تراث وفقـه
 
 
08/12/2014


لماذا يكره الاصوليون اسباب النزول؟


يكره الأصوليون المُعاصرون لنا ثلاثة أبواب من الكتب الإسلامية (تفسير القرآن وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ) لأنّ هذه الأبواب الثلاثة تكشف عن ملاحقة القرآن للأحداث ، أى أنه كان يأتى بعد وقوع الحدث لا قبله ، بل إنّ كثيرًا من الآيات جاءتْ نتيجة رأى قاله واحد من البشر، فجاء القرآن مُـتطابقــًا مع هذا الرأى البشرى . أما باب الناسخ والمنسوخ فهو من أكثر الأبواب كراهية للأصوليين ، لأنه يؤكد حقيقة المُتابعة البشرية للأحداث ، بالتعديل أو الحذف أو الإضافة ، وفقــًا لما يحدث على أرض الواقع من تطورات . كما أنّ هذه الأبواب الثلاثة تكشف عن دور (البطولة) لمحمد فى معظم الأحداث ، والحديث عنه والاهتمام بشئونه الخاصة ، مثل آية (يا أيها النبى إنـّا أحللنا لك)) (الأحزاب/ 50) أخرج الترمذى والحاكم وصحّحه عن طريق السندى عن أبى صالح عن ابن عباس عن أم هانىء بنت أبى طالب قالت ((خطبنى رسول الله فاعتذرتُ إليه فعذرنى ، فأنزل الله (إنـّا أحللنا لك) إلى قوله (اللاتى هاجرنَ معك) فلم أكن أحل له لأنى لم أهاجر)) وأخرج ابن أبى حاتم عن طريق إسماعيل بن أبى خالد عن أم هانىء قالت ((نزلتْ فىّ هذه الآية (وبنات عمك) لأنّ النبى أراد أنْ يتزوّجنى فنـُهى عنه إذْ لم أهاجر)) وأخرج ابن سعد عن عكرمة فى قوله (وامرأة مؤمنة) قال : نزلتْ فى أم شريك الدوسيه. وأخرج ابن سعد عن منير بن عبد الله الدؤلى أنّ أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية عرضتْ نفسها على النبى وكانت جميلة فقبلها فقالت عائشة : ما فى امرأة حين تهب نفسها لرجل خير (أى أنّ عائشة تعترض على نص قرآنى صريح ، بل وتعتبر أنّ المرأة التى تهب نفسها لرجل ، فإنها تقوم بعمل ضد الخير) وقالتْ أم شريك : فأنا تلك ، فسماها الله مؤمنة وقال (وامرأة مؤمنة إنْ وهبتْ نفسها للنبى) فلما نزلتْ الآية قالت عائشة ((إنّ الله يُسرع لك فى هواك)) (تفسير وبيان القرآن الكريم مع أسباب النزول للسيوطى- إعداد محمد حسن الحمصى- ماجستير من الأزهر- من341- 344) وإذن فإنّ تلك الآية وأسباب نزولها إنما جاءتْ لتحكى وقائع مادية بحتة ومسائل شخصية (خطبة محمد لأم هانىء) ثم موضوع المرأة التى وهبتْ نفسها لمحمد فنزل القرآن ليُـقر تصرفها ثم تعليق عائشة (إنّ الله يُسرع فى هواك) وذلك التعبير هو ما قالته أيضًا عندما أخبرها بأنّ السماء زوّجته من زينب بنت جحش . وتكرّر الموقف (كذلك) مع آية ((تـُرجى من تشاء منهنّ)) إذْ أخرج الشيخان عن عائشة أنها كانت تقول : أما تستحى المرأة أنْ تهب نفسها ؟ فأنزل الله (تـُرجى من تشاء) فقالت عائشة ((أرى ربك يُسارع فى هواك)) وأخرج ابن سعد عن أبى رزين قال : همّ رسول الله أنْ يُطلــّـق من نسائه (هكذا جاء النص) فلما رأينا ذلك جعلنه فى حلٍ من أنفسهنّ يؤثر من يشاء على من يشاء فأنزل الله (إنـّا أحللنا لك أزواجك) إلى قوله ((تـُرجى من تشاء منهنّ)) (ص344) 
ويبدو أنّ أهالى ذلك الزمن كانوا يدخلون البيوت بدون استئذان بما فى ذلك بيت النبى نفسه فكان لابد من (آية) لمعالجة ذلك السلوك غير الحضارى ((يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى)) (الأحزاب/ 53) وعن تلك الآية أخرج الشيخان عن أنس قال : لما تزوّج النبى زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدّثون فأخذ كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا ، فلما رأى ذلك قام وقام من القوم من قام ، وقعد ثلاثة ثم انطلقوا ، فجئتُ وأخبرتُ النبى أنهم انطلقوا فجاء حتى دخل وذهبتُ أدخل فألقى الحجاب بينى وبينه فأنزل الله الآية)) وبغض النظر عن الركاكة فى حديث أنس فإنه يعترف أنه كان يُحاول الدخول على النبى بدون استئذان. وذكر الترمذى أنّ أنس عندما حكى ما حدث لأبى طلحة فإنّ الأخير قال : لئن كان ما تقول لينزلنّ فى هذا شىء فنزلتْ آية الحجاب . وأخرج الطبرانى بسند صحيح عن عائشة قالت : كنتُ آكل مع النبى فى قعب (مكتوبة هكذا) فمرّ عمر فدعاه النبى فأكل فأصاب إصبعه إصبعى فقال : أوه.. لو أطاع فيكنّ ما رأتكنّ عين فنزلتْ آية الحجاب. وأخرج ابن مردوية عن ابن عباس قال : دخل رجل على النبى فأطال