تراث وفقـه
 
 
00/10/2013


القمل والنظافة عند النبي والصحابة


هكذا كان ينقل<br> اللحم في مكة
على صفحات الانترنيت تجري معارك شعواء، يستخدمون فيها نصوص التراث الاسلامي. يعرض البعض الاحاديث التي تشهد ان النبي محمد كان يعاني من القمل، فينبري البعض الاخر دفاعا، اعتقادا ان وجود القمل احد الادلة على سوء العناية الصحية. القسم الاخر يوافق على ان الاحاديث مسيئة، لانها ليست احاديث حكماء طائفته ولان النبي فوق البشر في اعتقادهم. اليوم نعلم ان وجود القمل لاعلاقة له بالقذارة، على الخصوص، فالقمل يمكن ان يتواجد لدى جميع الفئات والطبقات، فهو يسعى للوصول الى الدم ، وقادرا على مقاومة النظافة، وقد اصبح مشكلة تعاني منها مدارس اوروبا اليوم. ومع ذلك لايعني ان محمد عرف الحمام في مكان أقامته في المدينة ولو أنه عرفه من بلاد الشام في رحلاته بتجارة خديجة، فقد جاء في كتاب  ( بهجة المجالس ومتعة المجالس  لابن عبد البر)  أنه قال: " إنكم ستفتحون الشام، فتجدون فيها بيوتا تدعى الحمامات، فلا يدخلها من النساء إلا مريضة أو نفساء، ولا يحل دخولها لرجل إلا بمئزر " .


ومن الناحية التاريخية، القمل عاصر الانسان منذ عصور سحيقة وحتى قبل ظهور الانسان كنوع. وقد وصل الامر الى ظهور انواع من القمل متخصصة على الانسان وحده. وكان المصريون القدماء بما فيهم الفراعنة انفسهم والاغريق والرومان، يعانون من القمل. لذلك ليس غريبا ان النبي محمد عانى منه ايضا، ولم يجد علاجا له، والادلة على ذلك كثيرة وطريفة.

في الصحيحين عن كعب بن عجرة قال كان بي أذى من رأسي فحملت إلى رسول الله والقمل يتناثر على وجهي فقال ما كنت أرى الجهد قد بلغ بك ماأرى وفي رواية فأمره أن يحلق رأسه وأن يطعم فرقا بين ستة أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام
وفي الجامع الصحيح، للبخاري، عن أنس بن مالك أمه قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه ، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت ، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعمته ، وجعلت تفلي رأسه ، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك ، قالت : فقلت : وما يضحكك يا رسول الله ؟ قال : ( ناس من أمتي ، عرضوا علي غزاة في سبيل الله ، يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة ، أو : مثل الملوك على الأسرة ) . شك إسحاق ، قالت : فقلت : يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني منهم ، فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم وضع رأسه ثم استيقظ وهو يضحك ، فقلت : وما يضحكك يا رسول الله ؟ قال : ( ناس من أمتي ، عرضوا علي غزاة في سبيل الله ) . كما قال في الأول ، قالت : فقلت يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني منهم ، قال : ( أنت من الأولين ) . فركبت البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان ، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر ، فهلكت .
الجماع الصحيح، برقم 2788 (وورد في نفس الكتاب، برقم  7001، 1912، 3080، 2491، 129/4، 729،3171)

وقد جاء في (سنن أبي داود السجستاني ج 3 ص 179) و (سنن البيهقي الكبرى ج6 ص156) و (جامع الأصول لابن الأثير ج9 ص625) وغيرها "عن زَيْنَبَ [اختلفوا إن كانت بنت جحش أم غيرها] أنها كانت تَفْلِي رَأْسَ رسول اللَّهِ وعنده إمرأة عثمان بن عفان .." وجاء في (المعجم الكبير للطبراني ج 23 ص 321) "عن أُمِّ سَلَمَةَ أنها كانت تُفَلِّي رَأْسَ رسول اللَّهِ فَجَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ عبد اللَّهِ بن مَسْعُودٍ فَجَعَلَتْ تُكَلِّمُنِي وَأُكَلِّمُهَا، وَرَفَعْتُ بَصَرِي إِلَيْهَا، فقال رسول اللَّهِ أَقْبِلِي على فِلايَتِكِ فَإِنَّكِ لَسْتِ تُكَلِّمِينهَا بِعَيْنَيْك" وجاء في (كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي ج 4 ص 468) "كان النبي يُقِيِّل في بيت خالة أنس بن مالك وكانت تفلي رأس رسول الله .. وقد روى أبو عمر بن عبد البر في كتاب 'التمهيد' عن ابن وهب: إن أم حرام كان يقيل عندها الرسول وينام في حجرها، وتفلي رأسه" وفي (الدر المنثور لجلال الدين السيوطي ج 8 ص 74) "عن عِكرمة إن امرأة أخي عبادة بن الصامت جاءت إلى رسول الله تشكو زوجها وامرأة تفلي رأس رسول الله فرفع رسول الله نظره إلى السماء فقالت التي تفلي لامرأة أخي عبادة بن الصامت واسمها خولة بنت ثعلبة يا خولة ألا تسكتي فقد ترينه ينظر إلى السماء"

