تراث وفقـه
 
 
05/12/2014


 ابي لهب


تمهيد


ابي لهب كان جميلا
هناك مقولة او حكمة تقول " ليس كل ما يعرف يقال " واعتقد ان هذه المقولة الى حد ما ، فان القضايا التي يعرفها العالم والمفكر والفيلسوف والثقف والباحث ليس من العقل والمنطق ان يوصل او يصرح بذلك الى الجاهل ، سيما القضايا التي تخص الدين ، لأن الجاهل لا يفهمها ولا يدرك مغزاها ، وبالتالي تكون مثلبة على من يفعل ذلك ، فهي ، ربما تكون سببا في تهديد حياته ، وربما يقتل او يسجن ، او ينفى من وطنه ، من قبل الجاهل ولنا في ذلك امثلة كثيرة ، قد نتطرق اليها في بحوث اخرى . ومن هذا المنطلق كان علي بن ابي طالب يرى انه لو حاور الف عالم لغلبهم ، ولو حاور جاهلا واحدا لغلبه ذلك الجاهل . والسبب ان الجاهل يعاند ويجادل في امور لا يفهمها ولا يدرك مغزاها الحقيقي ، بل الصحيح ان عقله لا يستوعبها فيعدها اوهاما وخرافات وهي مثل النور الساطع . ومن هذه الامور والقضايا التي لا يفترض ان يطرحها المفكر او الباحث ولا ان يصرح بها الى الملأ هو ما يتعلق بأمور الدين ، او ما يعرف بنقد الفكر الديني لان مثل هذه الامور تعد عند الكثير خطوط حمر ، ولا يمكن الخوض فيها والتعرض اليها ، لكن الوجدان والذوق السليم يحتم عليه ذلك . فمثلا اذا قلت لأي مسلم لماذا تقبلون الحجر الاسود في الحج ؟ ، وبتعبير الخليفة عمر بن الخطاب هو حجر لا يضر ولا ينفع !؟ لقال لك هذه امور تعبدية لا يمنك مناقشتها او الخوض فيها ، فهو بتعبير آخر يلقمك حجرا ، مع ان هذه الامور اذا اخضعتها الى العقل والمنطق لرفضها العقل جملة وتفصيلا ، وقد تعرضنا في كتابنا (الاسلام والطقوس الجاهلية ) الى ذلك تفصيلا ، وقلنا ان الاسلام اخذ من اهل (الجاهلية) امور وقضايا واضافها اليه وجعلها مقدسة ومن صميم الدين .
وفي تاريخ الاسلام وغيره نماذج كثيرة لرجال علم وفلسفة ومنطق قالوا كلمة حق ، فكانت النتيجة ان زهقت ارواحهم وسالت دمائهم ثمنا لذلك . الم تحكم الكنيسة – يوم كانت اعلى سلطة في الدولة – بالإعدام على الفيلسوف العظيم سقراط ، وذلك بجرعه كأسا من السم ، بدعوة ان سقراط يفسد اخلاق الشباب بأفكاره وآراءه ! بينما كان يلقنهم الحكمة والمنطق . كذلك فعلوا بغاليليو عندما وضعوه تحت الاقامة الجبرية ، لأنه كان يقول : (ان الارض تدور حول الشمس ) . وقد قتل ابن السكيت صاحب المنطق شر قتلة ، وذلك بسل لسانه من قفاه حتى مات . واعدم الحلاج الصوفي على يد اصحاب الفكر التكفيري ، لانهم لم يفهموا منطقه وفلسفته ، واعتبروا ذلك اشراكا وزندقة ، حيث اصدر وعاظ السلاطين فتوة بقتله ، وذلك سنة 309 هجرية . ولم يكتفوا بذلك بل حرقوا جثته والقوها في نهر دجلة . وكان شيخا ابيض الشعر واللحية يقرب عمره الخامسة والستين ، بعد ان بالغوا في تعذيبه بضرب وجهه بالسيف وتهشيم انفه ، ثم قطعت يداه ورجلاه واحرقت جثته وصار رمادا .
وهناك عشرات الشعراء الذين حكم عليهم بالإعدام بتهمة الزندقة والخروج عن الدين والملة ، ومنهم ابان بن عبد الحميد اللاحقي ، وصالح بن عبد القدوس الذي قتله الخليفة المهدي ، وبشار بن برد وحماد عجرد وابن المقفع ، وغير هؤلاء ممن يضيق المجال بذكرهم .
لهذه الاسباب وغيرها ، ظلت كثير من الحقائق محبوسة في صدور الرجال وطيات الكتب . وبالمقابل ظل رجال الدين يتصرفون بأمور وقضايا هي دخيلة عن الدين الاسلامي ، وليست من مبادئه ، واذا انتقد احدهم هذه الافعال والامور اتهم بالزندقة والالحاد ، كما اتهم المعري وطعن في دينه واتهم بالزندقة ، وذلك حينما انشد :

