التراث الاسلامي
 
 
2014/03/01


هل انتج الاسلام حضارة؟


شكل الحج في الخمسينات
يشير البعض الى الفترة الذهبية لما يسمى " الحضارة الاسلامية" على انه النموذج الذي يجب العودة اليه تحت شعار " الاسلام هو الحل"، متناسين ان فقهاء الاسلام في العصر الذهبي، لعبوا نفس دور الكنيسة في حرق الكتب وقتل العلماء ومحاربة الفلسفة. فهل كان الاسلام هو السبب في نشوء الحضارة او حتى الوصول الى العصر الذهبي للخلافات الاسلامية؟

ماعرف عن العرب قبل الاسلام انه كان بينهم فلاسفة او مفكرون او كتاب، فقد كانوا، في اغلبيتهم الساحقة، اعرابا اميين. وهم أنفسهم كانوا يعتقدون ان قول الشعر، الذي يتفقون على انه أفضل مواهبهم، ليس عن تفكير شخصي وموهبة وذكاء وانما عن وحي والهام روحي من شيطان خارج الذات، فكل فكرة في النفس هي ايحاء ووسوسة نبوة، فكانوا يعتقدون أن لكل شاعر منهم وحيه او شيطانه يفتخرون به. فمثلا كان " شيطان امرؤ القيس واسمه لاقط، وشيطان بن عبيد بن الابرص واسمه هبية وشيطان النابغة الذبياني واسمه هاذر وشيطان الاعشى واسمه مسحل. ( راجع القرشي، ابو الخطاب ، 170 هجري، جمهرة اشعار العرب، مصر 1926، ص22-23). ولذلك ليس غريبا انهم اعتبروا ان لمحمد ايضا شيطاناً يوحي له بسجعه. في البخاري عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله - فلم يقم ليلتين او ثلاثا فجاءت امرأة فقالت: يامحمد، إني لارجو ان يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين او ثلاث فأنزل الله عز وجل " والضحى والليل اذا سجى ماودعك ربك وماقلى"، بما يعني ان شيطان محمد هو ربه .

ان قريش وبقية قبائل بدو الصحراء كانوا يعتبرون ان الشيطان هو الذي يسبب ظهور الافكار، وانعكس اعتقادهم هذا في القرآن والحديث على السواء، حيث نجد أمثلة منها:
) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا (الأنعام-112
ويؤكد القرآن ان الشيطان كان حتى ينزغ محمد، اي يلقي الشيطان في نفس محمد وسوسة من حديث النفس: أما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (الأعراف 7: . 200)(فصلت 41: 36). بذلك تكون الافكار هي وسوسة الشيطان
ذلك على الرغم من أن الشيطان ينزل على الافاك، يقول القرآن: هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (الشعراء26: 221-223)
وحتى محمد يعترف قائلا: "عن عبد اللَّهِ بن مَسْعُودٍ: قال رسول اللَّهِ ما مِنْكُمْ من أَحَدٍ إلا وقد وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ من الْجِنِّ قالوا وَإِيَّاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ قال وَإِيَّايَ إلا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عليه فَأَسْلَمَ فلا يَأْمُرُنِي إلا بِخَيْرٍ"(صحيح مسلم ج4/ص2167) وموجود بصيغة مشابهة عن عائشة.
"كانت ميمونة زوجة النبي حائضا فقامت فتوضأت ثم قعدت خلفه تذكر الله، فقال لها النبي: أشيطانك أقامك. قالت: بأبي وأمي يا رسول الله، ولي شيطان؟ قال: إي والذي بعثني بالحق، ولي أيضا شيطان غير أن الله أعانني عليه فأسلم"(صحيح مسلم، ج2/ص149)

ولايقف الامر عند ذلك، إذ أن أول خبر عن محمد يصل الى المدينة هو ان " أمرأة يقال لها فطيمة كان لها رِئِيٌّ من الجن" (رقم الحديث 180) وفي الحديث اللاحق يقول " أمرأة من يثرب تدعى فطيمة كان لها تابع من الجن".

