تراث وفقـه
 
 
07/12/2014


 اسباب النزول ومداراة محمد


يكره معظم الأصوليين التعامل مع باب أسباب نزول الكثير من آيات القرآن ، ولا يلجأون إليه إلاّ فى الحالات التى تؤيد وجهة نظرهم. فلماذا هذا الموقف منهم ؟ أعتقد أنّ السبب ليس له تفسير غير أنّ هذا الباب (أسباب النزول) يُوضح أنّ القرآن (باستثناء الآيات التى تناولتْ قصة الخلق والأنبياء وتاريخ الشعوب القديمة الخ) كان ترجمة لواقع مادى وبيئة مُحدّدة وزمن مُعيّن. وعن أسئلة تـُصوّر العرب على أنهم مجرد مرتزقة يسألون عن المنافع المادية مثل (يسألونك عن الأنفال) أو مثل الأطفال عديمى الخبرة فى الأسئلة الساذجة مثل ((يسألونك عن المحيض)) (البقرة/ 222) وعن تلك الآية روى مسلم والترمذى عن أنس أنّ اليهود كانوا إذا حاضتْ المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يُجامهوها فى البيوت)) (تفسير وبيان القرآن الكريم مع أسباب النزول للسيوطى- تأليف محمد حسن الحمصى- رسالة ماجستير فى الشريعة من جامعة الأزهر- الناشر دار الرشيد دمشق- ص76، 77) 
وعن أسباب نزول آية ((نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنىّ شئتم)) (البقرة/223) جاء ما يلى ((أخرج البخارى عن ابن عمر قال : أنزلتْ هذه الآية فى إتيان النساء فى أدبارهنّ . وأخرج الطبرانى فى الأوسط بسند جيد عنه قال : إنما أنزلتْ على الرسول رخصة فى إتيان الدبر)) (المصدر السابق- ص78، 79) 
والأصوليون الذين يُردّدون أنه تم تحريف التوراة والإنجيل ، فإنّ آية ((ولا تشتروا بآياتى ثمنـًا قليلا)) (المائدة/ 44) جاء فى تفسيرها ((لا تتركوا العمل بآياتى التى فى التوراة لتأخذوا بدل ذلك عوضًا حقيرًا زائلا)) (ص91) وتأكد ذلك فى آية ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب)) (آل عمران/23) و((أخرج ابن أبى حاتم وابن المنذر عن عكرمة عن ابن عباس قال : دخل الرسول بيت المدارس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله. فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد ، على أى دين أنت يا محمد ؟ قال : على ملة إبراهيم ودينه. قالا: فإنّ إبراهيم كان يهوديًا ، فقال الرسول : فهلما إلى التوراة فهى بيننا وبينكم ، فأبيا عليه فأنزل الله (ألم تر) 
وعن أسباب نزول آية ((والمحصنات من النساء)) (النساء/24) روى مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى عن أبى سعيد الخدرى قال : أصبنا سبايا من سبى أوطاس لهنّ أزواج ، فكرهنا أنْ نقع عليهنّ ولهنّ أزواج . فسألنا النبى فنزلتْ (والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكتْ أيمانكم)) يقول إلاّ ما فاء الله عليكم فاستحللنا بها فروجهنّ . وأخرج الطبرانى عن ابن عباس قال : نزلتْ يوم حنين لما فتح الله حنينـًا أصاب المسلمون نساءً من نساء أهل الكتاب لهنّ أزواج وكان الرجل إذا أراد أنْ يأتى المرأة قالت : إنّ لى زوجًا . فسُئل الرسول فنزلتْ (والمحصنات) (ص 129، 130) واضح من تلك الآية وأسباب نزولها أنّ الرجال (العاديين) (كرهوا) معاشرة الأسيرات المُـتزوجات ، بينما (الله) لم يَـكره ذلك وأباح تلك المعاشرة ، وكانت النتيجة أنْ فرح الرجال ومارسوا الجنس مع الأسيرات (المتزوجات) وقالوا ((فاستحللنا فروجهنّ)) 
وعن أسباب نزول آية ((لا يستوى القاعدون)) (النساء/95) روى البخارى عن البراء قال : لما نزلتْ (لا يستوى القاعدون من المؤمنين)) قال النبى : ادع فلانـًا فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف فقال : اكتب (لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فى سبيل الله) وخلف النبى ابن مكتوم فقال : يا رسول الله أنا ضرير فنزلتْ مكانها (لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر)) (151) وأسباب نزول آية ((يا أيها النبى قل لمن فى أيديكم من الأسرى)) (الأنفال/70) روى الطبرانى فى الأوسط عن ابن عباس قال : فىّ والله نزلتْ حين أخبرتُ الرسول بإسلامى وسألته أنْ يُحاسبنى بالعشرين أوقية التى وُجدتْ معى فأعطانى بها عشرين عبدًا)) (226) أى مقابل كل أوقية إنسانـًا ظلمته ظروف المجتمع البدوى الرعوى فصنـّـفته (عبدًا) وعن أسباب نزول آية ((إلا تنفروا)) (التوبة/ 39) أخرج ابن أبى حاتم عن نجدة بن نفيع قال : سألتُ ابن عباس عن هذه الآية فقال : استنفر رسول الله أحياءً من العرب فتثاقلوا عنه. فأنزل ((إلاّ تنفروا يُعذبكم عذابًا أليمًا)) فأمسك عنهم المطر فكان عذابهم)) (234) ومعنى استنفرهم أى طلب منهم مشاركته فى الغزو، فلما رفضوا جاء القرآن ليُنذرهم بالعذاب الأليم . 