هفت الحنيفة ، والنصارى ما اهتدت
ويهود حارت ، والمجوس مضلله
اثنان اهل الارض : ذو عقل بلا
دين ، وآخر دّين لا عقل له

وقال ايضا :

وينشأ ناشئ الفتيان منّا .... على ما كان عوده ابوه
وما دان الفتى بحمى ، ولكن .... يعلمه التدين اقربوه

هذا ، وان التاريخ يكتبه المنتصرون والاقوياء ، فالمسلمون عندما انتصروا على خصومهم من يهود ونصارى ووثنيون في كافة الاصعدة ، السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، وهم انفسهم من كتب التاريخ ، وهو ما فعلوه بما يسمى بالفتوحات الاسلامية ، وايضا حتى في حروبهم الداخلية ، فان الخصم او الضعيف حتى وان كان على حق ، فان حقه مهضوما ودمه مستباح . وعلى سبيل المثال لا الحصر ، ما فعله خالد بن الوليد المسمى بسيف الاسلام ، ما فعله بمالك بن نويرة ، في حادثة مشهورة في التاريخ ذكرها الطبري وغيره ، فقد قتل خالد مالكا ودخل بزوجته بدون عدة ، مع ان مالك مسلما ولم يرتد عن الاسلام ، بشهادة عمر الذي طلب عزل خالد والقصاص منه ، وضاع حق هذا الرجل المظلوم . لكن القيادة السياسية ، مع علمها بحقيقة الامر ، لم تحاسبه ، بل اعتذرت عنه وقالت انه تأول فأخطأ ، ومن تأول فأصاب له اجران ومن اخطأ له اجر ! .
والمنتصر بكتابته للتاريخ فلا احد يقف في وجه ، لانه الاقوى والاكثر شكيمة وباس . كذلك الخليفة لا يستطيع احد ان ينهاه او يحاول ان يثنيه عن عزمه ، بل ان الوعاظ والمستفيدون يشدون على يديه ويصفقون له ، وبالمقابل الخليفة يغدق عليهم بالهدايا والعطايا المجزية . وكان الشاعر يأتي الى الخليفة فينشد بين يديه قصيدة عصماء يمدحه فيها ويمجد افعاله ، فيحصل بذلك على هدية او جائزة . والصحيح ان الشعراء تحسب لمثل تلك المناسبات المعروفة الف حساب لتنال مبتغاها وامانيها . واكثر الاحايين ان الخليفة يتخذ بعض الشعراء ندماء له وخاصته يشربون معه كؤوس الطلا ، وهم خلال الجلسات مهما طلبوا من الخليفة فطلبهم مستجاب لا محالة . فكان احدهم يطلب من الخليفة اعفاءه من الصلاة فيحصل على ذلك ! ، وآخر يطلب اسقاط حد السكر عنه ، فيقول لك ذلك .
لذلك نلاحظ المؤرخون يكتبون التاريخ من خلال الحكام مثل الطبري وهو من اقدم المؤرخين والذي اطلق على كتابه ( تاريخ الامم والرسل والملوك) بمعنى انهم يكتبون سيرة الخليفة او الوالي او الامير فيوصفون حركاته وسكناته ، ويوصفون حتى ملامحه وتقطيعات وجهه ، وماذا كان يحب من المأكل ومن المشرب ، وكيف ينام ، ومن هم خاصته . اما مظاهر ذلك المجتمع فلم يصلنا منها الا النزر اليسير ، فالصعاليك والمماليك والفقراء والمهمشون لم يجرؤ احد من المؤرخين القدماء ان يكتب عن حالهم ويوصف ظرفهم ، الا ما ندر .
هذا بالإضافة الى كل ذلك فان المؤرخين والرواة والمحدثين قد اضافوا روايات واحاديث وقصص من عندياتهم لا تمت الى الواقع بصلة . بل انهم رووا احاديث عن النبي تخالف افعاله واقواله وهي بالآلاف . فوحده ابا هريرة روى عن النبي 5374 حديثا روى البخاري منها 446 مما جعل الصحابة ينكرون عليه ويكذبون كثير من هذه الاحاديث . (محمود ابو رية ، شيخ المضيرة – ابو هريرة ص 35 بيروت لبنان الطبعة الرابعة سنة الطبع 1993 ) ويضيف ابو رية " اجمع رجال الحديث على ان ابا هريرة كان اكثر الصحابة تحديثا عن رسول الله – على حين انه لم يصاحب النبي الا عاما واحدا وبضعة اشهر " .
اضف الى ذلك ان هناك احاديث عند الشيعة لا تقبلها السنة ، وان هناك احاديث عند السنة لا تقبلها الشيعة . روي ان ابن ابي العوجاء حينما حوكم وامروا بقطع راسه قال انه قد وضع آلاف الاحاديث يحلل فيها الحرام ويحرم فيها الحلال ، وقيس على ذلك .