ويشير القرآن الى ان الشيطان له تأثير خطير، أنه قادر ان ينسي محمد:
إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وأما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (الأنعام 6: 68)
هذا مع العلم ان من ينسيهم الشيطان فهم من حزب الشيطان، حسب القرآن، إذ يقول:
استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان إلا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (المجادلة58: 19)
وهذا الشيطان ضراط ايضا في (صحيح البخاري ج1/ص409) "عن أبو هُرَيْرَةَ: قال رسول اللَّهِ: إذا أُذِّنَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وله "ضُرَاطٌ" .
ولكون التفكير لازمة دائمة للانسان يصبح الشيطان صاحب مزمن لكل شخص انطلاقا من ان وظيفته وسوسة الافكار والقاء الاماني، حسب تفكير اعراب الجزيرة بمافيهم محمد. ابن كثير: الشَّيْطَان فَإِنَّهُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ وَقَارَنَهُمْ فَحَسَّنَ لَهُمْ الْقَبَائِح وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَان لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا " وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِر: عَنْ الْمَرْء لَا تَسْأَل وَسَلْ عَنْ قَرِينه فَكُلّ قَرِين بِالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي. ويقول القرآن: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } وحسب القرآن ينتظر الشياطين في انتظار اموامر الله ليوسوسو الافكار للناس، نرى ذلك جليل في ماسورة الزخرف 36 تقول ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ) وفي سورة مريم 83 تقول (ألم ترى إنا ارسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ). 
بذلك يكون محمد وقريش وبقية الاعراب متفقين على ان الافكار ليس ابداعا من الانسان، وانما وحيا ووسوسة، ليكون الخلاف بينهم في أن محمد لايريد تسمية شيطانه بشيطان وانما إله، فيعترف بالمحصلة انه مثلهم، ليس مفكرا مبدعا في ذاته كعباقرة الحكماء وانما فقط لسان ناطق بما اوحى اليه شيطانه او إلهه.

وحتى العلوم هي علوم من الشيطان، وليس ابداعا يسعى اليه الانسان المُفكر، حيث يقول القرآن: " وماكفر سليمان ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر وماأنزل على الملكيين ببابل هاروت وماروت" ( سورة البقرة، 102)
وفي تفسير الطبري (ج1، ص 343-346):" نجد حكاية ملكيين هبطا على الارض فافتتنا بجمال أمرأة تدعى الزهرة، فيعلمانها الكلام الذي يصعدان به الى السماء، فلما صعدت هي الى السماء نسيت الكلام الذي تنزل به الى الارض، فبقيت مكانها واصبحت كوكب الزهرة، المنسوب اليه الطرب واللهو". ( راجع ايضا القزويني، عجائب المخلوقات، غوتغن، 1849، ص22). فالعلوم كلها وحي يوحى به والمعرفة ماعلمه الله او الشيطان لنا والا فهي علوم مغلقة.

وليس غريبا ان الجدل والفلسفة، التي يقوم عليها العلوم الحديثة، لاتحظى بالاحترام في الاوساط الاسلامية، ففي الحديث الشريف:" ماضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا اوتوا الجدل"، اخرجه مسلم، ج1، ص248.
وفي القرآن:" وان جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون. الله يحكم بينكم يوم القيامة في ماكنتم تختلفون" سورة الحج، 68-69.
ويقول:" ومايعلم تآويله الا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به، كل من عند ربنا.." سورة آل عمران، 7. فالقرآن يطالب بالايمان، وليس العلم من دواعي الايمان او مقدماته.

جاء ذكر الحكمة في القرآن كثيرا، ولكن نجد ان أبن عبد البر في كتابه " جامع البيان" عن مالك انه يفسر الحكمة في كثير من آيات القرآن بالفقه في دين الله والعمل به. والطبري في تفسير الاحزاب 34 يقول ان الحكمة تعني " مااوحى الله الى رسول الله من احكام دين الله ولم ينزل به قرآن، وذلك هو السنة". والشيخ ناصر الفهد، يذكر جملة من الامثلة عن آراء علماء الاسلام في المقصود من تعبير العلم في الاسلام، ومنها: يقول الاوزاعي:" فما كان غير ذلك( اي غير الفقه) فليس بعلم". وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : " لكن جماع الخير أن يستعين بالله سبحانه في تلقي العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه هو الذي يستحق أن يسمى علماً ، وما سواه إما أن يكون علما فلا يكون نافعاً ، وإما أن لا يكون علماً وإن سمي به ، ولئن كان علماً نافعاً فلا بد أن يكون في ميراث محمد  ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه " ( ابن تيمية ، مجموعة الرسائل الكبرى، 10 / 664 ). وقال ابن رجب رحمه الله تعالى : ( فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها ، والتقيد بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث .. في ذلك غاية لمن عقل ، وشغل لمن بالعلم النافع اشتغل )" (" حقيقة الحضارة الاسلامية"، الفصل الاول).
وفي تفسير البقرة 269 قال ابن عباس ان " الحكمة معرفة الاحكام في الحلال والحرام"، (السرخسي، شمس الدين: المبسوط، ج1، ص2).

وفي طبقات الشافعية الكبرى، رقم الحديث 156 يقول:" قال أنشدني القاضي أبو الطيب الطبري أنشدني بعضهم للشافعي رضي الله عنه: كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين العلم ماكان فيه قال حدثنا وماسوى ذاك وسواس الشياطين".

