تراث وفقـه
 
 
13/01/2013


 المسكوت عنه في مسلمة الحنفي


http://alzakera.eu/
1- المسكوت عنه في الرواية الاسلامية عن مسلمة الحنفي
من هو مسلمة الحنفي ؟
ماعلاقته بمحمد بن عبدالله ؟
ماهو المثلث الحنيفي المناطقي ( صنعاء – اليمامة – مكة ) ؟
لماذا صغر المؤرخون المسلمون اسمه من مسلمة الى مسيلمة ؟
لماذا اطلقت عليه الرواية الاسلامية لقب (الكذاب )؟رغم ان القران لم يصفه بهذه الصفة ؟
يكتب الباحث العراقي جمال علي الحلاق في كتابه المثير للجدل :
(مسلمة الحنفي – قراءة في تاريخ محرم ) ط1- 2008 م – اصدار دار الجمل – كولونيا ( المانيا ) –بغداد 2009 م :
الكتابة في هذا الجانب مهمة جدا ...لانها تكشف جذر مفهوم (النبذ والتكفير ) وكيف اصبحت فرقة واحدة من فرق الاحناف تحت قوة الفرض لا التاثير الممثل الوحيد للحنيفية جمعاء ...
هذا البحث محاولة في الاقتراب من كنه التكالب الجمعي على نبذ مسلمة الحنفي كوجه اخر للحنيفية ,واعادة قراءة ماتم تهريبه من سيرة الرجل ,المبثوثة كجمل قصيرة , او اخبار مضببة ,واخرى معماة ..لكنها تظل مفاتيح كثير من الاقفال التي تغلق مسامات التنفس على الراي المختلف ...
ان قتل مسلمة الحنفي ومطارد اتباعه حيثما اعلنوا عن ايمانهم به , هو الذي كرس (الاسلام السيفي ) بعد ان تم اعتباره الممثل الحقيقي الاوحد ( للحنيفية السمحاء )في شبه الجزيرة العربية ,اي ان القضاء على مسلمة الحنفي كان قضاء على (الحنيفية السلمية )عند العرب .
لقد تم تصفية كافة اقطاب الحنيفية الاولى ,اما بالعزل الجبري , كما في تجربة ( ابي قيس بن الاسلت ) ,او بالتشريد كما في تجربة (ابي عامر الراهب ),او بالقتل كما في تجربة (مسلمة الحنفي ).
يؤكد الباحث جمال علي الحلاق في ص 42 من كتابه:
( تتحدث كتب المؤسسة الاسلامية عن ارتداد اكثر العرب بعد موت محمد بن عبدالله في السنة الحادية عشرة للهجرة ( ولنا عودة الى هذا الموضوع لاحقا ), كما انها تتحدث عن ظهور انبياء في صنعاء واليمامة واماكن اخرى من شبه الجزيرة العربية .وتؤكد بعض الاخبار ان بعض هؤلاء الدعاة كانوا موجودين في حياة النبي محمد كانبياء ,حتى انه خطط لاغتيال عبهلة العنسي في صنعاء وتحقق له ذلك قبل قبل وفاته ). انتهى الاقتباس . ( وهذا الخبر يؤكده الباحث هادي العلوي في كتابه – الاغتيال السياسي في الاسلام ) وقد كانت اليمن ميناء العرب غربا نحو الحبشة وشرقا نحو الهند . وكانت اليمن تحتوي على كعبة نجران وهي مركز ديني , كما تشتهر نجران بصناعة النسيج وكسوة الكعبة في مكة . وكان مخزونها من الملابس المطرزة الثمينة يحدد سعر العملة العربية .بالاضافة الى كونها بلدا زراعيا ) .
مثلث الحنيفية – المناطقي ( صنعاء – مكة – اليمامة )
لقد تداخلت اخبار هذه المدن الثلاث حتى كادت الاخبار ان تتحدث عن تاريخ مدينة واحدة . رغم ان صنعاء كانت تمثل اليمن ,فيما تمثل مكة الحجاز , اما اليمامة فكانت تمثل العروض لاعتراضها بين نجد واليمن ,والعروض يشمل الاحساء والبحرين وشبه جزيرة قطر .
اذن للوصول الى حقيقة تاريخية تخص صنعاء او اليمامة ,توجب علينا ان نكون حذرين تماما في قراءة التاريخ المنسوب الى مكة تحديدا باعتبارها الناطق الرسمي للمؤسسة الاسلامية لاحقا .