جاء في جاء في كتاب (الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 208) "عن أبي سعيد الخدري قال جئنا النبي فإذا عليه صالب من الحمى ما تكاد تقر يد أحدنا عليه من شدة الحمى فجعلنا نسبح فقال لنا رسول الله ليس أحد أشد بلاء من الأنبياء .. فالنبي من أنبياء الله يسلط عليه القمل حتى يقتله .. " ويحكي المرجع نفسه (الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 109) قصة رجل مات بسبب القمل بقوله: "عن أبي حمزة قال: قد رأيت القمل يتناثر من محمد بن علي فلما قضينا نسكنا رجعنا إلى المدينة فمكث ثلاثة أشهر ثم توفي"

وفي صيغة اخرى وردت في مسند أحمد: باقي مسند المكثرين، ومسند أبي سعيد الخدري حدثنا ‏ ‏عبد الرزاق ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏معمر ‏ ‏عن ‏ ‏زيد بن أسلم ‏ ‏عن ‏ ‏رجل ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سعيد الخدري ‏ ‏قال ‏‏وضع رجل يده على النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال والله ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك فقال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إنا معشر الأنبياء ‏ ‏يضاعف لنا ‏ ‏البلاء ‏ ‏كما يضاعف لنا الأجر إن كان النبي من الأنبياء ‏ ‏يبتلى ‏ ‏بالقمل حتى يقتله وإن كان النبي من الأنبياء ‏ ‏ليبتلى ‏ ‏بالفقر حتى يأخذ العباءة ‏ ‏فيخونها ‏ ‏وإن كانوا ليفرحون ‏ ‏بالبلاء ‏ ‏كما تفرحون بالرخاء

وحديث ابتلاء الانبياء بالقمل رواه احمد والبزار والحاكم من حديث ابي سعيد الخدري وصححها البوصيري في الزوائد وصححها العراقي في تخريج الاحياء وهي موجودة في رواية احمد والحاكم وقد صححها على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

وفي الجامع الصغير ورد عن عائشة رضي الله عنها، من طريق معاوية بن صالح عن يحيى بن سعيد عن عمرة انها قالت: (كان يفلي ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه )
رواه البخاري في مواضع من صحيحه والترمذي من طريقه في الشمائل واحمد في المسند من رواية والبزار

وروى ابن عبدالبر في التمهي: ذكر نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يقتل القمل في الصلاة أو قتل القمل في الصلاة". قال نعيم: هذا أول حديث سمعته من ابن المبارك.

وقال المناوي في شرح الشمائل في شرح الحديث المذكور: ( ثم ان ظاهر هذا ان القمل كان يؤذي بدنه لكن ذكر ابن سبع وتبعه بعض شراح الشفاء انه لم يكن فيه قمل لآنه نور ولأن أصله ( يقصد القمل) العفونه ولا عفونه فيه وأكثره من العرق وعرقه طيب ومن قال أن فيه قملا فهو كمن نقصه ولا يلزم من التفلية وجود القمل فقد يكون للتعليم أو التفتيش لما فيه من نحو خرق ليرقعه أو لما علق فيه من نحو شوك ووسخ وقيل انه كان في ثوبه قمل ولا يؤذيه وانما كان يلتقطه استقذارا له).

ويبدو ان هذه الرؤية في تفسير أسباب وجود القمل عند النبي محمد كانت منتشرة انطلاقا من الاوهام الشائعة آنذاك عن الاسباب التي تقف خلف ظهور القمل، وهي ذاتها الاسباب التي تدفع الكثيرين اليوم لنفي وجود القمل عند النبي، حسب الاسباب التي جرى ذكرها في مجموعة من الكتب التي وصلت الينا مثل كتاب زاد المعاد، الجزء الثالث، حيث يقول:.
" القمل يتولد في الرأس والبدن من شيئين خارج عن البدن وداخل فيه فالخارج الوسخ والدنس المتراكم في سطح الجسد والثاني من خلط رديء عفن تدفعه الطبيعة بين الجلد واللحم فيتعفن بالرطوبة الدموية في البشرة بعد خروجها من المسام فيكون منه القمل وأكثر ما يكون ذلك بعد العلل والاسقام وبسبب الأوساخ وإنما كان رؤوس الصبيان اكثر لكثرة رطوباتهم وتعاطيهم الأسباب التي تولد القمل ولذلك حلق النبي رؤوس بني جعفر ومن أكبر علاجه حلق الرأس لتنفتح مسام الأبخرة فتتصاعد الأبخرة الرديئة فتضعف مادة الخلط وينبغي ان يطلى الرأس بعد ذلك بالأدوية التي تقتل القمل وتمنع تولده". (نقل النص عن موقع نصرة محمد، بتاريخ 23/07/2013

وبطبيعة الحال لم يكن النبي وحده مصابا بالقمل، وعلى الاغلب جميع من كانوا حوله كانوا مصابين به، ولكن لدينا ادلة عن اصابة بعض الصحابة على اية حال.
في الصحيحين من حديث قتادة ، "عن أنس بن مالك قال : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف ، والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما في لبس الحرير لحكة كانت بهما" .
وفي رواية : "أن عبد الرحمن بن عوف ، والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما ، شكوا القمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة لهما ، فرخص لهما في قمص الحرير ، ورأيته عليهما " . 