اذن تاريخ المسلمين مشوه مزيف يحتاج الى غربلة ، ورفع الشوائب عنه ، واخراج الحقائق المدفونة في طيات الكتب ، ومحاكمة رجال التاريخ الذين سودوا التاريخ بالأكاذيب وضلوا الناس عن جادة الصواب . ومن اسبابها ما يجري الآن في العالم من عمليات ارهابية باسم الدين ، من باب تكفير الناس استنادا الى احاديث موضوعة باسم نبي الاسلام ، وتدفع الناس ثمن ذلك

اسمه وكنيته

هو ابي لهب ابن عبد المطلب واسمه عبد العزي ويكنى ابا عتبة . وقيل له ابو لهب لجماله (ابن قتيبة ، المعارف ، ص 75 ، دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة الثالثة) . وولد له عتبة وعتيبة ومعتب ، وبنات امهم ام جميل بنت حرب ابن امية ، وهي اخت ابي سفيان بن حرب وعمة معاوية . وذكر المؤرخون ان عتبة تزوج رقية بنت النبي فأمره ابو لهب ان يطلقها ففعل – كما يدعي ابن قتيبة في معارفه ، وهذه الرواية مرفوضة . فيروى ان النبي انزعج اثر ذلك اشد الانزعاج ، وركبته العصبية الجاهلة فدعا عليه قائلا : " اللهم سلط عليه كلباً من كلابك، فأكله الأسد في بعض أسفاره وكان يكنى أبا واسع وله عقب كثير من بنين وبنات منهم: إبراهيم بن أبي خداش بن عتبة والي مكة ومنهم الفضل بن عباس بن عتبة الشاعر وهو القائل:
وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة في بيت العرب " .
ورأيت رواية اخرى عند البلاذري حول موت عتبة تختلف عن الراية السابقة ما يجعلنا اكثر شكا ، يقول البلاذري : وبعث ابو لهب ابنه عتبة بن ابي لهب بشيء يؤذي به رسول الله فسمعه يقرا ( والنجم اذا هوى ) فقال انا اكفر برب النجم . فقال رسول الله سلط الله عليك كلبا من كلابه . فخرج في تجارة ، فجاء الاسود وهو واصحابه نيام بحوران . فجعل يهمس ويشم حتى انتهى اليه . فمضغه مضغه اتت عليه ، فجعل يقول ، وهو بآخر رمق : الم اقل لكم ان محمدا اصدق الناس ؟ ثم مات . (انساب الاشراف ح1 ص 148 ) . وهي رواية ملفقة وغير صحيحة ولا تستحق الرد عليها ، لسخافتها .
قال ابن قتيبة : كان لعبد المطلب بن هاشم من الولد لصلبه عشرة من الذكور ومن الإناث ست بنات أسماؤهم عبد الله بن عبد المطلب وهو أبو النبي والزبير بن عبد المطلب، وأبو طالب بن عبد المطلب واسمه عبد مناف والعباس بن عبد المطلب، وضرار بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد المطلب والمقوم بن المطلب وأبو لهب بن عبد المطلب واسمه عبد العزّى والحارث بن عبد المطلب والغيداق بن عبد المطلب واسمه حجل . (المعارف 70 ) .
ويضيف اليعقوبي في تاريخه (ج2 ص11) : ولكل واحد فضل وقدر ومجد . وهو لم يستثن منهم ابو لهب ، وهي ملاحظة مهمة قد نتعرض اليها في مكان آخر .
وابي لهب ينتمي الى اعظم قبيلة في الجزيرة العربية وهي قريش وكان لها سطوة وباس ، وفيما بعد اسست اعظم امبراطورية وما كانت تحلم بها من قبل .