ويقول الغزالي:" ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة اموراً مخالفة للسنة ... فأنشأ الله طائفة المتكلمين وحرك دواعيهم لنصرة السنة"، ( المنقذ من الضلال، المطبعة الميمنية بمصر، 1309 هجري، ص6-7). بذلك نرى ان الحكمة مصدرها اما الله واما الشيطان.

ابن خلدون ، المؤرخ وعالم الاجتماع الامازيغي الفذ، هو الوحيد الذي استثناه الشيخ ناصر بن حمد الفهد من الضلال، في كتابه " حقيقة الحضارة الاسلامية"، وأستشهد به. غير ان هذا العالم كتب الكثير في وصف اخلاق وطبائع العرب البدو في عصره. وهو الذي ينفي، ليس فقط بعد البدو عن الحضارة وعدم امتلاكهم لها، وفاقد الشئ لايعطيه، وانما ايضا عدم علاقة الشرع بالعقل، الامر الذي لم يفهمه الكثير من مسلميي العصر الحديث حتى الان.
يقول ابن خلدون (320 هجري) في هذا الصدد واصفا احوال قبائل البدو الغازية:" لم تكن لهم معرفة بالعلوم " لمقتضى احوال السذاجة والبداوة" ولان القوم عندئذ لم يعرفوا امر التعليم والتأليف والتدوي"، (المقدمة، طبعة بولاق، ص13-12). وبصدد الحالة الحضارية للعرب في ذلك الوقت فيقول، في الفصل السادس والعشرون، باب في أن العرب اذا تغلبوا على أوطان أسرع اليها الخراب ( مقدمة ابن خلدون، ص149-150):" العرب أمة وحشية، أهل نهب وعبث، وإذا تغلبوا على أوطان أسرع اليها الخراب، يهدمون الصروح والمباني ليأخذوا حجارتها أثافي للقدور، ويخربون السقوف ليعمروا بها خيامهم، وليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد، وأنهم أبعد الناس عن العلوم والصناعات".
والغريب ان ابن خلدون، الذي عاصرهم، يصف لنا طبائع العرب الفاتحون بشكل يختلف تماما عن ماتعلمنا اياه المدارس القومية، فيقول:" طبيعتهم انتهاب مافي أيدي الناس، وأن رزقهم في ظلال رماحهم وليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون اليه بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع انتهبوه. لايكلفون على أهل الاعمال من الصنائع والحرف أعمالهم ولايرون لها قيمة ولا قسطا من الاجر والثمن. ليست لهم عناية بالاحكام وزجر الناس عن المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض أنما همهم مايأخذونه من أموال الناس نهبا وغرامة. وايضا فهم متنافسون في الرئاسة وقل ان يسلم أحد منهم الأمر لغيره ولو كان اباه او اخاه أو كبير عشيرته إلا في الاقل وعلى كره من اجل الحياء، فيتعدد الحكام منهم والامراء وتختلف الايدي على الرعية في الجباية والاحكام .. فيفسد العمران وينقض". (مقدمة ابن خلدون)
وقال: " إن العرب لا يلُّمُّهُم إلاَّ دين و لا يجتمعون إلا بإِيمَانْ. فإذا تخَلَّى الدِّين عنهم أو تخَلُّوا هُمْ عن الدين، فإنَّ المَوْجَةَ الصَّاعدة ترْتَدُّ، و الأمة المُستَجْمَعَة تصبح متفرقه، و الذين و حدتهم يد الله ستوزعهم يد الشيطان. و النفس العربيه، نفس مصابة بالفردية، بالمفاخرةِ، بأشياء أخرى كثيره, قال الله تعالى فيها " لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم و لكن الله الف بينهم" ....من كتاب " المقدمه"، لإبن خلدون.
وكان ابن خلدون قد اشار الى ان الفتح العربي لمصر بقيادة عمرو بن العاص قاموا بحرق مكتبة الاسكندرية العامرة عام 640 م، بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب، وظلت حمامات الاسكندرية تستخدم الكتب كوقود لمدة ستة اشهر. يقول:" وكان الجنود الذي صحبهم عمرو بن العاص في فتواحته في مصر من البدو القح الذين لم تهذبهم الحضارة والمدنية بعد، ومن ثم فإنهم لم يقدروا الكتب والمكتبات حق قدرها" (مقدمة ابن خلدون، طبعة دار القلم، بيروت، ط6، 1986) كذلك فعل سعد بن الوقاص بذخيرة الفرس الفكرية حيث احرق كتبهم او اغرقها بأمر الخليفة عمر بن الخطاب، لمخالفتها لنصوص الشريعة الاسلامية (موسوعة تاريخ اقباط مصر) وحتى صلاح الدين الايوبي سار على خطى عمر بن الخطاب فأمر بتدمير المكتبات الفاطمية، وقام جنوده بنزع جلود الكتب ليصنعوا نعال منها ط وصلاح الدين الايوبي فعل بمكتبات الشام نفس مافعله بمكتبات مصر"(د. شعبان عبد العزيز خليفة، مكتبة الاسكندرية والحريق والاحياء، سلسلة كتب الجمهورية لشهر ابريل 2002)