ولأنّ القرآن كان يرصد خطى محمد ، سواء فى علاقاته الشخصية أو فى غزواته ، لذلك فإنّ أسباب نزول آية ((ومنهم من يقول إئذن لى)) (التوبة/49) أخرج الطبرانى وأبو نعيم وابن مردويه عن ابن عباس قال : لما أراد النبى أنْ يخرج إلى غزوة تبوك قال للجد بن قيس : يا جد بين قيس ما تقول فى مجاهدة بنى الأصفر؟ فقال : يا رسول الله إنى إمرؤ صاحب نساء ، ومتى أرى نساء بنى الأصفر أفتن ، فأذن لى ولا تفتنى ، فأنزل الله ((ومنهم من يقول إذن لى ولا تفتنى)) وأخرج ابن أبى حاتم وابن مردويه من حديث جابر بن عبد الله مثله. وأخرج الطبرانى من وجه آخر عن ابن عباس أنّ النبى قال ((اغزوا تغنموا بنات بنى الأصفر)) فقال ناس من المنافقين : إنه ليفتنكم بالنساء فأنزل الله الآية)) (235، 236) 
وعن أسباب نزول آية ((ومنهم من عاهد الله)) (التوبة/75) أخرج الطبرانى عن فلان عن فلان أنّ ثعلبة بن حاطل قال : يا رسول الله ادع الله أنْ يرزقنى مالا. قال : ويحك يا ثعلبة قليل تؤدى شكره خير من كثير لا تـُطيقه ودعا له فاتخذ غنمًا فكثرت. ثم أنزل الله ((خذ من أموالهم صدقة تـُطهرهم وتـزكيهم بها)) فقال ناس ((ما هذه إلاّ أخت الجزية)) (246، 247) 
والقرآن يتدخل فى أدق الأمور الشخصية : هل يحق للإنسان الاستغفار لوالديه أم لا ؟ وذلك بغض النظر عن البُـعد الميتافيزيقى فى مسألة (الاستغفار) لذلك جاء فى أسباب نزول آية ((ما كان للنبى والذين آمنوا أنْ يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى)) (التوبة/ 113) أخرج الشيخان من طريق سعيد بن المسيب عن أبيه قال : لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه الرسول وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبى أميه فقال : أى عم قل لا إله إلاّ الله أحاجج لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فقال النبى : لأستغفرنّ لك ما لم أنـْهِ عنك فنزلتْ ((ما كان للنبى)) ونزل فى أبى طالب ((إنك لا تهتدى من أحببت)) وأخرج الترمذى والحاكم عن على قال : سمعتُ رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلتُ له : أتستغفر لأبويك وهما مشركان ؟ فقال استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك. فذكرتُ ذلك للرسول فنزلتْ الآية. وأخرج الحاكم والبيهقى فى الدلائل وغيرهما عن ابن مسعود قال : خرج الرسول يومًا إلى المقابر فجلس إلى قبر وناجاه ثم بكى فقال إنّ القبر الذى جلستُ عنده قبر أمى وإنى استأذنتُ ربى فى الدعاء لها فلم يأذن لى فأنزل الله (ما كان للنبى) وأخرج أحمد وابن مردويه من حديث بُريده قال : كنتُ مع النبى إذْ وقف على عسفان فأبصر قبر أمه فتوضأ وصلى وبكى ثم قال إنى استأذنتُ ربى أنْ أستغفر لها فنـُهيتُ فأنزل الله (ما كان للنبى) وقال الحافظ ابن حجر يُحتمل أنْ يكون لنزول الآية أسباب : منها المتقدم وهو أمر أبى طالب ومنها المتأخر وهو أمر آمنه (أم محمد) (259، 260) وتلك الآية مفتاح لفهم الكثير عن الدين الإسلامى الذى يمنع الابن من الاستغفار لأمه. مع ملاحظة أنّ الابن هنا هو (حامل الرسالة) والأم هى التى (حملتْ) فى الجنين الذى سيُصبح مبعوث السماء ، ورغم ذلك تظل تلك الأم على (شركها) رغم أنها وُلدتْ ونشأتْ قبل بداية دعوة ابنها ، فما ذنبها وما جريمتها لتوصف بهذا الوصف غير العلمى (مشركة) وما حدث مع أم محمد حدث مع والد إبراهيم الذى استغفر لأبيه ثم ((تبين له أنه عدو لله)) فتبرأ منه (التوبة/ 114) وهكذا يرتفع سقف الميتافيزيقا ليقضى على صلة الحب بين الأبناء والآباء ، وإذا كان هؤلاء من (الأنبياء) فالتعميم واجب (مقدس) على كل مؤمن بماء جاء فى كتاب الشعبة الثالثة (القرآن) من الديانة العبرية (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) ولذلك كان من الطبيعى أنْ نقرأ فى الأخبار عن الابن الذى كفــّر والده ووالدته وقتلهما تقربًا لله وكأنه يذبح (خروف العيد) كما فعل خليفة المسلمين (هشام بن عبد الملك) الذى أرسل إلى واليه فى العراق (خالد القسرى) وأمره بأنْ يقتل (الجعد بن درهم) لمجرد أنه كان من معتنقى فكرة (خلق القرآن) ولأنّ العرب وخلفاء المسلمين لم يعرفوا تطبيق عقوبة الإعدام بالشكل الحضارى لذلك فإنّ الوالى أجـّـل التنفيذ إلى عيد الأضحى وبعد أنْ صلى بالناس قال فى آخر الخطبة : انصرفوا وضحوا تقبل الله منكم فإنى أريد أنْ أضحى اليوم بالجعد بن درهم ثم نزل من على المنبر وذبحه ذبح الشاة (أحمد أمين - ضحى الإسلام - ج3 هيئة الكتاب المصرية- عام 99- ص 162) 