وجاء في كتاب (الحيوان للجاحظ ج 5 ص 383) "رأيت مرةً أنا وجعفر بن سعيد بقَّالا في العتيقة وإذا امرأته جالسةٌ بين يديه وزوجها يحدَّثها وهي تفلِّي جيْبَها، وقد جمعت بين إبهامها وسَبَّابتها عدَّة قمل فوضعتها على ظفرِ إبهامهِا الأيسر، ثم قلبت عليها ظفرها الأيمن فشدخَتْها به، فسُمِعَتُ لها فَرقعةً. فقلت لجعفر: فما منعها أن تضَعَها بين حَجَرين قال: لها لذةٌ في هذه الفرقعة والمباشرةُ أبلغُ عندها في اللذة فقلت: فما تكرهُ مكانَ زوجها قال: لولا أن زوجها يُعجبُ بذلك لنهاها"

وفي كتاب المصنف : حدثنا اسماعيل ابن عياش عن ابي بكر ابن ابي مريم عن عبد الرحمن بن الاسود قال: كان عمر بن الخطاب يقتل القمل في الصلاة حتى يظهر دمها على يده( 1).
وفي المصدر نفسه يقول: حدثنا وكيع قال حدثنا ثور الشامي عن راشد بن سعد عن مالك يخامر قال ثور مرة: راشد بن سعد او غيره- قال: رأيت معاذ بن جبل يقتل القمل والبراغيث في الصلاة (2). ويقول: حدثنا وكيع قال حدثنا أبان بن عبد الله البجلي عن ابي مسلم الثعلبي قال: رأيت ابا امامة يتفلى في مسجده وهو يدفن القمل في الحصى (3). بل وحتى حفيد الرسول الحسن بن علي يمكن ان يكون مصابا بالقمل، إذ يقول المصدر نفسه: حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن الحسن بن علي قال: رأيت ابن معقل يتفلى في المسجد وكانت جدتي ام ولد للحسن بن علي ، فكان يعزل عنها (4).

واسباب القمل ومنشأه، حسب اعتقاد العرب قديما، مذكور في جملة من الكتب، كما رأينا في كتاب زاد المعاد أعلاه. وقد جاء في في كتاب (الحيوان للجاحظ ج 5 ص 371و372) "قال أبو قطيفة لأصحابه: أتدرون ما يذْرأ [أي يُوْجِد] القمل قالوا: لا نعرف. قال: ذاك واللّه من قلة عنايتكم بما يُصلحُ أبدانكم، ويذرأُ [يوجد] القملَ الفُساء" . وفي كتاب (الحاوي في الطب للرازي ج 1 ص 202) "وأما القمل فنوع واحد (!) وتولد قمل صغار في الأشفار ويعرض لمن يكثر الأطعمة، ويقلل الاستحمام(!)". وفي كتاب (طلبة الطلبة في الإصطلاحات الفقهية للنسفي ج 1 ص 109) "الوسخ يقمل أي يصير ذا قمل" وفي كتاب (أمالي ابن سمعون ج 2 ص 116) "القمل المعروف يتولد من العرق والوسخ إذا أصاب ثوباً أو بدناً أو شعراً، حتى يصير المكان عفناً" وفي كتاب (الحيوان للجاحظ ج 3 ص 331) "كذلك القول في القمل الذي إنَّمَا يُخْلق من عَرَق الإنسان ومن رائحته ووسَخِ جلده وبخار بدنه" وأيضا في كتاب (الحيوان للجاحظ ج 5 ص 369) "القمل يعتري مِنَ العَرَق والوسَخ إذا علاهما ثوبٌ أو رِيشٌ أو شعر حتى يكون لذلك المكانِ عَفَن وخُموم"

الشعر والقمل
ومع ذلك كان هناك حلا لمشكلة القمل، وتحديدا الحلاقة. جاء في (سورة البقرة 196) (مرتلة) "فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" وجاء في (تفسير الطبري ج 2 ص 235) "من كان مريضا .. أو كان به أذى من رأسه: من قمل فحلق, ففدية: من صيام ثلاثة أيام، أو صدقة تفرق بين ستة مساكين أو نسك [دم ذبيحة] والنسك: شاة" (3) وجاء في (زاد المسير في علم التفسير لعبد الرحمن الجوزي ج 1 ص 205و 206) "قوله تعالى هذا نزل على سبب: وهو أن كعب بن عُجْرة كثر قمل رأسه حتى تهافت على وجهه فنزلت هذه الآية فيه فكان يقول فيَّ نزلت خاصة، وجاء عنه في (سنن سعيد بن منصور ج 2 ص 716) "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ فَجَلَسَ إِلَيْنَا كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ "فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ" قَالَ قُلْتُ كَيْفَ كَانَ شَأْنُكَ؟ قَالَ خَرَجَنْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مُحْرِمِينَ فَوَقَعَ الْقَمْلُ فِي رَأْسِي وَلِحْيَتِي وَشَارِبِي حَتَّى وَقَعَ فِي حَاجِبِي فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ هَذَا ادْعُ الْحَالِقَ فَجَاءَ الْحَالِقُ فَحَلَقَ رأسي" . وجاء في (معجم ابن الأعرابي لابن درهم البصري ج 4 ص 202) "عن ابن عمر قال: قال رسول الله لكعب بن عجرة: أتؤذيك هوام رأسك؟ يعني قمل رأسك، قال: نعم قال: احلق رأسك وافتد. فافتدى ببقرة"

