تراث وفقـه
 
 
06/12/2014


 قتل الاسرى شعيرة اسلامية معروفة


اشكال العرب حتى منتصف
القرن الماضي
عندما كان محمداً مستضعفاً في مكة لم يذكر قرآنه أي شيء عن الحروب والأسرى، ولكن بمجرد أن هاجر إلى يثرب حاول مهاجمة قافلة قريش التي كان يقودها أبو سفيان بن حرب مما أدى إلى موقعة بدر التي انتصر فيها محمد وأخذ سبعين أسيراً. لم يكن محمد يعرف ماذا يصنع بالأسرى: هل يُطلق سراحهم فيعودون إلى قتاله مرة أخرى، أم يقتلهم وهم عشيرته من قريش، أم يفاديهم بالمال. شاور أصحابه في الأمر فقال أبو بكر: "يا رسول الله قومك وأصلك استبقهم واستأن بهم لعل الله عزّ وجل يتوب عليهم"، وقال عمر "كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم"، وقال عبد الله بن رواحة: "انظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم اضرم عليهم ناراً" (أسباب النزول للنيسابوري، سورة الأنفال، الآية 41). الإجابات تفضح عطش بدو الصحراء للقتل والحرق رغم أن الأسرى أهلهم من قريش ولكن ثقافة الصحراء لم تكن تعرف الأسر. المعارك كان أغلبها لسبي النساء ونهب الإبل، والرجال إما قُتلوا أو رجعوا إلى مرابطهم ليعيدوا الكرة في وقت لاحق
وبما أن محمداً كان يحتاج إلى المال لتسليح جيشه وإطعامهم، فقد أخذ برأي أبي بكر وفاداهم بالذهب والمال ثم ندم في الصبح أنه لم يأخذ برأي عمر الذي كان يأخذ برأيه كثيراً في إنزال آيات القرآن، فجلس يبكي مع أبي بكر إلى أن مر بهما عمر بن الخطاب وسألهما ما خطبهما، فقال له محمد إن ربه قد وبخه لأنه لم يأخذ برأي عمر وأنزل عليه آية تقول (ما كان انبي أن يكون له أسرى حتى يُثخنَ في الأرض) (الأنفال 41). وقيل: "حتى يثخن" يتمكن. وقيل: الاثخان القوة والشدة. فأعْلَم الله سبحانه وتعالى أن قتل الأسرى الذين فودوا ببدر كان أولى من فدائهم (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ، الأنفال 67). فها هو رب محمد يقول له كان الأولى به أن يقتل الأسرى بدل أن يفاديهم بالمال، وهو الرأي الذي قال به عمر بن الخطاب، الذي يوافقه رب القرآن في كثيرٍ مما يقول.
ولأن بعض أسرى بدر لم يكن عندهم من المال ما يفدون به أنفسهم مثل النضر بن الحارث وعُقبة بن أبي معيط، قرر نبي الإسلام تنفيذ أوامر الله فيهم فأمر علي بن أبي طالب أن يضرب عنق النضر عندما وصلوا إلى قرية الصفراء. وقالت أخته الثكلي في مرثيتها الجميلة:
هل يسمعني النضرُ إن ناديته *** أم كيف يسمعُ ميتٌ لا ينطق
أمحمدٌ يا خير ضِن كريمةٍ *** في قومها، والفحل فحلٌ مُعرقُ
ما كان ضرك لو مننت وربما *** منّ الفتى وهو المغيظُ المحنقُ
وعندما أمر بضرب عنق عُقبة بن معيط، قال له عُقبة: مَنْ للعيال يا محمد؟ فرد عليه رسول الرحمة "لهم النار". وهذا ما لا خلاف عليه، كما يقول الإمام القرطبي في كتابه (الجامع لأحكام القرآن، سورة الأنفال، الآية 41.) ومن وقتها أصبحت القاعدة الذهبية في الإسلام، والمعروفة من الدين بالضرورة، هي قتل الأسرى وسبي النساء والذراري.