وفى القرآن آيات عديدة جاءتْ لتـُعالج الواقع والأحداث وتؤرخ لتفاصيلها مثل آية ((ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين)) (الحجر/24) فروى الترمذى والنسائى والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال : كانت امرأة تـُصلى خلف الرسول حسناء من أحسن الناس فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون فى الصف الأول لئلا يراها ويستأخر بعضهم فى الصف حتى يكون فى الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل الله الآية)) (266، 267) 
وفى آيات أخرى يبتعد القرآن عن الواقع ورصد ما فيه ، ليُحلق فى سماوات الميتافيزيقا فيجعل النمل يتكلم كما فى سورة النمل ، أما الشرح كما ورد عند كثيرين فهو درجة رفيعة من الفانتازيا حيث ((خرج سليمان بن دواد يستسقى فإذا بنملة مستلقية على ظهرها ، رافعة قوائمها إلى السماء وهى تقول ((اللهم إنـّا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن سقياك وإلاّ تسقنا تهلكنا فقال سليمان : ارجعوا فقد سُقيتم بدعوة غيركم)) (301) خيال تجاوز خيال إيسوب المنسوب إليه كتابة العديد من القصص التى يدور فيها الحوار بين الحيوانات ، ولم أجد عند إيسوب أو غيره من مؤلفى الحكايات التى أبطالها من الحيوانات ذلك الخيال الذى يجعل النملة ((تستلقى على ظهرها)) ومع التجاوز عن أنّ النملة رفعتْ قوائمها وخاطبتْ السماء من أجل الاستسقاء ، باعتبار أنّ ذلك يدخل ضمن باب الميتافيزيقا ، فهل للنملة قدرة على أنْ تسلتقى على ظهرها ؟ وهل حجم النملة يُستبان منه (ظهر) و(بطن) ؟ 
وعن أسباب نزول آية ((وما أرسلنا من قبلك)) (الحج/52) أخرج ابن أبى حاتم وابن جرير وابن المنذر من طريق بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال : قرأ النبى بمكة (والنجم) فلما بلغ (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) ألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلا وإنّ شفاعتهنّ لتـُرتجى ، فقال المشركون : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا فنزلتْ (وما أرسلنا) (304، 305) وعن أسباب نزول آية ((ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرّعون)) (المؤمنون/76) أخرج النسائى والحاكم عن ابن عباس قال : جاء أبو سفيان إلى النبى فقال : يا محمد أنشدك الله والرحم قد أكلنا العلهز يعنى الوبر والدم فأنزل الله (ولقد أخذناهم الخ) وأخرج البيهقى فى الدلائل بلفظ ابن إياز الحنفى لما أتى به النبى وهو أسير خلى سبيله وأسلم ، فلحق بمكة ثم رجع فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة حتى أكلتْ قريش العلهز، فجاء أبو سفيان إلى النبى فقال : ألستَ تزعم أنك بُـعثتَ رحمة للعالمين ؟ قال : بلى . قال : فقد قتلتَ الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فنزلتْ الآية)) (306، 307) فمن هذه الآية وأسباب نزولها يتبيّن أنّ أبناء قريش كانوا لا يجدون ما يأكلونه لدرجة أنهم يُسكنون آلام الجوع بأكل الوبر، وأنّ النبى الذى زعم أنه رحمة للعالمين (وفق كلام أبى سفيان) فإذا به يقتل الآباء بالسيف . 
وعن أسباب نزول آية ((الزانى لا ينكح إلاّ زانية)) (النور/3) أخرج النسائى عن عبد الله بن عمرو قال : كانت امرأة يُقال لها أم مهزول وكانت تـُسافح فأراد رجل من أصحاب النبى أنْ يتزوّجها فأنزل الله (والزانية لا ينكها إلاّ زانٍ أو مشرك وحرّم ذلك على المؤمنين) وأخرج أبو داود والترمذى والنسائى والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان رجل يُقال له مزيد يحمل من الأنبار إلى مكة حتى يأتيهم وكانت امرأة بمكة صديقة له يُقال لها عناق ، فاستأذن النبى أنْ ينكحها (= يتزوّجها وفق اللغة العربية) فلم يرد عليه حتى نزلتْ الآية. وعن سعيد بن منصور عن مجاهد أنّ الناس كانت تـُشجع الرجال على الزواج من (الزانيات) فنزلتْ الآية بتحريم ذلك (307) وتلك الآية وأسباب نزولها تجعل العقل الحر يتساءل : أليس الزواج من (الزانية) درجة عالية من الرقى والرحمة ، لأنّ الرجل الذى يقبل الزواج منها (وهو يعلم ماضيها) فإنه يُنقذها ويُخلصها من الاستمرار على وضعها المنبوذ أخلاقيًا والضار صحيًا ؟ أى أنّ تحريم الزواج من (الزانية) يجعل الظاهرة مُستمرة ، ولماذا اشترط النص القرآنى أنْ يتم (النكاح) بين الزانى والزانية فقط ، أى لماذا جاء على سبيل الحصر، ولم يُوسّع القاعدة ويجعل هذا الزواج مُـتاحًا للجميع ، وهو السبيل الوحيد لفتح باب (التوبة) ؟ تلك أسئلة لم ولن تخطر على عقل أى أصولى أسير النصوص ، بينما يطرحها العقل الحر لأنه يعى أنّ اللجوء إلى ما يُسمى (زنا) له أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لذلك فهو مع الرحمة بالمخطىء . 