الجلوس فخرج النبى ثلاث مرات ليخرج الرجل فلم يفعل ، فدخل عمر فرأى الكراهية فى وجهه فقال للرجل : لعلك آذيتَ النبى . فقال النبى لقد قمتُ ثلاثـًا لكى يتبعنى فلم يفعل ، فقال له عمر: يا رسول الله لو اتخذتَ حجابًا فإنّ نساءك لسنَ كسائر النساء وذلك أطهر لقلوبهنّ ، فنزلتْ آية الحجاب. وقال الحافظ بن حجر: يمكن الجمع بأنّ ذلك وقع قبل قصة زينب ، فلقربه منها أطلق نزول آية الحجاب بهذا السبب ، ولا مانع من تعدد الأسباب. وأخرج ابن سعيد عن محد بن كعب قال : كان الرسول إذا نهض إلى بيته بادروه فأخذوا المجالس فلا يعرف ذلك فى وجه رسول الله ولا يبسط يده إلى الطعام استحياءً منهم ، فعوتبوا فى ذلك وأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى) أما قوله (وما كان لكم أنْ تؤذوا رسول الله ولا تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إنّ ذلك كان عند الله عظيمًا)) أخرج ابن أبى حاتم عن ابن يزيد قال : بلغ النبى أنّ رجلا يقول: لو توفى النبى تزوّجتُ فلانه من بعده فنزلتْ الآية. وعن ابن عباس قال : نزلتْ فى رجل همّ أنْ يتزوّج بعض نساء النبى بعده. وذكر آخرون أنها عائشة. وعن السدى قال : بلغنا أنّ طلحة بن عبيد الله قال : أيُحجبنا محمد عن بنات عمنا ويتزوّج نساءنا.. لئن حدث به حدث لنتزوّجنَ نساءه من بعده ، فنزلتْ هذه الآية. وأخرج ابن سعد عن أبى بكر بن عمرو بن حزم قال : نزلتْ فى طلحة بن عبيد الله لأنه قال : إذا توفى رسول الله تزوّجتُ عائشة. وأخرج جويبر عن ابن عباس أنّ رجلا أتى بعض أزواج النبى فكلمها وهو ابن عمها فقال النبى : لا تقومنّ هذا المقام بعد يومك هذا فقال الرجل : يا رسول الله إنها ابنة عمى والله ما قلتُ لها مُـنكرًا ولا قالت لى ، فقال النبى قد عرفتُ ذلك وأنه ليس أحد أغيْر من الله وليس أحد أغيْر منى فمضى الرجل وهو يقول : يمنعنى من كلام ابنة عمى لأتزوّجها من بعده فأنزل الله هذه الآية)) (من 344- 347) فى تلك الآية الطويلة نجد كلمات عمر بن الخطاب (ذلك أطهر لقلوبهن) وأنه لولا رغبة البعض فى الزواج من نسائه بعد وفاته لما نزل تحريم ذلك ، وهو التحريم الذى أخذ صيغة التوكيد فى كلمة (أبدأ) وليس ذلك فقط وإنما لو حدث ((كان ذلك عند الله عظيمًا)) 
ومن بين المسائل الشخصية الخاصة بمحمد التى تناولها القرآن ، مسألة زواجه من صفيه بنت حُيى التى جاءتْ فى آية ((إنّ الذين يؤذون الله ورسوله)) (الأحزاب/57) وعن تلك الآية أخرج ابن أبى حاتم عن طريق العونى عن ابن عباس أنها نزلتْ فى الذين طعنوا على النبى حين اتخذ صفية بنت حُيى. وقل جويبر عن الضحاك عن ابن عباس : أنها نزلتْ فى ناس قذفوا عائشة فخطب النبى وقال : من يعذرنى من رجل يؤذينى وجمع فى بيته من يؤذينى فنزلتْ الآية)) والمُـلاحظ على تلك الآية أنها ربطتْ (إيذاء الله) بإيذاء النبى كما أنها توعدتْ الذين ((يؤذون الله ورسوله)) باللعنة فى الدنيا والآخرة وفوق اللعنة أعدّ لهم العذاب المُهين . والمسائل الشخصية كثيرة فى القرآن من ذلك آية ((يا أيا النبى قل لأزواجك)) (الأحزاب/59) وعن تلك الآية أخرج البخارى عن عائشة قالت : خرجتْ سوده بعد ما ضـُرب الحجاب لحاجتها ، وكانت امرأة جسيمة لا تـُخفى على من يعرفها ، فرآها عمر فقال يا سوده أما والله ما تخفينَ علينا فانظرى كيف تخرجين قالت : فانكفأتُ راجعة ورسول الله فى بيتى وإنه ليتعشى وقلتُ : يا رسول الله إنى خرجتُ لبعض حاجتى فقال لى عمر كذا وكذا.. فأوحى الله إليه وقال : إنّ الله قد أذن لكنّ أنْ تخرجنَ لحاجتكنّ. وأخرج ابن سعد فى الطبقات عن أبى مالك قال : كان نساء النبى يخرجنَ بالليل لحاجتهنّ ، وكان ناس من المنافقين يتعرّضون لهنّ فيؤذينَ فشكونَ ذلك ، فقيل ذلك للمنافقين فقالوا : إنما نفعله بالإماء (العبدات) فنزلتْ هذه الآية ((يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدنينَ عليهنَ من جلابيبهنّ ذلك أدنى أنْ يُعرفنَ فلا يؤذينّ)) (من 347- 349) وعن تلك الآية يُلاحظ ما يلى 1- أنها مُـخصصة لنساء محمد وبناته ونساء المؤمنين 2- والسبب أنهنّ كنّ يذهبنَ للخلاء ليلا لقضاء حاجتهنّ نظرًا لعدم وجود دورات مياه (عكس الوضع الذى كان فى الحضارة المصرية منذ آلاف السنين ، حيث وجود شكل من أشكال الصرف