التعدد الثقافي :
امتازت اليمامة وصنعاء باحتياجهما المستمر للايدي العاملة الاجنبية كجزء من متطلبات الزراعة , فكانت تجارة العبيد رائجة فيهما وكانوا يجلبون من بلاد الروم والفرس ومن الحبشة , وكان تفضيل العبد الفارسي والرومي واضحا لانهما كانا اكثر اقترابا الى بيئة المدينة .وهما يمتلكان خبرات متراكمة مما يجعلهما منتجين للزراعة والنسيج وصناعة السيوف والبناء .وهذا قاد الى خلق مناخ خاص عن التعددالثقافي لم يكن مالوفا من قبل بين العرب , لكنه اصبح ظاهرة اجتماعية ,وتجلى ذلك في اعتبار الدين مسالة شخصية , اي مايمكن تسميته بالعلمانية في العصر الراهن .
مثال ذلك مطالبة قريش ابي بكر على مواصلة تعبده داخل بيته دون الاساءة الى الاخرين ( حياة الصحابة 1 – 215 ) . والسبب الاخر في التعددية الثقافية هو اقتراب المعتقدات الدينية من بعضها . فلم تكن الفجوة كبيرة بين اهل الكتاب والوثنيين ,فلكل منهما تماثيله واصنامه التي تتواجد في الاماكن المقدسة عند العرب .لقد خلق التعدد الثقافي محورا في البحث عن اصول هذه الديانات وهو الركن الاهم في اللقاءات الاجتماعية – الثقافية في اسواق العرب في شبه الجزيرة وحتى انها خلقت تيارا سرعان ماانتشر على امتداد شبه الجزيرة العربية ,تمثل بالاحناف ,الذين عملوا جاهدين على توحيد الارباب في رب واحد ويمكن اتخاذ تجربة زيد بن عمرو بن نفيل في مكة نموذجا صارخا في هذا الاتجاه .
لقد كان مجتمع اليمامة يمتاز بكونه مجتمعا مستقرا تجاوز مرحلة البداوة , ومجتمعا منتجا حيث كانت اليمامة تصدر القمح الى العرب .وهذه الميزة لانجدهافي المجتمع المكي الذي كان :
1 – مجتمعا مستقرا لوجود الكعبة فيه .
2 – مجتمعا مستهلكا :لان مكة ارض غير ذي زرع .
ان المنتج قادر دائما على تهديد المستهلك اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا , وهذا ما حصل بالفعل حين قطعت اليمامة امداد مكة بما تحتاج اليه من قمح ,جعلتها امام كارثة مجاعة حقيقية , الامر الذي دفع القريشيين الى ان يتشفعوا بصلة الرحم مع محمد بن عبدالله للتوسط في ما بينهم وبين اليمامة , وهو ماتم بالفعل قبل فتح مكة (وربما هذا كان احد شروط دخول قريش في الاسلام ).
ان الاختلاف في ميزة الامان الاقتصادي كان سبب الاختلاف لاحقا بين منهجي دعاة الحنيفية في مكة والحنيفية في اليمامة , وهو الذي جعل قريش تنظر دائما الى اليمامة كتهديد مستمر لامنها الاقتصادي ,وكانوا قلقين ايضا امام سعة نفوذ وانتشار عبادة (الرحمن ) التي كانت اليمامة مركزا لها بفعل حضور مسلمة الحنفي .
لقد احسوا بخطر ذلك عندما ادخل محمد بن عبدالله اسم (الرحمن ) ضمن منظومته المعرفية ,حتى وصل بهم الامر ان اعتبروه تلميذا لمسلمة , واصروا على انهم لن يتبعوا داعي اليمامة (السيرة النبوية لابن هشام ) .
كان الحس المناطقي واضحا في الصراع ,على الاقل عند القريشيين , وكان ذلك ناتجا عن ادراكهم لنقطة ضعف مكة ,باعتبارها واد غير ذي زرع .
من هو مسلمة الحنفي ؟
لقد دعته كتب السيرة والتراث الاسلامي مرة بابن حبيب ومرة اخرى بابن ثمامة .ولكن اسمه لم يكن مسيلمة على صيغة التصغير ,لان هذا الاسم هو نتاج المؤسسة المنتصرة , ولان العرب لم تسمي مسيلمة ,بل سمت مسلمة (لسان العرب – مدة سلم ) .