وعن أسباب نزول آية ((والذين يرمون أزواجهم)) (النور/6) والأدق لسهولة القراءة والفهم (والذين يرمون زوجاتهم) أخرج البخارى عن طريق عكرمة عن ابن عباس أنّ هلال ابن أمية قذف امرأته عند النبى فقال له النبى : البينة أو حدّ فى ظهرك فقال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فقال النبى : البينة أو حدّ فى ظهرك ؟ فقال هلال : والذى بعثك بالحق إنى صادق ولينزلنّ الله ما يُبرىء ظهرى من الحد. فنزل جبريل بالآية فقرأ حتى بلغ ((إنه لمن الصادقين)) ولما نزلتْ (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء (الأدق لغويًا شهود لعدم اللبس بين شهداء المعارك) فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا)) قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا نزلتْ يا رسول الله؟ فقال الرسول : يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم ؟ قالوا : يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور. والله ما تزوّج امرأة قط فاجترأ رجل منا أنْ يتزوّجها من شدة غيرته. فقال سعد : والله يا رسول الله إنى لأعلم أنها الحق وأنها من الله ولكنى تعجبتُ أنى لو وجدتُ (لكاع- يبدو أنها زوجته) قد تفخذها رجل لم يكن لى أنْ أنحيه ولا أحرّكه حتى آتى بأربعة شهداء (أى شهود) فوالله لا آتى بهم حتى يقضى حاجته. واجتمعتْ الأنصار وقالوا : قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة ، الآن يضرب رسول الله هلال بن أميه ويُبطل شهادته فى الناس (من 307- 309) وهذه الآية وأسباب نزولها تؤكد على 1- القرآن (بدون قصد) وصف ذلك المجتمع الرعوى الذى يسكن فى الأكواخ والعشش التى يسهل تـلصص الناس على بعضهم البعض (وهو المعنى المُستفاد من النص على أربعة شهود) 2- القرآن لم يضع فى حسبانه مجتمعات أخرى وعهود أخرى يسكن فيها الناس داخل بيوت وشقق مغلقة 3- ومعنى ذلك أنّ تلك الآية توقف العمل بها منذ نزولها والسبب أ- استحالة وجود أربعة شهود كما قال سعد بن عبادة وأنه لو فعل وأحضر الشهود يكون الرجل قد تفخــّـذ زوجته وقضى حاجته ب – ما حدث مع المغيرة بن شعبة والى عمر بن الخطاب على البصرة. حيث كان جاره أبو بكرة جالسًا فأزاحتْ الريح باب كوة مشربة المغبرة فقام ليغلقه فشاهد المغيرة بين ساقىْ امرأة وشاء حظ المغيرة السيىء أنْ يكون لدى أبى بكرة ضيوف فأشهدهم على الواقعة وسألهم عن المرأة فتعرّفوا عليها وقالوا إنها أم جميل ابنة الأفقم إحدى بنات بنى عامر بن صعصعة ، فمنعوا المغيرة من إقامة الصلاة وأرسلوا إلى عمر بالخبر. فأرسل إليهم أبا موسى الأشعرى ومعه رسالة إلى المغيرة نصها ((أما بعد فإنه بلغنى نبأ عظيم فبعثتُ أبا موسى أميرًا فسلــّم ما فى يدك والعجل)) فارتحل المغيرة ومعه الشهود الأربعة وهم أبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد وشبل بن معبد وسألهم عمر فوصفوا واقعة الزنا إلاّ زياد الذى تلجلج فذكر أنه لم يشهد المرود فى المكحلة (أى لم يشهد عملية الايلاج) ولكنه شهدهما عارييْن وقال ((رأيتُ استيْن مكشوفتيْن)) ورغم ذلك كان قرار عمر بجلد الشهود الثلاثة بتهمة القذف (تاريخ الأمم والملوك – الطبرى- ج3 مؤسسة الأعلمى – بيروت – لبنان- من ص168- 170) ومع ملاحظة أننى حذفتُ الكثير من الأوصاف الخادشة للحياء التى ذكرها الطبرى . فلماذا جلد عمر ثلاثة لمجرد أنّ الرابع لم ير عملية الدخول والخروج كما المرود فى المكحلة؟ وهل معنى ذلك أنّ ذاك المجتمع لم يعرف (الملايه أو اللحاف) عند جماع الرجل بالمرأة ؟ كما يحدث لدى الشعوب المتحضرة ، حتى فى عز حرار الصيف ؟ ولماذا لم يكتف (أى عمر) بأنّ الشاهد الرابع أكد على رؤية المغيرة بن شعبة والمرأة عارييْن؟ وهل معنى ذلك تشريع (عُمرى) بإباحة مثل هذا الفعل دون عقاب كما فعل عمر مع المغيرة وعفا عنه ؟ أم السبب انحياز عمر ل المغيرة ولديه أسبابه الخاصة فى العفو عنه ؟ خاصة وأنّ المغيرة كان واليه على البصرة . والدليل على موضوعية تلك الأسئلة أنّ النص القرآنى لم يشترط حكاية الدخول والخروج كما المرود فى المكحلة ولكنه اشترط أربعة شهود بدون الدخول فى التفاصيل . 
وهكذا فإنّ باب أسباب النزول يكشف طبيعة ذلك المجتمع الرعوى ، وحالة الفقر الحضارى لدرجة أنْ تسأل النساء عن (المحيض) ويسأل الرجال عن مدى (شرعية) إتيان المرأة من دبرها ويسألون عن ماذا يفعلون لو ضبطوا زوجاتهم مع رجل يمارس معها الجنس ، ويسألون عن (شرعية) الاستمتاع بالبنات والسيدات اللائى لهنّ أزواج ويقعنَ فى الأسر. وقول ابن عباس أنّ النبى قال ((اغزوا تغنموا بنات بنى الأصفر)) وكذا عدم الاستغفار للوالديْن . وكيف كان المسلمون يذهبون إلى المسجد لمشاهدة جسد المرأة أثناء الصلاة كما ورد فى أسباب نزول الآية 24من سورة الحجر. لكل ذلك يخشى الأصوليون التعرض لباب أسباب النزول رغم أهميته القصوى فى التعرف على ذلك المجتمع وعلى هؤلاء البشر الذين خاطبهم القرآن.