الصحى وهو المعنى المُـستخلص من قول المؤرخ اليونانى هيرودوت عن الأشياء العجيبة التى لفتتْ نظره وليس لها وجود فى بلده ، فكان من بينها أنّ المصريين ((يتغوّطون فى البيوت)) (هيرودوت يتحدث عن مصر- ترجمه عن الإغريقية د. محمد صقر خفاجه- هيئة الكتاب المصرية- عام 87- ص118) 3- أنّ الأمة (العبدة) غير مُخاطبة بالنص القرآنى وبالتالى فهى معفاة من الحجاب أو الخمار أو النقاب ، للتمييز بينها وبين (الحرة) وكان عمر يضرب الأمة (العبدة) لو وجدها محجبة. وهذا المقصود من كلمة (ليُعرفنَ) أى زوجات محمد وبناته الخ ليتجنبنّ رزالات عديمى الأخلاق النبيلة الذين أطلق عليهم (منافقين) 
وبينما يُعادى الأصوليون المسلمون الشعبتيْن الأولى والثانية من الديانة العبرية (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) فإنّ القرآن يعترف بفضل داود فقال ((ولقد آتينا داود منا فضلا)) (سبأ/ 10) وعن تلك الآية قال السيوطى فى شرحها ((سمع رسول الله صوت أبى موسى الأشعرى يقرأ من الليل ، فوقف فاستمع لقراءته ثم قال : لقد أوتى هذا مزمارًا من مزامير آل داود)) (ص342) 
ولما قال (المشركون) ((يا محمد أرنا العذاب الذى تـُخوّفنا به.. عجّله لنا)) فنزلتْ (أفبعذابنا يستعجلون)) (الصافات/176) أخرجه جويبر عن ابن عباس (360) وهكذا فلولا مشاغبة (المشركين) لمحمد (أرنا العذاب وعجّـل به) لما نزلتْ تلك الآية. ونفس الشىء فى آية ((أجَعـَلَ الآلهة إلهًا واحدًا إنّ هذا لشىء عُجاب)) (سورة ص/5) وكان سبب نزولها : أخرج أحمد والترمذى والنسائى والحاكم وصحّحه عن ابن عباس قال : مرض أبو طالب فجاءته قريش وجاءه النبى فشكوه إلى أبى طالب فقال : يا ابن أخى ماذا تريد من قومك ؟ قال : أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدى إليهم العجم (أى البهائم وفق المعنى فى قواميس اللغة العربية) الجزية. كلمة واحدة قال : ما هى ؟ قال : لا إلاه إلاّ الله. فقالوا : إلهًا واحدًا إنّ هذا لشىء عجيب فنزلتْ الآية (365) فى تلك الآية يأتى القرآن مُردّدًا ما قاله قوم من قريش . والمُلاحظ على حديث محمد أنّ (قريش) لو قالت الكلمة المطلوبة (لا إله إلاّ الله) فالمقابل أنّ (قريش) سوف تـُخضع (العرب) لها أى أنّ قريش فوق العرب ، والعرب يُعاملون معاملة الشعوب الأجنبية باستثناء أداء الجزية وهو المعنى المُستخلص من قوله ((تدين لهم بها العرب)) 
وعن أسباب نزول آية ((فبشـّر عباد)) (الزمر/17) أخرج جويبر بسنده عن جابر بن عبد الله قال : لما نزلتْ (لها سبعة أبواب) أتى رجل من الأنصار إلى النبى فقال : يا رسول الله.. إنّ لى سبعة مماليك (عبيد) وإنى قد أعتقتُ لكل باب منها مملوكــًا (عبدًا) فنزلتْ فيه هذه الآية (فبشـّر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)) وقوله تعالى (الذين يتبعون الطاغوت) أخرج ابن أبى حاتم عن زيد بن أسلم أنّ هذه الآية نزلتْ فى ثلاثة نفر كانوا فى الجاهلية يقولون : لا إله إلاّ الله : زيد بن عمرو بن نفيل ، وإبى ذر الغفارى وسلمان الفارسى)) (366، 367) 
وأعتقد أنّ آية ((قل يا عبادى الذين أسرفوا)) (الزمر/53) غاية فى الأهمية بعد معرفة أسباب نزولها : أخرج ابن أبى حاتم بسند صحيح عن ابن عباس قال : نزلتْ هذه الآية فى مشركى أهل مكة. وأخرج الحاكم والطبرانى عن ابن عمر قال : كنا نقول ما لمفتتنْ توبة إذا ترك دينه بعد إسلامه ومعرفته. فلما قدم رسول الله بالمدينة أنزل فيهم (قل يا عبادى الذين أسرفوا) وأخرج الطبرانى بسند ضعيف عن ابن عباس قال : بعث الرسول إلى وحشى (قاتل حمزة) يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه : كيف تدعونى وأنتَ تزعم أنّ من قــَـتـَـل أو زتى أو أشرك يلق آثامًا ويُضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مُـهانـًا ، وأنا صنعتُ ذلك ، فهل تجد لى من رخصة ؟ فأنزل الله ((إلاّ من تاب وآمن وعمل عملا صالحًا)) فقال وحشى : هذا شرط شديد ، فلعلى لا أقدر على هذا ، فأنزل الله (إنّ الله لا يغفر أنْ يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فقال وحشى : هذا أرى بعده مشيئة فلا أدرى أيغفر لى أم لا؟ ثم سأل النبى : فهل غير هذا ؟ فأنزل (يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعًا) فقال وحشى هذا نعم فأسلم (من 367- 369) وعن ذات الآية قال النبى ((يقول الله عزّ وجلّ : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد ، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئته مثلها أو أغفر، ومن تقرّب منى شبرًا تقرّبتُ منه ذراعًا ، ومن تقرّب منى ذراعًا تقرّبتُ منه باعًا. ومن أتانى يمشى أتيته هرولة. ومن لقينى بقراب الأرض خطيئة لا يُشرك بى شيئــًا لقيته بمثلها مغفرة)) (رواه مسلم) وهذا الحديث (القدسى) درسته وأنا طفل فى الابتدائية ، ثم سمعته فى خطبة الجمعة عدة مرات وأنا صبى ثم وأنا شاب ، فكنتُ شديد الانبهار بهذه البلاغة وخصوصًا لما فيها من تجسيد لحركة المشى والهرولة. ولكن بعد أنْ نضج عقلى توقفتُ أما كلمة (هرولة) فإذا كانت كلمة (المشى) يمكن التعامل معها (على سبيل المجاز) فهل (الله) يُهرول مثله مثل الإنسان؟ وما سبب هذه الهرولة ؟ أكل هذا من أجل وحشى قاتل حمزة بن عبد المطلب ؟ 
وإذا كان الحوار الذى دار بين محمد ووحشى وأخرجه الطبرانى (بسند ضعيف) كما قيل ، فلنستمع إلى رواية أخرى عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال : أتى وحشى إلى النبى فقال يا محمد أتيتكَ مستجيرًا فأجرنى حتى أسمع كلام الله. فقال الرسول قد كنتُ أحب أنْ أراك على غير جوار، فأما ما إذْ أتيتنى مستجيرًا فأنت فى جوارى حتى تسمع كلام الله. فقال وحشى فإنى أشركتُ بالله وقتلتُ النفس التى حرّم الله تعالى وزنيتُ ، فهل يقبل الله منى توبة ؟ فصمتَ رسول الله حتى نزل ((والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التى حرّم الله إلاّ بالحق ولا يزنون)) (الفرقان/68) فتلاها عليه فقال : أرى شرطــًا فلعلى لا أعمل صالحـًا . أنا فى جوارك حتى أسمع كلام الله فنزلتْ ((إنّ الله لا يغفر أنْ يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)) (النساء/48) فدعا به (أى أنّ النبى استدعى وحشي) فتلاها عليه. فقال : ولعلى مَنْ لا يشاء وأنا فى جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلتْ (قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعًا) (الزمر/53) فقال وحشى : نعم الآن لا أرى شرطــًا فأسلم)) أى أنّ تلك الآية نزلتْ تلبية لرغبة وحشى فى التوبة ، بل إنّ الأمر وصل لدرجة التغاضى عن النص الوارد فى الآية 48 من سورة النساء (عدم الشرك بالله) بينما فى الآية 53 من سورة الزمر جاء العفو عن الذنوب مطلقــًا وغير مشروط (إنّ الله يغفر الذنوب جميعًا) 
وهذه الآية تـُوجب على العقل الحر التوقف أمام شخصية وحشى الذى نزلتْ من أجله عدة آيات وظلّ يُحاور النبى ويرفض كل آية فيها بعض شروط التوبة، وأنه يود الحصول على العفو بدون أى شرط . وأخيرًا ضمن البراءة ومحو كل ذنوبه بما فيها فعلته الشنيعة مع حمزة بن عبد المطلب (أسد الله) الذى فعل الأفاعيل فى غزوة بدر الكبرى لصالح جيش محمد ، ثم كانت نهايته فى غزوة أحد على يد وحشى ، وبعد أنْ قتل حمزة استـلمتْ هند بنت عتبة أم معاوية وزوجة أبى سفيان جثته ومثــّـلتْ بها تمثيلا بشعًا مما دفع النبى لأنْ يُقسم أنْ لو واتته الفرصة فسوف يُمثلنّ بسبعين منهم (أى من كفار قريش) ورغم ذلك صدر العفو (الإلهى) عن وحشى قاتله. ومن المهم التعرف على الاتفاق الذى تمّ بين وحشى وهند أم معاوية التى وعدتْ وحشى بالحرية وثأرًا لمقتل أبيه عتبة فى معركة بدر الكبرى ، فانتهزها وحشى فرصة للتخلص من العبودية من جهة والثأر لأبيه من جهة ثانية. وعندما رأى حمزة بن عبد المطلب مُـنهمكــًا فى القتال رماه بحربته من خلف ، ولما تأكد من موته انصرف وتوجّه لسيدته (هند) فلما تيقــّـنتْ من حقيقة الأمر طغى عليها السرور فخلعتْ عليه حُـليها (أى أهدته ما معها من حلى) ثمّ أقبلتْ على جسد حمزة وبقرتْ بطنه واستخرجتْ كبده ولاكتها ، ولكنها لم تستسغ طعم الكبد فلفظتها. ويرى الفقهاء أنّ فى ذلك حكمة (إلهية) لأنها لو أكلتها فسوف تدخل الجنة لأنه لايجوز أنْ تدخل كبد حمزة النار مع هند (الكافرة المشركة) فعندما علم النبى أنّ هند اكتفتْ بأنْ لاكتْ الكبد ثم لفظتها ، فسّر الأمر على أنه من المستحيل أنْ تصطلى كبد حمزة فى النار مع أم معاوية فى حين أنّ سائر جسده يحظى بالنعيم فى الجنة. 