واستمرأ محمد قتل الأسرى، كما استمرأه أصحابه، ولذلك عندما طلب من سعد بن معاذ التحكيم في أمر بني قريظة، وحكم سعد بقتلهم بعد أن استسلموا لمحمد بعد حصارٍ دام ثلاثة أسابيع، أُعجب محمد بذلك الحكم من سعد بن معاذ وقال "لقد جاء الحكم من فوق سبع سموات طباقا". وهذا يؤكد أن رب القرآن قد قرر قراراً نهائياً لا رجعة فيه، وهو قتل الأسرى، ولذلك أصبحت هذه الشعيرة معروفة من الدين بالضرورة كالصلاة وغيرها من الشعائر. وقد برهن محمد على ذلك بأن حفر خندقاً في المدينة وأنزل أسرى بني قريظة في دفعات، كل دفعة مكونة من خمس رجال ضُربت أعناقهم ورموهم في الخندق. واستمر ضرب الرقاب طوال اليوم حتى أجهز محمد على تسعمائة رجلاً وصبياً لم يحتلم بعد، وكان من بين القتلى امرأةٌ ألقت بحجر نحو المسلمين الذين كانوا يحاصرونهم.
وواظب رسول الإسلام على قتل الأسرى كما يخبرنا الإمام مالك " عن ابن لهيعة وعمر بن مالك عن عبيد الله بن أبى جعفر عن حنش (2) بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل سبعين أسيرا بعد الاثخان (3) من اليهود وقتل عقبة بن أبى معيط أتي به أسيرا يوم بدر فذبحه فقال من للصبية قال النار" (المدونة للإمام مالك، ج3، ص 11).
حتى الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي يضرب المسلمون المثل بعدله في دولة بني أمية، قتل الأسير. "عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب حدثه ان عمر بن عبد العزيز أتي بأسير من الخزر (4) فقال له عمر لاقتلنك فقال له الاسير إذاً لا ينقص ذلك من عدة الخزر شيئا فقتله عمر ولم يقتل أسيرا في خلافته غيره (قال الليث) وكان أبو عبيدة وعياض بن عقبة بن نافع يقتلون الاسارى إذا أتى بهم في بلاد الروم" (المدونة للإمام مالك، ج 3، ص 12).
والخليفة الأول أبو بكر بعث بخالد بن الوليد إلى موقعة اليمامة في عام 12 هجرية ليقتل ثمامة بن حبيب (مسيلمة الكذاب) ثم أرسل إلى خالد خطاباً يطلب فيه منه إن أظفره الله على بني حنيفة أن يقتل كل من جرت عليه الموسى (أي كل من نبت شيء من شعر عانته)، وهو نفس المقياس الذي استعمله رسول الله مع أسرى بني قريظة من الرجال وقتل بسببه عشرات الصبيان الذين لم يبلغوا الحُلم بعد (تاريخ الطبري، ج2، ص 284).
ثم نأتي إلى الخليفة الرابع، علي بن أبي طالب في موقعة صفين عندما التحم عمار بن ياسر مع عمرو بن يثربي، وقطع عمار أرجل ابن يثربي وأخذوه أسيراً إلى علي بن أبي طالب فقال اليثربي لعلي: استبقني، فقال له علي: "أبعد ثلاثة تقبل عليهم بسيفك تضرب به وجوههم" فأمر به فقتل (تاريخ الطبري، ج3، ص 46).
أما سعيد بن العاص فقد أتى طميسة وهي كلها من طبرستان وهي مدينة على ساحل البحر وهي في تخوم جرجان فقاتله أهلها حتى صلى صلاة الخوف ثم حاصرهم فسألوا الأمان فأعطاهم على ألا يقتل منهم رجلا واحدا، ففتحوا الحصن فقتلهم جميعا (تاريخ الطبري، ج2، ص 607).
