تراث وفقـه
 
 
00/04/2011


 نصارى نجران، بين عهد الرسول ونكث عمر


 {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً} [الإسراء: 34] {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91] {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْـمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} [التوبة: 4].

أعطى الرسول عهده لنصارى نجران، ابتدأه بأنه للسيد أبن الحارث بن كعب ولاأهل ملته. وكان بنو الحارث امنع العرب إذ روى عن النبي أنه عندما رأى وفدهم انه قال:" من هؤلاء الذين كأنهم من رجال الهند" وقال لهم:" بماذا كنتم تغلبون الناس يابني الحارث".

وكان بني الحارث يسكنون عالية نجد والحجاز ونجران، والاخيرة مشهورة بالوفد الذي جاء الى محمد والمباهلة بينهم وبين النبي والتي انتهت بعهد النبي لهم. يقول شاعرهم الحارب بن كعب بن عمرو بو وعلة المذحجي القحطاني: 

فَلَمّا أَرادَ اللَـهُ رُشـدي وَزُلفَتـي = أَضاءَ سَبيلَ الحَقِّ لـي وَهَدانِيـا
فَأَلقَيتُ عَنّي الغَيَّ لِلرُشدِ وَالهُـدى = وَيَمَّمـتُ نـوراً لِلحَنيفَـةِ بادِيـا
وَصِرتُ إِلى عيسى بنُ مَريَمَ هادِيا = رَشيداً فَسَمّاني المَسيـحُ حَوارِيـا
بَنِيَّ اِتَّقوا اللَهَ الَّـذي هُـوَ رَبُّكُـم = بَراكُم لَـهُ فيمـا بَـرا وَبَرانِيـا
لِنَعبُـدَهُ سُبحانَـهُ دونَ غَـيـرِهِ = لِنَستَدفِعَ البَلـوى بِـهِ وَالدَواهِيـا
وَنُؤمِنَ بِالإِنجيلِ وَالصُحُفِ الَّتـي = بها يَهتَدي مَن كانَ لِلوَحـيِ تالِيـا
بَنِيَّ صَحِبتُ الناسَ ثُـمَّ خَبِرتُهُـم = فَأَفضُلُهُم أَلفَيتُ مَن كـانَ واعِيـا



كتب النبي ( صلَّى الله عليه و آله ) كتابا إلى " أبي حارثة " أسقف نَجران دعا فيه أهالي نَجران إلى الإسلام ، فتشاور أبو حارثة مع جماعة من قومه فآل الأمر إلى إرسال وفد مؤلف من ستين رجلا من كبار نجران و علمائهم لمقابلة الرسول ( صلَّى الله عليه و آله ) و الاحتجاج أو التفاوض معه ، و ما أن وصل الوفد إلى المدينة حتى جرى بين النبي و بينهم نقاش و حوار طويل لم يؤد إلى نتيجة ، عندها أقترح عليهم النبي المباهلة ـ بأمر من الله ـ فقبلوا ذلك و حددوا لذلك يوما ، و هو اليوم الرابع و العشرين [2] من شهر ذي الحجة سنة : 10 هجرية .
لكن في اليوم الموعود عندما شاهد وفد نجران أن النبي ( صلَّى الله عليه و آله ) قد إصطحب أعز الخلق إليه و هم علي بن أبي طالب و ابنته فاطمة و الحسن و الحسين ، و قد جثا الرسول ( صلَّى الله عليه و آله ) على ركبتيه استعدادا للمباهلة ، انبهر الوفد بمعنويات الرسول و أهل بيته و بما حباهم الله تعالى من جلاله و عظمته ، فأبى التباهل .
قال العلامة الطريحي ـ صاحب كتاب مجمع البحرين ـ : و قالوا : حتى نرجع و ننظر ، فلما خلا بعضهم إلى بعض قالوا للعاقِب و كان ذا رأيهم : يا عبد المسيح ما ترى ؟ قال والله لقد عرفتم أن محمدا نبي مرسل و لقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم ، والله ما باهَل قومٌ نبيًّا قط فعاش كبيرهم و لا نبت صغيرهم ، فإن أبيتم إلا إلف دينكم فوادعوا الرجل و انصرفوا إلى بلادكم ، و ذلك بعد أن غدا النبي آخذا بيد علي و الحسن و الحسين ( عليهم السَّلام ) بين يديه ، و فاطمة ( عليها السَّلام ) خلفه ، و خرج النصارى يقدمهم أسقفهم أبو حارثة ، فقال الأسقف : إني لأرى و جوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا لأزاله بها ، فلا تباهلوا ، فلا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، فقالوا : يا أبا القاسم إنا لا نُباهِلَك و لكن نصالحك ، فصالحهم رسول الله ( صلَّى الله عليه و آله ) على أن يؤدوا إليه في كل عام ألفي حُلّة ، ألف في صفر و ألف في رجب ، و على ثلاثين درعا و ثلاثين فرسا و ثلاثين رمحا .
فكتب رسول الله كتابًا لأهل نجران[وردت بروايات مختلفة منها هذه الرواية]: " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ لِلأسْقُف أَبِي الْحَارِثِ، وَأَسَاقِفَةِ نَجْرَانَ، وَكَهَنَتِهِمْ، وَرُهْبَانِهِمْ، وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ جِوَارُ اللهِ وَرَسُولِهِ، لا يُغَيَّرُ أُسقفٌ مِنْ أسقفَتِهِ، وَلا رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ، وَلا كَاهِنٌ مِنْ كَهَانَتِهِ، وَلا يُغَيَّرُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ، وَلا سُلْطَانهُمْ، وَلا مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، جِوَارُ اللهِ وَرَسُولِهِ أَبَدًا مَا أَصْلَحُوا وَنَصَحُوا عَلَيْهِمْ غَيْر مُبْتَلَيْنَ بِظُلْمٍ وَلا ظَالِمِينَ[ابن كثير: السيرة النبوية 4/106، والبداية والنهاية 5/55، وابن القيم: زاد المعاد 3/549..]