وابن خلدون هو العملاق الذي لاحظ عدم وجود علاقة بين الاسلام والحضارة حيث يقول: " العقل معزول عن الشرع وانظاره" ( مقدمة ابن خلدون، دار الكتاب اللبناني، ص 892).
هذا في الوقت الذي نرى فيه ان صورة الروم الحضارية في اذهان عرب الجزيرة كانت مختلفة تماما عن صورة العرب في ذهن ابن خلدون وبقية علماء العصر الذهبي للخلافة الاسلامية.
جاء في « صحيح مسلم » من حديث الليث بن سعد عن موسى بن عُلًيّ عن أبيه : أن المستورد القرشي – وكان عنده عمرو بن العاص رضي الله عنه - ؛ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « تقوم الساعة والروم أكثر الناس » . فقال عمرو بن العاص له : أبصر ما تقول ! قال: وما لي أن لا أقول ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إن كان كذلك ؛ فلأن فيهم لخصالاً أربعاً: أنهم لأحلم الناس عند فتنة ، وأسرعهم إفاقةً بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك .

وهذه النظرة نفسها تتكرر عند توفيق الحكيم الذي كتب عن العرب قائلا: ((أمة نشأتْ فى فقر لم تعرفه أمة غيرها. وكل شىء عند العرب نهب واختطاف. وكل شىء قد يحسونه إلا عاطفة الاستقرار. وكيف يعرفون الاستقرار وليس لديهم عمران؟ وحيث لا استقرار فلا تأمل ، وحيث لا تأمل فلا ميثولوجيا ولا خيال ولاتفكيرعميق ولا احساس بالبناء. لهذا لم يعرف العرب البناء، سواء فى العمارة أو فى الأدب أو فى النقد . كل شىء عند العرب زخرف. ومن المستحيل أنْ ترى عند العرب أى ميل لشئون الروح والفكر بالمعنى الذى تفهمه الهند ومصر من كلمتىْ الروح والفكر. إنّ المنطق الذى شيـّـد الأهرام ، لهو صورة محكمة للمنطق الذى شيد الكون. أى جمال للأهرم غير ذلك التناسق الهندسى الخفى؟ وتلك القوانين المستترة التى قامتْ عليها تلك الكتلة من الأحجار؟ هذا الادراك للجمال فطن إليه المصريون يوم شيـّـدوا الأهرام. هل تستطيع أنْ تتخيل العرب تبنى الأهرام؟)) (تحت شمس الفكر- ط3- عام1945- دار سعد مصر- من ص41- 79)

من كل ذلك لايجوز الاستنتاج أن تربع الغزاة البدو على اكتاف الحضارات الجاهزة التي تغلبوا عليها ونهبوها، لايعني ان الاسلام هو الذي بنى الحضارة وإلا لكنا رأينا "الحضارة" التي تنتج عن الاسلام قد ظهرت في بلاده الاصلية، في الجزيرة العربية، إلا إذا كانت ثقافة الموت والتمييز والاخضاع هي الثقافة المعنية.
تيار السلفيين والفقهاء يعون تماما هذا الجانب، فهم يعلنون بوضوح وجهراً ان جمهرة اعلام العصور الاسلامية لاعلاقة لهم بالاسلام، وانما هم نتاج فكر الحضارات السابقة على الاسلام، ويصمونهم بالزندقة، حيث يصنفون فيها غالبية الاعلام التي ترمز الى العصور الذهبية للخلافة الاسلامية مثل ابن المقفع وجابر بن حيان والكندي وعباس بن فرناس وابن رشد والرازي والفارابي ومسكويه والكثير غيرهم (راجع كتاب: حقيقة الحضارة الاسلامية، لفضيلة الشيخ ناصر بن حمد الفهد) . وابن خلدون ، الذي استثنوه من الزندقة والشعوبية، هو الذي نفى العلاقة بين الحضارة والاسلام، كما رأينا سابقا. والشيخ ناصر بن حمد الفهد لم يأت بشئ من عنده، فتكفير هؤلاء ورد في كتب التراث الاسلامي السني. قال الكشميري:" ابن سينا الملحد الزنديق القرمطي غدا مدى شرك الردى وشريطة المنتدى"، ( فيض الباري، 166/1). وقال الذهبي" وقد كفره الغزالي ( يقصد ابن سينا) في كتاب المنقذ من الضلال وكفر الفارابي"، ( سير الاعلام، 535/17).