فإذا كان وحشى (اسم على مُسمى) بتلك الوحشية وهو الذى قتل حمزة ، فلماذا صدر العفو (الإلهى) عنه؟ الإجابة قــدّمها المفكر المرحوم خليل عبد الكريم الذى كتب أنّ (محمد) امتاز ((بفراسة عميقة وبُعد نظر ومن ثمّ حدس أنّ وحشيًا بما له من قدرة قتالية عالية ومهارة مشهود لها فى استعمال الحراب (جمع حربة) وهى من أدوات الطعان الهامة لدى أولئك العرب سوف يغدو شديد النفع فى الغزوات والسرايا والبعوث والمغازى التى تعمل جميعها على إشاعة ديانة الإسلام وتوسيع رقعة دولة بنى سخينة. ولقد صدقتْ فراسة محمد ، ففى خلافة التيمى عتيق ابن أبى قحافة قتل وحشى مُسيلمة (الكذاب) رأس وقائد ثورة بنى حنيفة باليمامة على دولة بنى سخينة أيضًا فرماه بحربته وأرداه قتيلا ومن ثمّ سُمعتْ منه مرارًا جملته ((قتلتُ خير الناس (يعنى حمزة) وشر الناس)) أى مُسيلمة. والمغزى المُستخلص من تطورات الأحداث حول شخصية وحشى ، أنه بدأ فى صفوف (المُـشركين) ضد (المسلمين) ولم يتورع عن قتل حمزة بن عبد المطلب ، ثم انتقل إلى صفوف المسلمين ، وقتل مُسيلمة (الكذاب) وهنا صدق المرحوم خليل عبد الكريم فى تحليله لشخصية النبى وفراسته وأنّ (الوحى) ساعده على تغيير موقف وحشى بعد اقتناعه بمحو كل ذنوبه وأشنعها قتله حمزة عم النبى وأخيه من الرضاعة. 
أما عن شخصية هند التى أمرتْ وحشى بالقتل ثم التمثيل بالجثة ، فإنّ المرحوم خليل عبد الكريم له تحليه الخاص فكتب ((هذا الفعل الشنيع من هند يقطع بأنّ القسوة والتوحش مركوزان فى نفوس أولئك العرب ، مع أنها (أى هند) من ذؤابة بنى سخينة فما بالك بنسوان العامة فى مكة والبدويات ساكنات الخيام والأخبية ؟ وقارن بين سلوك هذه المرأة المُـفترسة وما سطــره التاريخ عن بالغ الرقى والتهذيب لنساء مصر القديمة ، لتـُدرك الفرق بين البداوة والحضارة ، والهمجية والمدنية ، ومن ثمّ فإنّ المقارنة بينهما مستحيلة)) (النص المؤسس ومجتمعه- السفر الأول- دار المحروسة- عام 2002- من ص262- 265) 
كان المرحوم خليل عبد الكريم يحرص دائمًا على ذكر مصادره التراثية (الأصلية) ومن قراءة تلك المصادر يتبيّن أنه قرأ معظم (خشية التعميم) كتب التراث العربى/ الإسلامى ، وبالتالى استفاد من كتب تفسير القرآن وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ ، وهى الكتب التى نوّرتْ العقول الحرة لما فى ذلك المجتمع القرشى/ العربى من تفاصيل يجهلها من لم يقرأ تلك الكتب التراثية. ونظرًا لأنّ المرحوم خليل عبد الكريم (رغم تخصصه فى التاريخ العربى/ الإسسلامى) كان يقرأ ذلك التاريخ ببصيرة العقل الحر، المُدرك للفروق الحضارية بين العرب وشعبنا المصرى ، لذلك وجدته فى كل كتبه يستخدم مصطلح (الغزو العربى) على الشام والعراق والمغرب وفارس ومصر. ويعقد المقارنات بين المرأة المصرية والمرأة العربية كما فعل وهو يُحلــّــل شخصية هند ويضعها فى إطار الشخصية العربية بصفة عامة.

***

4- هامش قبل الكتابة : 
علــّــق أحد الأصوليين المُـدافعين عن الإسلام على مقالى الأخير (تفسير القرآن وأسباب النزول) فكتب فى رسالة إلى موقع الحوار المُـتمدن ما يلى ((ومن بين أسباب كتابة المقال أنّ طلعت رضوان قرأ كتابًا للمرحوم خليل عبد الكريم بعنوان (النص المؤسس ومجتمه) فشاء أنْ ينقل مضمونه إلى قراء الموقع ، ولأسباب لا يعلمها إلاّ غيره حجب اسم الكاتب الأصلى)) 
هذا نص ما كتبه ذلك الأصولى المُـدافع عن الإسلام ، فهل قرأ مقالى الأخير بدقة وتمهل ؟ أم قرأه بسرعة (وعلى مضض) فكيف سمح له ضميره أنْ يتهمنى بهذا الاتهام الشنيع الذى أرفضه تمامًا ، لأننى (فى كل كتبى ودراساتى وحتى فى مقالاتى القصيرة) أحرص دائمًا على ذكر المصادر التى أقتبس منها بعض الفقرات ، كما أنّ مقالى الأخير الذى تناوله ذلك الأصولى ، لم يكن عن كتاب المرحوم خليل عبد الكريم ، لأننى ذكرتُ المصادر الأصلية التى تناولتْ تفسير القرآن وأسباب النزول ، وكان الجزء الأخير من المقال عن (وحشى) الذى قتل حمزة بن عبد المطلب ، والآيات التى وردتْ فى القرآن عنه وبسببه حتى يقتنع ويدخل فى الإسلام ، ثم رأيتُ أهمية الإشارة إلى ما كتبه المرحوم خليل عبد الكريم فى هذا الشأن ، مع ذكر اسمه واسم دار النشر وتاريخ النشر وأرقام الصفحات ، والمقال موجود على موقعى الفرعى بالحوار المتمدن لمن يود التأكد من ذلك . فأية صفة تليق بذلك الأصولى المُدافع عن الإسلام ؟ والذى اتهمنى اتهامًا باطلا ؟ أترك ذلك للأصدقاء الذين يُـتابعون مقالاتى ولا تزال عقولهم فى رؤوسهم ، ورفضوا أنْ يضعوها فى أية قوالب . 