أرسل الحجاج بن يوسف الثقفي ابن عمه محمد بن القاسم ليفتح السند (باكستان الحالية)، وعندما وصل مدينة الملتان حاصرها حتى نضب طعامهم وقطع عنهم الماء، فنزلوا على حكمه (تماماً كما فعل محمد مع بني قريظة)، فقتل محمد المقاتلة وسبى الذرية وسبى سدنة المعابد وهم ستة آلاف‏.‏ وأصابوا ذهبًا كثيرًا‏. (فتوح البلدان للبلاذري، ص 481). وعندما علم الحجاج أن ابن عمه محمد القاسم قد عفا عن كثير من رجالات السند بعد أن غلب عليهم وأسرهم، أرسل له خطاباً يقول فيه "يا ابن عمي سعدت كثيراً بمكتوبكم، ويبدوا لي أن كل الخطوات التي اتخذتها لراحة جنودك هي خطوات صحيحة ومطابقة لروح الشريعة، أما عفوك عن المشركين يخالف كتاب الله الذي يقول (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب). هذا الأمر الإلهي أمرٌ عظيم ويجب اتباعه. وعليه، ومنذ اليوم، لا تمنح الأمان لأي رجل من الأعداء ولا ترأف بهم. كتبه نافع في السنة الثالثة والتسعين" (ابن الوراق في كتاب Why I am Not A Muslim, p 220)
في أيام الردة بعد موت محمد بعث أبو بكر زياد بن أبيه إلى اليمن فتحصنت ملوك كندة ومن بقي معهم في النجير وأغلقوا عليهم أبواب الحصن، فجثم عليهم زياد والمهاجر وعكرمة إلى أن استسلموا وفتحوا له الحصن، فأمر زياد بكل من في الحصن أن يقتلوا فقتلوا وكانوا سبعمائة وسبى نساءهم وذراريهم (المنتظم في التاريخ لابن الجوزي، ج4، ص 37).
وفي سنة ثمان وتسعين غدر أهل جرجان وقتلوا عاملهم فسار إليهم يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وقاتلهم شهرًا حتى نزلوا على حكمه [استسلموا] فقتل المقاتلة وصلب منهم فرسخين عن يمين الطريق ويساره وقاد منهم اثني عشر ألف نفس إلى وادي جرجان فقتلهم وأجرى الدماء في الوادي‏. (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، جمال الدين بن تغري بردي/ ج1، ص 114).
لما رفض أهل المدينة مبايعة يزيد بن معاوية خليفةً للمسلمين، أرسل لهم يزيد مسلم بن عقبة ليجبرهم على مبايعة يزيد للخلافة. غلب مسلمة على المدينة ودخلها وأباحها لجنوده ثلاثة أيام ينهبون ويقتلون ويغتصبون النساء (تاريخ الطبري ج3، ص 360). يقال أن ألف عذراء تأكد حملهن بعد الاغتصاب. وهذه كانت مدينة رسولهم التي ساندته ودُفن بها.
سنة ثلاث وتسعين ومائة أرسل هارون الرشيد ابنه المأمون إلى مرو وبخارى ومعه عبد الله بن مالك. ولما فتح المأمون بخارى أسر أخا رافع- بشير بن الليث- فبعث به إلى هارون الرشيد فذكر عن ابن جامع المروزي عن أبيه قال كنت فيمن جاء إلى الرشيد فدخل عليه وهو على سرير مرتفع وفي يده مرآة ينظر إلى وجهه قال فسمعته يقول إنا لله وإنا إليه راجعون ونظر إلى أخي رافع فقال أما والله يابن اللخناء إني لأرجو ألا يفوتني خاملٌ يريد رافعا كما لم تفتني، فقال له يا امير المؤمنين قد كنت لك حربا وقد أظفرك الله بي فافعل ما يحب الله أكن لك سلما ولعل الله أن يلين لك قلب رافع إذا علم أنك قد مننت عليّ، فغضب وقال والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت اقتلوه، ثم دعا بقصاب فقال له لا تشحذ مداك اتركها على حالها وفصّل هذا الفاسق ابن الفاسق وعجل لا يحضرن أجلي وعضوان من أعضائه في جسمه، ففصله حتى جعله أشلاء فقال عد أعضاءه فعددت له اعضاءه فإذا هي أربعة عشر عضوا، فرفع يديه إلى السماء فقال اللهم كما مكنتني من ثأرك وعدوك فبلغت فيه رضاك فمكني من أخيه ثم أغمي عليه وتفرق من حضره (تاريخ الطبري، ج5، ص 13). لا بد أن الله قد سُر كثيراً بتقطيع هذا الأسير وهو ما زال حياً لأنه عدو الله كما قال هارون الرشيد، وليس عدواً لهارون الرشيد.