معاهدة رسول الله نصارى جرباء وأذرح

كما عاهد رسول الله  نصارى جرباء وأَذْرُح[9]؛ فقد جاء في كتاب رسول الله  لهم: "هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ لأَهْلِ أَذْرُح؛ أَنَّهُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللهِ وَمُحَمَّدٍ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مِائَةُ دِينَارٍ فِي كُلِّ رَجَبٍ وَافِيَةً طَيِّبَةً، وَاللهُ كَفِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالنُّصْحِ وَالإِحْسَانِ لِلْمُسْلِمِينَ"[ ابن سعد: الطبقات الكبرى 1/290، وابن كثير: السيرة النبوية 4/30.].

إن رسول الله  يتحمَّل هنا مسئوليات ضخمة في توفير الأمان لقبائل ضعيفة، قليلة العَدَد، هزيلة الغَنَاء عن المسلمين مقابل مبلغ زهيد لا يساوي شيئًا؛ وذلك من أَجْلِ ضمان السلام مع كل من يحيط بالمسلمين.

معاهدة رسول الله نصارى أيلة

أمَّا معاهدته مع نصارى أيْلة فجاءت بعد عفو رسول الله  ومعاملته الكريمة لنصارى دومة الجندل؛ حيث قدم (يُحَنَّة بن رؤبة) ملك أَيْلة[ أَيْلة: هي قرية أم الرشراش المصرية على ساحل البحر الأحمر، والتي يحتلها اليهود، وسمَّوها: إيلات] وما حولها -وكان نصرانيًّا- على رسول الله  وهو في تبوك، وهو ما رواه جابر : رأيت يُحَنَّة بن رؤبة يوم أتى النبيَّ  وعليه صليب من ذهب وهو معقود الناصية، فلمَّا رأى النبيَّ  كفَّر، وأومأ برأسه (أي: طأطأ رأسه خضوعًا ووضع يده على صدره)، فأومأ إليه النبي : "ارْفَعْ رَأْسَكَ". وصالحه يومئذٍ، وكساه بُردًا يمانيًّا[انظر: البيهقي: السنن الكبرى 9/185. وانظر أيضًا: الصالحي الشامي: سبل الهدى والرشاد 5/460.].