1-شخصية ابي لهب


يعرف علماء الاجتماع (الشخصية) بعدة تعاريف : منها التكامل المتميز للبنى الجسدية والنفسية والاجتماعية للفرد ونماذج سلوكه ومصالحه ومواقفه وقدراته وقابلياته الذاتية ، بحيث يكون ذلك الفرد المختلف عن الآخرين .
ومنها انها مجموعة السمات النفسية والاجتماعية الثابتة والمتميزة التي يتسم بها الفرد والتي تجعله يختلف عن الآخرين .
وهناك تعريف ثالث يرى بان الشخصية هي مجموعة من العناصر والمميزات البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية التي تميز سلوك الانسان عن بقية الافراد الآخرين ، وتكتسب هذه العناصر والمميزات عن طريق الوراثة او البيئة الاجتماعية ، يعني انها تتأثر بعاملين اساسيين ، هما : الوراثة والبيئة . ( احسان محمد الحسن ، موسوعة علم الاجتماع ) .
وفي هذا نحاول تسليط الضوء على شخصية ابي لهب ، وهل ان البيئة والوراثة قد اثرت على هذه الشخصية واعطتها الصفات والمميزات ذاتها ؟ . فلا شك ان شخصية ابي لهب كانت قوية ولم تخضع الى جميع التأثيرات والمؤثرات والضغوط الخارجية ، بمعنى آخر ان ابا لهب كان لا يداهن ولا يبالي ، ولم تنطل عليه دعوة ابن اخيه التي صدح بها الى الملأ ودعا الناس الى الدخول فيها . بل الصحيح ان محمدا لم يحاول ولو مرة واحدة الانفراد بعمه ليدعوه دعوة خاصة ، كون انه عمه واقرب الناس اليه من بعد ابو طالب الذي كان له خصوصية مع محمد . وقد فهم محمد من ان ابا لهب ليس بالشخصية الساذجة البسيطة التي يلين لعابها في اول الكلام . بل ان قوة شخصيته وحدة ذكاءه وفطنته هي التي حالت دون ذلك ، هذا بالإضافة الى انه لم يستعمل السلاح الذي استعمله ابو سفيان بن حرب ، ولا محمد من جانبه فكر ان يجعله من اصحاب المؤلفة قلوبهم ، وكان هو اولى من سواه .
فشخصية ابي لهب لا ينطبق عليها ثقافة الولاء ، بتعبير علماء الاجتماع . ان ثقافة الولاء هي البنية الفوقية التي تستند الى بنية العصبية ، التي خاض في معتركها ابن خلدون في مقدمته . وفكرتها تذهب الى النقيض من ثقافة الانجاز ، حيث يقوم الولاء على معادلة التبعية ، المكانة ، الحظوة ، والنصيب من الغنيمة . فالثواب والمنفعة لا تقومان على الانجاز والاداء ، بل على مقدار الحظوة والولاء . وهذا ما يجعل اعضاء العصبية يوظفون كل طاقاتهم ، او يجعلونها في اثبات تبعيتهم وولائهم الشخصي للعصبية وزعامتها . وهو ما يجعل الجهد الانتاجي الانجازي ثانويا من حيث الاهمية والقيمة والاولوية ، ما دامت المكاسب تقوم على اثبات الولاء . وعليه يرى الواحد من هؤلاء ان مكاسبه وما يحصل عليه من مكانة وامتيازات ، باعتباره النصيب من الغنيمة الذي هو الثمن المستحق لاثبات ولائه وتبعيته الجهد والانجاز والبناء تصبح مع هذه الثقافة غير ذات موضوع ما دام انها ليست الطريق الموصل للهدف .
وبناء على هذا الكلام ، او هذا التفسير البسيط فان ابا لهب لم يكن او لم يريد ان يطبق هذا المفهوم على نفسه ، بمعنى لا يريد ان يكون تابعا لمحمد ، و قضية الايمان او التصديق ، فان صاحب هذه السيرة لم تنطلي عليه ، من باب ، ومن باب آخر ليس بمحتاج الى اموال او مناصب ، فهو كان من اكابر قريش . وعلى كل حال ، فان هدفنا من هذه الدراسة تسليط الضوء على شخصية ابي لهب ، هذه الشخصية التاريخية الكبيرة ، الهدف منها الوصول الى حقائق مسكوت عنها ، لان ارباب السير المحمدية واصحاب التواريخ قد اهملوا – بقصد – جوانب كثيرة ومتعددة من حياة محمد ، وهذا الاهمال كان متعمد ، كما فعل ابن هشام صاحب السيرة الهشامية المشهورة ، حيث (هذب ) سيرة ابن اسحاق وحذف منها امور وقضايا كثيرة تتعلق بافعال محمد ، وما يدرينا ما كان في السيرة الاولى من حقائق ، وهذه تعتبر خيانة عظمى بحق التاريخ ، وحق العلم ، وحق الناس ايضا الذين لا يرغبون بطمس الحقائق .
روي ان النبي قام بسوق عكاظ ، عليه جبة حمراء ، وهو ينادي : ايها الناس قولوا لا اله الا الله تفلحوا وتنجحوا . واذا برجل يتبعه له غديرتان كأن وجهه الذهب وهو يقول : يا ايها الناس ان هذا ابن اخي وهو كذاب فاحذروه . قال الراوي فقلت : من هذا الرجل ؟ فقيل لي : هذا محمد بن عبد الله ، وهذا ابو لهب بن عبد المطلب . ( اليعقوبي ، ج1 ص 24 ، دار صادر) .
فكانت الناس تنفر من محمد وتقول ان اهله وعشيرته اعرف بحاله ، فلم يصدق احد بدعواه الا القليل من الناس الفقراء المعدمين ، امثال بلال وصهيب وعمار وابي ذر واضرابهم . لذلك لم نجد بداية الدعوة قد تبع محمد من الاغنياء ، الا ما ندر مثل ابي بكر الذي اراد المنصب ، وقد نال مراده فيما بعد ، وهذا مطابق للقول في هذا العصر ، ان الثورات تبنى على اكتاف الفقراء وتفوز بها الاغنياء ، بمعنى ان الفقراء هم اصحاب الثورات الحقيقيون الذين يثورون على حكامهم من اجل الحرية والعدالة والمساواة واخذ الحقوق . وبالتالي تفوز الاغنياء واصحاب رؤوس الاموال ، فيتسنموا مركز السلطة والقرار ، والفقراء يخرجون خالين الوفاض ، وبتعبير المثل المصري : يخرجون من المولد من دون حمص .
ويتضح من خلال هذا الكلام ان ابا لهب يريد ان يكون متبوعا وليس تابعا ، كما فعل غيره من الصحابة ، فهو من ناحية الاموال فان امواله طائلة وكثيرة ، لأنه كان احد التجار الكبار البارزين . وقد اكد القرآن على ذلك حيث اشار اليه بقوله ( ما اغنى عنه ماله وما كسب ) . اما من الناحية الشخصية الاجتماعية فانه كان معروفا وبارزا في اوساط قريش والجزيرة العربية ، ومطاع الكلمة ، مسموع الرأي . واما من جانب الذكاء فانه ذكي قوي البصيرة ثابت الجنان ، صلب العزم ، غير مداهن ، لا تنطلي عليه سفاسف الامور التي هو عليم بخفاياها .
يروى ان ابا لهب قد قامر العاص بن هشام على ان من قمر صاحبه كان عبدا له ، فقمره ابو لهب فاسترقه واسترعاه ابله . وهذا يدل على عظمة شخصيته وشجاعته واقدامه وعدم مبالاته بسفاسف الامور ، اضافة الى ثقته بنفسه ومعرفته لفنون القمار على انه لان ينغلب ، وهذا الثقة العليا بالنفس بالتأكيد لم تأت عن فراغ ، غير انها تجربته في الحياة وقد غرف من معينها ، وفاجت لجج عباب الصعاب .
وفي وقعت بدر الكبرى التي كانت يوم الجمعة لثلاث عشر ليلة بقيت من شهر رمضان ، حيث لم يخرج ابو لهب في هذه الوقعة فدفع العاص ابن هشام اليهم مكانه