والغريب ان حلق الشعر لم يكن مباحا في السابق، ويبدو ان ضرورات مكافحة القمل هي التي اباحت حلاقته. جاء في (تفسير الطبري ج 2 ص 235): قال شيخنا علي بن عبيد الله اقتضى قوله: (سورة البقرة 196) (مرتلة) "ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي مَحِلَّه" تحريم حلق الشعر سواء وجد به الأذى أو لم يوجد حتى نزل "فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" فاقتضى هذا إباحة حلق الشعر عند الأذى [القمل] مع الفدية فصار ناسخا لتحريمه المتقدم" وفي (موطأ مالك ج 1 ص 324) "إذا رَمَى الرجل المحرِم جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ حَلَّ له قَتْلُ الْقَمْلِ وَحَلْقُ الشَّعْرِ وَإِلْقَاءُ التَّفَثِ [أي الشعر المحلوق] وَلُبْسُ الثِّيَابِ"

دور طول الشعر في انتشار القمل
حالة الاعراب حتى بداية العشرينات



حالة شعر الرسول
غير انه من المستبعد ان النبي قد حلق شعره للتخلص من القمل، فكل الدلائل تشير الى ان النبي محمد كان يملك شعرا طويلا وله غدائر على عادات تلك الايام. بل ان عادة الشعر الطويل بقيت سارية بين بدو الصحراء العربية حتى اوائل القرن العشرين. قال الإمام النووي: (هذا، ولم يحلق النبي صلى الله عليه وسلم رأسه (أي بالكلية) في سني الهجرة إلا عام الحديبية ثم عام عمرة القضاء ثم عام حجة الوداع) . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير شعر الرأس راجله)، أخرجه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح.
غير ان النبي لم يكتفي بالشعر الطويل والغدائر وانما كان يدهن شعره بالدهون، على عادة تلك الايام، وعلى الاغلب دهون طبيعية، بما يجعل من الصعب مكافحة القمل. روى النسائي في سننه عن أبي قتادة (أنه كان له جمة ضخمة فسأل النبي صلى الله عليه و سلم فأمره أن يحسن إليها وأن يترجل كل يوم[اي يسرح شعره كل يوم]). وفي رواية : (قلت : يا رسول الله : إن لي جمة أفأرجلها. قال : نعم أكرمها فكان قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين من أجل قوله : أكرمها).
أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( مَن كان له شعر فليكرمه ) . رواه أبو داود (4163) وحسَّنه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (10/368) . وما رواه ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبيا قد حلق بعض شعره وترك بعضه فنهاهم عن ذلك وقال: (احلقوه كله أو اتركوه كله) رواه أبوداود.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أرجِّل رأسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض [والترجيل هو تسريح الشعر] . رواه البخاري (291) .

وكان شعره صلى الله عليه وسلم يصل إلى شحمة أذنيه ، وإلى ما بين أذنيه وعاتقه ، وكان يضرب منكبيه ، وكان – إذا طال شعره - يجعله أربع ضفائر .
فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضرب شعرُه منكبيه . رواه البخاري (5563) ومسلم (2338) .

وقال أنس بن مالك رضي الله عنه : كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أذنيه وعاتقه . رواه البخاري (5565) ومسلم (2338) .

وفي رواية عند مسلم : ( كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنصاف أذنيه ) .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق الوفرة[الوفرة : شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن] ودون الجمة [الجُمَّة : شعر الرأس إذا سقط على المنكبين] . رواه الترمذي (1755) وأبو داود (4187) وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" .


وعن أم هانئ رضي الله عنها قالت : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وله أربع غدائر[والغدائر هي الضفائر] . رواه الترمذي (1781) وأبو داود (4191) وابن ماجه (3631) . والحديث : حسَّنه ابن حجر في "فتح الباري" ، وصححه الألباني في "مختصر الشمائل" (23) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
" وما دل عليه الحديث من كون شعره صلى الله عليه وسلم كان إلى قرب منكبيه كان غالب أحواله ، وكان ربما طال حتى يصير ذؤابة ويتخذ منه عقائص وضفائر كما أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن من حديث أم هانئ قالت‏ : ‏ ( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وله أربع غدائر ) وفي لفظ : ( أربع ضفائر ) وفي رواية ابن ماجه : ( أربع غدائر يعني ضفائر ) ‏ وهذا محمول على الحال التي يبعد عهده بتعهده شعره فيها وهي حالة الشغل بالسفر ونحوه " انتهى باختصار . "فتح الباري" (10/360) .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، فسدل النبي صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعد)، أخرجه البخاري ومسلم. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت إذا أردت أن أفرق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم صدعت الفرق من نافوخه وأرسل ناصيته بين عينيه).