وقد كان نصُّ الصلح: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ أَمَنَةٌ مِنَ اللهِ، ومُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللهِ لِيُحَنَّةَ بْنِ رُؤْبَةَ وَأَهْلِ أَيْلَةَ، سُفُنُهُمْ وَسَيَّارَتُهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ لَهُمْ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ، وَأَهْلِ الْبَحْرِ، فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَثًا فَإِنَّهُ لاَ يَحُولُ مَالُهُ دُونَ نَفْسِهِ.. وَإِنَّهُ طَيِّبٌ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنَ النَّاسِ.. وَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ أَنْ يُمْنَعُوا مَاءً يَرِدُونَهُ، وَلاَ طَرِيقًا يُرِيدُونَهُ مِنْ بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ..."[ ابن هشام: السيرة النبوية 2/525، 526، وابن سيد الناس: عيون الأثر 2/258، وابن القيم: زاد المعاد 3/466.].

نص المعاهدة بين نصارى نجران والنبي محمد

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب كتبه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، رسول الله إلى الناس كافة، بشيراً ونذيراً، ومؤتمناً على وديعة الله في خلقه، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل والبيان، وكان عزيزاً حكيماً.

للسيد ابن الحارث بن كعب، ولأهل ملته، ولجميع من ينتمي دعوة النصرانية في شرق الأرض وغربها، قريبها وبعيدها، فصيحها وأعجمها، معروفها ومجهولها، كتاباً لهم عهداً مرعياً، وسجلاً منشوراً، سنّة منه وعدلاً، وذمة محفوظة، من رعاها كان بالإسلام متمسكاً، ولما فيه من الخير مستأهلاً، ومن ضيّعها ونكث العهد الذي فيها، وخالفه إلى غيره، وتعدّى فيه ما أمرت، كان لعهد الله ناكثاً، ولميثاقه ناقصاً، وبذمته مستهيناً، وللعنته مستوجباً، سلطاناً كان أو غيره، باعطاء العهد على نفسي، بما أعطيهم عهد الله وميثاقه، وذمة أنبيائه وأصفيانه، وأوليائه من المؤمنين والمسلمين، في الأولين والآخرين، ذمتي وميثاقي.

وأشد ما أخذ الله على بني إسرائيل من حق الطاعة، وإيثار الفريضة، والوفاء بعهد الله، أن أحفظ أقاصيهم في ثغوري بخيلي ورجالي، وسلاحي وقوتي، وأتباعي من المسلمين في كل ناحية من نواحي العدو، بعيداً كان أو قريباً، سلماً كان أو حرباً، وأن أحمي جانبهم، وأذبّ عنهم، وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم، ومواضع الرهبان، ومواطن السيّاح، حيث كانوا من جبل أو واد، أو مغار، أو عمران، أو سهل أو رمل.

وأن أحرس دينهم وملتهم أين كانوا، من برّ أو بحر، شرقاً وغرباً، بما أحفظ به نفسي وخاصتي، وأهل الإسلام من ملتي، وأن أدخلهم في ذمتي وأماني، من كل أذى ومكروه، أو مؤونة أو تبعة.

وأن أكون من ورائهم، ذاباً عنهم كل عدو، يريدني وإياهم بسوء، بنفسي وأعواني، وأتباعي، وأهل ملتي، وأنا ذو السلطنة عليهم، ولذلك يجب عليّ رعايتهم وحفظهم من كل مكروه، ولا يصل ذلك إليهم، حتى يصل إليً وأصحابي الذابين عن بيضة الإسلام معي، وأن أعزل عنهم الأذى في المؤن التي يحملها أهل الجهاد من الغارة والخراج، إلا ما طلبت به أنفسهم، وليس عليهم اجبار ولا إكراه على شئ من ذلك، ولا تغيير أسقف عن اسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته،ولا سائح عن سياحته، ولا هدم بيت من بيوت بيعتهم، ولا ادخال شئ من بنائهم في شئ من أبنيته المساجد، ولا منازل المسلمين.

فمن فعل ذلك فقد نكث عهد الله، وخالف رسوله، وحال عن ذمة الله.

