو بمكة ، فقال له: " إني أتيتك لحاجته أريد ذكرها نصيحةً لك، فإن كنت ترى أنك مستنصحي قلتها وأديت ما علي من الحق فيها، وإن ظننت أنك لا مستنصحي كففت عما أريد . " ، فقال له: " قل ، فوالله ما أستغشك وما أظنك بشيء من الهوى. " قال له: " قد بلغني أنك تريد العراق، وإني مشفقٌ عليك، إنك تأتي بلداً فيه عماله وأمراؤه ومعهم بيوت الأموال، وإنما الناس عبيد الدينار والدرهم، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه. " ، فقال له الحسين: " جزاك الله خيراً يا ابن عم، فقد علمت أنك مشيت بنصح وتكلمت بعقل، ومهما يقض من أمر يكن، أخذت برأيك أو تركته، فأنت عندي أحمد مشير، وأنصح ناصح. "
3 ـ وجاءته النصيحة الكبرى من داهية الهاشميين عبد الله بن عباس ، وهو الذى نصح من قبل ( عليا بن أبى طالب ) فلم يسمع له ففشل وإنهزم . وجاء الدور على إبنه ( الحسين ) ، نصحه ابن عباس فرفض الحسين النصيحة شأن أبيه ، فكانت مذبحة كربلاء . تقول الرواية : ( وأتاه عبد الله بن عباس فقال له: " قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبيّن لي ما أنت صانع؟ " فقال له: " قد أجمعت السير في أحد يوميّ هذين إن شاء الله تعالى. " ، فقال له ابن عباس: " فإني أعيذك بالله من ذلك، خبرني، رحمك الله، أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم؟ فإن كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فإنما دعوك إلى الحرب، ولا آمن عليك أن يغرُّوك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك ويستنفروا إليك ، فيكونوا أشد الناس عليك " . فقال الحسين: " فإني أستخير الله وأنظر ما يكون." ).
4 ــ وقتها كان عبد الله بن الزبير فى مكة ، وهو يطمح فى الخلافة ، ولا يمكن أن يتحقق أمله هذا فى وجود الحسين ، لذا كانت أمنيته أن ينتهى الحسين قتلا ليخلو له الجو . ولهذا نصح ابن الزبير الحسين أن يذهب الى الكوفة . وتستمر الرواية لتخبر بموقف ابن الزبير من تحريض الحسين على الذهاب للعراق : ( فخرج ابن عباس وأتاه ابن الزبير فحدثه ساعةً ، ثم قال ( ابن الزبير ) : " ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم وكفنا ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم، خبرني ما تريد أن تصنع؟ " فقال الحسين: " لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتبت إلي شيعتي بها وأشراف الناس وأستخير الله " . فقال له ابن الزبير: " أما لو كان لي بها مثل شيعتك لما عدلت عنها." ... فقام ابن الزبير فخرج من عنده. فقال الحسين: إن هذا ليس شيء من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز، وقد علم أن الناس لا يعدلونه بي فود أني خرجت حتى يخلو له. ) ...
5 ـ وأعاد إبن عباس تحذيره ونُصحه للحسين ، تقول الرواية : ( فلما كان من العشي أو من الغد أتاه ابن عباس فقال: يا ابن عم، إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال، إن أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم وعدوهم ثم أقدم عليهم، فإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصوناً وشعاباً، وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عزلة، فتكتب إلى الناس وترسل وتبث دعاتك، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية. فقال له الحسين: يا ابن عم إني والله لأعلم أنك ناصح مشفق، وقد أزمعت وأجمعت المسير. فقال له ابن عباس: فإن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وصبيتك فإني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثم قال له ابن عباس: لقد أقررت عين ابن الزبير بخروجك من الحجاز وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك، والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذتُ بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علينا الناس أطعتني فأقمت لفعلت ذلك. ) .
6 ــ وقابل ابن عباس ابن الزبير فى الطريق ، تقول الرواية : ( ثم خرج ابن عباس من عنده فمر بابن الزبير فقال: قرت عينك يا ابن الزبير! ثم أنشد قائلاً: "يا لك من قبرةٍ بمعمر ....خلا لك الجو فبيضي واصفري .... ونقري ما شئت أن تنقري. " . هذا الحسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز. " ) .
ثانيا : تحذيرات بعد خروج الحسين بآله من مكة يريد العراق
1 ــ وخرج الحسين بأهله من مكة الى العراق ، وأرسل والى الحجاز الأموى ( عمرو بن سعيد بن العاص ) بعض أتباعه لمنع الحسين وإرجاعه ، وتضاربوا بالسياط ، وتغلب عليهم الحسين وأهله ، وواصل طريقه . وفى الطريق لقى الحسين قافلة آتية من اليمن فى طريقها الى دمشق بعث بها الوالى فى اليمن ( بحير بن ريسان ) الى يزيد بن معاوية ، فاستولى عليها الحسين . تقول الرواية : ( ثم خرج الحسين يوم التروية، فاعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص، وهو أمير على الحجاز ليزيد بن معاوية مع أخيه يحيى، يمنعونه، فأبى عليهم ومضى، وتضاربوا بالسياط، وامتنع الحسين وأصحابه وساروا فمروا بالتنعيم، فرأى بها عيراً قد أقبلت من اليمن بعث بها بحير بن ريسان من اليمن إلى يزيد بن معاوية، وكان عامله على اليمن، وعلى العير الورس والحلل، فأخذها الحسين وقال لأصحاب الإبل: من أحب منكم أن يمضي معنا إلى العراق أوفينا كراءه وأحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا أعطيناه نصيبه من الكراء؛ فمن فارق منهم أعطاه حقه، ومن سار معه أعطاه كراءه وكساه. )
2 ـ وفى الطريق قابله الشاعر الفرزدق ( وكان يتشيع ) آتيا من العراق ، فسأله الحسين عن الأحوال ، فأصدقه القول ، ولم ينتصح الحسين أيضا ، تقول الرواية : ( ثم سار، فلما انتهى إلى الصفاح لقيه الفرزدق الشاعر ، فقال له ( الفرزدق داعيا له ) : " أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب " . فقال له الحسين: " بيّن لي خبر الناس خلفك. " . قال: " الخبير سألت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء." فقال الحسين: " صدقت، لله الأمر يفعل ما يشاء وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد من كان الحق نيته، والتقوى سريرته. " .
3 ـ وحاول عبد الله بن جعفر بن أبى طالب كل ما فى وسعه ليُرجع الحسين الى مكة . أرسل إبنيه برسالة مستعجلة الى الحسين . وأدرك إبنا جعفر الحسين فى الطريق فسلّماه رسالة ابيهما ، تقول الرواية : ( وأدرك الحسين كتاب عبد الله بن جعفر مع ابنيه عون ومحمد، وفيه: " أما بعد ، فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا، فإني مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفىء نور الأرض، فإنك علم المهتدين ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسير فإني في إثر كتابي، والسلام. ".
4 ــ ولم يكتف عبد الله بن جعفر بهذا ، بل ضغط على الوالى الأموى فى مكة عمرو بن سعيد بن العاص ليكتب للحسن رسالة بالأمان والإكرام إن رجع الى مكة . وفعل عمرو هذا ، بل أرسل للحسين رسالة الأمان مع أخيه يحيى بن سعيد بن العاص . وسار يحيى بن سعيد بن العاص ومعه عبد الله بن جعفر حتى لحقا بالحسين ، وقرآ عليه رسالة الأمان وألحّا عليه بالرجوع فرفض ، وتعلل برؤيا زعم أن النبى جاءه فى المنام وأمره بالمُضى فى طريقه . تقول الرواية : ( وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد فقال له: اكتب للحسين كتاباً تجعل له الأمان فيه وتُمنّيه في البر والصلة واسأله الرجوع. وكان عمرو عامل يزيد على مكة، ففعل عمرو ذلك ، وأرسل الكتاب مع أخيه يحيى بن سعيد ومع عبد الله بن جعفر، فلحقاه وقرآ عليه الكتاب ، وجهدا أن يرجع، فلم يفعل، وكان مما اعتذر به إليهما أن قال: إني رأيت رؤيا رأيت فيها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأمرت فيها بأمرٍ أنا ماضٍ له، عليّ ، كان ، أو لي. فقالا: ما تلك الرؤيا؟ قال: ما حدثت بها أحداً وما أنا محدث بها أحداً حتى ألقى ربي. ).
ثالثا : الحسين فى طريقه الى الكوفة :
1 ـ وعرف ابن زياد بخروج الحسين فقام بارسال قائد شرطته الحصين بن نمير التميمي بجنود على منافذ الطرق للعراق لتمنع دخول الحسين . وأرسل الحسين رسولا الى أهل الكوفة يعرفهم بقدومه ويأمرهم بالاستعداد . ووقع رسول الحسين فى يد قائد شرطة ابن زياد فأرسله الى ابن زياد فقتله ابن زياد . تقول الرواية : ( ولما بلغ ابن زياد مسير الحسين من مكة بعث الحصين بن نمير التميمي صاحب شرطته ، فنزل القادسية ، ونظّم الخيل ما بين القادسية إلى خفان، وما بين القادسية إلى القطقطانة وإلى جبل لعلع. فلما بلغ الحسين الحاجر كتب إلى أهل الكوفة مع قيس بن مسهر الصيداوي يعرفهم قدومه ويأمرهم بالجد في أمرهم، فلما انتهى قيسٌ إلى القادسية أخذه الحصين ، فبعث به إلى ابن زياد، فقال له ابن زياد: اصعد القصر فسُبّ الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي. فصعد قيسٌ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله، ابن فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنا رسوله إليكم وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه " ؛ ثم لعن ابن زياد وأباه واستغفر لعلي. فأمر به ابن زياد فرُمي من أعلى القصر ، فتقطع فمات. )
2 ـ وفى طريقه الى الكوفه لحقه عبد الله بن مطيع ، وأعاد نصيحته وتحذيره ، إدراكا منه أن بنى أمية لو قتلوا الحسين وآله فلن يهابوا أحدا بعدئذ . وقد صحّت توقعاته . وكالعاده رفض الحسين توسلات ابن مطيع . تقول الرواية : ( ثم أقبل الحسين يسير نحو الكوفة فانتهى إلى ماء من مياه العرب، فإذا عليه عبد الله بن مطيع، فلما رآه قام إليه فقال: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله! ما أقدمك؟ فاحتمله فأنزله، فأخبره الحسين، فقال له عبد الله: أذكرك الله يا ابن رسول الله حرمة الإسلام أن تنتهك، أنشدك الله في حرمة قريش، أنشدك الله في حرمة العرب، فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحداً أبداً، والله إنها لحرمة الإسلام تنتهك وحرمة قريش وحرمة العرب، فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض نفسك لبني أمية! فأبى إلا أن يمضي. ).
3 ــ وإقترب الحسين من العراق ، وعرف بمقتل مسلم بن عُقيل ، وتيقّن من إنفضاض شيعته عنه ، وأنه سائر الى حرب غير متكافئة مع ابن زياد . ونصحه بعض من معه بالرجوع خشية عليه وعلى آله من الاستئصال فرفض بنوعقيل بن أبى طالب وأبوا إلا المسير للأخذ بثأر مسلم بن عقيل ، ووافقهم الحسين . تقول الرواية : ( وأتاه خبر قتل مسلم بن عقيل بالثعلبية ، فقال له بعض أصحابه: " ننشدك إلا رجعت من مكانك ، فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة ، بل نتخوف عليك أن يكونوا عليك! "فوثب بنو عقيل وقالوا: " والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم! " فقال الحسين: " لا خير في العيش بعد هؤلاء." فقال له بعض أصحابه: " إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيلٍ، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع. " )
4 ـ وواصل الحسين الطريق ، وكلما مرّ على عين ماء تبعه بعض الأعراب مناصرين له . وفى الطريق جاءه خبر مقتل أخيه من الرضاع عبد الله بن بقطر ، وكان الحسين قد بعثه ليلحق بمسلم بن عقيل ، ولم يكن الحسين يعلم بعدُ بمقتل مسلم بن عقيل . فإعتقله جُند ابن زياد . وقتله ابن زياد . وعلم الحسين بمقتله فأيقن أن شيعته بالكوفة قد خذلوه ، فطلب ممّن أتى معه من الأعراب فى الطريق أن يفارقوه بلا حرج ، فانفضوا عنه ولم يبق معه سوى من صحبه من مكة . تقول الرواية : ( ثم ارتحلوا فانتهوا إلى زبالة، وكان لا يمر بماء إلا اتبعه من عليه ، حتى انتهى إلى زبالة، فأتاه خبر مقتل أخيه من الرضاعة عبد الله بن بقطر، وكان سرحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يعلم بقتله، فأخذته خيل الحصين، فسيره من القادسية إلى ابن زياد، فقال له ( ابن زياد ) : " اصعد فوق القصر والعن الكذاب ابن الكذاب ثم انزل حتى أرى فيك رأيي." . فصعد فأعلم الناس بقدوم الحسين ولعن ابن زياد وأباه، فألقاه من القصر فتكسرت عظامه، وبقي به رمق، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه، فلما عيب ذلك عليه قال: " إنما أردت أن أريحه. " .. فلما أتى الحسين خبر قتل أخيه من الرضاعة ومسلم بن عقيل أعلم الناس ذلك ، وقال:" قد خذلنا شيعتنا، فمن أحب أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منا ذمام." فتفرقوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من مكة ، وإنما فعل ذلك لأنه علم أن الأعراب ظنوا أنه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله فأراد أن يعلموا علام يقدمون.).
5 ـ وجاءه آخر تحذير فى الطريق من إعرابى قابله ، ولم يسمع له . تقول الرواية : ( ثم سار حتى نزل بطن العقبة، فلقيه رجلٌ من العرب فقال له: " أنشدك الله لما انصرفت ، فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحدّ السيوف، إن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطؤوا لك الأشياء فقدمت عليهم لكان ذلك رأياً، فأما على هذه الحال التي تذكر فلا أرى أن تفعل. " فقال: " إنه لا يخفى عليّ ما ذكرت ولكن الله، عز وجل، لا يغلب على أمره. " . ثم ارتحل منها.) .
أخيرا : فى ضوء ما سبق يتضح أن الحسين قد إختار مصيره ...إختار الانتحار ..!!


الباب الثانى : مذبحة كربلاء
الفصل الأول : مفاوضات قبيل الاشتباك الحربى فى كربلاء
مقدمة
لم يستمع الحسين لنصح الناصحين ، وحين وقع فى مخالب أعدائه بدأ يتنازل فى المفاوضات معهم لينجو بحياته ، ولكنهم لم يترفقوا به ، فطالبوا باستسلامه بلا قيد ولا شرط . فرفض ، فكانت المذبحة . ونتعرض هنا لمراحل التفاوض وظروفه حسبما رواه الطبرى فى تاريخه .

أولا : المفاوضات والمواجهة مع جيش الحُرّ بن يزيد التميمي:
1 ـ أرسل ابن زياد بجيش يقوده الحُرّ بن يزيد التميمى ، لا ليقاتل الحسين ولكن ليقبض عليه ويحضره الى ابن زياد . وهذا يعنى القتال لأن الحسين لم يكن ليستسلم لابن زياد . وكان الحُرّ بن يزيد رجلا نبيلا يؤمن بقلبه بأفضلية الحسين بدليل أنه رضى أن يصلى خلف الحسين بما يعنى قبوله بإمامة الحسين ، وكان يتحاشى مسئولية قتال الحسين ، فكان بين نارين ، كونه قائدا لجيش يأتمر بأوامر الوالى ابن زياد ، وتعاطفه مع الحسين. لذا لم يبادر بالدخول فى حرب الحسين ، ولم يحاول إعتقال الحسين ، بل كان بارّا به ، باحثا عن حلول وسط ، يتفاوض معه فى طريقة يتجنب بها القتال ، فنصح الحسين أن يأخذ طريقا لا يدخل به الى الكوفة ولا يعيده الى الحجاز ، الى أن يستشير الوالى ابن زياد .