طرق التنظيف من البراز والبول
وعلى الرغم من ان النظافة لاتمنع القمل، إلا ان ذلك لايعني ان الناس في مجتمع محمد كانوا نظيفين، بل لدينا دلائل على العكس، بما فيه مايخص نظافة الرسول نفسه، الذي لم يكن يغسل يديه بعد البراز او البول..
في حديث عن عبد الله بن العباس، في تهذيب السنن، يقول:" أن رسول الله (ص) تبرز ثم خرج فطعم ولم يمس ماءً" (المحدث ابن القيم، تهذيب السنن، ص او رقم 233/10، إسناده صحيح). وقد جاء هذا الحديث بأشكال اخرى انظر: ( مسند احمد، ص او رقم 317/3، وفي ص 84/5، وفي ص او رقم 90/5)
وايضا يقول عبد الله بن العباس: خرج من الخلاء فأتي بطعام فقالوا: الا نأتك بطهر، فقال: لا أصلي فأتطهر وبعضهم يقول فيه ألا تتوضأ فقال: ماأردت الصلاة فأتوضأ، ثم تناول عرقا فأكل منه ولم يمس ماء (المحدث ابن عبد البر، المصدر: الاستذكار، ص او رقم 324/1)

احاديث الاستنجاء
والواقع ان الاحاديث تدلل على ان استخدام الاستنجاء (إزالة ماخرج من المؤخرة والعضو) بالحصى.
في حديث عائشة رضي الله عنها عن الرسول: (إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ, فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ) [رواه أبو داود بإسناد صحيح].
وفي حديث سلمان رضي الله عنه قال : (نَهَانَا -النبي صلى الله عليه وسلم- ... أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ) [رواه مسلم] .
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلا بِالْعِظَامِ ؛ فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ ) [رواه الترمذي والنسائي بإسناد صحيح] .
وبالطبع كانوا يقضون حاجتهم حتى في وسط السوق، لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (...وَمَا أُبَالِي أَوَسْطَ القُبُوِرِ قَضَيْتُ حَاجَتِي أَوْ وَسْطَ السُّوقِ ) [رواه ابن ماجه بإسناد صحيح] .

النظافة في عصر محمد
وفي حديث لعبد الله بن قيس، ذكره الترمذي، يقول:
لو رأيتَنا ونحنُ معَ رسولِ اللهِ وأصابَتْنَا السماءُ لحسِبْتَ أن ريحَنَا ريحَ الضأْنِ(ريح الضأن=ريح الغنم)
الراوي:أبو موسى الأشعري عن عبدالله بن قيس المحدث:الترمذي-سنن الترمذي - الصفحة أو الرقم: 2479
خلاصة حكم المحدث: صحيح

والواقع أن هناك ثلة من الاحاديث الشريفة توضح لنا الحالة الصحية للعرب.
روى ابن عمر أن رجلا مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم فلم يرد عليه السلام قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح
_ وعن جابر أن رجلا مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك __ رواه ابن ماجة
_ روى أبو سعيد قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتيهما يتحدثان فان الله يمقت ذلك __ رواه أبو داود
-وعن عبد الرحمن بن حسنة قال انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخرج ومعه درقة ثم استتر بها ثم بال فقلنا انظروا اليه يبول كما تبول المرأة فسمع ذلك فقال ألم تعلموا مالقى صاحب بني اسرائيل كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم فنهاهم فعذب في قبره (سنن ابي داود)
وفي مثل هكذا بيئة من الطبيعي انهم لم يكونوا يعيرون اهمية حتى لبول الحيوانات في مساجدهم، فعبد الله بن عمر يقول:
كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك .
الراوي: عبدالله بن عمر المحدث: البخاري- صحيح البخاري-الدرجة: [صحيح] الرقم: 174. هذا مع ان محمد عرف الحمامات من اهل الشام، ويبدو انه كان يعتقد ان اول حمام بناه سليمان: رقم الحديث: 131
(حديث مرفوع) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ ، ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو حَفْصٍ الأَبَّارُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَوْدِيِّ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " أَوَّلُ مَنْ صُنِعَتْ لَهُ الْحَمَّامَاتُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ فَلَمَّا دَخَلَهُ وَجَدَ غَمَّهُ وَحَرَّهُ ، فَقَالَ : أَوَّهْ ثُمَّ أَوَّهْ قَبْلَ أَنْ لا تَكُونَ أَوَّهْ " . (المصدر)

مراحيض الرومان
هذا في وقت كانت لدى البيزنطيين مراحيض منذ عام، 300 سنة قبل الميلاد.. ، يصل اليها الماء الجاري..وكانوا ينظفون مؤخرتهم بالاسفنج والماء... وكان الذهاب الى المراحيض متعة لانها مراحيض جماعية حيث يجلسون ويتسامرون...كما ترون في الصورة التخيلية.
في موضوع نشر على صفحات مجلة ناتشور بعنوان The secret history of ancient toilets كتب وصفا عن العديد من المراحيض التي جرى العثور عليها في انحاء الامبراطورية المختلفة، بما فيه مراحيض للعبيد. والمصدر السابق يشير الى العثور على نماذج لهذه المراحيض في بلاد الرافدين من القرن الرابع ميلادي، بعمق 4،5 متر . ويعترف الاركيولوجي archaeologist Augusta McMahon ان لااحد يرغب بدراسة هذه المراحيض الدي جرى العثور عليها في بلاد الرافدين، لربما لان غالبية البيوت الحالية في بلاد الرافدين نفسها لاتملك مراحيض اليوم. بعد ذلك بالف عام جرى العثور في جزيرة كريتا على مراحيض محسنة حيث يمكن تنظيفها بالمياه الجارية.