وأن لا يحمل الرهبان والأساقفة، ولا من تعبد منهم، أو لبس الصوف، أو توحّد في الجبال والمواضع المعتزلة عن الأمصار شيئاً من الجزية والخراج، وأن يقتصر على غيرهم من النصارى، ممن ليس بمتعبد ولا راهب ولا سائح على أربعة دراهم في كل سنة، أو ثوب حبرة، أو عصب اليمن، إعانة للمسلمين وقوة في بيت المال. وإن لم يسهل الثوب عليهم طلب منهم ثمنه، ولا يقوّم ذلك عليهم إلا بما تطيّب به أنفسهم، ولا تتجاوز جزية اصحاب الخراج، والعقارات والتجارات العظيمة في البحر والأرض، واستخراج معادن الجوهر والذهب والفضة، وذوي الأموال الفاشية والقوة ممن ينتحل دين النصرانية أكثر من اثني عشر درهماً من الجمهور في كل عام، إذا كانوا للمواضع قاطنين وفيها مقيمين، ولا يطلب ذلك من عابر سبيل ليس من قطان البلد، ولا أهل الاجتياز ممن لا تعرف مواضعه، ولا خراج، ولا جزية إلا [على] من يكون في يده ميراث من ميراث الأرض، ممن يجب فيه للسلطان حق، فيؤدي ذلك على ما يؤديه مثله ولا يجار عليه، ولا يحمل منه إلا قدر طاقته وقوته على عمل الأرض وعمارتها، واقبال ثمرتها. ولا يكلّف شططاً ولا يتجاوز به حد أصحاب الخراج من نظرائه، ولا يكلف أحد من أهل الذمة منهم الخروج مع المسلمين إلى عدوهم، لملاقاة الحروب، ومكاشفة الأقران، فأنه ليس على أهل الذمة مباشرة القتال. وإنما أعطوا الذمة عليّ، على ان لا يكلفوا ذلك. وأن يكون المسلمون ذبّاباً عنهم، وجواراً من دونهم. ولا يكرهوا على تجهيز أحد من المسلمين إلى الحرب الذين يلقون فيه عدوهم بقوة السلاح أو خيل، إلا أن يتبرعوا من تلقاء أنفسهم. فيكون من فعل ذلك منهم وتبرع به، حمد عليه وعرف له وكوفئ به.

ولا يجبر أحد ممن كانوا على ملة النصرانية كرهاً على الإسلام: "ولا تجادلوا [أهل الكتاب] إلا بالتي هي أحسن". ويخفض لهم جناح الرحمة ويكفّ عنهم أذى المكروه حيث كانوا، واين كانوا من البلاد.

إن أجرم أحد من النصارى، أو جنى جناية، فعلى المسلمين نصره، والمنع والذبّ عنه، والعزم عن جريرته، والدخول في الصلح بينه وبين من جنى عليه. فإما مُنّ عليه، أو يفادى به. ولا يرفضوا، ولا يخذلوا، ولا يتركوا هملاً، لأني أعطيتهم عهد الله، على أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، وعلى المسلمين ما عليهم بالعهد الذي استوجبوا حق الذمام، والذبّ عن الحرمة، واستوجبوا أن يذبّ عنهم كل مكروه، حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم، وفيما عليهم.

ولا يحملوا من النكاح شططاً لا يريدونه، ولا يكره أهل البنت على تزويج المسلمين، ولا يضارّوا في ذلك أن منعوا خاطباً وأبوا تزويجاً، لأن ذلك لا يكون إلا بطيبة قلوبهم، ومسامحة أهوائهم، إن أحبوه ورضوا به إذا صارت النصرانية عند المسلم، فعليه أن يرضى بنصرانيتها، ويتبع هواها في الاقتداء برؤسائها، والأخذ بمعالم دينها، ولا يمنعها ذلك. فمن خالف عهد الله وعصى ميثاق رسوله، وهو عند الله من الكاذبين.

ولهم إن احتاجوا في مرمّة بيعهم وصوامعهم أو شئ من مصالح أمورهم ودينهم إلى رفد من المسلمين وتقوية لهم على مرمتها، أن يرفدوا على ذلك ويعاونوا، ولا يكون ذلك ديناً عليهم، بل تقوية لهم على مصلحة دينهم، ووفاء بعهد رسول الله موهبة لهم، ومنّة لله ورسوله عليهم.