تقول الرواية عن جيش الحُرّ بن يزيد : ( ..وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ثم اليربوعي فوقفوا مقابل الحسين وأصحابه في نحر الظهيرة.. فلم يزل مواقفًا الحسين ( أى مواجها له )، حتى حضرت صلاة الظهر ، فأمرالحسين مؤذنه بالأذان ، فأذن ، وخرج الحسين إليهم ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏ " أيها الناس إنها معذرة إلى الله وإليكم . إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ورسلكم أن اقدم إلينا فليس لنا إمام لعل الله أن يجعلنا بك على الهدى. فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم أقدم مصركم وإن لم تفعلوا أو كنتم بمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه‏.".‏فسكتوا ، وقالوا للمؤذن‏:‏" أقم . " فأقام . وقال الحسين للحر‏:‏" أتريد أن تصلي أنت بأصحابك ؟ " فقال‏:‏ " بل صل أنت ونصلي بصلاتك‏".‏ فصلى بهم الحسين، ثم دخل ، واجتمع إليه أصحابه . وانصرف الحر إلى مكانه، ثم صلى بهم الحسين العصر ، ثم استقبلهم بوجهه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏ " أما بعد، أيها الناس . فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدعين، ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان. فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم ورسلكم انصرفت عنكم‏." . ‏فقال الحر‏:‏" إنا والله ما ندري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر‏" .‏فأخرج خُرجين مملوءين صحفًا ، فنثرها بين أيديهم‏ .‏ فقال الحر‏:‏ " فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك وقد أمرنا أنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد‏.‏" فقال الحسين‏:‏ " الموت أدنى إليك من ذلك‏!‏ " . ثم أمر أصحابه فركبوا لينصرفوا ، فمنعهم الحُرّ من ذلك‏. ‏فقال له الحسين‏:‏ " ثكلتك أمك‏!‏ ما تريد ؟ " قال له‏:‏ أما والله لوغيرك من العرب يقولها لي ما تركت ذكر أمه بالثكل كائنًا من كان ، ولكني والله ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما يُقدر عليه‏.‏". فقال له الحسين‏:‏ " ما تريد.؟ ". قال الحر‏:‏ " أريد أن أنطلق بك إلى ابن زياد "‏.‏قال الحسين‏:‏ " إذن والله لا أتبعك."‏. ‏قال الحر‏:‏ " إذن والله لا أدعك‏." . ‏فترادا الكلام . فقال له الحر‏:‏ " إني لم أؤمر بقتالك ، وإنما أمرت أن لاأفارقك حتى أقدمك الكوفة . فإذا أبيت فخذ طريقًا لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة حتى أكتب إلى ابن زياد ، وتكتب أنت إلى يزيد أو إلى ابن زياد ، فلعل الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك‏.".).
2 ـ فى الطريق تنحى الحُرّ بن يزيد ، وترك الحسين يسير ، فقابل الحسين بعض شيعته القادمين من الكوفة الذين نصحوه بعدم دخول الكوفة ، قال له ( مجمع بن عبيد الله العائذي وهو أحدهم‏:‏" أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم فهم ألبٌ واحدٌ عليك ، وأما سائر الناس بعدهم فإن قلوبهم تهوي إليك وسيوفهم غدًا مشهورة إليك‏." ) وحذّره أحدهم وهو الطرماح بن عدي، بألا يدخل الكوفة لأن أهلها أجمعوا على حربه ، ونصحه أن يلجأ الى جبل طىء واسمه ( أجأ )‏ ويتحصّن به ، ووعده أن يجمع له أنصارا من قبائل سليم وطىْ. وكالعادة ( العلوية ) لم يأخذ الحسين بنصيحته .
نستكمل الرواية وفيها يقول الطرماح بن عدي للحسين محذّرا :‏ " والله ما أرى معك كثير أحدٍ ، ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم . ولقد رأيت قبل خروجي من الكوفة بيومٍ ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناي جمعًا في صعيد واحد أكثر منه قط ليسيروا إليك .! فأنشدك الله إن قدرت على أن لا تقدم إليهم شبرًا فافعل. ) ثم يقول له ناصحا : ( فإن أردت أن تنزل بلدًا يمنعك الله به حتى ترى رأيك ويستبين لك ما أنت صانع فسر حتى أنزلك جبلنا أجأ ، فهو والله جبل امتنعنا به من ملوك غسان وحمير والنعمان بن المنذر ومن الأحمروالأبيض . والله ما إن دخل علينا ذل قط ، فأسير معك حتى أنزلك القرية ، ثم تبعث إلى الرجال ممن بأجأ وسليم من طيء ، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى يأتيك طيء رجالًا وركبانًا . ثم أقم فينا ما بدا لك ، فإن هاجك هيجٌ فأنا زعيمٌ لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم ، فوالله لا يوصل إليك أبدًا وفيهم عين تطرف‏") ورفض الحسين : ( فقال له‏:‏ " جزاك الله وقومك خيرًا‏!‏ إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول ، لسنا نقدر معه على الانصراف ، ولا ندري علام تتصرف بنا وبهم الأمور‏.‏") ، وبعد رفض الحسين لنصيحة الطرماح سار الطرماح سار لأهله بالمؤن التى كان يحملها ، ثم رجع لنصرة الحسين ، فعلم فى الطريق بمقتل الحسين فرجع الى اهله، تقول الرواية : ( فودعه وسار إلى أهله ووعده أن يوصل الميرة إلى أهله ويعود إلى نصره ففعل ، ثم عاد إلى الحسين، فلما بلغ عذيب الهجانات لقيه خبر قتله فرجع إلى أهله‏. ).
3 ـ وجاءت الأوامر من ابن زياد للحُرّ بن يزيد بأن يمنع الحسين الماء وأن يحيله الى العراء ، وجعل ابن زياد من رسوله عينا يراقب الحُرّ فى تنفيذ أوامره .
تقول الرواية: (.. فلم يزالوا يتياسرون ( أى يسيرون يسارا ) حتى انتهوا إلى نينوى المكان الذي نزل به الحسين ، فلمانزلوا إذا راكب مقبل من الكوفة ، فوقفوا ينتظرونه ، فسلم على الحُرّ ولم يسلم على الحسين وأصحابه . ودفع إلى الحُرّ كتابًا من ابن زياد ، فإذا فيه‏: ‏" أما بعد فجعجع بالحسين حتى يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي ، فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصين وعلى غير ماء . وقدأمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري . والسلام‏.‏" فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر‏:‏ " هذا كتاب الأمير يأمرني أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه ، وقد أمر رسوله أن لا يفارقني حتى أنفذ رأيه وأمره‏.‏".وأخذهم الحر بالنزول على غير ماء ولا في قرية ، فقالوا‏:‏ دعنا ننزل في نينوى أو الغاضرية أو شفية‏. ‏فقال‏:‏ لا أستطيع هذا الرجل قد بعث عينًا علي .)
ثانيا : جيش عمربن سعد بن أبى وقاص ومفاوضات ما قبل الحرب :
1 ـ ثم أرسل ابن زياد جيشا يقوده عمر بن سعد بن أبى وقّاص .
كانت البصرة تتبعها ولايات فى المشرق الفارسى ، ولوالى البصرة أن يعين ولاة تتبعه فيها ، وكان ابن زياد قد أصدر قرارا بتعيين عمر بن سعد بن أبى وقاص واليا على منطقة الرى ، وجهز له حملة لإسترجاع إقليم الرى ، وكان الديالمة قد إستولوا عليها . ثم حين اضيفت الكوفة لابن زياد لمواجهة أزمة الحسين غيّر ابن زياد رأيه وقرر أن يكون عمر بن سعد بن أبى وقاص قائدا للجيش المكلف بقتال الحسين ، وإن لم يفعل فلن يكون واليا على الرى . فجاء ابن سعد بن أبى وقاص بجيش ليقاتل الحسين حتى لا تضيع منه إمارة اقليم الرى الفارسى . تقول الرواية : ( فلما كان الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف . وكان سبب مسيره إليه أن عبيد الله بن زياد كان قد بعثه على أربعة آلاف.... وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها . وكتب له عهده على الري فعسكربالناس في حمام أعين . فلما كان من أمر الحسين ما كان ، دعا ابن زياد عمر بن سعد ، وقالله‏:‏ " سر إلى الحسين فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك‏" .‏ فاستعفاه‏. ‏فقال‏:‏ " نعم على أن ترد عهدنا "‏.‏ فلما قال له ذلك قال‏:‏ " أمهلني اليوم حتى أنظر‏" .‏فاستشار نصحاءه فكلهم نهاه . وأتاه حمزة بن المغيرة بن شعبة ، وهو ابن أخته فقال‏:‏ " أنشدك الله يا خالي أن تسير إلى الحسين فتأثم وتقطع رحمك ، فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض لو كان لك خير من أن تلقى الله بدم الحسين‏!‏ " فقال‏:‏ " أفعل‏." ‏وبات ليلته مفكرًا في أمره . فسُمع وهو يقول‏:‏
أأترك ملك الري والري رغبةً أم أرجع مذمومًا بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها حجابٌ وملك الري قرة عين .
ثم أتى ابن زياد فقال له‏:‏ " إنك قد وليتني هذا العمل وسمع الناس به فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل وابعث إلى الحسين من أشراف الكوفة من لست أغنى في الحرب منه. " وسمى أناسًا‏. ‏فقال له ابن زياد‏:‏ " لست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث . فإن سرت بجندنا، وإلا فابعث إلينا بعهدنا‏ " .‏قال‏:‏ " فإني سائر‏ ". ).
2 ـ ودارت مفاوضات بين الحسين وبين عمر بن سعد بن أبى وقاص.
وعرض الحسين أن ينصرف عائدا ، وكتب عمر ابن سعد بهذا الى ابن زياد ، فرفض ابن زياد ، وطلب أن يبايع الحسين ليزيد أولا ثم يرى رأيه فيه فما بعد ، وشدّد على منع الحسين من الماء . تقول الرواية : ( فأقبل ( أى عمر بن سعد بن أبى وقاص ) في ذلك الجيش حتى نزل بالحسين ، فلما نزل به بعث إليه رسولًا يسأله ما الذي جاء به . فقال الحسين‏:‏ " كتب إليّ أهل مصركم هذا أن أقدم عليهم ، فأما إذ كرهوني فإني أنصرف عنهم‏." ‏فكتب عمر إلى ابن زياد يعرفه ذلك . فلما قرأ ابن زيادالكتاب قال‏:‏ " الآن إذ علقت مخالبنا به يرجو النجاة .! . ولات حين مناص ." ثم كتب إلى عمريأمره أن يعرض على الحسين بيعة يزيد ، " فإن فعل ذلك رأينا رأينا " ، وأن يمنعه ومن معه الماء‏.‏ فأرسل عمر بن سعد ، عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وبين الماء‏.‏ وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام ) .. فلما اشتد العطش على الحسين وأصحابه أمر أخاه العباس بن علي فسار في عشرين راجلًا يحملون القرب وثلاثين فارسًا فدنوا من الماء فقاتلوا عليه وملؤواالقرب وعادوا .).
3 ـ وجرت مفاوضات أخرى بين الحسين وعمر بن سعد ، يتضح من بعضها أن المال فيها كان سيّد الموقف . تقول الرواية أن الحسين بعث لابن سعد يقول له :( " أن القني الليلة بين عسكري وعسكرك‏.‏ " فخرج إليه عمر، فاجتمعا وتحادثا طويلًا ، ثم انصرف كل واحد منهما إلى عسكره . وتحدث الناس أن الحسين قال لعمر بن سعد‏:‏ "اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين‏.‏" فقال عمر‏:‏ " أخشى أن تهدم داري‏.‏" قال‏:‏ " أبنيها لك خيرًا منه‏.‏" قال‏:‏ " تؤخذ ضياعي‏.‏" قال‏:‏ " أعطيك خيرًا منها من مالي بالحجاز‏.‏" فكره ذلك عمر‏.‏) . وهناك رواية تضيف أن الحسين قال له : ( اختاروا مني واحدة من ثلاث ‏:‏ إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه ، وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه ، وإما أن تسيروا بي إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلًا من أهله لي ما لهم وعلي ما عليهم‏.‏). وواضح هنا أن الحسين يقدم تنازلات كل مرة ، وواضح أيضا أن ابن زياد لا يأخذ بها .
وهناك رواية أخرى وحيدة تنكر هذا ، يقول الطبرى : ( وقد روي عن عقبة بن سمعان أنه قال‏:‏ صحبت الحسين من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل ، وسمعت جميع مخاطباته للناس إلى يوم مقتله . فوالله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس أنه يضع يده في يد يزيد ولا أن يسيروه إلىثغر من ثغور المسلمين ، ولكنه قال‏:‏ دعوني أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه ، أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس‏.‏ فلم يفعلوا‏.‏) .
والأرجح انهما وصلا لاتفاق بعث به عمر ابن سعد لابن زياد فرفضه ابن زياد بتأثير صديقه شمّر بن ذى الجوشن . تقول الرواية : (ثم التقى الحسين وعمر بن سعد مرارًا ثلاثًا أو أربعًا . فكتب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد‏:‏ " إما بعد فإن الله أطفأ الثائرة وجمع الكلمة وقدأعطاني الحسين أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه ، أو أن نسيره إلى أي ثغر من الثغورشئنا، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده. وفي هذا لكم رضى وللأمة صلاح‏.‏" فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال‏:‏ " هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق على قومه. نعم قد قبلت‏" .‏ فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال‏:‏" أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك ؟ والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز . فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن. ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه ، فإن عاقبت كنت ولي العقوبة وإن عفوت كان ذلك لك ولله . لقد بلغني أن الحسين وعمر يتحدثان عامة الليل بين العسكرين‏". ‏فقال ابن زياد‏:‏ " نعم ما رأيت . الرأي رأيك. اخرج بهذا الكتاب إلى عمر فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي ، فإن فعلوا فليبعث بهم إليّ سلمًا ، وإن أبوا فليقاتلهم ، وإن فعل فاسمع له وأطع . وإن أبى فأنت الأمير عليه وعلى الناس ، واضرب عنقه وابعث إلي برأسه‏.‏ " . وكتب معه إلى عمر بن سعد‏:‏ " أما بعد فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه ولا لتمنّيه ولا لتطاوله ولا لتقعد له عندي شافعًا . انظر. فإن نزل الحسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إليّ سلمًا ، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم ، فإنهم لذلك مستحقون . فإن قُتل الحسين فأوطىء الخيل صدره وظهره ، فإنه عاقٌّ شاقٌّ قاطع ظلوم . فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أنت أبيت فاعتزل جندنا .وخلّ بين شمر وبين العسكر. والسلام‏ .‏ " ). وأطاع عمر بن سعد بن أبى وقاص الأوامر ، وبعث بها للحسين يطلب منه الاستسلام بلا قيد ولا شرط . فرفض الحسين وانتهت بهذ المفاوضات ، وتحتمت الحرب .
ثالثا : خطابات قبيل الاشتباك الحربى
1 ـ فى البداية طلب الحسين من أنصاره أن يرحلوا ويأخذ كل واحد منهم بفرد من أهل الحسين ويختفوا بهم ، وان يتركوه يواجه وحده مصيره ، فرفضوا جميعا .