في حين ان العرب كانوا لازالوا يستخدمون الحجارة لتظيف مؤخراتهم بثلاثة احجار، بعد 900 عاما من اكتشاف الروم والبيزنطيين للمراحيض. والغريب ان العرب استخدموا الحجارة نزولا عند اوامر الهية، إذ أن تنظيف المؤخرة تتطلب أحاديث شريفة ومنها الذي يقول: (إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ, فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ) [رواه أبو داود بإسناد صحيح]. والغريب ان قسم من المسلمين اليوم يرفض تنظيف مؤخرته بالورق ويصر على التشطيف بالماء، مع ان السنة المطهرة كانت ان يقوم بتنظيفها بالحجر..

بول وبراز الرسول في الفقه الاسلامي
قال النووي في المجموع
وَأَمَّا بَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَمُهُ فَفِيهِمَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيّ ِينَ , وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَقَلِيلٌ مِنْهُمْ فِي الْعَذِرَةِ وَجْهَيْنِ وَنَقَلَهُمَا فِي الْعَذِرَةِ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الْخُرَاسَانِيّ ِينَ , وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْغَزَالِيِّ طَرْدَهُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْعَذِرَةِ , وَزَعَمَ أَنَّ الْعَذِرَةَ نَجِسَةٌ بِالِاتِّفَاقِ , وَأَنَّ الْخِلَافَ مَخْصُوصٌ بِالْبَوْلِ وَالدَّمِ , وَهَذَا الْإِنْكَارُ غَلَطٌ , بَلْ الْخِلَافُ فِي الْعَذِرَةِ مَشْهُورٌ , نَقَلَهُ غَيْرُ الْغَزَالِيِّ كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَصَاحِبِ الْبَيَانِ وَآخَرِينَ , وَأَشَارَ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ فَقَالُوا : فِي فَضَلَاتِ بَدَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَوْلِهِ وَدَمِهِ وَغَيْرِهِمَا وَجْهَانِ , وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ فِي الْخَصَائِصِ : قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : جَمِيعُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَاهِرٌ , قَالَ : وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ , فَهَذَا نَقْلُ الْقَفَّالِ وَهُوَ شَيْخُ طَرِيقَةِ الْخُرَاسَانِيّ ِينَ وَعَلَيْهِ مَدَارُهَا , وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَةِ هَذِهِ الْفَضَلَاتِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَنَزَّهُ مِنْهَا , وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهَا بِالْحَدِيثَيْن ِ الْمَعْرُوفَيْن ِ : { أَنَّ أَبَا طَيْبَةَ الْحَاجِمَ حَجَمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرِبَ دَمَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ } , { وَأَنَّ امْرَأَةً شَرِبَتْ بَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا } وَحَدِيثُ أَبِي طَيْبَةَ ضَعِيفٌ , وَحَدِيثُ شُرْبِ الْمَرْأَةِ الْبَوْلَ صَحِيحٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي ّ وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ , وَهُوَ كَافٍ فِي الِاحْتِجَاجِ لِكُلِّ الْفَضَلَاتِ قِيَاسًا . وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا , وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِغُسْلِ فَمِهَا , وَلَا نَهَاهَا عَنْ الْعَوْدِ إلَى مِثْلِهِ , وَأَجَابَ الْقَائِلُ بِالطَّهَارَةِ عَنْ تَنَزُّهِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالنَّظَافَةِ , وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ نَجَاسَةُ الدَّمِ وَالْفَضَلَاتِ , وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّون َ , وَخَالَفَهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فَقَالَ : الْأَصَحُّ طَهَارَةُ الْجَمِيعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قلت (أبو معاذ)و الإشتغال بغير هذه المسائل هو الأولى و لعل الأخ يريد المعرفة فها نحن أرشدناك للخلاف في المسألة فلا تشتغل بها كثيرا و احرص على ما ينفعك.