ولهم أن لا يلزم أحد منهم، بأن يكون في الحرب بين المسلمين وعدوهم، رسولاً أو دليلاً، أو عوناً، أو متخبراً، ولا شيئاً مما يساس به الحرب، فمن فعل ذلك بأحد منهم، كان ظالماً لله ولرسوله عاصياً، من ذمته متخلياً، ولا يسعه في إيمانه إلا الوفاء بهذه الشرائط التي شركها محمد بن عبد الله رسول الله لأهل ملّة النصرانية، واشترط عليهم أموراً يجب عليهم في دينهم التمسك والوفاء بما عاهدهم عليه منها.

ألاّ يكون أحد منهم عيناً ولا رقيباً لأحد من أهل الحرب على أحد من المسلمين في سرّه وعلانيته، ولا يأوي منازلهم عدوّ للمسلمين، يريدون به أخذ الفرصة وانتهاز الوثبة، ولا ينزلوا أوطانهم، ولا ضياعهم ولا شئ من مساكن عباداتهم ولا غيرهم من أهل الملّة، ولا يرفعوا أحداً من أهل الحرب على المسلمين بتقوية لهم بسلاح، ولا خيل، ولا رجال، ولا غيرهم، ولا يصانعوهم.

ولا يقروا من نزل عليهم من المسلمين ثلاثة ايام بلياليها في انفسهم ودوابهم حيث كانوا وحيث مالوا، يبذلون لهم القرى الذي منه يأكلون، ولا يكلفوا سوى ذلك، فيحملوا الأذى عليهم والمكروه. وان احتيج إلى اخفاء أحد من المسلمين عندهم، وعند منازلهم، ومواطن عبادتهم، وأن يأووهم ويرفدوهم ويواسوهم فيما يعيشوا به ما كانوا مجتمعين، وأن يكتموا عليهم، ولا يظهروا العدو على عوراتهم، ولا يخلّوا شيئاً من الواجب عليهم.

فمن نكث شيئاً من هذه الشرائط وتعداها إلى غيرها فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله. وعليهم العهود والمواثيق التي أخذت عن الرهبان وأخذتها وما اخذ كل نبي على أمته من الأمان والوفاء لهم وحفظهم به ولا ينقض ذلك ولا يغيّر حتى تقوم الساعة إن شاء الله.

وشهد هذا الكتاب الذي كتبه محمد بن عبد الله بينه وبين النصارى الذين اشترط عليهم وكتب هذا العهد لهم:

عتيق بن أبي قحافة
علي بن أبي طالب
الفضل بن العباس                           
سعد بن معاذ
زيد بن ثابت
عمر بن الخطاب
أبو ذر
عبد الله بن مسعود
سعد بن عبادة
عثمان بن عفان
أبو الدرداء
العباس بن عبد المطلب
ثمامة بن قيس
طلحة بن عبد الله
أبو هريرة
زيد بن أرقم
مصعب بن جبير
أبو حذيفة
عبد الله بن خفاف
جعفر بن أبي طالب
عبد الله بن زيد
أسامة بن زيد
أبو الغالية (كذا)
خوات بن جبير
كعب بن مالك
حرقوس بن زهير
عمار بن مظعون
عبد الله بن عمرو بن العاص
هاشم بن عتبه
حسان بن ثابت
وكتبه معاوية بن أبي سفيان

(1) مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، جمعها محمد حميد الله –دار النفائس– بيروت، الطبعة السادسة 1987 البيهقي: دلائل النبوة، باب وفد نجران 5/485، وأبو يوسف: الخراج ص72، وابن سعد: الطبقات الكبرى 1/288.

 تاريخ اليعقوبي 2 : 83 ، وقال محمد بن سعد في الطبقات 1 : 266 وفي ط 1 ق 2 : 21 كتب المغيرة ( ابن شعبة الثقفي ) بلا اشهاد ، وتبعه ابن القيم الجوزية في زاد المعاد 3 : 41 . وفي الخراج لأبي يوسف : 72 وفي ط : 78 : كتبه عبد اللّه بن أبي بكر . وفي الأموال لأبي عُبيد : 272 نقل الكتاب عن أبي المُليح وقال : شهد بذلك عثمان بن عفان ، ومُعيقب ، وكتب . ثم نقله عن عروة بن الزبير : 275 ، ولم يذكر الكاتب وزاد في الاشهاد : أبا سفيان ، والأقرع بن حابس الحنظلي التميمي ، ومالك بن عوف النصري ، وغيلان بن عمرو .