وأن العرب فاقدون للعلم بطباعهم يعيد تأكيده العديد من علماء عصر الازدهار، ، فيقول القاضي صاعد بن محمد الاندلسي:" واما علوم الفلسفة فلم يمنحهم الله عز وجل شيئا منه، ولا هيأ اطباعهم للعناية به، ولاأعلم أحد من صميم العرب شهر به إلا أبو يوسف يعقوب بن أسحاق الكندي وأبو محمد الحسن الهمداني" ( طبقات الامم، ص 70). والهمذاني مات في سجن صنعاء سنة 334 هجري 946 ميلادي (العقاد: اثر العرب في الحضارة الاوروبية، ص 27).

ويقول الشهرستاني:" ومنهم حكماء العرب، وهم شرذمة صغيرة قليلة، لان اكثر حكمهم فلتات الطبع وخطرات الفكر وربما قالوا بالنبوات" (الشهرستاني، الملل والنحل، طبعة بيروت، ص45).

ويستند احمد أمين على ماجاء في كتب التراث عندما يقول:" ان طبيعة العقل العربي لاتنظر الى الاشياء نظرة عامة شاملة، وليس في استطاعتها ذلك، وقبلا لاحظ هذا المعنى بعض المؤلفين الاقدمين من المسلمين"، (احمد أمين، فجر الاسلام، ج1، الطبعة الاولى، ص49).
واحمد الامين نفسه يذكر إنعكاس سلوكيات العرب تجاه المصريين في مثال المصريين عن العرب ومنها: ((العرب جرب)) وأيضـًا ((ظلم الأتراك ولاعدل العرب)) (أحمد أمين- المجلس الأعلى للثقافة- عام1999- ص120، 157، 307)
وبالمناسبة لازال بدو سينا يستخدمون المثال الاخير حتى اليوم، بعد تبديل كلمة الاتراك بكلمة اليهود، للتعبير عن حالهم في ظل المصريين وحالهم في ظل الاسرائيلين.

وذلك ليس غريبا اذا علمنا ان رفض احترام المنطق والفلسفة يغرس جذوره عميقا في الدين الاسلامي، فقها وشريعة، منذ السنوات المبكرة للدعوة.
مثلا ابن الصلاح (643 هجري) يقول بتحريم الاشتغال بالمنطق والفلسفة... أما المنطق (فلأنه مدخل الفلسفة ومدخل الشر شر) وأما الفلسفة فلأنها الشر نفسه فهي ( أشر السفه والانحلال ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة ... وأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في الاحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة، وليس بالاحكام الشرعية -والحمد الله- افتقار الى المنطق اصلا. ومايزعمه المنطقي للمنطق من أمر الحد والبرهان فقاقع قد أغنى الله عنها كل صحيح الذهن ... الخ. (من كتاب " فتاوي ابن الصلاح في التفسير والحديث والاصول العقائد" - القاهرة 1348 هـ ، ص 34-35).

وفي طبقات الشافعية الكبرى، رقم الحديث 156 يقول:" قال أنشدني القاضي أبو الطيب الطبري أنشدني بعضهم للشافعي رضي الله عنه: كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين العلم ماكان فيه قال حدثنا وماسوى ذاك وسواس الشياطين". ذلك يتطابق تماما مع حديث صادر عن الرسول نفسه يشير فيه الى ان الفرائض نصف العلم، يقول: رقم الحديث: 161
(حديث مرفوع) حَدَّثَنَا الْجَرْمِيُّ ، ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي الْعَطَّافِ ، ثنا أَبُو الزِّنَادِ ، عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهُ وَهُوَ نِصْفُ الْعِلْمِ وَهُوَ يُنْسَى ، وَأَوَّلُ مَا يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي " . ( موسوعة الحديث) والغريب ان علم الفرائض يتعزز ولا ينزع، على العكس من نبوءة الرسول.

ويحاول رجال الدين الاسلامي اليوم تلافي هذه المسألة المشينة، بما فيها من برهان على نفي جلب الغزاة المسلمون للحضارة، بتبريرها، ومن بين هذه التبريرات " العزة العربية". يقول الباحث الازهري حمودة غرابة، محاولا تخفيف وطأة الامر:" في عهد عمر استطاع العرب ان يضموا اشتاتا من الممالك المختلفة اصحاب الثقافات المتباينة: مصر وفيها الاسكندرية معهد العلوم في ذلك الوقت، وفارس والعراق وهما زاهران بالمذاهب المختلفة ، دينية وفلسفية كالنسطورية والمزدكية والمانوية، والشام وكان يضم اليعاقبة وغيرهم من ارباب الديانات القديمة.... وبذلك اصبح في متناول العرب جيب من المعارف تستطيع ان تغترف منه لو شاءت. ولكن المسلمين، في مبدأ الامر، تحت تأثير اعتزازهم بالدين وانفة منهم ان يكونوا تلامذة لمن اضحوا من رعاياهم، قد رفضوا هذه الثقافات واعرضوا عنها الا في القليل النادر، ولم يقبلوا على أصحابها الا بعد ان انزلتهم ظروف الحياة من مقام السيادة".( حمودة غرابة، ابن سينا بين الدين والفلسفة، القاهرة- دار الطباعة والنشر الاسلامية، 1948، ص22، تقديم د. محمد البهي).