000
المُـتأمل للعديد من آيات القرآن وأسباب نزولها ، سوف يكتشف بسهولة أنها جاءتْ ترجمة لواقع الأحداث التى كانت تجرى بين محمد وخصومه من أهله أبناء قريش ، من ذلك آيات ((إنّ شجرة الزقوم. طعام الأثيم . كالمُهل يغلى فى البطون . كغلى الحميم . خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم . ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم . ذقْ إنك أنت العزيز الكريم (الدخان/ من 43- 49) فمن المقصود بالآية الأخيرة ؟ ذكر السيوطى فى أسباب نزول تلك الآية : أخرج الأموى فى مغازيه عن عكرمة قال : لقى رسول الله أبا جهل فقال : إنّ الله أمرنى أنْ أقول لك ((أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى)) قال فنزع ثوبه من يده فقال : ما تستطيع لى أنت ولا صاحبك من شىء ، لقد علمتُ أنى أمنع أهل بطحاء وأنا العزيز الكريم ، فقتله الله يوم بدر وأذله. وعيّره بكلمته. ونزل فيه (ذقْ إنك أنت العزيز الكريم) وهو ذات التفسير الذى أخرجه ابن جرير عن قتاده (تفسير وبيان القرآن الكريم مع أسباب النزول للسيوطى- إعداد محمد حسن الحمصى- ماجستير فى الشريعة من الأزهر- ص377، 378) وفى تفسير الجلاليْن (جلال الدين المحلى وجلال الدين السيوطى) بعد أنْ شرحا هول العذاب والزيت الأسود الذى يغلى فى البطون الخ ثم يقال له (ذقْ) العذاب (إنك أنت العزيز الحكيم) بزعمك وقولك ما بين جبليها أعز وأكرم منى)) (مطابع شركة الشمرلى- بترخيص من مشيخة الأزهر ومراقبة البحوث والثقافة الإسلامية برقم 330 بتاريخ 15/7/1979- فى تفسيرهما لسورة الدخان . أى أنّ المقصود بتلك الآية هو أبو جهل. أى أننا إزاء حوار دار بين محمد وأبى جهل ، فجاء القرآن وأرخ لتلك الواقعه بأسلوبه الخاص. 
وعن أسباب نزول آية ((لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يُوادون مَنْ حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم)) (المجادلة/22) أخرج ابن أبى حاتم عن ابن شوذب قال : نزلتْ هذه الآية فى أبى عبيده بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر. وأخرجه الطبرانى والحاكم فى المُـستدرك بلفظ : جعل والد أبى عبيده بن الجراح يتصدى لأبى عبيده يوم بدر وجعل أبو عبيده يحيد عنه. فلما أكثر قصده أبو عبيده فقتله فنزلتْ . وأخرج ابن المُـنذر عن ابن جريح قال : حدث أنّ أبا قحافة سبّ النبى فقتله أبو بكر فسقط ، فذكر ذلك للنبى فقال : أفعلتَ يا أبا بكر؟ فقال : والله لو كان السيف قريبًا منى لضربته فنزلتْ الآية (تفسير القرآن للسيوطى إعداد محمد حسن الحمصى – مصدر سابق- ص411) وكتب جلال الدين المحلى وجلال الدين السيوطى ((الذين يُحادون (يُخالفون) الله ورسوله أولئك فى الأذلين (المغلوبين) وكتب الله فى اللوح المحفوظ أو قضى (لأغلبنّ أنا ورسلى) بالحجة أو السيف (إنّ الله قوى عزيز. لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يُوادون) يُصادقون (من حاد الله ورسوله ولو كانوا) أى المحادون (آباءهم أو أبناءهم أو عشيرتهم) بل يقصدونهم بالسوء ويُقاتلونهم على الإيمان كما وقع لجماعة من الصحابة رضى الله عنهم)) (تفسير الجلاليْن لسورة المجادلة – مصدر سابق) أى أنّ مخالفة (الله) ومخالفة (رسوله) توجب قتل الآباء والأبناء والأشقاء كما قتل أبو عبيده والده يوم بدر. وكما قتل أبو بكر أبا قحافة.
وعن أسباب نزول آية (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليُخزى الفاسقين) (الحشر/5) أخرج البخارى وغيره عن ابن عمر أنّ رسول الله حرق نخل بنى النضير وقطع (000) البويره فأنزل الله (ما قطعتم) وأخرج أبو يعلى بسند ضعيف عن جابر قال : رخـّـص لهم فى قطع النخل ثم شدّد عليهم ، فأتوا النبى وقالوا : يا رسول الله هل علينا إثم فيما قطعناه أو تركناه ؟ فأنزل الله الآية. وأخرج ابن اسحق عن زيد بن رومان قال : لما نزل رسول الله ببنى النضير، تحصّـنوا منه فى الحصون فأمر بقطع النخل والتحريق فيها فنادوه : يا محمد قد كنتَ تنهى عن الفساد وتعيبه فما بال قطع النخل وتحريقها ؟ فنزلتْ الآية. وأخرج ابن جرير عن قتاده ومجاهد مثله (تفسير القرآن للسيوطى مصدر سابق- ص413) 
وإذا كانت الآية رقم 5 من سورة الحشر أمرتْ بقطع وحرق نخل بنى النضير، فإنّ الآيات من 1- 4 تـُوضـّح الصورة أكثر حيث جاء فى كتب التفسير وأسباب النزول أنّ ((بنى النضير كانوا قد صالحوا النبى على ألاّ يكونوا عليه ولا له. فلما ظهر يوم بدر قالوا هو النبى الذى نـُعت فى التوراة لا ترد له رأيه. فلما انهزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا فخرج كعب بن الأشرف فى أربعين راكبًا إلى مكة فحالفوا عليه قريشـًا عند الكعبة. فأخبر جبريل النبى بذلك فأمر بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة غيلة وهو عروس)) (تفسير الجلاليْن لسورة الحشر) 