معاناة العرب من القمل
في بجهة المجالس ومتعة المجالس، باب في البراغيث والبق والبعوض
في الحديث المرفوع: لا تلعنوا البرغوث فإنه نبه نبيا من الأنبياء لصلاة الصبح، حديث ليس بقوي الإسناد.انفرد به سويد أبو حاتم، يباع الطعام عن قتادة، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أعرابي بالبصرة:
ظللت بالبصرة في مراش
وفي براغيث أذاها فاشي
من نافر منها وذي خراش
يرفع جنبي عن الفراش
فأنا في حرب وفي تخراش
يترك في جنبي كالحواشي
وزوجة دائمة الهراش
تغلي كغلي المرجل النشناش
وقال رجل من بني حمان، وقع في جند الشام، مندوبا في بعض حصون الساحل:
أأنصر أهل الشام ممن يكيدهم ... وأهلي بنجد ذات حرص على النصر
براغيث تؤذيني إذا الناس نوموا ... وبق أقاسيه على ساحل البحر
تضيف عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، رجلا من الأعراب كان يأتيه يتصيد عنده، ففرش له في بيت خال من ناحية داره، فبات فيه، ثم غدا عليه فقال: يا أبا عثمان! ماذا رأيت هذه الليلة! قال: وما ذاك؟ قال: سود حدب زرق آذينني، وقد قلت فيهن شعرا، قال: وما هو؟ قال: قلت:
الليل نصفان نصف للهموم فما ... أقضى رقادا ونصف للبراغيث
أبيت حيث تساميني أوائلها ... أنزو وأخلط تسبيحا بتغويث
سود مداليج في الظلماء مؤذية ... وليس ملتمس منها بمشبوث
كأنهن وجلدي إذ خلون به ... أيتام سوء أغاروا في مواريث
ليل البراغيث أنكاني وأرقني ... لا بارك الله في ليل البراغيث
قال أعرابي:
إن البراغيث لهن عض ... وحكة وألم ممض
كأنما تنبتهن الأرض
وذكرت البراغيث عند أعرابي من قيس، فقال: ليلها ناصب ومددها دائب.
وذكرت البراغيث عند رجل من كلب، فقال: أخزاها الله، ما أدنأ صغارها، وما أشر كبارها، وأخفى أنظارها، وأقبح آثارها.
قال أحمد بن إسحاق:
ما للبراغيث أفنى الله جملتها ... حتى يقوم برغوث بدينارلروضة من رياض الحزن معشبة ... بها الظباء تراعي غب أمطار
أشهى لقلبي من درب به نبط ... ومنزل بين حجام وجزار
وقال آ خر:
ما للبراغيث أخزى الله ليلتها ... من يلق منهن ما لاقيت لم ينم
كأنهن وجلدي إذ ظفرن به ... وضمني مضجعي، يطلبنني بدم
قال أعرابي:
لم أر كاليوم ولا مذ قط ... أطول من ليلي بنهر بط
كأنما نجومه في ربط ... أبيت بين خطتي مشتط
من البعوض، ومن التغطي ... إذا تغنين غناء الزط
وكن مني بمكان القرط ... وخزنني وخزا كوخز الشرط
وقال آخر، يصف بعوضة وخرطومها:
مثل السفاة دائم طنينها ... ركب في خرطومها سكينها
ولأبي إسحق الصابي، وهو إبراهيم بن هلال الكاتب في البعوض قال:
ألحت صروف الدهر من كل جانب ... على بأصناف الأذى والجوائح
وأخرجنني من مواطن كان جنتي ... لحسن مرابعه وحسن الروائح
وعوضنني من ذلك الظل والجني ... على الرغم من أنفي بسكني البطائح
محل خسيس لا يطيب مساؤه ... لثاويه والإصباح ليس بصابح
بليت ببق ذي مناسر طعمه ... لحوم صناديد الرجال الجحاجح
وقد كنت في بغداد أشكو بغاثه ... فكيف اصطباري للبزاة الجوارح
أجاور في جنح الدجى كل جحفل ... يجالدني أبطاله بالصفائح
إذا سفكت كفى دما من بغوضة ... فذلك جزء من دم لي طائح
له وخزة في السمع قبل وقوعه ... على الجسم من تغريد نشوان صابح
فكم مستغيث ساهر العين صائح ... إلى مثله من شاهر العين صائح
وكم غائص في النوم يصفح نفسه ... لنبلة رام أو لطعنة رامح
لسويد بن منجوف العبدي، وكان قديما جاهليا:
أبي القلب أن يأتي السدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسدير غرير
به البق والحمى وأسد خفية ... وعمرو بن هند يعتدي ويجور
ولأعرابي من بني جفنة مازحا:
مر الجراد على زرعي فقلت له: ... الزم طريقك لا تولع بإفساد
فقال منهم خطيب فوق سنبلة ... أنا على سفر لابد من زاد
ولابن المعتز في البعوض أيضا:
بت ليلى كله لم أطرف ... لجرجس كالزئبر المنتف
يلسعننا بالسعر المخوف ... يعذب المهجة إن لم تتلف
ويثقب الجلد وراء المطرف ... حتى يرى فيه كشكل المصحف
ولي أصف ما لاقيت من البغوض بإشبيلية في الشرف، وفي مدينة قبتور ومدينة قبطيل، وذلك حين مبيتي بها، وما منه تلقي المدينة أيضا:
بعوض قبتور والقبطيل والشرف ... قد آذنت بذهاب النفس والتلف
فمن مثير دخان يستجير به ... وآخر مختف في الثوب ملتحف
قد غيب الرأس والرجلين مستترا ... بالبيت من طرف فيه إلى طرف
ويلي من الجرجس المثنى عقربه ... ينصب مثل عقاب جاع مختطف
يؤم أذني هجما كالمهدد لي ... وكالمنادي بأخذ الهارب النطف
خرطومه كسنان لا يقوم له ... ثوب مثنى ولو قد كان من خزف
يا ويله من عدو لست تدفعه ... إلا بلطم على الأعضاء منصرف
نفي البعوض أناسا من مساكنهم ... على البحيرة في غرب من الشرف
وساحل البحر طولا أصل منبته ... يغشى المدينة في الأبيات والغرف
وليس عنهم بستر أو مدافعة ... أو حيلة قد أعدوها بمنحرف
ولغيري في البعوض ببلنسية:
ضاقت بلنسية بي ... وذاد عنها غموضي
رقص البراغيث حولي ... على غناء البعوض