***

أعتقد أنّ الكتب التى تناولتْ أسباب نزول القرآن تكشف عن الواقع الاجتماعى لذلك المجتمع الرعوى ، خاصة الآيات التى تناولتْ الأشياء الحياتية لأبناء ذاك المجتمع أو التى تناولتْ الأمور الشخصية لمحمد أو لزوجاته. كذلك كتب التفسير وكتب السيرة النبوية والأحاديث ، كل تلك الكتب لها أهمية قصوى لمن يُريد أنْ يتعرّف على ذلك المجتمع ، وعلى سبيل المثال فإنّ أسباب نزول ((إنّ الذين جاءوا بالإفك)) (النور/11، 12) أخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت : كان رسول الله إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها معه ، فأقرع بيننا فى غزوة غزاها فخرج سهمى فخرجتُ وأنا أحمل فى هودجى وأنزل فيه. فسرنا حتى إذا فرغ الرسول من غزوه وقفل، دنوننا من المدينة آذن ليلة الرحيل فقمتُ فلمستُ صدرى فإذا عقد من جزع أظفار قد انقطع ، فرجعتُ فالتمستُ عقدى فحبسنى ابتغاؤه. وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بى فحملوا هودجى على بعيرى الذى كنتُ أركب وهم يحسبون إنى فيه. وكانت النساء إذْ ذاك خفافـًا لم يثقلنَ ولم يغشهنّ اللحم وإنما يأكلنَ العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم ثـقل الهودج حين رحّــلوه ورفعوه فبعثوا الجمل وساروا. ووجدتُ عقدى عندما سار الجيش فجئتُ منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيمّمتُ منزلى الذى كنتُ فيه فظننتُ أنّ القوم سيفقدوننى فيرجعون إلىّ . وبينما أنا جالسة فى منزلى غلبتنى عينى فنمتُ . وكان صفوان بن المعطل قد عرّس وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلى فرأى سواد إنسان نائم فعرفنى حين رآنى . وكان يرانى قبل أنْ يُضرب علىّ الحجاب ، فاستيقظتُ وخمّرتُ وجهى بجلبابى . فوالله ما كلمنى كلمة ولا سمعتُ منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته فركبتها فانطلق يقود بى الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين فى غر الظهيرة. فهلك من هلك فى شأنى. وكان الذى تولى كيره عبد الله بن أبى سلول فقدمتُ المدينة فاشتكيتُ حين قدمنا شهرًا والناس يفيضون فى قول أهل الإفك ولا أشعر بشىء من ذلك حتى خرجتُ بعدما نقهتُ وخرجتُ مع أم مسطح قِبَـلْ مُـتبرزنا وتعثرتْ أم مسطح فى مرطها (يبدو أنّ المقصود تعثرتْ فى برازها) وقالت : تعس مسطح فقلت لها : بئس ما قلتِ.. تسبين رجلا شهد بدرًا؟ قالت : أى هنتاه ألم تسمعى ما قال؟ قلتُ : وماذا قال ؟ قالت : أخبرنى بقول أهل الإفك فازددتُ مرضًا إلى مرضى . فلما دخل علىّ الرسول قلت : أتأذن لى أنْ آتى أبوىّ وأنا أريد أنْ أتيقن الخبر من قِبلهما فأذن لى ، فجئتُ أبوىّ فقلتُ لأمى : يا أماه ما يتحدث الناس؟ قالت : أى بنية هونى عليكِ فوالله لقلــّما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلاّ كثرنَ عليها. قلتُ : سبحان الله أو قد تحدث الناس بهذا؟ وبكيتُ تلك الليلة. ودعا الرسول على بن أبى طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحى يستشيرهما (لاحظ قارئى الربط العضوى فى جملة واحدة بين كلمة الوحى واستشارة على وأسامة) فأشار أسامة بالبراءة وقال : يا رسول الله هُـمْ أهلك ولا نعلم إلاّ خيرًا. أما على فقال : لن يُضيّق الله عليك والنساء سواها كثير. وإنْ تسأل الجارية تصدقك. فدعا بريره فقال : أى بريره هل رأيتِ من شىء يُريبكَ من عائشة ؟ قالت : والذى بعثك بالحق إنْ رأيتُ عليها أمرًا قط أغمصه عليها أكثر من إنها جارية حديثة السن تنام فى عجين أهلها فتأتى الداجن فتأكله (حديث غير مفهوم ولكنه ورد هكذا فى النص الأصلى لكلام عائشة التى أضافت) فقام رسول الله على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبى سلول وقال يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد بلغنى أذاه فى أهل بيتى فوالله ما علمتُ على أهلى إلاّ خيرًا. قالت (عائشة) وبكيتُ يومى وظنّ أبواى أنّ البكاء فالق كبدى وبينما هما جالسان عندى وأنا أبكى استأذنتْ علىّ امرأة من الأنصار فأذنتُ لها ، فجلستْ تبكى معى ثم دخل الرسول فسلــّم وجلس . وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه فى شأنى شىء فتشهد ثم قال : أما بعد عائشة فإنه قد بلغنى عنك كذا وكذا فإنْ كنتِ بريئة فسيُبرئك الله ثم توبى إليه. فإنّ العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب ، تاب الله عليه (أى أنّ النبى تلبسته الشكوك) ثم قالت عائشة : والله ما أدرى ما أقول . وأنا جارية حديثة السن. إنى بريئة. ثم تحولتُ فاضطجعتُ على فراشى فوالله ما رام رسول الله مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه. وقال : أبشرى يا عائشة الله قد برأكِ (تفسير وبيان القرآن الكريم مع أسباب النزول للسيوطى- إعداد محمد حسن الحمصى- ماجستير من الأزهر- من311- 314)
فى تلك الواقعة (وبغض النظر عن كلام على بن إبى طالب : النساء سواها كثير. وبغض النظر عن شهادة مسطح بن أثاقه وحسان بن ثابث- شاعر الرسول وحمنة بنت جحش ابنة عمة النبى وأخت زينب زوجته وهم الذين أيدوا واقعة الإثم) أقول بغض النظر عن كل هذا ، فالحمد لكتب السيرة والأحاديث وأسباب النزول ، لأنّ تلك الكتب هى التى عرّفتنا على ذاك المجتمع الذى امتلك فيه البعض جرأة الطعن فى شرف إحدى زوجات الرسول بل أحبها إلى قلبه وهواه، فلماذا فعلوا ذلك ؟ ذلك هو السؤال المسكوت عنه والذى يتجنّـبه الأصوليون بشتى تفريعاتهم.