تقول الرواية أنه قال لهم :( " قد أذنت لكم جميعًا فانطلقوا في حلّ ليس عليكم مني ذمام . هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملًا ، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي . فجزاكم الله جميعًا ، ثم تفرقوا في البلاد في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله ، فإن القوم يطلبونني ولو أصابوني لهُوا عن طلب غيري‏.‏" فقال له إخوته وأبناؤه وأبناء إخوته وابناء عبد الله بن جعفر‏:‏ " لن نفعل هذا لنبقى بعدك‏!‏ لا أرانا الله ذلك أبدًا‏!‏ ". فقال الحسين‏:‏ " يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم . اذهبوا فقد أذنت لكم‏.‏" قالوا‏:‏ " وما نقول للناس؟! نقول‏:‏ تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن منهم برمح ولم نضرب بسيف ، ولا ندري ما صنعوا ؟ لا والله لا نفعل . ولكنا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ، ونقاتل معك حتى نرد موردك. فقبح الله العيش بعدك‏!‏ " . وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال‏:‏ " أنحن نتخلى عنكولم نعذر إلى الله في أداء حقك‏ ؟ .‏أما والله لا أفارقك حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمة بيدي . والله لو لم يكن معي سلاحي لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك‏. ‏وتكلم أصحابه بنحو هذا ‏.‏ )
2 ـ وعبأ الحسين جيشه . وكذلك عمر بن سعد بن أبى وقاص :
تقول الرواية : ( وعبى الحسين أصحابه وصلى بهم صلاة الغداة ، وكان معه اثنان وثلاثون فارسًا وأربعون راجلًا . فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه ، وحبيب بن مطهر في ميسرتهم .وأعطى رايته العباس أخاه ، وجعلوا البيوت في ظهورهم ، وأمر بحطب وقصب فألقي في مكان منخفض من ورائهم ، كأنه ساقية عملوه في ساعة من الليل ، لئلا يؤتوا من ورائهم. وأضرم نارًا تمنعهم ذلك‏.‏) .
وعبأ عمر بن سعد جيشه يتقسيم قبلى ( من القبيلة ) . تقول الرواية : ( وجعل عمر بن سعد على ربع أهل المدينة عبد الله بن زهير الأزدي ، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس ، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبي سبرةالجعفي ، وعلى ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي . فشهد هؤلاء كلهم مقتل الحسين إلا : الحر بن يزيد ، فإنه عدل ( أى إنضم ) إلى الحسين وقُتل معه . وجعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وعلى ميسرته شمر ابن ذي الجوشن . وعلى الخيل عروة بن قيس الأحمسي ، وعلى الرجال شبث بن ربعي اليربوعي التميمي . وأعطى الراية دريدًا مولاه‏. ) . ويلاحظ أن شبث بن ربعى هذا وغيره كانوا من شيعة الحسين الذين كتبوا له يستقدمونه .!!
3 ـ وخطب فيهم الحسين قبل القتال ، ونادى :( :‏ يا شبث بن ربعي‏!‏ ويا حجار بن أبجر‏!‏ ويا قيس بن الأشعث‏!‏ ويا زيد بن الحارث‏!‏ ألم تكتبوا إلي في القدوم عليكم ؟ قالوا‏:‏" لم نفعل‏ " .‏ثم قال‏:‏ " بلى فعلتم‏ " .‏ثم قال‏:‏ " أيها الناس إذ كرهتموني فدعوني أنصرف إلى مأمني من الأرض‏.‏ فقال له قيس بن الأشعث‏:‏ " أولا تنزل على حكم ابن عمك" ، يعني ابن زياد ، " فإنك لن ترى إلا ما تحب " ‏.‏فقال له الحسين‏:‏ " أنت أخو أخيك ( يعنى يفعل مثل أخيه محمد بن الأشعث ) أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل .! لا والله ولا أعطيهم بيدي عطاء الذليل ولا أقر إقرار العبد‏.‏) .
وخطب زهير بن القين يعظ أهل الكوفة فردوا عليه بالسباب . تقول الرواية : ( وخرج زهير بن القين على فرس له في السلاح فقال‏:‏ " يا أهل الكوفة نذار لكم من عذاب الله نذار. إن حقًا على المسلم نصيحةالمسلم . ونحن حتى الآن إخوة على دين واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السيف. فإذا وقع السيف انقطعت العصمة ، وكنا نحن أمة وأنتم أمة."...فسبّوه وأثنوا على ابن زياد، وقالوا‏:‏ " والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله بن زياد سلمًا‏.‏" فقال لهم‏:‏ " يا عباد الله إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية ( يعنى عبيد الله بن زياد ) ، فإن كنتم لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم. خلوا بين الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية ، فلعمري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين‏.‏" فرماه شمرٌ بسهم وقال‏:‏" اسكت اسكت الله نأمتك أبرمتنا بكثرة كلامك‏!‏ " . فقال زهير‏:‏ " يا ابن البوال على عقبيه‏!‏ ما إياك أخاطب ، إنما أنت بهيمة‏!‏ والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم‏.‏".فقال شمر‏:‏ "إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة‏.‏". قال‏:‏ " أفبالموت تخوفني؟! والله للموت معه ( أى مع الحسين ) أحب إلي من الخلد ( أى الجنة ) معكم‏!‏. ).
4 ـ وانشق الحر بن يزيد عنهم ، وانضم الى الحسين وقاتل معه.
تقول الرواية : ( ولما زحف عمر ( ابن سعد بن أبى وقاص ) نحو الحسين أتاه الحر بن يزيد فقال له‏:‏" أصلحك الله‏!‏ أمقاتل أنت هذا الرجل؟ " قال له‏:‏ " إي والله قتالًا أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي‏.‏" قال‏:‏ " أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضىً ؟ " فقال عمرابن سعد‏:‏ " والله لو كان الأمر إلي لفعلت ، ولكن أميرك قد أبى ذلك‏.‏ " . فأقبل ( الحُرّ ) يدنو نحو الحسين قليلًا قليلًا ، وأخذته رعدة . فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أوس‏:‏ " والله إن أمرك لمريب‏!‏ والله ما رأيت منك في موقف قط ما أراه الآن‏!‏ ولو قيل من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك‏.‏".! فقال له‏:‏ " إني والله أخيّر نفسي بين الجنة والنار ، ولا أختار على الجنة شيئًا . ولو قُطّعت وحُرّقت‏. " . ‏ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين فقال له‏:‏ " جعلني الله فداك يا ابن رسول الله‏!‏ أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان .! ووالله ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبدًا ، ولا يبلغون منك هذه المنزلة أبدًا . فقلت في نفسي‏:‏ لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ولايرون أني خرجت من طاعتهم . وأما هم فيقبلون بعض ما تدعوهم إليه . ووالله لو ظننت أنهم لايقبلونها منك ما ركبتها منك . وإني قد جئتك تائبًا مما كان مني إلى ربي ، مؤاسيًا لك بنفسي، حتى أموت بين يديك .! أفترى ذلك توبة ؟ قال‏:‏ " نعم يتوب الله عليك ويغفر لك‏." .‏وتقدم الحر أمام أصحابه ثم قال‏:‏ " أيها القوم . ألا تقبلون من الحسين خصلةً من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله ؟ فقال عمر‏:‏ " لقد حرصت لو وجدت إلى ذلك سبيلًا‏.‏" فقال‏:‏ " يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر‏!‏ أدعوتموه حتى إذاأتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه ؟ أمسكتم بنفسه وأحطتم به ، ومنعتموه من التوجه في بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته فأصبح كالأسير لا يملك لنفسه نفعًا ولا يدفع عنها ضرًا ، ومنعتموه ومن معه عن ماء الفرات الجاري يشربه اليهودي والنصراني والمجوسي ، ويتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه .! وها هووأهله قد صرعهم العطش‏!‏ بئسما خلفتم محمدًا في ذريته‏!‏ لا سقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه‏!‏ ". فرموه بالنبل فرجع حتى وقف أمام الحسين‏. .) .
ونأتى لتفاصيل القتال فى كربلاء .


الفصل الثانى : وقائع مذبحة كربلاء

مقدمة عن روايات المعركة / المذبحة
كنت ـ ولا زلت ـ أبكى كلما قرأت روايات موقعة كربلاء . وكنت ـ ولا زلت ـ أمنع عواطفى كباحث تاريخى من التدخل فى عملى ، فالبحث التاريخى عمل عقلى بارد لا يعرف العواطف، وبه نقرر التالى : .
1 ـ الروايات عن مذبحة كربلاء تمتلىء بغيبيات ومعجزات لا يأخذ بها البحث التاريخى ، كمزاعم بأن من فعل كذا بالحسين عوقب بكذا ، وأن رأس الحسين نطقت وقالت كذا وأن النور إنبعث منها ..الخ .. ومنها كلام وضعوه على لسان الحسين ، فى خضم حدة المعركة وأعداؤه تقترب سيوفهم منه يقتلون أهله ، وليس من المتصور وقتها أن يجد الحسين وقتا أو مجالا لكى يتكلم بكلام طويل ويخطب خطبا عصماء ، ومنه كلام يعبّر عن العصر العباسى ، وليس عن عصر الحسين . ومنه كلام عن جور يزيد وطغيانه ، مع أن يزيد وقتها كان فى بداية عصره ، ولم يكن قد أرتكب بعد ما يوصف بالطغيان . وبعض الروايات تشير للحسين بالعدل ، ولم يكن الحسين قد تولى الحكم حتى يقال عنه هذا . والواضح أن تلك الروايات قد تم صُنعها بأثر رجعى تأثر بالتاريخ اللاحق لبنى أمية . ولم يكن كذلك بنفس الدرجة فى عصر معاوية والشهور الأولى من حُكم يزيد .
2 ـ عن المسئولية فى مأساة كربلاء وانتهاك الأشهر الحرم فيها : نقرر الآتى :
2 / 1 : أحداث كربلاء تمت فى الشهر الحرام ، من ذى الحجة الى يوم المذبحة يوم العاشر من محرم .تقول الرواية ( قُتل الحسين بن علي سنةإحدى وستين وهو يومئذ ابن ست وخمسين سنة في المحرم يوم عاشوراء‏.)، ومأساة كربلاء بدأت بمخرج مسلم بن عقيل ( بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مضين من ذي الحجة .) . بينما خرج الحسين من مكة متوجها للكوفة:(.. لثمان مضين من ذي الحجة يوم الثلاثاء يوم التروية في اليوم الذي خرج فيه مسلم بن عقيل . ).أى إنّ المذبحة وما قبلها حدثت خلال الأشهر الحرم . والحسين يعرف أن خروجه يعنى الحرب ، وأن الحرب لا تجوز فى الشهر الحرام إلا فى رد الاعتداء الواقع فعلا . والحسين هو الذى سعى الى هذه الحرب بنفسه برغم نصائح الكثيرين . لا نعرف إذا كان قد أدى مناسك الحج فى مكة وقت موسم إفتتاح الحج الأكبر ، أم لا .. ولكن المذكور فى الروايات أنه قرر التحرك ليحارب فى الشهر الحرام . وبناء عليه قرّر يزيد بن معاوية أن يواجهه . أى إنّ هذا الانتهاك للشهر الحرام تقع مسئوليته على الحسين لأنه الذى بادر بالخروج المسلح على خليفة شرعى متمكن من الحُكم والسلطة ، وليس متصورا أن يتنازل عن حكمه إلا بهزيمته حربيا.
2 / 2 : : وقد خالف الحسين كل النصائح والتحذيرات من غدر شيعته به ، وتحقّق كل ما حذّروه منه ، فرأى بعينيه عامة جُند عبيد الله بن زياد من أهل الكوفة ، وبعض قادة الجيش الذى قاتل الحسين كانوا من معارفه ومن كبار الشيعة . وهم الذين غدروا من قبل بمسلم بن عقيل .
2 / 3 : ونتذكر بكاء مسلم بن عقيل قبيل قتله ، وهو يقول : (" ما أبكي لنفسي ، ولكني أبكي لأهلي المنقلبين إليكم .! أبكي للحسين وآل الحسين‏.‏.!! ثم قال لمحمد بن الأشعث‏:‏ " إني أراك ستعجز عن أماني ، فهل تستطيع أن تبعث من عندك رجلًا يخبر الحسين بحالي ويقول له عني ليرجع بأهل بيته ولا يغره أهل الكوفة، فإنهم أصحاب أبيك الذين كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل؟ " فقال له ابن الأشعث‏:‏ " والله لأفعلن‏!‏ " ثم كتب بما قال مسلم إلى الحسين ، فلقيه الرسول بزبالة ( مكان اسمه زبالة ) فأخبره ، ( أى أخبر الحسين ) فقال‏( الحسين ) :‏ " كلما قدر نازلٌ عند الله نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا‏.‏".!
2 / 4 : المستفاد هنا : أولا : أن الحسين أعدّ العدة للحرب بجيشه أوبأتباعه الذين بايعوه ينتظرونه فى الكوفة ، وقد جاء ليحارب بهم الأمويين ، ويأخذ منهم الكوفة والعراق . وقد سار الحسين بجيش صغير معتمدا على ما سبق أن أرسله اليه مسلم بأن أنصاره بلغوا 18 ألفا . وثانيا : أن مسلم بن عقيل بعث يحّذر الحسين يناشده أن يرجع بأهله ، فرفض الحسين .. وتكرر الرفض بعدها .
2 / 5 ـ تقول الرواية فى الطبرى أن ابن زياد بعث برأسى مسلم بن عقيل وهانىء الى يزيد بن معاوية ، فكتب له يزيد : ( وقد بلغني أن الحسين قد توجه نحو العراق ، فضع المراصد والمسالح واحترس واحبس على التهمة وخذ على الظنة ، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك‏.‏ واكتب إلي في كل ما يحدث من الخبر . ) . المراسلات فى هذا العصر لم تكن بالايميل والتليفون الخلوى والفاكس، بل بالبريد المسافر بالخيول . أى إن رسالة يزيد الى عبيد الله بن زياد بألا يقاتل إلا من قاتله قد وصلت ابن زياد بعد قتل الحسين وآله ، فلم نر لها أثرا فى الأحداث ، بل كان ابن زياد يدير الأمور بما يراه . وبالتالى تتضاءل مسئولية يزيد بقدر ما تتعاظم مسئولية الحسين ومسئولية عبيد الله بن زياد.
3 ــ نقول هذا لعلّه يكفكف بعض دموعنا . ونسرد الأحداث مرتبة بعد تمحيصها من تاريخ الطبرى.
أولا : بدء القتال : واحتدامه
1 ـ بدأه عمر بن سعد بن أبى وقاص :
( ثم قدم عمر بن سعد برايته وأخذ سهمًا فرمى به وقال‏:‏ اشهدوا لي أني أول رامٍ‏!‏ ثم رمى الناس . ).
وكالعادة وقتها بدأت الحرب بالمبارزة ، وانتصر فيها المبارزون من جيش الحسين مما جعل عمر بن سعد يوقفها: (..وقاتل الحر بن يزيد مع الحسين قتالًا شديدًا ، وبرز إليه يزيد بن سفيان فقتله الحر . وقاتل نافع بن هلال مع الحسين أيضًا ، فبرز إليه مزاحم بن حريث فقتله نافع ‏.‏) ( فصاح عمرو بن الحجاج بالناس‏:‏ أتدرون من تقاتلون ؟ فرسان المصر ، قومًامستميتين لا يبرز إليهم منكم أحد . فإنهم قليل وقلّ ما يُبقون . والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم‏...فقال عمر‏:‏ الرأي ما رأيت‏.‏ومنع الناس من المبارزة‏.‏ ) .