لما فتح الخليفة المعتصم عمورية أسر عدداً كبيراً من الناس وسار بهم يريد الثغورلأنه سمع أن ملك الروم يريدها. ولكن الطريق التي سلكها الجنود والأسرى لم يكن بها ماء ومات عدد كبير من الأسرى فهجم بعضهم على الجند وقتلوا أفراداً منهم. ثم التقاهم المعتصم ومعه الماء فأخبره الجنود أن الأسرى هجموا عليهم بسبب العطش، فأمر المعتصم بضرب رقاب جميع الأسرى وهم مقدار ستة آلاف رجل (تاريخ الطبري، ج5، ص 242).
روي عن بعضهم أنه قال: "كنت واقفا على رأس الحجاج حين أتي بالأسرى من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث وهم أربعة آلاف وثمانمائة فقتل منهم نحو من ثلاثة آلاف حتى قدم إليه رجل من كندة فقال: يا حجاج، لا جازاك الله عن السنة والكرم خيرا قال: ولم ذلك؟ قال: لأن الله تعالى قال: "فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء" (الجامع لأحكام القرآن، سورة محمد، الآية 4)
وأخرج النحاس عن ابن عباس في قوله {فإما منا بعد وإما فداء} قال: فجعل للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الخيار في الأسرى إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادوهم. (الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطي، سورة محمد، الآية 4). فالله قد أعطى المؤمنين الخيار في الأسرى يفعلون بهم ما يشاؤون
ولزيادة المصادر لمن يريد أن يقرأ نضيف:
طارق بن عمير قتل الأسرى والجرحى الكامل لابن الأثير، ج1، ص 121
خالد بن الوليد يحرق الأسرى تاريخ الإسلام للذهبي، ج2، ص 75
من حق الإمام أن يقتل الأسرى بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن كثير، ج1، ص 278
سليمان بن عبد الملك يقتل 400 أسير الكامل في التاريخ لابن الأثير، ج4، فصل 3، ص 39
وبعد كل هذا الذبح للأسرى يأتي وعاظ السلاطين ليقولوا لنا " مَبَادِئُ الْإِسْلَامِ تَدْعُو إلَى الرِّفْقِ بِالْأَسْرَى, وَتَوْفِيرِ الطَّعَامِ وَالشرابِ وَالْكِسَاءِ لَهُمْ, وَاحْتِرَامِ آدَمِيتِهِمْ, لقوله تعالى { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكَيْنَا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا }, وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِأَصْحَابِهِ فِي أَسْرَى بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَمَا احْتَرَقَ النَّهَارُ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ: { أَحْسِنُوا أُسَارَاهُمْ. وَقَيلُوهُمْ, وَاسْقُوهُمْ } وَقَالَ: { لَا تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ هَذَا الْيَوْمِ وَحَرَّ السِّلَاحِ...} وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: إنْ رَأَى الْإِمَامُ قَتْلَ الْأُسَارَى فَيَنْبَغِي لَهُ أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ بِالْعَطَشِ وَالْجُوعِ, وَلَكِنَّهُ يَقْتلُهُمْ قَتْلًا كَرِيمًا" (الموسوعة الكويتية، معاملة الأسير قبل نقله إلى دار الإسلام). ما أجمل عطف محمد الذي أوصى أصحابه بأن لا يجمعوا حر اليوم مع حر السلاح على أسرى بني قريظة الذين كان نصفهم من الصبيان. وما أجمل مبادئ الإسلام التي تدعو إلى الرفق بالأسرى.