وعن أسباب نزول آية ((ولا يأتل..الخ)) (النور/22) كان أبو بكر يُنفق على مسطح الذى أيّد حديث الإفك وأذاعه بين الناس ، فقال أبو بكر والله لا أنفق عليه شيئـًا بعد الذى قاله عن عائشة فأنزل الله الآية. ثم أرجع إلى مسطح ما كان يمنحه من نفقة والسبب أنّ الآية المذكورة ورد بها ((ألا تحبون أنْ يغفر الله لكم)) فقال أبو بكر والله إنى أحب أنْ يغفر الله لى . ونظرًا لخطورة حديث الإفك ولأهمية عائشة بالنسبة لحامل رسالة الإسلام ، فقد تضمّنتْ سورة النور 15 آية عن عائشة (المصدر السابق – ص 314، 316)
ورغم أنّ البشر فى الحضارات السابقة على الإسلام (مصر وفارس واليونان الخ) كانوا يعرفون قواعد السلوك الحضارى ، وبالتالى كان من الطبيعى أنْ يستأذن الإنسان قبل دخول بيوت جيرانه. ولكن يبدو أنّ العرب (حتى وقت رسالة محمد) لم يكونوا يعرفون قواعد السلوك تلك ، فكانوا يدخلون على جيرانهم بدون استئذان ، ويبدو أنّ السبب فى ذلك أنّ معيشتهم كانت داخل عشش وأكواخ ، وهو الأمر الذى عالجه القرآن فى آية ((يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتــًا غير بيوتكم حتى تستأذنوا.. الخ)) (النور27) وفى الآية 28((فإنْ لم تجدوا فيها أحدًا فلا تدخلوها..الخ)) وفى الآية 29 نفى للآية 28 ((ليس عليكم جناح أنْ تدخلوا بيوتـًا غير مسكونة.. الخ)) فيبدو أنّ النصوص كانت تحاول التوفيق بين العادات القديمة والحرص على السلوك الحضارى الجديد وغير المألوف بالنسبة لهم .
أما عن الدور الذى لعبه محمد عندما خطب زينب بنت جحش لزيد بن حارثة ، ثم التطور الدرامى الذى انتهى بتطليق زينب من زيد وزواج محمد منها ، وعند تأمل ترتيب الآيات فى سورة الأحزاب يكتشف العقل الحر أنّ الآية رقم 5 نصّتْ على تحريم التبنى والسبب كما ذكر البخارى عن ابن عمر ((ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلاّ زيد بن محمد حتى نزلتْ ((ادعوهم لآبائهم)) بينما الآيتان 36، 37 من نفس السورة تناولتا فصم وفصل العلاقة الزوجية بين زيد وزينب بنت جحش تلبية لرغبة الرسول فى زينب ((فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها)) أى أنّ تحريم التبنى جاء لاحـقــًا (وبالأدق أحد توابع تطليق زينب من زيد) ووفق ما جاء فى كتب النفسير وأسباب النزول فإنّ زينب بنت جحش شخصية درامية من طراز رفيع ، إذْ أنها رفضتْ زيد فى بداية الأمر وكان الوسيط فى الخطبة النبى محمد ، بل وتعالتْ على زيد وعلى وضعه الاجتماعى وأنها من وسط اجتماعى أرفع من وسطه. ولذلك كما كتب الطبرانى بسند صحيح من قتادة قال : خطب النبى زينب لزيد ، فظنتْ زينب أنه يُريدها لنفسه. فلما علمتْ أنه يُريدها لزيد أبتْ (= رفضتْ) فأنزل الله ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة)) فرضيتْ وسلــّمتْ. وأخرج ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : خطب رسول الله زينب بنت جحش لزيد بن حارثة فاستنكفتْ منه وقالت : أنا خير منه حسبًا فأنزل الله الآية. وفى رواية أخرى أخرج ابن أبى حاتم عن ابن زيد قال : نزلتْ فى أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط وكانت أول امرأة هاجرتْ من النساء فوهبتْ نفسها للنبى ((وامرأة مؤمنة إنْ وهبتْ نفسها للنبى إنْ أراد النبى أنْ يستنكها خالصة لك من دون المؤمنين)) (الأحزاب/ 50) وكما جاء فى باقى الخبر أنّ النبى (بعد ذلك) زوّجها زيد بن حارثة ((فسخطتْ هى وأخوها وقالا : إنما أردنا رسول الله (ولكنه) زوّجنا من عبده)) (339، 340) ولكن الثابت والشائع عند معظم المؤرخين أنها نزلتْ فى زينب وزيد . وتشتبك دراما شخصية زينب بنت جحش مع دراما شخصية عائشة زوجة محمد ، إذْ عندما حاول التمهيد لعائشة بزواجه من زينب وأنّ هذا الزواج بناءً على رغبة السماء ، فإذا بها ترد عليه الرد غير المُـتوقــّع من زوجة (نبى) إذْ قالت له ((إنى أرى ربك يُسارع فى هواك)) وفى رواية أخرى (بنفس المعنى) قالت ((ما أرى إلاّ ربك يُسارع فى هواك)) ويرتفع سقف الميتافيزيقا عندما تقول زينب بنت جحش ((يا رسول الله.. ما أنا كإحدى نسائك.. ليستْ امرأة منهنّ إلاّ زوّجها أبوها أو أخوها أو أهلها.. غيرى.. زوّجنيك الله من السماء)) (الاصابة- نقلا عن د. عائشة عبد الرحمن – بنت الشاطىء- فى كتابها نساء النبى- ضمن مجلد تراجم سيدات النبوة- دار الريان للتراث- مطابع الشروق- عام 87- ص235) 