2 ـ واحتدم القتال ، وغلب فرسان الحسين مع قلتهم ، فاستعان عليهم خصومهم بالنبل يرمونهم فعقروا بالنبل خيول فرسان الحسين ، وإضطروهم للقتال مترجلين : ( وقاتل أصحاب الحسين قتالًا شديدًا ، وهم اثنان وثلاثون فارسًا ، فلم تحمل على جانب من خيل الكوفة إلا كشفته‏. ‏فلما رأى ذلك عروة بن قيس وهو على خيل الكوفة بعث إلى عمر فقال‏: ‏ألا ترى ما تلقى خيلي هذا اليوم من هذه العدة اليسيرة ؟ ابعث إليهم الرجال والرماة )، و ( .. دعا عمر بن سعد الحصين بن نمير فبعث معه المجففة وخمسمائة من المرامية ، فلما دنوا من الحسين وأصحابه رشقوهم بالنبل ، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم وصاروا رجالة كلهم . ) .
3 ــ ومع ذلك استمات جُند الحسين فى القتال مترجّلين : ( وقاتل الحر بن يزيد راجلًا قتالًا شديدًا. فقاتلوهم إلى أن انتصف النهار أشد قتال خلقه الله . لا يقدرون يأتونهم إلا من وجه واحد لاجتماع مضاربهم‏. ‏فلما رأى ذلك عمر أرسل رجالًا يقوضونها عن أيمانهم وشمائلهم ليحيطوابهم ، فكان النفر من أصحاب الحسين الثلاثة والأربعة يتخللون البيوت فيقلتون الرجل وهويقوض وينهب ويرمونه من قريب أو يعقرونه . فأمر بها عمر بن سعد فأحرقت ، فقال لهم الحسين‏:‏ " دعوهم فليحرقوها ." ..وخرجت امرأة الكلبي تمشي إلى زوجها، فجلست عند رأسه تمسح التراب عن وجهه وتقول‏:‏ " هنيئًا لك الجنة‏!‏ " فأمر شمر غلامًا اسمه رستم فضرب رأسها بالعمود فماتت مكانها‏.‏ وحمل شمر حتى بلغ فسطاط الحسين ونادى‏:‏ " عليّ بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله‏" . ‏فصاح النساء وخرجن ، وصاح به الحسين‏:‏ " أنت تحرق بيتي على أهلي حرقك الله بالنار‏!‏ ." فقال حميد بن مسلم لشمر‏:‏ " إن هذا لا يصلح لك. تعذب بعذاب الله وتقتل الولدان والنساء؟ والله إن في قتل الرجال لما يرضى به أميرك‏!‏ " . فلم يقبل منه . فجاء شبث بن ربعي فنهاه فانتهى ، وذهب لينصرف ، فحمل عليه زهير بن القين في عشرة فكشفهم عن البيوت . وقتلوا أبا عزة الضبابي وكان من أصحاب شمر‏.‏ وعطف الناس عليهم فكثروهم ، وكانوا إذا قتل منهم الرجل والرجلان يبين فيهم لقلتهم ، وإذا قتل في أولئك لا يبين فيهم لكثرتهم‏.‏). أى بسبب قلة عدد جُند الحسين كان القتل يظهر واضحا فيهم بينما كانت كثرة الجيش الأموى لا تُظهر فيهم عدد قتلاهم . .
4ـ وفى شدة القتال لم ينس جُند الحسين الصلاة حتى مع إقتراب جيش يزيد من مكان الحسين : (ولما حضر وقت الصلاة قال أبو ثمامة الصائدي للحسين‏:‏ " نفسي لنفسك الفداء‏!‏ أرى هؤلاء قد اقتربوا منك والله لا تُقتل حتى أقتل دونك، وأحب أن ألقى ربي وقد صليت هذه الصلاة‏!‏ " فرفع الحسين رأسه وقال‏:‏ " ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين . نعم . هذا أول وقتها . " ثم قال‏:‏ " سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي‏.‏" ففعلوا . فقال لهم الحصين‏:‏ " إنها لا تقبل‏.‏ " فقال له حبيب بن مطهر‏:‏ " زعمت لا تقبل الصلاة من آل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتقبل منك يا حمار‏!‏ .) . المهم هنا أنهم كانوا يحافظون على الصلاة المكتوبة حتى فى أحلك المواقف ، وقد تكرر هذا كثيرا بين سطور الروايات التاريخية ، ضمن تسجيل الأحداث ، بما يؤكد أن الصلاة وصلت لنا بالتواتر عبر القرون ، بالرغم من كل الأحداث الجسام .
5ـ وفى النهاية غلبت الكثرة الشجاعة :
(..‏.‏وحمل الحر وزهير بن القين فقاتلا قتالًا شديدًا . وكان إذا حمل أحدهما وغاص فيهم حمل الآخر حتى يخلصه . فعلا ذلك ( أى الحّر وزهير ) ساعة . ثم إن رجّالة ( أى مقاتلين مترجّلين ) حملت على الحر بن يزيد فقتلته . وقتل أبو ثمامة الصائدي ابن عم له كان عدوه . ثم صلوا الظهر. صلى بهم الحسين صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعد الظهر، فاشتد قتالهم . ووصلوا إلى الحسين ، فاستقدم الحنفي أمامه ، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل وهو بين يديه حتى سقط‏ .‏ وقاتل زهير بن القين قتالًا شديدًا ، فحمل عليه كثير ابن عبيد الله الشعبي ومهاجر بن أوس فقتلاه. ، وكان نافع بن هلال الجملي قد كتب اسمه على أفواق نبله، وكانت مسمومة ، فقتل بها اثني عشر رجلًا سوى من جرح ، فضُرب حتى كسرت عضداه ، وأخذ أسيرًا، فأخذه شمر بن ذي الجوشن ، فأتى به عمر بن سعد والدم على وجهه ، وهو يقول‏:‏ " لقد قتلت منكم اثني عشر رجلًا ، سوى من جرحت. ولو بقيت لي عضد وساعد ما أسرتموني ‏." .‏فانتضى شمرٌ سيفه ليقتله ، فقال له نافع‏:‏ " والله لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا ، فالحمد لله الذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه ‏!‏" فقتله شمرٌ. .
6ـ ووصلت الكثرة الى الدائرة الضيقة حول الحسين.
وحملوا عليهم بقيادة شمر بن ذى الجوشن ، فتنافس أصحاب الحسين فى الدفاع عنه ، وأن يُقتلوا بين يديه :
( ثم حُمل على أصحاب الحسين‏ .‏ فلما رأوا أنهم قد كثروا وأنهم لا يقدرون يمنعون الحسين ولا أنفسهم تنافسوا أن يقتلوا بين يديه . فجاء عبد الله وعبد الرحمن ابنا عروة الغفاريان إليه فقالا‏:‏ " قد حازنا الناس إليك‏". ‏فجعلا يقاتلان بين يديه . وأتاه الفتيان الجابريان ، وهما سيف بن الحارث بن سريع ومالك بن عبد بن سريع ، وهما ابنا عم وأخوان لأم ، وهما يبكيان ، فقال لهما‏:‏ " مايبكيكما ؟ إني لأرجو أن تكونا عن ساعة قريري عين" ‏.‏ فقالا‏:‏ " والله ما على أنفسنا نبكي . ولكن نبكي عليك .! نراك قد أحيط بك ولا نقدر أن نمنعك‏!‏ " فقال‏:‏ " جزاكما الله جزاء المتقين‏!‏ " . وجاء حنظلة بن أسعدالشبامي فوقف بين يدي الحسين ..وتقدم وقاتل حتى قتل‏.‏ وتقدم الفتيان الجابريان فودعا الحسين وقاتلا حتى قتلا‏. ‏وجاءعابس بن أبي شبيب الشاكري وشوذب مولى شاكر إلى الحسين فسلماعليه ، وتقدما فقاتلا ، فقتل شوذب ، وأما عابس فطلب البراز فتحاماه الناس لشجاعته فقال لهم عمر‏:‏ ارموه بالحجارة فرموه من كل جانب فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفرته وحمل على الناس فهزمهم ..‏.‏وجثا أبو الشعثاء الكندي وهو يزيد بن أبي زياد بين يدي الحسين ، فرمى بمائة سهم ما سقط منها خمسة أسهم ، وكلما رمى يقول له الحسين‏:‏ اللهم سدد رميته واجعل ثوابه الجنة‏!‏ . وكان يزيد هذا فيمن خرج مع عمر بن سعد ، فلما ردوا الشروط على الحسين عدل إليه فقاتل بين يديه ..‏.‏ )
7 ـ وفى هذه الملحمة المأساوية قُتل جميع الهاشميين الذين صحبوا الحسين ، ما عدا إبنه ( على زين العابدين ) الذى كان شابا مريضا ، وقد ذكرت الروايات أسماء أولئك القتلى من الصغار والشباب والكبار ، من ابناء على واحفاده ، واسماء من قتلهم . ونكتفى ببعض أمثلة إختصارا : (. وكان أول من قتل من آل بني أبي طالب يومئذٍ علي الأكبر ابن الحسين ..وذلك أنه حمل عليهم وهو يقول‏:‏ " أنا علي بن الحسين بن علي نحن ورب البيت أولى بالنبي تالله لا يحكم فينا ابن الدعيّ " ( يقصد عبيد الله بن زياد ، لأن أباه هو زياد بن أبيه الذى كان مجهول الأب ، وزعم معاوية أنه ابن لابى سفيان ). ففعل ذلك مرارًا ، فحمل عليهم ُرّة ابن منقذ العبدي ، فطعنه فصرع ، وقطّعه الناس بسيوفهم .!!
ثانيا ـ مقتل الحسين :
1 ــ وتتابع القتل فى آل أبى طالب حتى لم يبق سوى الحسين يقاتل بنفسه .( ‏.‏ومكث الحسين طويلًا من النهار ، كلما انتهى إليه رجل من الناس رجع عنه، وكره أن يتولى قتله وعظم إثمه عليه. ثم إن رجلًا من كندة يقال له مالك بن النسيرأتاه فضربه على رأسه بالسيف فقطع البرنس وأدمى رأسه وامتلأ البرنس دمًا . ودعا الحسين بابنه عبد الله ، وهو صغير فأجلسه في حجره، فرماه رجل من بني أسد فذبحه. ).
2 ــ ( ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسين بن علي بسهم فقتله. وقال العباس بن علي لإخوته من أمه عبد الله وجعفر وعثمان‏:‏ " تقدموا حتى أرثكم فإنه لا ولد لكم‏.‏" ففعلوا فقتلوا . وحمل هانىء بن ثبيت الحضرمي على عبد الله بن علي فقتله، ثم حمل على جعفر بن علي فقتله . ورمى خولي بن يزيد الأصبحي عثمان بن علي ، ثم حمل عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله وجاء برأسه . ورمى رجل من بني أبان أيضًا محمد بن علي بن أبي طالب فقتله وجاء برأسه‏.‏ وخرج غلام من خباء من تلك الأخبية فأخذ بعود من عيدانه وهو ينظركأنه مذعور فحمل عليه رجل قيل إنه هانىء بن ثبيت الحضرمي فقتله‏.‏ واشتد عطش الحسين فدنا من الفرات ليشرب فرماه حصين بن نمير بسهم فوقع في فمه فجعل يتلقى الدم بيده. ) ...
3 ــ ‏( ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في نفر نحو عشرة من رجالهم نحو منزل الحسين ، فحالوا بينه وبين رحله ، فقال لهم الحسين‏:‏ " ويلكم‏!‏ إن لم يكن لكم دين ولاتخافون يوم المعاد فكونوا أحرارًا ذوي أحساب . امنعوا رحلي وأهلي من طغاتكم وجهالكم‏.".!‏ فقالوا‏:‏ "ذلك لك يا ابن فاطمة‏" . ‏وأقدم عليه شمر بالرجالة منهم‏:‏ أبو الجنوب واسمه عبد الرحمن الجعفي والقشعم بن نذير الجعفي وصالح بن وهب اليزني وسنان بن أنس النخعي وخولي بن يزيد الأصبحي ، وجعل شمر يحرضهم على الحسين ، وهو يحمل عليهم فينكشفون عنه . ثم إنهم أحاطوا به‏. )
4 ـ ( ‏وأقبل إلى الحسين غلام من أهله فقام إلى جنبه ، وقد أهوى بحر بن كعببن تيم الله بن ثعلبة إلى الحسين بالسيف ، فقال الغلام‏:‏ " يا ابن الخبيثة أتقتل عمي‏!‏ " ، فضربه بالسيف فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلى الجلدة، فنادى الغلام‏:‏ " ياأمتاه‏!‏ " فاعتنقه الحسين ... ‏ ثم ضارب الرجالة حتى انكشفواعنه‏. ‏)
5 ـ ( ولما بقي الحسين في ثلاثة أو أربعة ..‏.‏وحمل الناس عليه عن يمينه وشماله . فحمل على الذين عن يمينه فتفرقوا، ثم حمل على الذين عن يساره فتفرقوا ، فما رؤي مكثور ( أى تكاثر عليه الناس عددا ) قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أرط جأشًا منه ولا أمضى جنانًا ولا أجرأ مقدمًا منه، إن كانت الرجالة لتنكشف عن يمينه وشماله انكشاف المعزى ( المعيز ) إذا شد فيها الذئب ‏.‏.. ومكث طويلًا من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لقتلوه، ولكنهم كان يتقي بعضهم ببعض ، ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء ، فنادى شمر في الناس‏: ‏"ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل ؟ اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم‏!‏ " ، فحملوا عليه من كل جانب ، فضرب زرعة بن شريك التميمي على كفه اليسرى وضرب أيضًا على عاتقه ، ثم انصرفوا عنه ، وهو يقوم ويكبو ، وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس النخعي فطعنه بالرمح فوقع . وقال لخولي بن يزيد الأصبحي‏:‏ " احتز رأسه " . فأراد أن يفعل فضعف وأرعد، فقال له سنان‏:‏ " فت الله عضدك‏!‏ : ونزل إليه فذبحه ، واحتز رأسه ، فدفعه إلى خولي ).
6 ــ ( ووجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربةغير الرمية‏.‏ ). ( وأما سويد بن المطاع فكان قد صرع فوقع بين القتلى مثخنًا بالجراحات فسمعهم يقولون‏:‏ قتل الحسين‏!‏ فوجد خفةً فوثب ومعه سكين وكان سيفه قد أخذ فقاتلهم بسكينة ساعة ثم قتل ، قتله عروة بن بطان الثعلبي وزيد بن رقاد الجنبي . وكان آخر من قتل من أصحاب الحسين‏. ).
وحتى تهدأ النفوس ، وتجفّ الدموع نبادر بالقول بأن كل من شارك فى قتل الحسين قد تم الانتقام منه بعدها ومات مقتولا شرّ قتلة . الان كفكفوا دموعكم .!
ثالثا : السلب بعد القتل
1 ـ وطبقا لعادة العرب فى السلب والنهب بعد القتل فقد فعلوا هذا فيما يعرف بالفتوحات ، وفعلوا هذا مع عثمان حين مقتله ، ومع الحسين أيضا ، سلبوا ما على جثته ، وسلبوا متاعه وفسطاطه ، وسلبوا ما على نسائه من ثياب ومن حُلىّ : ( وسُلب الحسين ما كان عليه . فأخذ سراويله بحر بن كعب ، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته وهي من خز ، فكان يسمى بعد قيس قطيفة. وأخذ نعليه الأسود الأودي ، وأخذ سيفه رجل من دارم . ومال الناس على الفرش والحلل والإبل فانتهبوها ، ونهبوا ثقله ومتاعه ، وما على النساء ، حتى إن كانت المرأة لتنزع ثوبها من ظهرها فيؤخذ منها‏.‏.‏) .
2 ــ ثم كادوا أن يقتلوا عليا زين العابدين بن الحسين : (ثم انتهوا إلى علي بن الحسين زين العابدين فأراد شمر قتله ، فقال له حميد بن مسلم‏:‏ سبحان الله أتقتل الصبيان‏!‏ وكان مريضًا . وجاء عمر بن سعد فقال‏:‏" لا يدخلن بيت هذه النسوة أحد ولا يعرضن لهذا الغلام المريض ومن أخذ من متاعهم شيئًا فليرده " فلم يرد أحد شيئًا. )
ولنتذكر أن قيس بن الأشعث بن قيس كان مع أخيه محمد بن الأشعث من كبار الشيعة ، ومعهما شبث بن ربعى . وكلهم كان من معارف الحسين ورفاقه فى خلافة أبيه ( على بن أبى طالب ) . ولكنه المال الذى أجاد الأمويون استعماله فى شراء النفوس ، حتى إشتروا به جعدة بنت الأشعث بن قيس فقامت بقتل زوجها الحسن بن على بالسّم .