بينما جاء في المصنّف لابن أبي شيبة 14 : 550 و 551 والأموال لأبي عبيد 243 و 273 والأموال لابن زنجويه 1 : 276 و 481 عن سالم بن أبي الجعد وفي الخراج لأبي يوسف : 80 : أن الكتاب كان في أديم أحمر ، وكان علي عليه‏السلام كتب الكتاب بين النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وبين أهل نجران ، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 10 : 120 عن سالم ، وعن عبد خير قالا : لما ولي علي عليه‏السلام جاءه أهل نجران وأدخل بعضهم يده في كمّه وأخرج كتابا ( الأديم الأحمر ) فوضعه في يد علي عليه‏السلام وقال : يا أمير المؤمنين ، هذا خطك بيمينك وإملاء رسول اللّه عليك . قال عبدخير : وكنت قريبا من علي عليه‏السلام فرأيته قد جرت الدموع على خدّه ثم رفع رأسه وقال لهم : يا أهل نجران ، إنّ هذا لآخر كتاب كتبته بين يدي رسول اللّه . وانظر مكاتيب الرسول 3 : 148 ـ 182 و 2 : 489 ـ 507 .



_________________________


حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد أن عمر أجلى أهل نجران اليهود والنصارى، واشترى بياض أرضهم وكرومهم ، فعامل عمر الناس إن هم جاءوا بالبقر والحديد من عندهم فلهم الثلثان ولعمر الثلث ، وإن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر ، وعاملهم النخل على أن لهم الخمس ولعمر أربعة أخماس ، وعاملهم الكرم على أن لهم الثلث ولعمر الثلثان.

لماذا اجلاهم عمر وانتهك عهد الرسول لهم؟
حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن سالم قال : كان أهل نجران قد بلغوا أربعين ألفا ، قال : وكان عمر يخافهم أن يميلوا على المسلمين (!!)، فتحاسدوا بينهم ، قال : فأتوا عمر، فقالوا : إنا قد تحاسدنا بيننا فأجلنا ، قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كتب لهم كتابا أن لا يجلوا ، قال : فاغتنمها عمر فأجلاهم ، فندموا فأتوه فقالوا أقلنا ، فأبى أن يقيلهم ، فلما قدم علي أتوه فقالوا : إنا نسألك بخط يمينك وشفاعتك عند نبيك ألا أقلتنا ، فأبى وقال : ويحكم ، إن عمر كان رشيد الأمر ، قال سالم:فكانوا يرون أن عليا لو كان طاعنا على عمر في شيء من أمره طعن عليه في أهل نجران [ المغازي، ص: 565 ]

وقد بقيت النصرانية قائمة في اليمن في أيام الإسلام، ففي الأخبار الكنسية أن رئيس البطارقة النساطرة "طيموثاوس"، نصب في أواخر القرن الثامن للميلاد أسقفاً لنجران وصنعاء، اسمه "بطرس". وفي "الفهرست" لابن النديم، أنه التقى براهب من نجران يدعى حساّن، كان قد انفذه الجاثليق إلى الصين، ليتفقد مع خمسة أناسي من النصارى أحوال نصاراها، فعاد منها سنة "377" للهجرة، وأخبره بعجائب تلك البلاد. وذكر أنه في حوالي سنة1210 للميلاد كان في منطقة صنعاء خمسة أساقفة، وأسقف في مدينة زبيد وأسقف في نجران، وأنه كان في حوالى سنة 1250 للميلاد أسقف في عدن.
إن بقاء النصرانية في نجران وفي مواضع من اليمن وأنحاء أخرى من جزبرة العرب، وبقاء اليهود في اليمن إلى زمن غير بعيد ، يشير إلى أن ما ذهب اليه كثير من المؤرخين من إجلاء أهل الكتاب بأمر الخليفة "عمر" عن جزيرة العرب ثم بقية الخلفاء الذين ساروا على حكم: "لا يجتمع دينان في جزبرة العرب" فيه مبالغة، او ان عمر أكتفى بإجلاء غالبية نصارى جيزان وحدهم، على الرعم من ان عهدة النبي لهم تحديدا..



العهدة العمرية كتاب المغازي