القمل في الفقه الاسلامي
والقمل له دورا هاما في الفقه الاسلامي. جاء في (تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق لابن علي الزيلعي ج 2 ص 66) "لو قَتَلَ أحد قَمْلَةً سَاقِطَةً على الْأَرْضِ لا شَيْءَ عليهِ .. وَإِنْ قَتَلَ قَمْلا كَثِيرًا أَطْعَمَ نِصْفَ صَاعٍ من بُرٍّ [قمح] وَلَوْ وَقَعَ في ثَوْبِهِ قَمْلٌ كَثِيرٌ فَأَلْقَاهُ على الشَّمْسِ لِيَمُوتَ الْقَمْلُ وَجَبَ عليه نِصْفُ صَاعٍ من بُرٍّ وَإِنْ لم يَقْصِدْ بِهِ قَتْلَ الْقَمْلِ لا شَيْءَ عليه" وللشافعي رأي آخر: فقد جاء في كتاب (الأم لابن إدريس الشافعي ج 2 ص 200 و201) "من قَتَلَ من الْمُحْرِمِينَ قَمْلَةً ظَاهِرَةً على جَسَدِهِ أو أَلْقَاهَا أو قَتَلَ قَمْلا حَلالٌ فَلا فِدْيَةَ عليه" وجاء في كتاب (المحلى لابن حزم ج 3 ص 86) "َإِنْ تَأَذَّى إنسان بِوَزَغَةٍ أو بُرْغُوثٍ أو قملة فوجب عليه دَفْعُهُنَّ عن نَفْسِهِ فَإِنْ كان في دَفْعِهِ قَتْلُهُنَّ دُونَ تَكَلُّفِ عَمَلٍ شَاغِلٍ عن الصَّلاَةِ فَلاَ حَرَجَ في ذلك لأننا قد رُوِّينَا عنه صلى الله عليه وسلم "الأَمْرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ" من طَرِيقِ أبي هُرَيْرَةَ وَسَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ وَأَمِّ شَرِيكٍ. وَلاَ يَجُوزُ له التَّفَلِّي في الصَّلاَةِ، وَلاَ أَنْ ينشغل بِرَبْطِ بُرْغُوثٍ أو قَمْلَةٍ في ثَوْبِهِ إذْ لاَ ضَرُورَةَ إلَى ذلك" وجاء في كتاب (الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف للنيسابوري ج 3 ص 277) "اختلفوا في قتل القمل في الصلاة فرخصت فيه طائفة، رُوِّينا عن أنس أنه كان يقتل القمل في الصلاة، وكان الحسن يقتل القمل في الصلاة" وجاء أيضا في كتاب (المحلى لابن حزم ج 7 ص 247) "عن عِكْرِمَةَ قال لاَ بَأْسَ أَنْ تُمَشِّطَ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ الْمَرْأَةَ الْحَرَامَ وَتَقْتُلَ قَمْلَ غَيْرِهَا" وفي (مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني ج 4 ص 412) تأتي قصة نرى منها ان بن عمر كان يتهكم على فقه القملة، إذ ورد: "حدثنا بن البيلماني قال كنت مع بن عمر إذ جاء رجل فقال ما تقول في محرم قتل قملة فقال بن عمر ينحر بَدَنَة [أي يذبح ذبيحة]. فضحكت فنظر إلي وقال لا تلمني. يسألني عن القملة، وأحدهم يثب على أخيه بالسيف!!!"

وحتى الازهر يرى علاقة للقمل بالدين الصحيح. ففي فتوى الأزهر رقم ( 685) بتاريخ 27 مايو 1919م عن تفشى حمى التيفوس: أفتى فضيلة الشيخ محمد بخيت المفتى قائلا: "كل من الحمى التيفوسية والحمى الراجعة تنتقل من شخص إلى آخر بواسطة القمل ، وشر المهلكات أمراض تتفشى وحميات تنتشر وتفتك بالنفوس فتكا ذريعا بإهمالنا تعاليم الدين الصحيحة . هذا المرض يسبب ارتفاع درجة الحرارة ويؤدي إلى الموت". فهل اصابة محمد بالقمل تفتح الباب لاتهامه بأهمال تعاليم الدين الصحيح، او انه مات بالحمى التيفوسية؟
غير ان كل ذلك لم يمنع ان بعض الشيوخ كانوا يعتقدون التمسك بالقمل جزء من العقيدة حيث ورد في (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام لابن عثمان الذهبي ج 50 ص 255و 256) أن "الشيخ محيي الدين النووي .. كان إماما بارعا وكان شديد الورع والزهد .. وترك الملبس إلى الثياب الرثة المرقعة، ولم يدخل الحمام .. وحكى لنا الشيخ أبو الحسن بن العطار أن الشيخ قلع ثوبه ففلاه أحد الطلبة، وكان فيه قمل فنهاه وقال: دعه"

المصادر
1- ( المصنف، ابن ابي شيبة، مجلد 5، ص 153، الطبعة الاولى 2006 م، شركة دار القبلة/السعودية. جدة، مؤسسة علوم القرآن/ سوريا. دمشق، طباعة واخراج دار قرطبة للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت)

2- المصدر السابق، ص 154
3- المصدر السابق ص 156.
4- المصدر السابق ص 157

البراغيث والبعوض والذباب والقمل في التراث
إدارة الافتاء