رابعا : التمثيل بجثة الحسين بعد قطع رأسه وحمل بقية أهله الى ابن زياد
1 ـ التمثيل بجثة الحسين بعد قطع رأسه:
( ثم نادى عمر بن سعد في أصحابه : " من ينتدب إلى الحسين فيوطئه فرسه؟ " فانتدب عشرة ، ..فأتوا فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضّوا ظهره وصدره‏.‏) ( وكان عدة من قتل من أصحاب الحسين اثنين وسبعين رجلًا‏. ‏ودفن الحسين وأصحابه أهل الغاضرية من بني أسد ، بعد قتلهم بيوم‏.‏) أى ظلت جثث الحسين وآله فى العراء يوما بعد المعركة حتى ورارهم أعراب الغاضرية . ( وقتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلًا سوى الجرحى فصلى عليهم عمر ودفنهم‏.‏)).
2ـ إرسال رءوس الحسين وأصحابه الى عبيد الله بن زياد فى الكوفة :
( ولما قُتل الحسين أرسل رأسه ورؤوس أصحابه إلى ابن زياد . مع خولي بن يزيد وحميد بن مسلم الأزدي . ... وقيل‏:‏ بل الذي حمل الرؤوس كان شمر وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وعروة بن قيس . فجلس ابن زياد ، وأذن للناس ، فأحضرت الرؤوس بين يديه، وهو ينكت بقضيب بين ثنيته ساعة ، فلما رآه زيد بن الأرقم لا يرفع قضيبه قال‏:‏ " أعل هذا القضيب عن هاتين الثنيتين ، فوالذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على هاتين الشفتين يقبلهما‏!‏ " ، ثم بكى ، فقال له ابن زياد‏:‏ " أبكى الله عينيك‏!‏ فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك‏.‏" . فخرج وهو يقول‏:‏" أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم قتلتم ابن فاطمة وأمّرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم فرضيتم بالذل ، فبعدًا لمن يرضى بالذل‏!‏ . )
3 ـ أهل الحسين عند ابن زياد فى الكوفة :
حملهم عمر بن سعد الى قصر ابن زياد . ( فأقام عمر بعد قتله يومين ثم ارتحل إلى الكوفة ، وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومن كان معه من الصبيان ، وعلي بن الحسين مريض. فاجتازوا بهم على الحسين وأصحابه صرعى ، فصاح النساء ولطمن خدودهن . وصاحت زينب أخته‏:‏ " يا محمداه ..صلى عليك ملائكة السماء‏!‏ هذا الحسين بالعراء مرمل بالدماء مقطع الأعضاء وبناتك سباياوذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا‏!‏ ) .. (..‏.‏فلما أدخلوهم على ابن زياد لبست زينب أرذل ثيابها ، وتنكرت وحفت بها إماؤها . فقال عبيد الله‏:‏ " من هذه الجالسة ؟ " فلم تكلمه ، فقال ذلك ثلاثًا ، وهي لا تكلمه. فقال بعض إمائها‏:‏ "هذه زينب بنت فاطمة‏." ‏فقال لها ابن زياد‏:‏ " الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم‏!‏ " فقالت زينب‏:‏ " الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيرًا لا كما تقول أنت . وإنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر‏.‏"فقال‏:‏ " فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك ؟ " قالت‏:‏ " كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتختصمون عنده‏.‏" فغضب ابن زياد وقال‏:‏ " قد شفى الله غيظي من طاغيتك والعصاة المردةمن أهل بيتك‏.‏" فبكت .. ولما نظر ابن زياد إلى علي بن الحسين قال‏:‏ "ما اسمك ؟ "قال‏:‏ "علي بن الحسين‏."‏قال‏:‏ "أولم يقتل الله علي بن الحسين؟ " فسكت‏.‏فقال‏:‏ "ما لك لا تتكلم ؟" فقال‏:‏ كان لي أخ يقال له أيضًا عليٌّ فقتله الناس"‏.‏فقال‏:‏ " إن الله قتله‏.‏" .فسكت عليٌّ‏ .‏ فقال‏:‏ ما لك لا تتكلم ؟ "أنت والله منهم‏.‏" ثم قال لرجل‏:‏ " ويحك‏!‏ انظر هذا هل أدرك ؟ إني لأحسبه رجلًا‏.‏" .( أى يسأل إن كان قدبلغ مبلغ الرجال ) .‏ فكشف عنه مري بن معاذ الأحمري فقال‏:‏ نعم قد أدرك‏. ‏" ( أى بلغ مبلغ الرجال ). قال‏:‏"اقتله‏.". ‏فقال علي‏:‏ " من توكل بهذه النسوة؟ " وتعلقت به زينب فقالت‏:‏ " يا ابن زياد حسبك منا ؟ أما رويت من دمائنا ؟ وهل أبقيت منا أحدًا‏!‏ " واعتنقته . وقالت‏:‏ " أسألك بالله إن كنت مؤمنًا إن قتلته لما قتلتني معه‏!‏ " وقال له علي‏:‏ " يا ابن زياد إن كانت بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلًا تقيًا يصحبهن بصحبة الإسلام‏.‏" فنظر إليها ساعة ، ثم قال‏:‏ " عجبًا للرحم‏!‏ والله إني لأظنها ودت لوأني قتلته أني قتلتها معه . دعوا الغلام ينطلق مع نسائه‏.‏" . وأمر ابن زياد برأس الحسين فطيف به في الكوفة . وكان رأسه أول رأس حُمل في الإسلام على خشبة في قول . والصحيح أن أول راس حمل في الإسلام رأس عمرو بن الحمق‏.‏.) .
ونلاحظ هنا أن عبيد الله بن زياد يعتنق عقيدة الأمويين فى الجبرية السياسية ، وهى أن كل ما يرتكبونه من ظلم هو بقدر الله وقضائه ومشيئته ، وبالتالى فالله هو الذى قتل الحسين وآله ، ولا يصح الاعتراض على قدر الله بزعمهم . ولهذا قال عبيد الله بن زياد : (‏ الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم ‏!‏ ( فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك ؟ ) ( قد شفى الله غيظي من طاغيتك والعصاة المردةمن أهل بيتك‏.‏) ( أولم يقتل الله علي بن الحسين؟ فسكت‏.‏فقال‏:‏ "ما لك لا تتكلم ؟" فقال‏:‏ كان لي أخ يقال له أيضًا عليٌّ فقتله الناس"‏.‏فقال‏:‏ " إن الله قتله‏.‏" ). ولقد شرحنا هذا فى بحث ( حرية الرأى بين الاسلام والمسلمين ) وفى مقال بحثى عن الجبرية السياسية فى الدولة الأموية، وكيف عارضها أحرار المسلمين المعروفون بالقدرية لقولهم : ( لا قدر وإنما الأمر أنف ) أى إن الظلم الأموى ليس قدرا الاهيا ، وإنما هو ظلم بشرى يقوم برغم أنوف الناس . وكان القدرية هم أول المفكرين الأحرار فى تاريخ المسلمين ، ولقد تعقبهم الخلفاء الأمويون والعباسيون بالاضطهاد ، وتبعهم فقهاء السلاطين بالتكفير
. خامسا : أهل الحسين عند يزيد فى دمشق ..
1 ـ ( ثم أرسل ابن زياد رأس الحسين ورؤوس أصحابه مع عروة بن قيس إلى الشام إلى يزيد ومعه جماعة. وقيل‏:‏ مع شمر وجماعة معه . وارسل معه النساء والصبيان وفيهم علي بن الحسين. قد جعل ابن زياد الغل في يديه ورقبته ، وحملهم على الأقتاب . فلم يكلمهم علي بن الحسين في الطريق حتى بلغوا الشام .) وهناك رواية تقول إن يزيد عندما رأى رأس الحسين دمعت عيناه : ( وقال‏:‏ كنت أرضى من طاغيتكم بدون قتل الحسين لعن الله ابن زياد .) وتقول رواية أخرى إن يزيد قال ( ..عجل عليه ابن زياد فقتله . قتله الله‏!‏ ) ( .. ثم أدخل نساء الحسين عليه والرأس بين يديه،( أى رأس الحسين )، فجعلت فاطمة وسكينة ابنت الحسين تتطاولان لتنظرا إلى الرأس ، وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما الرأس‏.‏فلما رأين الرأس صحن ، فصاح نساء يزيد وولول بنات معاوية‏. ‏فقالت فاطمة بنت الحسين وكانت أكبر من سكينة‏:‏ " أبنات رسول الله سبايا يا يزيد؟ " فقال‏:‏ " يا ابنة أخي أنا لهذا كنت أكره‏.‏" قالت‏:‏ " والله ما ترك لنا خرص‏.‏" فقال‏:‏ " ما أتى إليكن أعظم مما أخذ منكن‏.‏". فقام رجل من أهل الشام فقال‏:‏ "هب لي هذه " يعني فاطمة ،( يعنى يعتبرها من السبايا ويريد من يزيد أن يهبها له )، فأخذت (فاطمة ) بثياب أختها زينب وكانت أكبر منها، فقالت زينب‏:‏ " كذبت ولؤمت .! ما ذلك لك ولا له‏.‏" فغضب يزيد وقال‏:‏ " كذبت والله ، إن ذلك لي ، ولو شئت أن أفعله لفعلته‏.‏". قالت‏:‏" كلا والله ما جعل الله لك ذلك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا‏.‏" فغضب يزيد واستطار ثم قال‏:‏ " إياي تستقبلين بهذا ؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك‏!‏ " قالت زينب‏:‏ " بدين الله ودين أبي وأخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك‏.‏" قال‏:‏ " كذبت يا عدوة الله‏!‏ " قالت‏:‏ " أنت أمير تشتم ظالمًا وتقهربسلطانك. " فاستحى وسكت . ثم أخرجن وأدخلن دور يزيد ، فلم تبق امرأة من آل يزيد إلا أتتهن وأقمن المأتم ، وسألهن ( يزيد ) عما أخذ منهن فأضعفه لهن . فكانت سكينة تقول‏:‏ "ما رأيت كافرًابالله خيرًا من يزيد بن معاوية" ‏. ‏ثم أمر بعلي بن الحسين فأدخل مغلولًا فقال‏ (على ) :‏ " لو رآنا رسول الله ـصلى الله عليه وسلم ـ مغلولين لفك عنا‏. "‏قال‏:‏ "صدقت‏." ‏وأمر بفك غله عنه‏...) .
2 ــ ( وقيل‏:‏ ولما وصل رأس الحسين إلى يزيد حسنت حال ابن زياد عنده وزاده ووصله وسرّه ما فعل ، ثم لم يلبث إلا يسيرًا حتى بلغه بغض الناس له ولعنهم وسبّهم ، فندم على قتل الحسين ، فكان يقول‏:‏ " وما علي لو احتملت الأذى وأنزلت الحسين معي في داري وحكمته فيما يريد وإن كان علي في ذلك وهنٌ في سلطاني حفظًا لرسول الله ـ صلى الله عليهوسلم ـ ورعاةً لحقه وقرابته . لعن الله ابن مرجانة ، فإنه اضطره وقد سأله أن يضع يده فى يدي أو يلحق بثغر حتى يتوفاه الله فلم يجبه إلى ذلك فقتله ، فبغضني بقتله إلى المسلمين، وزرع في قلوبهم العداوة ، فأبغضني البر والفاجر بما استعظموه من قتلي الحسين. ما لي ولابن مرجانة ؟ لعنه الله وغضب عليه‏ !‏) .
لو كانت هذه الرواية صحيحة لكان من المنتظر أن يقوم يزيد بعزل عبيد الله بن زياد لأنه إفتأت وتصرف بعكس ما كان يريده يزيد . ولكن الذى حدث مناقض لذلك ، فقد استمر ابن زياد يحكم البصرة والكوفة متمتعا بثقة يزيد ، بل بعث يزيد بجيش أخمد ثورة المدينة وبجيش آخر يواجه ثورة ابن الزبير فى مكة . أى بلغ يزيد نهاية المدى فى الدفاع عن سلطانه .
وأعتقد أن ما حدث من تعاطف ليزيد مع نساء الحسين يتّصل بالتعصّب الأموى لنساء بنى عبد مناف ، ومنهم بنو عمهم الهاشميون . فلم يكم مسموحا فى العصر الأموى التعرض لنساء بنى هاشم ، ليس إكراما لبنى هاشم ، ولكن لأنهن بنات عم من نسل عبد مناف .
سادسا : أهل الحسين من دمشق الى المدينة .
1 ــ ( ولما أراد أن يسيرهم إلى المدينة أمر يزيد النعمان بن بشير (والى الكوفة السابق ) أن يجهزهم بما يصلحهم ويسير معهم رجلًا أمينًا من أهل الشام ومعه خيل يسير بهم إلى المدينة .
2 ــ ودعا عليًا ليودعه وقال له‏:‏ " لعن الله ابن مرجانة‏!‏ أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلةً أبدًا إلا أعطيته إياها ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولوبهلاك بعض ولدي ولكن قضى الله ما رأيت‏.‏ يا بني كاتبني حاجةً تكون لك‏." ‏وأوصى بهم هذا الرسول فخرج بهم ، فكان يسايرهم ليلًا ، فيكونون أمامه بحيث لا يفوتون طرفه ، فإذا نزلوا تنحى عنهم هو وأصحابه، فكانوا حولهم كهيئة الحرس . وكان يسألهم عن حاجتهم ويلطف بهم حتى دخلوا المدينة‏. ‏فقالت فاطمة بنت علي لأختها زينب‏:‏ " لقد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن نصله بشيء؟ " فقالت‏:‏ " والله ما معنا ما نصله به إلا حلينا . "فأخرجتا سوارين ودملجين لهما فبعثتا ها إليه واعتذرتا ، فرد الجميع وقال‏:‏ " لو كان الذي صنعت للدنيا لكان في هذا ما يرضيني ولكن والله ما فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏" .
خاتمة :
وتنتهى هنا مأساة الحسين فى كربلاء . ولكن ذيولها استمرت متفجرة فى العصر الأموى ، ثم من العصر العباسى حتى وقتنا هذا .


الخاتمة :
دعنا نتصور حدوث هذا فى الصين ، حيث يبادر زعيم محبوب طيب القلب بالثورة على حاكم ظالم بلا إعداد ، ويقبل أن يضع مصيره ومصير اهله فى أيدى قوم يعرف خداعهم وغشّهم ، ويرفض نصح الناصحين ويصمم على أن يخرج بأهله فى حركة إنتحارية معروف نتيجتها مقدما . ودعنا نطلب رأى أى شيعى فى هذا الزعيم الصينى . لا ريب أن الأخّ الشيعى سينهال سبّا وشتما لهذا القائد الصينى الفاشل الغبى الذى تسبّب فى قتل نفسه وأهله وأنصاره، ولا بد أن الأخ الشيعى سيستنكر أن يصلح هذا الزعيم الصينى للقيادة ، لأنه لو كان قائدا لدولة الصين لأورد أهل الصين مورد التهلكة . فإذا قيل لهذا الشيعى إن هذا بالضبط ما فعله الحسين بنفسه وأهله وأنصاره فى كربلاء .. عندها سيثور الشيعى فى وجهك ، وسيتهمك بالكفر ومّناصبة ( اهل البيت ) العداء .