ولو حدث وتحجّج أى أصولى بحكاية (السند الضعيف) أو (عدالة الرواة) والتشكيك فى المصادر، فهل يمكن التشكيك فى أبى الحسن الماوردى أحد المُعتمدين لدى الأصوليين الذين يقتلون ويحرقون ويخرّبون اعتمادًا على نصوص القرآن وسيرة (النبى) ؟ وما رصده الماوردى عن هذا التراث فكتب ((يجوز لأمير الجيش فى حصار العدو أنْ ينصب عليهم العرادات والمنجنيقات. وقد نصب الرسول على أهل الطائف منجنيقــًا ، ويجوز أنْ يهدم عليهم منازلهم ويضع عليهم البيات والتحريق ، وإذا رأى قطع نخلهم وشجرهم صلاحـًا يستضعفهم به ليظفر بهم عنوة أو يدخلوا فى السلم صلحـًا فعل . وقد قطع رسول الله كروم أهل الطائف فكان سببًا فى إسلامهم . وأمر فى حرب بنى النضير بقطع نوع من النخل يقال له الأصفر، وكانت اللحاء منها أحب إليهم من الرضيع فقطع بهم وحزنوا له وقالوا إنما قطعتَ نخلة وأحرقتَ نخلة. وقال سماك اليهودى فى ذلك ((ألسنا ورِثنا الكتاب الحكيم/ على عهد موسى فلم نصرفِ/ وأنتم رعاة لشاة عجاف/ بسهل تهامة والأحنفِ/ يرون الرعاية مجدًا لكم/ كذا كل دهر بكم مجحفِ/ فيا أيها الشاهدون انتهوا / عن الظلم والنطق الموكفِ/ لعل الليالى وصرف الدهور/ تديل من العادل المنصفِ/ بقتل النضير وإجلائها / وعقر النخيل ولم تخطف)) وعن قوله (بقتل النضير وإجلائها) فقد تكرّر عندما أمر عمر بن الخطاب بإجلاء (أهل الذمة) عن الحجاز ومنعهم من الاستيطان (أى الإقامة) فى الحجاز، تنفيذا لحديث النبى ((لا يجتمع فى جزيرة العرب دينان)) (رواه عبيد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة) والشعر الذى قاله سماك اليهودى لم يُعجب مداح النبى (حسان بن ثابت ) الذى يُعتبر مثل جهاز الدعاية فى العصر الحديث ، فردّ عليه قائلا ((همُ أوتوا الكتاب فضيعوه/ فهم عمى عن التوراة بور/ كفرتم بالقرآن وقد أتاكم/ بتصديق الذى قال النذير/ فهان على سراة بنى لؤى/ حريق بالبويرة مستطير)) ويواصل الماوردى كتابته قائلا ((فلما فعل رسول الله ذلك بهم جلّ فى صدور المسلمين وقالوا يا رسول الله : هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله (ما قطعتم..إلى آخر الآية) ثم أضاف الماوردى ((وقد أحرق أبو بكر قومًا من أهل الردة)) (الأحكام السلطانية والولايات الدينية - مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبى بمصر- ط 3- عام 1973- ص52، 53، 168) ويجب ملاحظة الدقة فى النص الذى أورده الماوردى ، عندما سأل (المسلمون) النبى : هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ أى أنهم كانوا مثل أى مرتزقة يعملون بالأجر. ولأنهم مزجوا الواقع بالميتافييقا سألوا السؤال الثانى ، وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ 
وإذا كان القتلة والمُـخربون أتباع تنظيم داعش حرقوا النخل وأشجار الشعب العراقى ، وقبضوا (أجورهم) من المخابرات الأمريكية ، فكيف يكون لومهم من الميديا الإسلامية/ العروبية؟ إذْ أنهم (بغض النظر عن إيمانهم أو عدم إيمانهم بالإسلام) يستشهدون فى تصريحاتهم وبياناتهم ضمن التسجيلات الموجودة على الانترنت ، بالقرآن وأحاديث محمد وسيرته. 
ولأنّ القرآن حرص على متابعة كل خطوات وتصرفات النبى لذلك نزلت آية ((وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها وتركوك)) (الجمعة/11) وعن تلك الآية أخرج الشيخان عن جابر قال : كان النبى يخطب يوم الجمعة إذْ أقبلتْ عير قد قدمتْ فخرجوا إليها حتى لم يبق معه إلاّ إثنى عشر رجلا فأنزل الله الآية. وأخرج ابن جرير عن جابر أيضًا قال : كان الجوارى (العبيد) إذا نكحوا يمرون بالكير والمزامير ويتركون النبى قائمًا على المنبر وينفضون إليها فنزلت الآية وكأنها نزلتْ فى الأمريْن معًا (تفسير القرآن وأسباب النزول للسيوطى- مصدر سابق ص437) 
والقرآن اعتبر الأبناء والزوجات من الأعداء إذا عارضوا اشتراك الأب والزوج فى غزوات محمد وهو ما عالجته آية ((يا أيها الذين آمنوا إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم فاحذروهم)) (التغابن/14) وتلك الآية نزلتْ فى (عوف بن مالك الأشجعى) وكان ذا أهل وولد ، فكان إذا أراد الغزو بكوا عليه ووقفوه وقالوا إلى منْ تدعنا ؟ فيرق ويُقيم فنزلتْ هذه الآية) (عن كتاب السيوطى- مصدر سابق- ص439، 440) وفى رأى الجلاليْن أنّ التخلف عن الغزو ((تخلف عن الخير كالجهاد والهجرة)) (تفسير الجلاليْن – فى تفسيرهما لسوة التغابن) وهكذا يتأكد أنّ العديد من الآيات جاءتْ لاحقة وراصدة لما كان يتعرّض له النبى من أحداث ، خاصة بعد أنْ تأثر عوف بن مالك الأشجعى ببكاء أولاده وزوجته ((فرقّ لهم و(قعد) معهم ورفض الغزو.