2- ابو لهب والنبي

عندما صدح محمد بدعوته في الجزيرة العربية ، حاثا الناس على الايمان به على اعتبار انه نبي العرب المبعوث ، ليهدم الاصنام ويوحد الناس على عبادة رب واحد لا شريك له ، فآمن به بداية ضعاف الناس من المحرومين والمسحوقين والفقراء ،امثال بلال بن رباح وصهيب الرومي وابي ذر الغفاري وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وغيرهم . وهي حالة طبيعية في كل دعوة يدعو لها اي مصلح او مفكر او فيلسوف ، فان اول من يلبي النداء هم الفقراء والمضطهدين ، لانهم يعتبرون ان في ذلك خلاصهم مما هم فيه . وطبيعي ايضا ان يلاقي صاحب الدعوة او المفكر الجديد او الدين الجديد من يعارضه ويقف بالضد منه ، سواء كان الذي يدعيه حقا ام باطلا ، وذلك لاعتبارات كثيرة . كذلك فان محمدا عندما جاء الناس بدين جديد ، رفع فيه شعار ( لا اله الا الله ) وهو شعار ليس بجديد ، في زمن توجد فيه عدة آلهة ، اذ كان في الجزيرة العربية لكل قبيل آلهة تعبدها . وقد اشتهرت بمكة آلهة بعينها مثل اللات والعزى ومناة ويغوث . وكانت قريش اول من عارض محمد ، ولا سيما كبراؤها واعتبروه طالبا جاه وسلطة وترؤس ، وقد شكى ذلك لعمه ابا طالب ، والآخر بدوره طلب منه ان يترك الامر ويعدل عن دعوته ، فقال له كلمته المشهورة ( والله لو اعطوني الشمس بيميني والقمر في شمالي على ان اترك الامر ما فعلت ) . وكان اشد الناس معارضة له من قريش سهيل بن عمر وابي لهب وابي سفيان واضرابهم . وقد حاول هؤلاء ان يمنعوا محمد من اعلان دعوته وافشالها بكل ما اوتوا من قوة ، حتى انهم كانوا يعذبون كل من يقع بأيديهم من الذين آمن بمحمد وصدق دعوته ، كما فعلوا بآل ياسر حيث طلبوا منهم ان يعودوا الى دينهم ودين آبائهم ويشتموا محمد ، لكن ياسر وزوجته رفضوا ذلك فتعرضوا للقتل ، اما عمار فنال من محمد فعفوا عنه . وقد روى اصحاب السيَر ان النبي قال في حقهم ( صبراً آل ياسر ان موعدكم الجنة ) .
وكان ابو لهب مصرا على عدم التصديق بمحمد ، بما فيها الدعوة التي حضرها مع قريش وهي الدعوة التي تسمى بيوم الدار والتي سنتعرض ليها في هذه الدراسة .
يقول اليعقوبي : واقام رسول الله بمكة ثلاث سنين يكتم امره . وهو يدعو إلى توحيد الله، عز وجل، وعبادته والإقرار بنبوته، فكان إذا مر بملأ من قريش، قالوا: أن فتى ابن عبد المطلب ليكلم من السماء حتى عاب عليهم آلهتهم وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا كفارا ثم أمره الله، أن يصدع بما أرسله، فأظهر أمره وأقام بالأبطح فقال: إني رسول الله أدعوكم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر ولا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت. فاستهزأت منه قريش وآذته وقالوا لأبي طالب: أن ابن أخيك قد عاب آلهتنا وسفه أحلامنا وضلل أسلافنا فليمسك عن ذلك وليحكم في أموالنا بما يشاء. فقال أن الله لم يبعثني لجمع الدنيا والرغبة فيها وإنما بعثني لأبلغ عنه وأدل عليه. وآذوه أشد الإيذاء، فكان المؤذون له منهم أبو لهب والحكم بن أبي العاص وعقبة بن أبي معيط وعدي بن حمراء الثقفي وعمرو بن الطلاطلة الخزاعي . وكان أبو لهب أشد أذى له . (تاريخ اليعقوبي ج1 ص 24 ) .