الحسين عندنا ـ وفى الحقيقة ـ هو شخصية تاريخية بشرية إنسانية نحكم عليها بالمكتوب عنها وفق منهج تاريخى صارم موضوعى بارد لا مجال فيه للتقديس. أما الحسين عندهم فهو ( سيد شباب أهل الجنة ) وهو اله مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه ، ولا يمكن نقده أو مناقشة ما حدث منه . ولهذا ظل التأريخ للحسين مقصورا على البكاء والعويل لما حدث له ، وتحميل يزيد وحده المسئولية . وفى خضم أنهار الدموع ارتقت شخصية الحسين الى علياء التقديس . ثم جئنا لنهبط به وبغيره الى مستوى البشر نحاسبه ونقيّمه بالروايات المكتوبة فى تاريخه ..
وفى النهاية ، وكالعادة ، ننتظر السّب والشتم ممّن يعبد الحسين وآل الحسين ..ولا بأس . نحن نعفو مقدما ونصفح فى سبيل التنوير ..لعلّ وعسى .!!

الفصل الثانى
ردا على تعليقات على مقال ( هل كان من حق الحسين الثورة على يزيد )
أولا
1 ـ كما هو متوقع فقد إنهالت الانتقادات الشيعية فى موقعنا تهاجم بسبب مقال (هل كان من حق الحسين الثورة على يزيد ). هذا المقال البحثى ( مُحكم ) من الناحية العلمية ، وهو ملتزم بالاجابة على السؤال المنصوص عليه فى العنوان (هل كان من حق الحسين الثورة على يزيد ). ولم يترك ثغرة تُتيح لأى معترض أن ينفذ منها ، وبالتالى لن يتبفى له سوى الهجوم علينا ، أى يترك الموضوع ويُمسك بالكاتب تجريحا ، فإذا إنبرى بعض أهل القرآن بتوضيح وجهة نظرهم وفق الحوار الدائر إلتفت اليهم أولئك الشيعة يتهمونهم بتقديس شخصى الضعيف . 2 ـ وكنت أتوقع هذا منهم ، لذا ختمت المقال السابق بضرب هذا المثل دعوة لهم للتعقل : فقلت : ( دعنا نتصور حدوث هذا فى الصين ، حيث يبادر زعيم محبوب طيب القلب بالثورة على حاكم ظالم بلا إعداد ، ويقبل أن يضع مصيره ومصير اهله فى أيدى قوم يعرف خداعهم وغشّهم ، ويرفض نصح الناصحين ويصمم على أن يخرج بأهله فى حركة إنتحارية معروف نتيجتها مقدما . ودعنا نطلب رأى أى شيعى فى هذا الزعيم الصينى . لا ريب أن الأخّ الشيعى سينهال سبّا وشتما لهذا القائد الصينى الفاشل الغبى الذى تسبّب فى قتل نفسه وأهله وأنصاره، ولا بد أن الأخ الشيعى سيستنكر أن يصلح هذا الزعيم الصينى للقيادة ، لأنه لو كان قائدا لدولة الصين لأورد أهل الصين مورد التهلكة . فإذا قيل لهذا الشيعى إن هذا بالضبط ما فعله الحسين بنفسه وأهله وأنصاره فى كربلاء .. عندها سيثور الشيعى فى وجهك ، وسيتهمك بالكفر ومّناصبة ( اهل البيت ) العداء .) . لم يتعقّلوا . ودخلوا فى السبّ والاتهامات الظالمة لنا ، وهذا أيضا توقعته فقلت فى نهاية المقال : ( وفى النهاية ، وكالعادة ، ننتظر السّب والشتم ممّن يعبد الحسين وآل الحسين ..ولا بأس . نحن نعفو مقدما ونصفح فى سبيل التنوير ..لعلّ وعسى .!! )
ثانيا :ونورد بعض ما قالوه ، وبعض ما قيل فى الرد عليهم
1 ـ بعضهم إتهمنى بالاستبداد ، وبأن أحبتى من أهل القرآن يقدسوننى . وقدر ردّ عليه الاستاذ عماد بن عبد الكريم فقال له تحت عنوان : اتق الله :( 1 ـ لا أدري ما هي العلاقة بين تعقيبك و ما جاء بالمقال. 2- لم يفرض عليك أحد رأيه. فالدكتور منصور قال أكثر من مرة:" أحترم حق المخالفين فيما يختارون لأنفسهم ، وأتمنى أن يحترموا حقى ايضا فى أن أكتب ما أومن به". 3- أرجو أن لا تنغص علينا . ) ).
2 ـ ولم يتق الله جل وعلا ولم يرتدع بل استمر يتهمنى بالاستبداد ، ويتهم الأحبة الذين يدافعون عن رأيي بأنهم يقدسوننى، ويقول (من يعبد عليا أو الحسن أو الحسين أو أحمد صبحي سيحاسبه مالك يوم الدين . ). وقد ردّ عليه الاستاذ عادل بن أحمد فقال : ( كيف تطلب من الدكتور ان ينقد الافعال و يترك الاشخاص . انا مجرد طالب علم متواضع لا اقدس البشر و لا الحجر و لكن اعرف ان نقد الافعال سيؤدى بضرورة الى نقد من قام بهذه الافعال . الدفاع عن افكار الدكتور احمد صبحي منصور لا تعني بضرورة تقديسه . انا لا ازور المكان الذي ولد فيه الدكتور ، و لا احج للمدينة التي ولد فيها ، و لا اقيم مراسيم خاصة بيوم الذي ولد فيه . انا اعتبر الدكتور احمد صبحي منصور انسان مفكر و مصلح و انا شخصيا معجب بافكاره الاصلاحية و لا اقدس سوى الله سبحانه و تعالي . ارجو ان تراجع افكارك قبل فوات الاوان . )
3 ـ واضطررت للرد فقلت : ( قلنا ونؤكد مجددا أن هذا الموقع مدرسة للبحث وتعلم البحث فى التراث والتدبر القرآنى , هو مدرسة للعلم وليس مصطبة للثرثرة والرغى . وقلنا إننا لا نفرض رأينا على أحد ولا نفرض أنفسنا على أحد ، وأننا نرحب بالنقد الموضوعى ونطلب التصحيح لأن الوصول للحق والحقيقة هى غايتنا كباحثين . وبعض رواد الموقع ناقشنا وأظهر أخطاءا لنا فبادرنا بتحيته وإعلان خطئنا ، وهذا مشهور ومتواتر هنا وفى الفتاوى . ونرد الحجة بالحجة كما نفعل فى هذه السلسة من المقالات ، وردودنا موجودة ، ونقتطع من وقتنا الثمين وجهدنا الكليل لنردّ بالحجة على من ينقدنا ، ونرى أن أنه يجانبه الصواب ، ونرد برفق ، نوضح الحقائق من وجهة نظرنا . وهذا كله فى الإطار المسموح به فى هذا الموقع .غير المسموح به هو تضييع وقتنا فى لجاج عبثى لا فائدة منه ، وافظع منه أن يعجز أحدهم عن الرد فيدخل فى الهجوم والغمز واللمز بالإثم والعدوان يتهمنا بالاستبداد وبالتاله . إى إننا معه بين امرين إما أن نسلّم بحجته أو أن نكون مسنبدين متألهين . منطق عجيب وغريب . !!. إن الكثير مما يُنشر على هذا الموقع لا يتفق مع وجهة نظرى ، ومع ذلك أقوم بوضعه مقالا رئيسا لأن من حق قرّاء الموقع معرفة كل الآراء طالما تلتزم بشروط النشر المعروفة . ولا أكتب معلقا عليها موضحا وجهة نظرى ، طالما لا تخدش عقيدة الموقع . مع تسليمى بينى وبين نفسى أن وجهة نظرى هى الأصوب . ولكن بعضهم يعلّق ويحاول فرض وجهة نظره ، ويتهم أهل القرآن بالوقوع فى الشّرك وتأليه ( احمد صبحى منصور ) المستبد برأيه . هذا مع كل ما سبق التنبيه عليه من منهجنا . نحن لا زلنا فى إطار التسامح ..ولكن للتسامح مدى ..وارجو ألا نصل الى نهاية المدى . ) .
4 ـ وإنزعج الاستاذ محمد دندن ، وهو المشرف على التعليقات على الموقع ـ من هذا اللجاج فى الخصومة ومحاولة فرض الرأى علينا والتسليم لهم ومثلهم بتقديس (على ) و ( الحسين ) و(آل بيتهم ) وإلا الاتهام لى بالاستبداد وللأحبة بالكفر وتقديس شخصى الضعيف وعبادتى . و أرهق الاستاذ محمد دندن نفسه ـ جزاه الله جل وعلا الخير فى الرد ، وقد كتب يقول : (دكتور: لا نريد مناوشات مع أحد . لقد أعطيتهم أكثر من فرصة ليعبروا عن رأيهم . حان الوقت أن تقطع دابر "الخرّاصون". من فضلك أبقي على التعليقات السخيفة و لكن، من فضلك كمان مرة ،ألغي صلاحية التعليق ). . )
5 ـ وكتب د عثمان محمد على : ( .. حقيقة نحن ننادى بالحرية الفكرية وإحترام الفكر الآخر وندافع عنه ،ولكن حينما يتحول إلى نوع من (الغلاسة ) كما نقول فى مصر ،ومحاولة لرمى كرسى فى الكلوب لإنهاء المؤتمر فلا يمكن أن نقول له افعل ماشئت وقل ما شئت تحت زعم حرية الرأى .. لالالالا . فأرجوك أن تقول رأيك بمنطقية وموضوعية وإحترام وإختيار للألفاظ ومرة واحدة أو مرتين على الأكثر إحتراما لوقت القراء وعقليتهم ...كما ارجوك أن تقرأ الخبر المنشور عن عبدة الحسين وما فعلوه فى قرية القصير السورية وتشاهده ، لتتأكد أن أولئك الناس لا يعبدون سوى الحسين وهو إلاههم وربهم ..فيا أخى أكرر لك مرة أخرى : هذا الموقع المبارك موقع نبتغى فيه ومنه أن يُصلح من شأن المسلمين بالقرآن الكريم وحده ،وأن يعيدهم إلى العلم بأنه لا قدوس إلا الله الواحد الأحد ،ولا قداسة هنا لملك من الملائكة ولا لنبى ولا بشر ولا لحجر . فإذا كانت سياستنا هذه لا تروق لك فبكل أريحية تستطيع أن تغادرنا وتبحث عن مواقع أخرى تتماشى مع ما تُحب وتتركنا نُعلن كلمة التوحيد لله الواحد (القدوس )وحده جل جلاله .... وشكرا على سعة صدرك .)
وقال د عثمان محمد على ردا على شيعى آخر أتى حديثا ليهاجمنا : (أهلا بك... نحن لا ندافع عن الدكتور منصور لمجرد الدفاع . نحن ندافع عن العلم ،وعن قول الحق ،وعن عدم التقديس لغبر الله جل جلاله . وقلنا كثيرا لإخواننا نحن مع إحترام حرية الرأى والتعبير والنقد وندافع عنها بحياتنا ،ولكن على ان تكون مرة واحدة أو مرتيين على الأكثر فى الموضوع الواحد ،وليس لإجترار الماضى ومحاولة تعطيل الموقع ومسيرته العلمية . أخى الكريم نحن نركب قطارا يسير بسرعة معتدلة لا نريد كل من يأتى إليه أن يُعطلنا ويعيدنا إلى المحطة الأولى ، وبكل رفق نقول له نرجوك أن تقرأ ما سبق اولا للدكتور وللكتاب الكرام من اهل الموقع ،وسيجد بالتأكيد الإجابة على ما يجول بخاطره .. أخى الكريم لا يمكن أن نُعيد مجهود ثلاثة عقود كل مرة لكل وافد جديد .. نحن فى سباق مع الزمن فى البحث والقراءة والكتابة والنشر .فلا يوجد لدينا مُتسع أو ترف من الوقت الذى يجعلنا نُعيد ونزيد ونكرر ما قيل عبر ثلاثة عقود وأكثر .. فرجاءا ثم رجاءا من الإخوة الكرام القراء القادمين والمتعرفين على الموقع منذ وقت قصير أن يكون لديهم الصبر على قراءة ما سبق مع متابعة ما يُكتب ،وسيجدون إجابات لكل ما يريدون معرفته ...مع الوضع فى الإعتبار أن هذا الموقع الكريم لا يُقدس أهله إلا الله الواحد الأحد ..اخى الكريم .. سريعا .ارجو أن تُعيدوا قراءة المقالات من وجهة نظر سياسية بحتة ،لتتعرفوا من خلالها على المضمون ..وشكرا لسعة صدرك ) .
6 ـ وقال الاستاذ منير الرمضانى: (ألف ألف ألف سلام للاستاد الفاظل احمد منصور. تمنية لو عرفنا كم من زمان .أود أن أقول انه لا داعي التعليق على أصحاب المنطق العجيب فإنهم حتى و لو جاءهم البرهان من عند رب العزة لن يتخلو على معتقداتهم . فلا تضيع وقتك الثمين أرجوك . علق فقط على من يناقظك بالحجة أما العوالم فلا داعي للرد عليهم ،فلا وقت لدينا ،فإنني رغم ضعف عقلي استوعبت ،و فهمت منهجك واستغرب لهؤلاء المفكرين وأصحاب الشواهد كيف لم يستيقظون بعد من نومهم بعد (ناموا ثم ناموا فالشمس لم تشرق بعد) شيخنا الفاظل أنا مغربي مقيم في فرنسا ولقد اكتشفتكم حوالي3أعوام ، و يا له من اكتشاف ، بطوال حياتي كنت أردد لماذا ؟ لماذا؟ ولم اجد الجواب عند العوالم حتى تعرفت على موقعكم المبارك . أن كل من يتابع هادا الموقع سيجد الجواب لكل سؤال، فلقد أجبت عل كل الإسئلة التي يمكن لأي مسلم عادي مثلي أن يسألها . لدا عليك أستاذي الفاظل من اليوم فصاعدا و هادا أمر من شخصي الضعيف أن لا تعلق و لا تجاوب على أصحاب المنطق العجيب لأني استنتجت أنهم لا يريدون الهداية لان كل شئ موضح في موقعكم لمن يقرأ . ان 10 دقائق التي تكلفك للإجابة عليهم اتمنا لو تكتبون فيها مقالا آخر نستفيد منه . أعانكم الله وألف ألف وألف وألف تحية ) . ثالثا : الفارق بيننا قرآنيا
1 ـ فى توضيح الفارق بيننا وبينهم قلت فى المقال السابق : ( الحسين عندنا ـ وفى الحقيقة ـ هو شخصية تاريخية بشرية إنسانية نحكم عليها بالمكتوب عنها وفق منهج تاريخى صارم موضوعى بارد لا مجال فيه للتقديس. أما الحسين عندهم فهو ( سيد شباب أهل الجنة ) وهو اله مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه ، ولا يمكن نقده أو مناقشة ما حدث منه . ولهذا ظل التأريخ للحسين مقصورا على البكاء والعويل لما حدث له ، وتحميل يزيد وحده المسئولية . وفى خضم أنهار الدموع ارتقت شخصية الحسين الى علياء التقديس . ثم جئنا لنهبط به وبغيره الى مستوى البشر نحاسبه ونقيّمه بالروايات المكتوبة فى تاريخه )
: ـ وفى مزيد من التوضيح القرآنى نقول :2
2 / 1 ـ نحن جميعا بشر متساوون فى الخلق ، فجميعنا من أب واحد وأم واحدة ، وأكرمنا عند الله جل وعلا هو أتقانا ، وهذا هو الذى سيحكم عليه رب العزة يوم القيامة : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ( الحجرات ).