وعن علاقة محمد بزيد ذكرتْ د. عائشة عبد الرحمن أنّ (محمد) أخذ (زيد) من يده وقام به إلى الملأ من قريش فأشهدهم أنّ زيدًا ابنه وارثـًا ومورثـًا)) فلما بلغ سن الزواج ((اختار له النبى بنت عمته أميمه بنت عبد المطلب : زينب بنت جحش.. وكرهتْ زينب وكره أخوها (عبد الله بن جحش) أنْ تـُزف الشريفة المضرية إلى مولى من الموالى)) أى عبد من العبيد . وكانت بنات الأشراف لا يتزوجنَ من العبيد فقالت زينب يومها ((لا أتزوجه أبدًا)) ولكن النبى أقنعها بهذا الزواج بالآية 36من سورة الأحزاب . أى أننا إزاء دراما امتزج فيها الواقع بالميتافيزيقا . وتستمر الدراما باعتراف د. بنت الشاطىء التى كتبتْ ((لكن حياة الزوجيْن لم تصف لهما ، فما نسيتْ زينب قط أنها (الشريفة) ولم يجر عليها رق (= عبودية) ولا أساغتْ أنْ تكون (تحت) مولى (= عبد) كهذا دخل بيت أهلها رقيقا (= عبدًا) وقاسى زيد من صدها وإبائها وترفعها ما استنفد صبره فشكا إلى النبى غير مرة ما يجد من سوء معاملة زينب فكان يوصيه بالصبر وقال له ((امسك عليك زوجك (= زوجتك) واتق الله)) فماذا فعل هذا المسكين ليستحق الزجر: ومن الذى تـُوّجه إليه نصيحة (اتقاء الله) هو الصابر على مناكدة زوجته التى تـُعيّره بالعبودية أم أنّ النصيحة تـُوجّه للزوجة التى تترفع عليه ؟ وتستمر الدراما البديعة فى تطورها كما وردتْ فى كتب التاريخ العربى/ الإسلامى ومنها ما ذكره الطبرى فى تاريخه حيث أنّ ((الرسول جاء يطلب زيدًا وعلى باب زينب ستر من شعر، فرفعتْ الستر فانكشف عنها وهى فى حجرتها حاسرة فوقع اعجابها فى قلب رسول الله)) أى أنّ عائشة زوجة محمد كان معها الحق عندما قالت جملتها الثاقبة ذات الدلالة العميقة ((إنى أرى ربك يُسارع فى هواك)) ويستمر الطبرى (وغيره) فى سرد ما حدث بعد ذلك حيث أنّ زينب دعتْ محمد للدخول وأنها من شدة فرحها بتلك الزيارة ((أعجلتها اللهفة عن استكمال ثيابها)) فانصرف ولم يدخل وهو يقول ((سبحان الله العظيم.. سبحان الله مُـصرّف القلوب)) وللعقل الحر أنْ يتوقف عند جملة (الله مُصرّف القلوب) فوفقــًا لقواعد علم النفس فإنّ المعنى أنّ (الحب) تغلغل داخل صدر النبى مثله مثل أى إنسان ، خصوصًا مع ربط جملة محمد بما كتبه المؤرخون عن أنه بعد أنْ رأى زينب ((وقع فى اعجابها قلب الرسول)) ولكن الدراما تتطور لتأخذ شكل الأسئلة العصية على الفهم بسبب الغموض الوارد فى الحوار الذى دار بين محمد وزيد (زوج زينب) الذى قال لمحمد ((بلغنى أنك جئتَ منزلى)) وبدون مناسبة نجد أنه أضاف ((فأفارقها؟)) أى أطلقها؟ وللتأكيد على هذا المعنى جاء رد محمد عليه فى شكل سؤال فقال لزيد (أرابك منها شىء؟) أى بعد الترجمة إلى لغة عصرنا : هل تشك فى سلوكها ؟ فكان رد زيد ((لا والله يا رسول الله. ما رابنى منها شىء ولكنها تتعظم علىّ بشرفها وتؤذينى بلسانها)) وكما كتبتْ د. بنت الشاطىء فإنّ زينب هجرتْ فراش زوجها زيد ((حتى نفد احتماله ففارقها وكان الطلاق)) وأضافتْ أنّ اعجاب الرسول بزينب ، والستر من الشعر الذى رفعته الريح وانصراف الرسول وهو يقول : سبحان الله مقلب القلوب ، قصة حكاها سلف لنا صالح ((غير مُهتمين بالكيد للإسلام قبل أنْ تسمع الدنيا بالحروب الصليبية والتبشير والاستشراق)) ومعنى ذلك (كما فى كل كتابات د. بنت الشاطىء) أنها ضمن التيار الإسلامى الأصولى الذى دأب على الهجوم على الغرب وعلى المستشرقين وعلى (التبشير بالمسيحية) فى تناقض من ذلك التيار لتاريخ الإسلام الذى بدأه محمد ومن تبعه : أليس سبب الغزوات (كما جاء فى كتب التراث العربى/ الإسلامى) هو نشر الإسلام؟ أو ليس النشر هو التبشير؟ مع مراعاة أنه لم يكن تبشيرًا بالحُسنى وإنما : الإسلام أو الجزية أو القتال . أكتب هذا للتأكيد على أنّ كتاب د. بنت الشاطىء لا يمكن الطعن عليه من أحد الأصوليين وأنّ كتابتها شهادة صادقة وغير مجروحة بصفتها من المدافعين عن الإسلام فى كل كتبها. 