واعتقد ان العبارة الاخيرة ليست صحيحة ، انما كان الاشد اذى لمحمد ابن ابي معيد وابي جهل وابي سفيان ، لكن هذا يأتي تحاملا على ابي لهب من قبل الرواة ، لان الآية التي ذكرت بحق ابي لهب في سورة المسد فسرها المفسرون على انها شتيمة وسبة بحق هذا الرجل المعارض للنبي .وفي مكان آخر من هذه الدراسة سوف نشرح المقصود من كلمة (تبت) . ولو سلمنا جدلا من ان ابا لهب فعلا هو الاشد اذى لمحمد ، فان ذلك يدل على عدة امور ، منها :
اولاً – اعتقاد ابو لهب ان محمدا كان طالب رياسة وسلطة على قريش ، ويريد ان يتخلى عن عمومته ولا يعطيهم شيء من الامر ، لأنه فقد ابويه من صغر وعاش يتيما ويريد تعويض ذلك بالسلطة والجاه .
ثانياُ : اعتقاد ابو لهب ان محمدا ليس بنبي مرسل ، انما يدعي ذلك ولو كان معتقدا بذلك لما فاته الامر ، طرفة عين .
ثالثاٌ : لو كان قد حصل لابي لهب دليلا قاطعا بنبوة محمد لكان اول من آمن به كونه اقرب الناس اليه بعد ابي طالب ، فهو عمه ، والعم بمنزلة الاب .
رابعا : موقف ابو طالب من النبي ، فهو صحيح آوى محمد ودافع عنه ، ورباه ونصره ، وحماه من سطوة قريش ، وقريش بدورها كانت تهابه ولا تستطيع ان تتجاوزه في العديد من القضايا والامور . لكنه – مع ذلك – مات ولم يؤمن بمحمد ، على رأي اهل السنة ، بعكس الشيعة الذين قالوا بانه آمن واسلم ، لكنه كان يكتم ايمانه ، كمؤمن آل ياسين حتى يستطيع ان يحمي النبي ويدافع عنه الى حين اكمال رسالته . فلو كان ابو طالب قد آمن حقا – وهو الذي لا استطيع ان اجزم به – لكان قد حث اخاه ابو لهب على التصديق بنبوة محمد ، الامر الذي جعل من ابي لهب يموت ولم يصدق برسالة محمد .
واقول لو كانت لابي لهب بذرة حب في قلبه لمحمد لسقى تلك البذرة حتى نمت وكبرت وحان قطافها . بل على العكس فقد ظل ابي لهب يبتعد عن محمد والآخر يبتعد عنه ، وبالتال اخذ يحرض الناس على محاربته ومحاربة دينه الجديد ، والذي هو برأي ابي لهب ليس دينا صحيحا ، وانما هو انقلاب على الاديان السماوية التي سبقته . والا شخصية مثل شخصية ابي سفيان التي حاربت الدعوة المحمدية وارادت ان تقضي عليها وهي في المهد ، ودفعت اموالها الخاصة والعامة وفعلت ما فعلت ، وبالتالي تنصاع وتخضع وتؤمن بخصمها في طرفة عين . فقد روى لنا التاريخ ان ابي سفيان في فتح مكة جاء الى النبي واشهر اسلامه ، وبالمقابل ان النبي قبل ذلك وطلب من محمد قبل دخول مكة ، ان يعطيه شيء يتفاخر به ما بين قريش فوافق وقال كلمته المشهورة ( من دخل دار ابي سفيان فهو آمن ) .
والسؤال : هل ان ابا سفيان اكثر رجاحة وسدادا وعقلا من ابي لهب حتى يسلم وينصاع الى الرسالة ويحفظ ماله ويحقن دمه ( واجره على الله ) ويموت ابي لهب ولم يقر بالرسالة حتى ظلت اللعنة تطارده الى يومنا هذا . اعتقد ان ابا لهب كان ذو عقل راجح ووجدان حي وقلب يقض ، وانما دل عدم ايمانه بمحمد الى امور يعرفها هو ، لكن المؤرخين القدماء والرواة تعمدوا الى اخفاء اشياء كثيرة ، وجاءتنا سيرة ابي لهب منقوصة ومشوهة وفيها كثير من الشك والريبة والكلام الموضوع الذي يراد منه تزييف صورته ، وتمزيق شخصيته ، والسبب كون القرآن قد ذمه وتعرض له ، وطالما القرآن قد فعل ذلك فكل ما قاله الرواة من كذب وتلفيق وتدليس وتزوير في الحقائق يعتقدون صحيحة واجبره المسلمين على تصديقها ، وهذا مخالف للعقل والوجدان والفطرة السليمة