ومتابعة القرآن لكل شئون النبى كانت شاملة (ليس عن الغزوات فقط وإنما بشئونه الخاصة مع زوجاته) وهو ما تعرّضتْ له الآيات من 1- 3 من سورة التحريم وتبدأ ب ((يا أيها النبى لمَ تـُحرّم ما أحلّ الله لك تبتغى مرضات أزواجك) (أى زوجاتك) وعن أسباب نزول تلك الآيات أخرج الحاكم والنسائى بسند صحيح عن أنس أنّ رسول الله كانت له أمة (عبدة) يطؤها فلم تزل به حفصة حتى جعلها على نفسه حرامًا فأنزل الله (يا أيها النبى لمَ تـُحرّم ما أحل الله لك) وأخرج الضياء فى المختار من حديث ابن عمر عن عمر قال : قال رسول الله لحفصة : لا تـُخبرى أحدًا أنّ أم إبراهيم (أى مارية القبطية) علىّ حرام فلم يقربها حتى أخبرتْ عائشة فأنزل الله (قد فرض لكم تحلة أيمانكم) وأخرج الطبرانى بسند ضعيف من حديث إبى هريرة قال : دخل رسول الله بمارية سريته (عبدته وجاريته) ببيت حفصة ، فجاءتْ ووجدتها معه. قالت : يا رسول الله فى بيتى دون بيوت نسائك ؟ قال : فإنها علىّ حرام أنْ أمسها يا حفصة واكتمى هذا علىّ ، فخرجتْ حتى أتتْ عائشة فأخبرتها فأنزل الله (يا أيها النبى لمَ تـُحرّم) وأخرج البزار بسند صحيح عن ابن عباس قال : نزلتْ فى سريته (عبدته مريم) وأخرج الطبرانى بسند صحيح عن ابن عباس قال : كان رسول الله يشرب عند سودة العسل فدخل على عائشة فقالت إنى أجد منك ريحًا ثم دخل على حفصة فقالت مثل ذلك فقال أراه من شراب شربته عند سوده والله لا أشربه فنزلتْ. وأخرج ابن حاتم عن ابن عباس قال : نزلتْ هذه الآية فى المرأة التى وهبتْ نفسها للنبى . وكان من رأى السيوطى أنه حديث غريب وسنده ضعيف لأنّ الآية رقم 3 (وإذا أسرّ النبى إلى بعض أزواجه حديثـًا) هو تحريم مارية إذْ قال النبى لحفصة ((لا تفشيه)) ولكنها نبّـأتْ به وأخبرتْ عائشة. وأنّ النبى واقع جاريته مارية القبطية فى بيت حفصة وكانت غائبة ، فلما حضرتْ شقّ عليها ذلك ، خصوصًا وأنّ ذلك كان فى بيتها وعلى فراشها فاسترضاها النبى بأنْ حرّم مارية على نفسه وقال : هى علىّ حرام)) (عن كتاب تفسير القرآن وأسباب النزول للسيوطى – مصدر سابق – من ص443- 447) 
وعلى العقل الحر أنْ يتأمل موضوع إنّ التحريم كان بسبب أنّ النبى (شرب العسل) فإذا كان هذا التفسير هو السبب فى نزول آية التحريم ، فالمعنى أنّ (الله) مشغول (حتى) بأتفه الأشياء التى تخص حياة (نبيه) مثل (شرب العسل) والتأمل الثانى يأخذ شكل سؤال : هل العسل كان عسل نحل أم عسل قصب (عسل أسود) العسل الأول يتطلب وجود (النحل) والنحل يتطلب وجود أزهار، والأزهار تتطلب وجود مشاتل ، وكل ذلك غير موجود فى قريش ولا فى الجزيرة العربية كلها. نفس الشىء فى العسل الأسود (وأعتقد أنه المقصود نظرًا لرائحته النفاذه) فهو يتطلب وجود مزارع لزراعة القصب ، فهل عرف العرب زراعة القصب ؟ وإذا ردّ أحد الأصوليين بأنّ العسل الأسود وصل للعرب عن طريق المجتمعات الزراعية (مثل مصر) فالرد عليه يكون أنّ غزو مصر واحتلالها ونهب مواردها تمّ فى عهد عمر بن الخطاب ولم يتم فى عهد محمد. وكانت د. عئشة عبد الرحمن (بنت الشاطىء) مع أنّ التحريم كان المقصود منه ((تحريم مارية القبطية على نفسه)) بدليل أنّ (النبى) طلب من حفصة أنْ تكتم الأمر على زوجاته وخصوصًا عائشة. واستشهدتْ بما كتبه الطبرى فى هذا الشأن (د. عائشة عبد الرحمن فى كتابها عن (نساء النبى) ضمن مجلد (تراجم سيدات بيت النبوة) الناشر دار الريان للتراث - عام 1987- مطابع الشروق – ص280) ومع ملاحظة أنّ استشهادى بكتاب الدكتورة عائشة عبد الرحمن كان مقصودًا نظرًا لأنّ هذه السيدة (فى كل كتبها) واحدة من المؤمنين بالإسلام والمُدافعين عنه بكل (حرارة) وبالتالى شهادتها (غير مجروحة) ولا يُمكن الطعن عليها أو التشكيك فيها. ومع ملاحظة (ثانيًا) أنها كانت حريصة على نقل ما ورد فى كتب التراث العربى/ الإسلامى بكل أمانة ، دون حذف أو تشويه ، وعندما تكون هناك روايتان للواقعة الواحدة كانت تنقل الروايتيْن ، كما أنها كانت حريصة على ذكر مصادرها التراثية بالتفصيل وفق قواعد الكتابة العلمية. 
***





تفسير القرآن واسباب النزول
التفسير واسباب النزول