مسألة الانزعاج من الفلسفة والمنطق ظهرت على الاخص في معرض محاولة اخضاع الشعوب الجديدة ذات الحضارة الاعلى فلسفيا ودينيا حيث الادارة البدوية لهذه المناطق عبرت عن جفاء وتخلف لم يتعود عليه شعوب المنطقة. بنتيجة ذلك نجد انتفاضات واسعة انطلقت ضد ادارة المحتلين البدو مثل انتفاضة البابكيين ( انتفاضة الشعب الاذربيجاني) ضد العباسيين وانتفاضة الخرميين ( راجع تاريخ اليعقوبي، البلاذري فتوح البلدان، ابن النديم الفهرست، المسعودي مروج الذهب ومعادن الجوهر).

وعندما يعدد البعض كبار فلاسفة ومفكري عصر الخلافة العباسية كمثال على فلاسفة الحضارة الاسلامية، ينبري لهم السلفيون، مثل الشيخ ناصر بن حمد الفهد، بنفي نسبتهم وابداعاتهم الى الاسلام. السلفي مصطفى عبد الرزاق في كتابه (تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية) يوضح لنا لماذا يطلق على فلسفتهم تعبير " الفلسفة الاسلامية" في ذات الوقت التي لاعلاقة لها بالاسلام او المسلمين، فيقول: " فلسفة اسلامية بمعنى أنها نشأت في بلاد الاسلام(!) وفي ظل دولته من غير نظر لدين اصحابها ولا لغتهم"(ص 10-20).
وأما علي سامي النشار فيقول:" أما فلسفة الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم ممن يدعون فلاسفة الاسلام، فليست فلسفة اسلامية اصيلة وانما هي يونانية في كلياتها وجزئياتها ومزيج من الاسطوطاليسية والافلاطونية المحدثة" (نشأة الفكر الاسلامي في الاسلام، جذ، ص 730)، بمعنى اخر ان فلسفة " فلاسفة الاسلام" ليست نتيجة ثقافة قبائل الجزيرة، وانما من معطيات الحضارة التي سبقت الاسلام والتي لازالت جذورها راسخة في ثقافة المنطقة، لم يكفي الوقت لينزع الاسلام جذورها ويطفئ جذوتها.

والجاحظ في كتابه " البيان والتبيين" يكتب قائلا:" كل كلام للفرس وكل معنى للعجم، فأنما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد وخلوة وعن مشاورة ومعاونة وعن طول التفكير ودراسة الكتب وحكاية الثاني علم الاول وزيادة الثالث في علم الثاني، حتى اجتمعت ثمار تلك الفكر عند اخرهم. وكل شئ للعرب فأنما هو بديهة وارتجال وكأنه الالهام وليست هناك معاناة ولا مكابرة ولا أحالة ولا فكرة ولا استعانة...". ( البيان والتبيين، القاهرة 1332 هجري ، ج3، ص13)

ويقول الفيلسوف الفرنسي ارنست رينان (1892):" من الخطأ وسوء الدلالة بالالفاظ على المعاني ان نطلق على فلسفة اليونان المنقولة الى العربية " فلسفة عربية" مع انه لايظهر لهذه الفلسفة في شبه الجزيرة العربية مبادئ ولا مقدمات". (Ernst Renan: Historie generale et systeme copare des langues, Paris, IV ed., T.1, P.10).

المؤرخ القاضي صاعد ( من القرن الحادي عشر) يقول:" ماأدركوه بفرط العناية وطول التجربة لاحتياجهم الى معرفة ذلك في اسباب المعيشة، لا على طريق تعليم الحقائق، ولا على سبيل التدرب في العلوم". ( طبقات الامم، ج3، ص 12-12، طبعة مصر 1332 هجري)