نحن جميعنا متساوون فى أستحقاق الموت وفى المسئولية وفى الحساب يوم القيامة .يقول جل وعلا للنبى محمد عليه السلام عنه وعن خصومه فى عصره (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) ) ( الزمر )، ويقول له عن مسئوليته هو قومه : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)( الزخرف ) . ويوم القيامة سيؤتى بكل فرد منا للحساب أمام الواحد القهار جل وعلا ، سواء كان نبيا أو مؤمنا أم كافرا : (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً (95) ( مريم ) . من ناحيتى ، أرجو أن يتوفانى ربى جل وعلا مسلما وأن يُلحقنى بالصالحين بعفوه ، أدعو ربى جل وعلا : (أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ( يوسف ). لا أُزكّى نفسى على الله جل وعلا ، بل أرجو مغفرته وعفوه يوم القيامة .وأُمنيتى أن أتزحزح عن النار وأدخل الجنة .
2 / 2 ـ لا يؤمن الشيعة و أصحاب الديانات الأرضية من ( المسلمين ) بهذه المساواة بين البشر ، فلكل منهم آلهته المقدسين الذين يستحيل فى عقيدتهم أن يتساووا ببقية البشر . عند الشيعة مثلا لا يمكن أن يتساوى أى شيعى مهما بلغت مكانته مع الحسين بن على أو مع (على ) ، وعند السّنيين فلا يمكن لأى بشر من السنيين أن يتساوى مع أبى بكر وعمر وعثمان ..وأبى هريرة . وعند الصوفيىن يستحيل أن تكون أنت مثل السيد البدوى أو عبد القادر الجيلانى أو الغزالى ..الخ . وبالتالى فهم فى عقيدتهم تلك يكفرون بكل الآيات القرآنية التى تؤكد المساواة بين البشر فى عبوديتهم لله جل وعلا ، وفى مسئوليتهم أمامه فرادى يوم القيامة . ومن هنا فإن أبحاثنا عن الصحابة والآلهة المقدسة توجع السنيين والصوفيين وأخيرا الشيعة . يوجعهم أننا نراهم شخصيات تاريخية ، وبشرا مثلنا . ويوجعهم اكثر أننا بالاحتكام للقرآن الكريم نثبت كفرهم السلوكى بما أرتكبوه من قنل وسلب ونهب واسترقاق وإغتصاب لشعوب بأكملها . يوجعهم أكثر أننا نستشهد بكتبهم التاريخية وبالقرآن الكريم . وعندما لا يجد بعضهم حُجة علينا يلجأ الى الهجوم الشخصى علينا ، حتى فى داخل موقعنا ، بلا خجل .
رابعا : الفارق بيننا تاريخيا
وفى مزيد من التوضيح للمنهج البحثى التاريخى للصحابة والأئمة وسائر الآلهة المقدسين ، نقول :
1 ــ هناك فارق بين المؤرخ والباحث التاريخى الذى يبحث تلك الروايات التاريخية . لقد حفلت الروايات بأساطير وخرافات وأحاديث كاذبة وضعوها على لسان النبى زورا وبهتانا ، وألصقوا له العلم بالغيب وما سيحدث فى المستقبل ويوم القيامة ، ومنها أحاديث تمدح الحسن والحسين وعليا وآل بيته ، ومنها ما يمدح أبا بكر وعمر أو عثمان ومعاوية وعائشة وأباهريرة وابن عباس . بل إن منها ما يمدح الشافعى وأباحنيفة ، ومنا ما يبشّر بالدولة العباسية وخلفائها . ومنها ما يقوم بتحريف معانى الآيات القرآنية لتنطبق على (آل بيت على ) . وقد تأسس على هذه المفتريات تيار كامل من المؤلفات ، هى ( كتب المناقب ) ، ومنها ما يتخصص فى تقديس الأئمة الأربعة للدين السّنى وشريعته الفقهية ، ومنها ما يتخصص فى تمجيد الصحابة ، وخصوصا الخلفاء منهم،ومنها كتب عن مناقب الأئمة من العلويين والشيعة ، ومناقب الأولياء الصوفية . وبمرور القرون تتم إضافة المزيد من الخرافات والأساطير، وكلها لا شأن لها مطلقا بالشخصيات التاريخية التى تتحدث عنها . الباحث التاريخى يلقى بكل هذه الروايات الخرافية فى أقرب مقلب زبالة ، ويعتبرها صادقة فقط فى تصوير عقليات مؤلفيها وعصرهم .
2 ــ على أن بعض الروايات فى الحوليات التاريخية وكتب الطبقات الأولى تحوى بعض الصدق وبعض الكذب ، وهى التى تحتاج الى التمحيص ، سواء فى كل الروايات المتضاربة فى الموضوع الواحد ، أو ما يتداخل منها ، أو حتى فى نفس الرواية الواحدة التى تضم فى أجزائها بعض الحقائق وبعض الأكاذيب . مع ملاحظة أن الحقيقة التاريخية هنا نسبية ، أى هى فى أحسن حالاتها تحتمل الصدق والكذب ، أى هى ظنية مكتوبة بيد البشر ، وليست حقائق إيمانية مطلقة الاهية كحقائق القرآن الكريم . ثم إن ما يصل اليه الباحث مهما بلغت عبقريته البحثية فهى مجرد وجهات نظر تقبل الخطأ والصواب ، لأنها تعتمد على روايات تحتمل الصدق والكذب . والعبرة فى صحة البحث التاريخى هى فى التعامل مع كل الشخصيات على أنها كلها لبشر ، وليست آلهة مقدسة ، وفى مدى صدقيته وموضوعيته وحياديته فى التعامل مع هذه الشخصيات التاريخية ، وتناسق التسلسل فى أحداث الروايات وتمشيها مع ثقافة العصر والفهم لشخصياته ودوافعها ، وجذورها الاجتماعية والعشائرية والقبيلية.
3 ـ كل ما نقرؤه من تاريخ للبشر هو كلام بشر . أمّا الحقائق المطلقة عن كل فرد منا فستكون مُعلنة يوم القيامة بأعماله وأقواله وخطرات قلبه ، يوم يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ،عندئذ ، فمن عمل مثقال ذرة من خير سيراها ومن عمل مثال ذرة من شرّ سيراها . (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه (8) ( الزلزلة ). يومها ترى كل أمة عملها فى كتاب الأعمال الجماعى الذى يتم نسخ نسخ فردية منه لكل فرد : (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29) ( الجاثية ). وينظر المجرمون الى كتاب أعمالهم نادمين متعجبين من هذا الكتاب الذى لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأحضرها ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49) ( الكهف ). وبينما يسجل تاريخ البشر ما يظهر من الأعمال والأقوال، أو ما يُحكى عنها ، ولا يستطيع أن ينفذ الى النوايا وخطرات القلوب فإن يوم العرض على الله جل وعلا لا يخفى فيه منّا شىء : ( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)الحاقة ) . هنا يكون ( علم اليقين ) و ( عين اليقين )، وليس الظّن والتخمين . .
4 ـ لا يعنى هذا أن نهمل (علم التاريخ البشرى) ، كما لا يعنى ايضا أن تتحوّل شخصيات التاريخ عندنا الى آلهة مقدسة ، يحرم الاقتراب منها إلا بالتقديس والتحميد والتبجيل .
( علم التاريخ ) و ( العلم بالتاريخ ) ضرورى للتقدم الانسانى ، فالانسان هو ( حيوان تاريخى ) قدم حديثا لهذا الكوكب الأرضى ، مزودا بعقل وذاكرة تاريخية ، يستطيع بها التعلم من تجاربه السابقة فلا يكرّر نفس الخطأ . ومن هنا يختلف الانسان عن الحيوان . فالحيوان يعيش الحاضر فقط ، لذا تظل البقرة بقرة والجاموسة جاموسة والأسد اسدا والحمار حمارا ، لا فارق بينها وبين اسلافها من ملايين السنين . أما الانسان الذى جاء متأخرا عن هذه الحيوانات وهو أقل من بعضها قوة فقد استطاع بناء حضارة ، وأن يسخّر هذه الحيوانات لنفسه . إستطاع هذا بذاكرته التاريخية ، بتذكر الماضى ليستفيد منه فى الحاضر والمستقبل .هذه هى فائدة ( علم التاريخ ) أو ( العلم بالتاريخ ). وهذا العلم التاريخى يستخلص الحقائق التاريخية من ركام الأكاذيب ليأخذ منها الموعظة والعبرة
. وبدون ذلك البحث التاريخى الذى يستهدف العظة والعبرة يتحول التاريخ الى أساطير دينية أرضية مقدسة . وكل الأديان ألأرضية مؤسسة على تاريخ مزيف ، يتحول به التاريخ الى اساطير الأولين ، وتتحول شخصياته التاريخية البشرية الى آلهة مقدسة ، وهذا هو التراث المقدس للكاثولوكية والارثوذكسية والسنة والتشيع والتصوف ..الخ
5 ـ ويظل الفارق بين مدى سيطرة هذا أو ذاك . فإذا سيطرالعلم التاريخى الذى يستخلص الحقائق التاريخية من ركام الأكاذيب ليأخذ منها الموعظة والعبرة فإن المجتمع يتقدم ويزدهر ولا يكرر أخطاء وخطايا السلف . أما إذا سيطرت الأديان الأرضية وكتبها ( المقدسة ) وأساطيرها وخرافاتها وأكاذيبها وظلت عبادة الأبطال سائدة ومسيطرة ، فإن المجتمع يظل يجترّ خطايا وأخطاء السلف ( البائس ) ويتخذها دينا.
وهنا يكمن الفارق بين الغرب الذى تحرّر من سيطرة الكنيسة وبين العرب المسلمين الذين لا يزالون فى الفتنة الكبرى يعمهون ، يقتلون انفسهم شيعة وسُنّة فى نفس الزمان والمكان . لا يزال الشيعة يذهبون الى كربلاء فيتعرضون للقتل من السنّة من العصر العباسى وحتى الآن ، ولا ينزالون يمارسون فى يوم عاشوراء التطبير فيتعرضون للسخرية والتحقير .!. فإذا تصدّى مفكر ـ مسلم مسالم حريص على الاصلاح وحقن الدماء ـ وبمنهج العلم التاريخى والبحث التاريخ تناوشته السهام من كل جانب .!
خامسا : الفشل المقدس وآلهة الفشل الشيعى
1 ـ من ملامح غيظهم هى أننى وصفت عليا والحسين بالفشل ، فى إطار الصراع السياسى والحربى على السّلطة مع معاوية وابنه يزيد . هو صراع انتهى الى منتصر فائز وخاسر فاشل . والوصف للمهزوم العادى أنه فاشل وخاسر ) . ولقد حاولت بكل المُستطاع تخفيف اللهجة حرصا على ( قلوب العذارى ). ) .
والحقيقة ، فإن الأمر يستحق فعلا وصفا آخر أشد وقعا وأكثر إيلاما .
هناك من يخسر الحرب لظروف طارئة أو خارجة عن إرادته ، وقد يستحق الشفقة ، ولدينا الكثير من الأمثلة التاريخية . ولكننا هنا أمام حالة إستثنائية ، يصمم فيها القائد ( على بن أبى طالب ) على رفض النصائح ، ويبادر بالحرب ، بل ويتفنّن فى تحويل الأصدقاء الى أعداء ، يثير غضبهم وحقدهم ثم يستعين بهم ليتيح لهم الفرصة لتدميره ، وينتهى الأمر بأن يفقد جزءا كبيرا من أنصاره ، ثم تنهار سلطته ، ويقتله بعض أتباعه . هو بحماقته الذى حمل خصمه معاوية الى النصر والوصول للحكم على جثث الآلاف ، وهو المسئول عن مصيرهم . وصف الفشل هنا أقل ممّا يجب ، طالما أننا نتعامل مع شخصية تاريخية ليس لها عندنا أى تقديس أو تأليه .
أما الحسين الذى عاش وعايش محنة وتجربة أبيه وأخيه ، فهو يكرر نفس الخطأ ، ويرفض النصائح بعناد غريب ، ثم يتجه بلا استعداد لحرب تنتظره مصطحبا اسرته ، وقد جعل مصيره ومصير عائلته معلقا بمن لا يمكن الوثوق بهم . وتأتى الأحداث المأساوية تماما بنفس ما قيل له من قبل من تحذيرات ونصائح . هنا أيضا يكون وصف الفشل أقل مما يجب ، ولو كره المشركون .
2 ـ أحباؤنا الشيعة المعترضون علينا ، لهم وجهة نظر أخرى ، هى أساس الدين الشيعى ، وهى موالاة (على وآل بيته ) دفاعا وتقديسا ، والتبرؤ من خصومه والهجوم عليهم . ولا توسط عندهم ، فإذا حاولت الحياد فأنت توالى معاوية ، ومهما كان تقديسك لعلى وآل بيته فهذا لا يكفى عندهم لأنه لا بد أن تتبرأ من أبى بكر وعمر وعثمان ومعاوية ..الخ . والفارق الأساس بين الشيعة وبين السنيين والصوفيين أن السنيين والصوفيين يكتفون بتقديس (على وآل بيته ) بدون تكفير وتبرؤ من أبى بكر وعمر وعثمان ومعاوية ..الخ ، ويريد الشيعة منهم التبرؤ من أولئك الصحابة . وبالتالى فقد كانوا يهللون لنا ونحن ننتقد ابا بكر وعمر وعثمان ونتعامل معهم كشخصيات تاريخية ، فلما بحثنا تاريخ ( على وبنيه ) بنفس المنهج إنتفضوا غيظا ـ ولا يزالون . .
3 ــ ـ هذه العقيدة الشيعية فى التولّى والتبرى أرست فارقا اساسا بين ثقافة الشيعة وثقافة السّنة . فالسنيون يقدسون آلهة بشرية منتصرة ( أبو بكر وعمر ومعاوية وحتى عثمان وعمرو بن العاص ) بينما يقدس الشيعة آلهة بشرية مهزومة فاشلة . ولهذا يحتفل الشيعة بفشل الحسين فى ذكرى مذبحة كربلاء ، فى المعبد المقدس المقام له هناك ، ويجعلون أرض كربلاء طاهرة مقدسة ، يصنعون منها حصوات يسجدون عليها فى الصلاة .!
هو إحتفال بالفشل وبشخصية فاشلة تاريخيا.!! ، هذا ما يقوله أى عاقل حتى لو كان من الاسكيمو او المكسيك.
أكثر من هذا ، فقد أقام الشيعة مقابر عديدة مقدسة على ( رأس الحسين ) ، أشهرها الموجود فى القاهرة . والمعروف ( تاريخيا ) أنه كان للحسين راس واحدة .! اليس كذلك ؟! ولكن كل رأس من ( رءوس) الحسين تحظى بالتقديس بما يستوجب الضحك حتى البكاء . وقلتّ مرة لبعضهم فى التسعينيات : " إذا كانت لرأس الحسين هذه القدسية فلماذا قطعها السيف يوم كربلاء ؟ ولو كان هناك تقديس لأصبح من حق السيف الذى قطع الرأس وليس للرأس المقطوع" .! ففتح فمه دهشة ، وأخشى أن يظل مفتوحا حتى ألان .! .
هى عبادة الفشل وتقديس الفاشلين المستمرة حتى يومنا ، ضمن شعائر الدين الشيعى من بكاء ونواح وتعذيب للجسد فى مواكب عامة يضحك لها المكتئب الحزين
يضع الدين الشيعى أتباعه دائما فى خانة الضحايا ، الضحايا الذين إختاروا أن يكونوا ضحايا بمحض إرادتهم بنفس ما فعل الاههم على وذريته المقدسون عندهم ( الحسين وزيد بن على زين العابدين وأخوه ) الذين جعلوا أنفسهم ضحايا للأمويين بفشلهم وعنادهم . هذا بينما تجد السنيين الذين يؤلهون آلهة بشرية منتصرة حربيا قد إكتسبوا من آلهتهم البشرية صفات الهيمنة والسيطرة والعنف والقتل ، ولهذا يظل الشيعة دائما صرعى وضحايا للسنيين . ولهذا كان التركيز على كربلاء وذيولها التى لا تزال سائدة حتى يومنا ، حيث إعتاد السنيون قتل الشيعة فى حجّهم لكربلاء ، يستمر الشيعة فى المجىء ، ويستمر السّنة فى قتلهم هناك ، خصوصا فى شهر( محرم ) الحرام ، فإذا تقاعس السنيون عن القيام بهذا الجهاد فإن الشيعة يقومون بتعذيب أنفسهم بالتطبير علنا وعلى رءوس الأشهاد . لا نندهش من عقليات كهذه أن تنتفض علينا غيظا ، لأننا أنتقدنا ( الفشل المقدس ) لديهم فوضعنا أصبعنا على ( جُرح ) نريد لهم الشفاء منه، ويريدون هم الابقاء عليه ، فهو حائط المبكى المقدس لديهم. سادسا : من ذيول الفشل
بعض من إعترض علينا وصل الى نقطة خطيرة ، أقول بكل صدق إنها لم تخطر لنا على بال من قبل .