3-ابو لهب لم يكن من المستهزئين بمحمد

على الرغم بكل ما يقال بحق ابي لهب ، وذكروا من عداوته للنبي ، وانه مات كافرا ولم يسلم ويدخل حضيرة الاسلام ، لان القرآن ذمه وهو معجزة محمد كما يدعي المسلمون ، فهو لم يستهزأ به او بتعبير آخر ان رواة السيرة النبوية لم يعدوه من جملة الاشخاص الذين كانوا يؤذون النبي ويستهزئون به ، ويحثون الناس على عداوته ونبذ دعوته .
قال ابن اسحاق في السيرة : قام رسول الله على أمر الله محتسباً مؤدياً إلى قومه النصيحة على ما كان فيهم من الفائرة والأذى والاستهزاء، وكان عظماء المستهزئين برسول الله كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة أو غيره من العلماء قال: كان المستهزئين برسول الله خمسة: الأسود بن عبد يغوث بن وهب، والسود بن المطلب بن أسد، والوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل والحارث بن الطلاطلة أحد بني خزاعة، فكانوا يهزئون برسول الله ويغمزونه فأتاه جبريل فوقف به عند الكعبة وهم يطوقون به، فمر به الأسود بن عبد يغوث فأشار جبريل إلى بطنه فمات جبناً؛ ومر به الأسود ابن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي، ومر بن الوليد بن المغيرة فأشار إلى جرح في كعب رجله قد كان أصابه قبل ذلك بيسير، فانتقض به فقتله، ومر به العاصي بن وائل فأشار إلى أخمص رجله، فركب إلى الطائف على حمار فريض به على شبرقة فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته، ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخض قيحاً حتى قتله، ففيهم فنزل: إنا كفيناك المستهزئين .
واذا كان محمد قد فعل بأعدائه هذه الافعال حتى تخلص منهم واكتفى شرهم الى الابد ومن ثم تسنى له الامر لينشر دعوته على اتم وجه . لماذا لم يفعل الامر نفسه بابي لهب ، هل مثلا كونه عمه وتربطه به صلة دم ؟ فواقع الاسلام يقول عكس هذا ، بمعنى ان الكافر لا تربطه بالمؤمن اي صلة ولا يكترث به مهما تكن درجة القرابة ، وطالما ان محمدا لم يدعو الله عليه بان يخلصه منه بموت او بغيره ، وتركه على هواه فان في الامر سرا ، اما ما هو ذلك السر فنحاول البحث عنه في فصول مقبلة من هذه الدراسة .
ثم كيف يرتضي ابو لهب افعال فعلها المسلمون وهي بعيدة عن العقل والمنطق ولا حتى الانسانية ، وهو حصار بني النضير ثم حرق نخيلهم ، وقد ورد عن النبي انه قال : اكرموا عمتكم النخلة . وهل الاكرام حرقها !. قال ابن حبان في (السيرة النبوية) : ثم زحف إليهم رسول الله يحمل لواءه علي بن أبي طالب و استخلف على المدينة ابن أم مكتوم حتى أتاهم فحاصرهم خمسة عشر يوما و قطع نخلهم و حرقها و كان الذي حرق نخلهم و قطعها عبد الله بن سلام و عبد الرحمن بن كعب أبو ليلى الحراني من أهل بدر فقطع أبو ليلى العجوة و قطع ابن سلام اللون فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ لم قطعتهم العجوة ] ؟ قال أبو ليلى : يا رسول الله كانت العجوة أحرق لهم و أغيظ فنزل { ما قطعتم من لينة أو تركتموها } الآية فاللينة ألوان النخل و القائمة على أصولها العجوة فنادوا : يا محمد ! قد كنت تنهى عن الفساد و تعيبه على من صنعه فما لك و قطع النخل و تحريقها (المصدر السابق) . فماذا كان جواب محمد غير السكوت .
ثم تربصت اليهود نصرة عبد الله بن أبي إياهم فلما لم يجئ فصالحوا رسول الله على أن يحقن لهم دماءهم و له الأموال و ينجلون من ديارهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم فاحتملوا من استقلت به الإبل حتى أن كان الرجل منهم يهدم بيته فيضع بابه على ظهر بعيره فينطلق به و خرجوا إلى خيبر و ذلك قوله { يخربون بيوتهم بأيديهم } الآية . و لم يسلم من بني النضير إلا رجلان : يامين بن عمير بن كعب و أبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها فقسم النبي غنائمهم على المهاجرين .(المصدر السابق) . الى غير ذلك من الامور التي نتعرض اليها في هذا البحث في فصول لاحقة .