والمقريزي ، تقي الدين احمد بن علي، ( 845 هجري، 1441 ميلادي)، يقول:" اسم الفلاسفة يطلق على جماع من اهل الهند هم الطبسيون والبراهمة ، ولهم رياضة شديدة، وهم ينكرون النبوة اصلا، ويطلق على العرب بوجه انقص، وحكمتهم ترجع الى افكارهم والى ملاحظات طبيعية، ويقرون بالنبوات، وهم أضعف في العلوم. ومن الفلاسفة حكماء الروم وهم طبقات، فمنهم اساطين الحكمة ومنهم المشاؤون واصحاب الرواق واصحاب ارسطو وفلاسفة الاسلام". ( الخطط، ج4، ص 163)

التاريخ يشير الى الفلسفة، التي تشكل اليوم العمود الفقري للعلوم، قد عارضها علماء المسلمون بقوة ورفضوها وكفروا اتباعها. قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى ( الفتاوى صـ70 ) : ( الفلسفة رأس السفه والانحلال ، ومادة الحيرة والضلال ، ومثار الزيغ والزندقة ، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالحجج الظاهرة ، والبراهين الباهرة ، ومن تلبّس به علماً وتعليماً قارنه الخذلان والحرقان ، واستحوذ عليه الشيطان ، وأي فنٍ أخزى منْ فنٍ يعمي صاحبه .. وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع ، ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ، والسلف الصالحين ، وسائر من يقتدى به من أعلام الأئمة وسادتها ، وأركان الأمة وقادتها ، قد برّأ الله الجميع من معرّة ذلك وأوناسه ، وطهرهم من أوضاره ) اهـ
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى ( إغاثة اللهفان 2 / 595 ) : ( فالزندقة والإلحاد عند هؤلاء جزء من مسمى الفلسفة أو شرط .. فلا مبدأ عندهم ولا معاد ولا صانع ولا نبوة ولا كتب نزلت من السماء تكلم الله بها ، ولا ملائكة تنزلت بالوحي من الله سبحانه ، فدين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خير وأهون من دين هؤلاء ) اهـ

وقد نهي علماء المسلمين النقل او دراسة علوم المشتغلين بالفلسفة. قال الذهبي في ميزان الاعتدال :
" ما أعلمه – أي ابن سينا – روى شيئا من العلم ولو روى لما حلت له الرواية عنه ، لأنه فلسفي النحلة ، ضال ". وتشتهر المقولة الاسلامية التي تقول:" من تفلسف فقد تمنطق ومن تمنطق فقد تزندق".

ليس غريبا صعود شمس الفلسفة في الاوساط العربية المهاجرة الى بغداد والشام في العهد العباسي وليس الاموي. في " عصر الفتوحات" الاموي، انشغل العرب ليس بنشر الدين او " الفكر" وانما بنهب الشعوب وسبي نسائهم وأطفالهم وجبي الجزية. على العكس كان يقلقهم دخول ابناء البلدان المغلوبة على أمرهم في الاسلام لكون ذلك يقلل من تحصيل الجزية. حتى عهد الخليفة الاموي الخامس عمر بن عبد العزيز، استمر النهب على اشده. نشعر بعمق المأساة في شكوى عمال الخليفة الاموي عمر من دخول الناس بالاسلام تهربا من الجزية حتى طلبوا منه عدم رفع الجزية عمن يدخل في الاسلام، فرد عليهم قائلا: إن الله بعث محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا
ويؤرخ لنا المؤرخون المسلمون فداحة مساعي المسلمين العرب في نهب الشعوب المفتوحة واستباحتها. يذكر الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه حوار مع صديق أمازيغي ص 25 نقلا عن العديد من المراجع الاسلامية :
(كتب هشام بن عبد الملك الى عامله على أفريقيا: أما بعد، فإن أمير المؤمنين لما رأى ما كان يبعث به موسى بن نصير إلى عبد الملك بن مروان رحمه الله، أراد مثله منك، وعندك من الجواري البربريات المالئات للأعين الآخذات للقلوب، ما هو معوز لنا بالشام وما والاه. فتلطف في الانتقاء، وتوخ أنيق الجمال، عظم الأكفال، وسعة الصدور، ولين الأجساد، ورقة الأنامل، وسبوطة العصب، وجدالة الأسؤق، وجثول الفروع، ونجالة الأعين، وسهولة الخدود، وصغر الأفواه، وحسن الثغور، وشطاط الأجسام، واعتدال القوام، ورخامة الكلام).
وفي كتاب فتوح البلدان للبلاذري، باب فتح برقة و زويلة كما وفي كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي، باب عبد الملك بن مروان، نجد التالي:
(وقال ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا أبو سفيان الحميري حدثنا خالد بن محمد القرشي قال: قال عبد الملك بن مروان من أراد أن يتخذ جارية للتلذذ فليتخذها بربرية ومن أراد أن يتخذها للولد فليتخذها فارسية ومن أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذها رومية )
وقال في المصدر ذاته:
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن شرحبيل بن أبي عون، عن عبد الله بن هبيرة قال: لما فتح عمرو بن العاص الإسكندرية سار في جنده يريد المغرب، حتى قدم برقة، وهي مدينة أنطابلس. فصالح أهلها على الجزية وهي ثلاثة عشر ألف دينار يبيعون فيها من أبنائهم من أحبوا بيعه.حدثني بكر بن الهيثم قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن سهيل بن عقيل، عن عبد الله بن هبيرة قال: صالح عمرو بن العاص أهل أنطابلس ومدينتها برقة، وهي بين مصر وإفريقية، بعد أن حاصرهم وقاتلهم على الجزية، على أن يبيعوا من أبنائهم من أرادوا في جزيتهم. وكتب لهم بذلك كتابا.حدثني محمد بن سعيد عن الواقدي عن مسلمة بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة قال: كان أهل برقة يبعثون بخراجهم إلى والي مصر من غير أن يأتيهم حاثٌ أو مستحثٌ. فكانوا أخصب قوم بالمغرب، ولم يدخلها فتنة.قال الواقدي: وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: لولا مالي بالحجاز لنزلت برقة فما أعلم منزلاً أسلم ولا أعزل منها.حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا عب الله بن صالح عن الليث ابن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب أن عمرو بن العاص كتب في شرطه على أهل لواتة من البربر من أهل برقة: إن عليكم أن تبيعوا أبناءكم ونساءكم فيما عليكم من الجزية.