فقد عقد مقارنة بينى وبين الحسين ، متهما لى أيضا بالفشل ، قال انهم طُردونى من الأزهر وهربت الى أمريكا ، وأننى ـ بزعمه لو اتهمنى أحد بالفشل سأغضب ، فلماذا أتهم الحسين بالفشل . لم يخطر على بالى من قبل أن اضع نفسى فى مقارنة مع الحسين أو أى شخصية تاريخية ممّن أبحثهم . وأعترف أننى فكّرت جدّيا فى موضوع المقارنة هذا طالما هم الذين نبهونى اليه . و أرد عليهم ، وردى سيكون موجعا كالعادة : :
1 ـ ( الحسين بن على )هو بشر . أليس كذلك ؟. و ( أحمد صبحى منصور ) هو بشر كذلك ، وموعد البشر جميعا أما الله جل وعلا ليحكم بينهم فيما هم فيه مختلفون . الحكم على العقائد والنوايا مرجعه لله جل وعلا وحده . أما الحكم على التصرفات الظاهرة فيمكن للبشر الحكم عليها وفق المسجل فى التاريخ . وبعد موته سيتحول ( احمد صبحى منصور ) الى شخصية تاريخية ، تتعرّض للتحليل والتقييم ، كما يفعل الان ( أحمد صبحى منصور ) الآن مع الشخصيات التاريخية . والباحث التاريخى المُوضوعى فى العصر القادم لو قارن بين شخصيتين تاريخيتين هما ( الحسين بن على ) و ( احمد صبحى منصور )، سيجد الحقائق التاريخية التالية :
ــ ( الحسين بن على ) عاش معظم حياته وهو يأكل من غنائم الفتوحات مما يأتى لأبيه ( على ) واليه ، وهذا فى حكم القرآن مال ( سُحت )، منهوب من عرق ودماء ملايين السكان من الأمم المفنوحة . ثم شارك فى القتال فى الفتنة الكبرى وقتل كثيرين ، ثم بسبب طموحه السياسى الفاشل تسبب فى قتل نفسه وقتل أهله والمناصرين له .
( أحمد صبحى منصور ) : لم يأكل المال السّحُت الذى يأكله الشيوخ ، فلم يشتر بآيات الله جل وعلا ثمنا قليلا ، ولم يكتم الحق ، بل صمّم على قول الحق ، وتحمّل العنت . وعندما احيل للتحقيق قدم إستقالته من الجامعة فرفضوها ، فأقام عليهم دعوى قضائية لإلزامهم بقبول إستقالته المُسبّبة ، وعندما إقترب اجل الحكم فى القضية بادروا هم بعزله من الجامعة ، أى عزلوا من سبق أن قدّم أستقالته وصمم على تركهم الى درجة رفع قضية عليهم . وسار ( أحمد صبحى منصور ) على السّنة الحقيقية لخاتم المرسلين ـ فدعا بالقرآن دعوة سلمية لاصلاح المسلمين ، وطوال دعوته لم يفرض رأيه على أحد ، ولم يطلب أجرا من احد مع معاناته من الفقر سنين طوالا ، ورفض كل العروض الدنيوية ، وتحمل كل الأذى من السجن والتـشهير والتهديد والملاحقات بالقتل ـ ورفض أى طموح سياسى ، ودافع عن كل المُضطهدين خصوصا الشيعة ،مع أختلافه معهم فى العقيدة . وحين ضاقت به أرض مصر هاجر بدينه كما فعل خاتم النبيين ، فأنقذ حياته وحياة أسرته ، وعاش منعّما مكرما فى دار هجرته ، يسترجع بالحمد والشكر قوله جل وعلا (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) ( النحل ) ).
( أحمد صبحى منصور ) نجح بامكاناته المحدودة فى أن يُنشى تيار ( اهل القرآن ) على مستوى العالم ،مع أن أعداءه هم أثرى أثرياء العالم . ونجح أهل القرآن فى تدمير الكثير من خرافات السنيين والشيعة والصوفية ، وبجهدهم تجرأ كثيرون على نقد التابوهات الخرافية، وسارت عجلة التفكير والتنوير للمسلمين . ونجح أهل القرآن برغم ضعف إمكاناتهم فى إحداث تغيير نوعى فى تفكير المسلمين ، ليس فقط فى أن تشجع المترددون على مناقشة المسكوت عنه ، وليس فقط فى إنفضاض كثيرين عن معتقداتهم الوهابية ، ولكن بعض أساطين الفكر السّنى نفسه بدأ فى تغيير الخطاب ليواجه المتغيرات الجديدة التى أحدثها أهل القرآن ، لأنه بعد ظهور أهل القرآن لم يعد المثقف المسلم العادى يتقبل بسهولة ما كان يتقبله من قبل بلا مناقشة . قبل ظهور أهل القرآن ، كان أقصى ما تصل اليه المناقشات هو عن حديث الذبابة أو حديث اليهودى الذى سحر النبى فى ( صحيح البخارى ) دون مساس بالبخارى نفسه . الآن تجاوزالنقاش هذا ، إنتهى خلال النخبة تقديس البخارى ، ووصل التساؤل والنقد الى هل هناك (سُنة ) أصلا أم لا ، وهل تتفق الشريعة السّنية وأقوال أئمتها مع الاسلام أم تتناقض معه ، وهل يصح تقديس الصحابة الكبار أم لا ، وهل تتفق الفتوحات (الاسلامية ) مع الاسلام أم لا ، وهل بها يكون كبار الصحابة مع الاسلام أم ضد الاسلام .!!. نقلة هائلة فى التفكير ، لم تحدث من قبل . وعجز خصومنا عن الردّ علينا إلا بالاضطهاد الذى ساعدنا أكثر وأكثر ، فالفكر القرآنى الان أصبح منتشرا فى ربوع العالم بالعربية والانجليزية والفرنسية والايطالية والفارسية والأوردية ، والمركز العالمى للقرآن الكريم والذى أسسه ( احمد صبحى منصور ) يقود هذا التيار القرآنى على مستوى العالم . وهناك مراكز أخرى وتجمعات قرآنية أخرى سارت على الطريق بعد أن تمّ تمهيدالطريق وتعبيده وإزالة الألغام ليصبح سهلا ميسرا لمن يلحق بقافلة التنوير .
وفى كل هذا لم يرتكب ( احمد صبحى منصور ) بجهاده السلمى أى جريمة قتل ، بل انقذ الكثيرين من الوقوع فى إعتناق ثقافة الارهاب والقتل . فأين ( الحسن بن على ) من ( احمد صبحى منصور ) .. ومن منهما الفاشل القاتل لنفسه وألاخرين ، ومن منهما المُصلح المُسالم الذى أفلح فى إنقاذ نفسه وأسرته ونجح فى مهمته ؟
ـ ليس هنا غرور أو نرجسية ، بل تقرير لحقائق .
أكثر من ذلك هى دعوة إسلامية لكل فرد بأن يجعل نفسه ندّا وفى موضع المقارنة بالشخصيات التى جعلوها مقدسة فى تاريخ المسلمين وتراثهم وأديانهم الأرضية . بعد ختم النبوة وموت خاتم النبيين عليهم جميعا السلام ، فكلنا سواسية ، من مات ومن يعيش الآن ، ومن سيولد بعدُ . بإمكان أى فرد أن يتفوق على السابقين فى الهداية ، لو تمسك بعقيدة ( لا اله إلا الله ) مؤمنا باليوم الآخر وبالعمل الصالح النافع للناس ، وظل منحازا للحق وفعّالا للخير ، مبتعدا عن الظلم والفسوق والعصيان . بهذا يضمن فى الآخرة أن الله جل وعلا لن يضيع أجر من أحسن عملا ، لأنه جل وعلا لا يخلف وعده ( وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ (111)( التوبة ) . كل إنسان يتمتع بحرية الاختيار ، له أن يختار طريق الهداية فيزيده الله جل وعلا هدى ، وله أن يختار الظلم فيعانى عقاب الدنيا والخلود فى النار . وفى كل الأحوال فالمجال مفتوح أمام الجميع فى أن يتفوق فى الخير أو فى الشر، وكل إمرؤ بما كسب رهين .
أخيرا : لكم دينكم ولى دين
ـ ( دينيا ) لا يمكن أن نتفق ، فلا يمكن أن نشارككم فى تأليه ( على ) وآل بيته أو تأليه أى مخلوق. نحن نكفر بآلهتكم ، ونؤمن بالله جل وعلا وحده لا شريك له . وآلهتكم البشرية عندنا هى شخصيات تاريخية ، نبحثها بموضوعية تاريخية . و علميا ، لا يمكن أيضا أن نتفق ، فلن يُرضيكم أن نتعامل مع آلهتكم كشخصيات تاريخية وكبشر من بنى آدم ، ولن نحيد عن منهجنا البحثى العلمى .
ـ ثم إنّنا نتوجه بخطابنا الى العقول المتحررة الباحثة عن التنوير من الخواص المؤهلين للعلم والفهم من المثقفين . نحن لا نخاطب ( العوام ) . وأقصد بالعوام ، ليس بائع البطاطا على ناصية حارة فى منطقة عشوائية بالقاهرة ، ولكن اقصد تحديدا ( عقلية العوام ). عقلية العوام هى التى تجعل صاحبها يكفر بقوله جل وعلا (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70) الاسراء ). فالله جل وعلا فضّل بنى آدم بالعقل ، وأنزل القرآن لعلهم يعقلون (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) ( يوسف ) (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)( الزخرف )، ولكن أصحاب عقلية العوام يركعون ويسجدون أمام أحجار لقبور مقدسة ، نحتوها بأيديهم ، وخلقوها إفكا ، لم يتعقلوا قول ابراهيم عليه السلام لقومه (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً (17) العنكبوت ) (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) الصافات ).
لا نوجّه خطابنا لقوم يعبدون جيف الموتى ويتبركون بأحجار وقبور وبخرافات وأساطير يتمسكون بها بلا عقل أو وعى . لا فارق فى عقلية العوام بين ( مرجع شيعى ) أو (إمام سّنى ) أو ( ولى صوفى ) أو ( شيخ للأزهر ) أو أى شخص من عوام الناس . كلهم يحمل نفس العقلية وكلهم يعطى عقلة أجازة مفتوحة متمسكا بما وجد عليه آباءه .
ـ نحن أيضا لا نفرض أنفسنا عليهم ، لم يحدث أن إقتحمنا عليهم معابدهم أو قنواتهم الفضائية أو مواقعهم الاليكترونية ، وهى بعشرات الألوف . بل لا ننشر مقالاتنا إلا فى موقعنا وفى موقع الحوار المتمدن فقط ، ومن يرغب فى التنوير هو الذى يبحث عنا ويسعى الينا . وبالتالى فإن من يأتى الينا فى موقعنا لا بد أن يعى أنه مدرسة علمية للتدبر القرآنى والاجتهاد الدينى ، أى تستلزم درجة عالية من التعقل والفهم ، وليس مؤهلا لها مطلقا من ينتمى الى عقلية العوام ، لأنه سيتعبنا وسنتعبه ، ولذا ننصحه أن يُريح وأن يستريح .



سابعا : تأليه الحسين مسخرة يتعجب منها العقل:
1 ـ ظلت جثة الحسين بلا رأس فى العراء جسدا مجهول الهوية ضمن عشرات القتلى الى أن مرّت قافلة من الأعراب فدفنوا القتلى ( الحسين وآله وأتباعه) فى ناحية غير معروفة فى منطقة كربلاء . ودخل المسلمون بعدها مباشرة فى توابع زلزال مقتل الحسين وآله: إقتحام المدينة وإستباحتها قتلا وسلبا ونهبا وإغتصابا ، ثم أنتهاك مكة وحصار الحرم ووضرب الكعبة بالمجانيق فى فتنة ابن الزبير ، ثم موت يزيد وتنازل ابنه معاوية عن الحكم وصعود أمر عبد الله بن الزبير وتقويض مُلك الأمويين ، والانتقام من قتلة الحسين ، وظل الاضطراب قائما فى العراق وغيره حتى بعد أن إستعاد عبد الملك بن مروان السُّلطة الأموية كاملة ، فقد ظلت المعارك هادرة قام بها الأمويون فى الفتوحات و فى مواجهة الثورات المتتابعة فى العراق ومصر وشمال أفريقيا وخراسان والحجاز. سقطت الدولة الأموية فى عنفوانها وجاءت الدولة العباسية ودخلت المنطقة فى مرحلة إضطراب أخرى الى ان تم التوطيد والتمكين فى خلافة المهدى ثالث الخلفاء العباسيين المتوفى عام 169 هجرية .
2 ـ طيلة قرن كامل بعد مذبحة كربلاء ( 62 : 169 ) لم يلتفت أحد الى المكان الذى تم فيه دفن جُثث معركة كربلاء ، سواء من الحسين وصحبه أو الجيش الأموى . بدأ الاهتمام بكربلاء فى العصر العباسى الثانى فأقيم ضريح للحسين على ذكراه ، وما لبث أن دمره الخليفة المتوكل . ولكن الثابت أن أى ضريح أقيم فى كربلاء ــ فى العصر العباسى وما تلاه ــ لا صلة له على الاطلاق بالمكان المجهول الذى تم فيه دفن الحسين وغيره . أى إن ضريح الحسين الموجود فى كربلاء اليوم هو وهم كبير . وحتى لو اقيم بالفعل على رُفات الحسين فما جدوى هذا ؟ بل لو كان الحسين حيا بيننا ما جدوى حياته لنا ؟ ألا يكفى أن الله جل وعلا قال لخاتم النبييين ( لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ ) (128) آل عمران ). وإذا كان الحسين قد عجز عن حماية نفسه وأهله فى حياته فهل نطلب المدد من رُفاته ؟
2 ـ ثم هذه المسخرة : رءوس الحسين .!!، حيث تُقام أنصاب وقبور مقدسة على رءوس الحسين ، مع المعروف أن له رأسا واحدة ؟ ثم على فرض أنه ضريح واحد لرأس واحدة وحيدة فإن تقديسها مسخرة . لو كان هناك تقديس فهو للسيف الذى قطعها لأنه الأقوى منها .!! .
3 ـ ثم هذه الجنازات السنوية الخالدة للحسين يوم عاشوراء ، وحفلات العزاء الباكية التى لا تنقطع كما لو كان الوحيد الذى مات من ذرية آدم ، ومظاهرات التطبير وسفك الدماء، أليس هذا خبلا تهمل منه العيون ؟ يتلقى الشيعة الضربات من السُنة فى حجهم لكربلاء ، ولا يقيمون مظاهرات إحتجاج بنفس الاخلاص الذى يمارسونه فى التطبير ، ويتحملون الاستبداد والاضطهاد والقتل من عصر الحجاج بن يوسف الى عصر صدام بن حسين ، ولا يؤرقهم إلا موت الحسين من 14 قرنا . اليست هذه مسخرة المساخر ؟
وتعجبون من سقمى ؟ صحتى هى العجب .!!


نقلا عن الحوار المتمدن