ولذلك فإنّ أحدًا لا يمكن أنْ يتشكك فيما نقلته د. بنت الشاطىء عن الزمخشرى فى (تفسير الكشاف) لسورة الأحزاب حيث كتب أنّ رسول الله ((أبصر زينب بعدما أنكحها زيدًا فوقعتْ فى نفسه. وقال سبحان الله مقلب القلوب. فإنْ قلتُ (الكلام ل الزمخشرى) ما الذى أخفى فى نفسه ؟ قلتُ : تعلق قلبه بها وقيل مودة مفارقة زيد إياها)) أى أننا إزاء رغبة بشرية بنسبة 100% ولا علاقة لها بالميتافيزيقا ووقوف السماء معه لتنفيذ رغبته. ورغم ذلك فإنّ د. بنت الشاطىء – نظرًا لإيمانها العميق بالميتافيزيقا – كتبتْ تـُدافع عن الإسلام وعن واقعة تحريم التبنى (وهذا هو الهدف من طلاق زينب من زوجها كما يُروّج كل الأصوليين) ونقلتْ ما كتبه الزمخشرى من أنّ زواج محمد من زينب بعد تطليقها من زوجها ((زواج أباحه الشرع وقضتْ به مصلحة عامة هى ألا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهنّ وطرًا.. ومصلحة أخرى وهى أنّ زينب ستنال شرف أنْ تغدو من أمهات المؤمنين . ومن هنا كان عتاب الله لرسوله حين كتم الأمر وبالغ فى كتمه. والله لا يرضى له إلاّ اتحاد الظاهر بالباطن)) وكتبتْ د. بنت الشاطىء أنّ زينب كانت (تحت) زيد بن حارثة ، وكلمة (تحت) هى الكلمة الشائعة فى كتب التراث العربى/ الإسلامى للتعبير عن أنّ فلانة زوجة فلان كما هو الوضع السائد لدى الشعوب المُـتحضرة . ثم أضافتْ ((ولما طلقها زيد وانقضتْ عدتها تزوّجها رسول الله. ولما تزوّجها تكلم فى ذلك المنافقون وقالوا : حرّم محمد نساء الولد وقد تزوّج امرأة ابنه. فأنزل الله (ما كان محمد أبا أحد) هنا يدخل عنصر جديد للدراما ، وهو الناس الذين عاشوا تلك القصة الواقعية ، وكانت الدهشة تـُثير عقولهم فدفعتهم إلى التساؤل : كيف لصاحب الدعوة الذى حرّم نساء الولد ، فإذا به هو نفسه ينقض هذا (التشريع) ويتزوج من امرأة ابنه ؟ حتى ولو كان بالتبنى ؟ ولأنّ تلك الأسئلة لم تـُعجب محمد أطلق القرآن على أصحابها (المنافقين) وتتواصل الدراما فى مشهد وصول خبر الزواج إلى صاحبة الحظ السعيد (زينب) وكتبتْ د. بنت الشاطىء أنّ سلمى خادمة محمد (= عبدته) هى التى نقلتْ الخبر، وفى رواية أخرى أكثر دراماتيكية أنّ زيدًا (زوجها) هو الذى نقل إليها الخبر، فتركتْ ما فى يدها وقامتْ تـُصلى لربها شاكرة. مشهد يحتاج لممثلة على درجة عالية من اتقان فن التمثيل لتؤدى هذا الدور الشائك المُـعقد الذى سينقل زينب من حال إلى حال مختلف ، فبدلا من أنها زوجة (عبد) ستصير إحدى زوجات الرسول ، فياله من تطور درامى يتغافل عنه من نحسبهم من المبدعين . ثم يأتى مشهد (العرس) إذْ كانت الوليمة ((حافلة : ذبح المصطفى شاة وأمر مولاه (= عبده) أنس بن مالك أنْ يدعو الناس إلى الوليمة. فترادفوا أفواجًا ، يأكل فوج فيخرج ثم يدخل فوج (حديث أنس فى وليمة العرس ، أخرجه الشيخان فى كتاب النكاح فى الصحيحيْن) ثم تنتقل الدراما إلى عائشة زوجة محمد خاصة فى (ليلة الدخلة) فكتبت د. ينت الشاطىء ((باتتْ عائشة ليلتها فريسة الغيرة لما تعرف من جمال زينب . وكذلك غارتْ نساء النبى وضقنَ بهذه العروس الجديدة : تعتز بجمالها وقرابتها للرسول . ولم تـُكذب زينب ظنهنّ فقالت فى وجوههنّ : أنا أكرمكنّ وليًا ، وأكرمكنّ سفيرًا : زوّجكنّ أهلكنّ ، وزوّجنى الله من فوق سبع سموات)) واشتعل الموقف بين نساء النبى وخاصة عائشة التى قالت ((لم تكن واحدة من نساء النبى تـُناصبنى غير زينب)) ولأنّ النبى كان يُطيل المكوث عند زينب ، لذلك عقدتْ عائشة (وبتدبير منها) اتفاقــًا مع زوجتيْن من زوجات محمد : حفصة وسودة ، وهذا الاتفاق أطلقتْ عليه د. بنت الشاطىء (مؤامرة) وملخصه : أيتهنّ دخل عليها الرسول إثر انصرافه من عند زينب فلتقل له : إنى أجد ريح مغافير (أى رائحة العسل الأسود) وكان يحدث أحيانـًا أنْ تحتدم بينهما المنافسة فى حضرة الرسول فيخرج ، وحدث مرة أنْ أفلتَ لسان عائشة بكلمة غضب لها محمد ، وكذلك الشجار والنقار بين زينب وصفية بنت حُيى (إحدى زوجات محمد) إذْ كانت زينب تـُعايرها بديانتها اليهودية. ومن المواقف الدرامية الشاقة على زينب ما تعرّضتْ له عائشة فى موضوع حديث الإفك ، فكان موقف زينب غاية فى الحرج نتيجة شهادة أختها حمنه التى شهدتْ بثبوت الواقعة ، الأمر الذى جعل موقف زينب عسيرًا وهى تـُواجه زوجها المطعون فى شرفه ، ومِنْ مَنْ : من أختها. ولذلك قالت عائشة (زوجة محمد) عن زينب (رغم ما كان بينهما من شجار ونقار) ((لم أر قط امرأة خيرًا فى الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثـًا)) 
تلك واقعة واحدة من بين عشرات الوقائع التى كشفتْ عنها كتب التراث العربى/ الإسلامى ، وبصفة خاصة كتب (أسباب النزول) وكتب (تفسير القرآن) وهى وقائع تصلح كمادة درامية (روائية/ سينمائية/ تليفزيونية) وبينما المادة الخام موجودة ، لا يوجد (المبدع) الذى يمتلك جرأة دخول حقل الألغام المُسمى (عدم الاقتراب والتصوير) فيما يخص التراث العربى/ الإسلامى إلاّ إذا كان على طريقة الأفلام المصرية والعربية الساذجة والمُزوّرة للتاريخ ، وخاصة التى تمّ انتاجها فى ستينيات القرن العشرين مع سطوع نجم الناصرية ، الذى لا يزال ساطعًـا رغم كل الهزائم التى تسبّب فيها ولم يدفع ثمنها إلاّ أبناء شعبنا . 

***


لماذا يكره الاصوليون اسباب النزول