في العصر العباسي تغيرت المعضلات التي تقف امامها الدولة بعد الصراع على السلطة بين البيت الاموي والبيت العباسي ومع دخول كمية هائلة من الرعاع في الاسلام. لذلك تطورت حركة الفكر الفلسفي والترجمة الى العربية اعتمادا على فطاحل المفكرين من نتاج حضارة بلاد الشام وفارس والروم. بنتيجة ذلك نهضت حركات فكرية جديدة ومن اهمها حركة المعتزلة، التي شكلت خطرا مباشرا على فقهاء النقل العرب واجبرتهم على تعلم علم الكلام.

في عهد المأمون وصلت الامور الى نقطة حرجة. كان المعتزلة، وهم اكبر حركة فكرية بين المسلمين، قد وصلوا الى مراكز متقدمة في الدولة. غير ان تيار الاسلام الصحراوي، المعزز بقوافل هجرة لاتنقطع قادمة من الصحراء، رسخ سيطرته اكثر واصبح ينبري للصراع مع المعتزلة. مع وفاة المأمون وصعود اخيه المعتصم ثم الواثق انتصر الاسلام السني النصي على التيار المعتزلي العقلي ليتحول العالم الاسلامي الى النقل وينتهي عصر العقل، وحتى اليوم بتأثير الضغط الفكري القادم من الصحراء، حيث " منابع الاسلام الصافي".

والى اليوم يخرج علينا فقهاء الاعراب بفتاوي تكفير المفكرين، فقد صدرت فتوى عن الشيخ صالح الفوزان، عضو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية! والافتاء في السعودية بتكفير العلمانيين ووافقه في ذلك الدكتور محمد رأفت عثمان، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الازهر، عضو مجمع البحوث الاسلامية، وقال: ان القاعدة في مثل هذه الامور أن كل من ينكر صلاحية الشريعة، لتنظيم حياة الناس في جميع انواع سلوكهم وأنشطتهم، سواء في مجال العلاقات الاسرية أو النشاط الاقتصادي أو السياسي أو الثقافي فإنه يكون منكرا للاسلام( عن جريدة المصري اليوم).

والمثير ان التأريخ الاسلامي يشير الى ان العرب، منذ عهد الرسول، كانوا يعتمدون على الروم والمجوس في جلب مايستخدموه من جديد الافكار، ولم يتغير الامر حتى اليوم، فنرى أنه: «أتاه رجل من الروم فقال إن شئت جعلت لك شيئاً إذا قعدت عليه كنت كأنك قائم، فقال له نعم فجعل له المنبر»(ابن كثير، البداية والنهاية، ج 6، ص. 131) فتكون حتى منابر المساجد من اختراع الروم .

هل كانت لدينا حضارة اسلامية؟
البداية والنهاية، الجزء الثالث
دعوة للتفكير، المقريزي
المتوكل او خليفة عباسي حنبلي
التطير والتمائم في الاسلام
حقيقة الحضارة الاسلامية حسن ناصر الفهد
الكتاب الكامل: حقيقة الحضارة الاسلامية
العنصرية والتمييز في الثقافة الاسلامية
دور رجال الدين في سقوط الحضارة الاسلامية
اسباب انتشار الاديان، حسب الرازي
نبوءة هرمس والغنوصية الجديدة ودور الكنيسة في ضرب العلوم