5-ابو لهب احد وجهاء مكة

اعتبر الدكتور جواد علي ، ابو لهب احد وجهاء مكة الكبار حيث يقول : ( ويُعد "عبد العزى بن عبد المطلب" من هذا الرعيل من وجهاء مكة الذين حاربوا الرسول، ونصبوا له العداوة. كان موسرًا جمع مالًا طائلًا، كما يفهم ذلك من "سورة المسد": {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} . وكان من التجار، له تجارة مع بلاد الشام , وكان من هؤلاء الذين أبوا التنكر لدين آبائهم وأجدادهم وإطاعة رجل فقير، وهم أكثر منه مالًا وأكبر سنًّا. رُوي أن رسول الله كان بسوق ذي المجاز يقول: "أيها الناس, قولوا: لا إله إلا الله, تفلحوا" وإذا برجل يأتي من خلفه ويرميه بحجارة أدمت ساقيه وعرقوبيه، وهو يقول للناس: إنه كذاب لا تصدقوه.
ويعد "أبو لهب" وهو "عبد العزى" ويكنى أيضا بـ"أبي عتبة"، من هذه الطبقة الوجيهة المعروفة من قريش. وهو عم الرسول, وكان مع ذلك من الذين حملوا حقدًا شديدًا عليه. وكانت زوجته تحرضه على معاداته وإيذائه، وفي حقهما نزلت سورة "تبت", وهي السورة الحادية عشرة من السور التي نزلت بمكة على رأي أكثر العلماء.
وكان بيته في جوار بيت رسول الله , فذكر أن رسول الله قال: "كنت بين شر جارين: بين أبي لهب وعقبة بن أبي معيط, إن كانا ليأتيان بالروث فيطرحونها في بابي" . وكان النبي يقول: "يا بني عبد مناف، أي جوار هذا ؟ " ثم يميطه عن بابه ) . ( المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ) .
ومن الوجهاء ايضا ابي سفيان بن حرب الذي لم يسلم الا بالخوف والارهاب وتهديد السلاح ، وخيرا فعل فهو لو لم يفعل ذلك لقتله ( الفاتحون ) شر قتلة ، لكنه كان فطنا وذكيا .

قال جواد علي ( وكانت قيادة قريش في الحرب إلى أبي سفيان أيضًا، ورثها من أبيه . ورجل له فضل قيادة عير قريش، وقيادة مكة في الحرب، لا بد أن يكون في مقدمة سادات مكة وعلى رأس طبقتها المحافظة ذات العنجهية ، التي ترى أن لها حق الرئاسة والزعامة والكلمة والرأي.
وليس لأحد مكانة إلا إذا كان ذا مال وجاه وحَسَب، وعلى الباقين طاعة السادة، ومراعاة سنن الآباء والأجداد، والإخلاص لعبادة الآباء والأجداد، والدفاع عن آلهة الكعبة التي كانت السبب في إعطاء قريش منزلة خاصة عند العرب.
وكان - فضلًا عن هذا وذاك - رجلًا صاحب لسان، ينظم الشعر ويجيد الهجاء, ويحسن النزول إلى أسوأ مستوًى يصل إليه السوقي والحوشة من الإقذاع في الكلام وإلحاق الأذى بالناس. وقد أظهر قابلياته في ذلك في عناده ضد الإسلام, وفي إيذائه الرسول وفي إلحاقه الأذى بالمسلمين, وقد هيأ كل ما عنده من مواهب وكفايات وقدرات مالية لمقاومة الإسلام ولمحاربة الرسول وللقضاء على الدعوة التي جاءت مقوضة لديانة الآباء والأجداد من عبادة الأصنام، ومن المحافظة على العرف، ومن تحطيم الزعامة، والخضوع لحكم الفقراء والرقيق. وفي القرآن الكريم آيات نزلت في حقه، وقد كان من المحرضين العاملين في معركة أحد . ويذكر أنه ذهب إلى الشام واتصل بـ"هرقل" وأخذ يحرضه على الرسول, ولكن الروم لم يبالوا بتحريضه, فعاد إلى مكة ) . (المصدر السابق) .

وبرأي البعض ان ابا لهب كان اصلب عودا واقوى شكيمة من ابي سفيان ، اذ ظل على موقفه من الدعوة الجديدة ولا حاول النبي من جانبه ان يغتاله مثلما اغتال بعض معارضيه امثال عقبة بن ابي معيط والنضر ابن الحارث وسواهما، كونه عمه وهذا ليس من شيم وصفات العرب .
ومن عادة الوجيه في قومه ان يكون جوادا كريما ، يهب ويعطي ويمنح ، واكيد ان ابا لهب كان يفعل ذلك ، الا ان المؤرخين ومن خلال تحاملهم عليه لم يرووا لنا من هذه الامور ، فضاعت اشياء كثيرة ربما تخدم الكاتب والباحث ، وبذلك تحملوا ذنبا لا يغتفر


الحوار المتمدن

الحوار المتمدن