لقد اكدت الاخبار ان مسلمة كان من المعمرين (ابن هشام ) , واليعقوبي قال انه عمر مئة وخمسين سنة .وقد ورد في خبر بلا تجذير انه ولد ونشا في اليمامة في بلدة ( الجبلية ) في وادي حنيفة , شمال الرياض باربعين ميلا . والقول بان مسلمة الحنفي كان من المعمرين لايمكن قراءته الا امتدادا لنهج المؤرخين في منح هذه الصفة لاصحاب التاثير الاجتماعي في شبه الجزيرة العربية قبل الاسلام . والكثير من الجيل الاول للاحناف تجاوز في العمر المئتين وونقلوا اشعارا على السنتهم .
يؤكد الباحث الحلاق ان الدافع الرئيسي لمنح مسلمة صفة المعمر انما كان محاولة في اثبات ان مسلمة اكثر قدما من محمد بن عبدالله في مجال التحنف والدعوة .
يؤكد الباحث د .جواد علي في كتابه الموسوعي ( المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام – ج 6ص 87 ) ان الفارق في العمر بين مسلمة الحنفي ومحمد لم يكن كبيرا ,فقد كان نشطا وفعالا لحظة حربه مع المسلمين .وبهذا تكون ولادة مسلمة الحنفي لا في الربع الاخير من القرن الخامس الميلادي ,بل في النصف الاول من القرن السادس الميلادي .لم تذكر كتب الاخبار انه كان لمسلمة الحنفي ابناء ,بل ذكر ابن قتيبة انه (لاعقب له ) (المعارف 229 ) وهو هنا يصطف الى جانب قس بن ساعدة وسلمان الفارسي , وورقة بن نوفل .
كما لم يرد انه كان لمسلمة بنتا ,رغم انه تزوج باكثر من امراة على عادة العرب والاحناف يوم ذاك .
كان مسلمة رجلا معظما في قومه , فقد ورد في حديث وفد بني حنيفة انهم جاءوا الى المدينة ومسلمة معهم يسترونه بالثياب تعظيما له , وكانت تلك عادتهم فيمن يعظمونه ,وهو صريح النسب بينهم حتى قال فيه شاعرهم :
سموت بالمجد يا ابن الاكرمين ابا
وكان قد سلك مسلك التحنف , وتجول في اسواق العرب باحثا وداعيا الى الحنيفية ,ويبدو انه كان في البدء كاهن قومه ,ثم تدرج في الحنيفية حتى ادعى النبوة في اماكن تواجد الاحناف بين اليمامة ومكة .
يبدو ان هذا السلوك انتشر بين كهنة الجزيرة حين اصبح مفهوم النبوة يمثل درجة اليقين القصوى , كما فعلت سجاح ذلك من بعده ايضا .
وقد امن بنبوة مسلمة الحنفي كل من بني حنيفة , وبني تميم . وكانت نصوصه تقرا في اليمامة والاماكن المجاورة . فقد ورد ان العلاء بن الحضرمي لما وفد على محمد من البحرين قرا جزء من نص مسلمة الحنفي على انه جزء من القران .وقد قتل المسلمون من اتباعه قرابة عشرة الاف رجل كي يتمكنوا من الوصول اليه وقتله .

2- صفة مسلمة في المخيال الاسلامي
هل كان مسلمة الحنفي رويجلا واصيفرا كما وصفته المؤسسة الاسلامية المنتصرة ؟
لقد تم تحويل مسلمة الحنفي حسب الرواية الاسلامية الرسمية من رجل حسن المنظر والجسم الى حشرة , ليس لسبب الا اختلاف الراي , وفي الاعم الاغلب كان السبب مناطقيا ..
ولابد ان هناك اختلافات سياسية واقتصادية ايضا .
ذكر البلاذري ان مسلمة الحنفي كان :
قصيرا
شديد الصفرة
اخنس الانف
افطس (فتوح البلدان -61 )
بينما نجد صفة مسلمة الحنفي عند الواقدي كانت على هذا الشكل :
اشقر
اخنس
ضعيف البدن (الردة 208 – 209 )
ونقلا عن (البداية والنهاية ) في الصفحة ذاتها ,ان مسلمة كان :
اصفر
اخنس ( الردة 208 )
بينما نجد صفته عند الطبري وقد غلفها بالتصغير :
رويجل
اصيفر
اخينس
وقد اسقطوا عليه صفة (الشؤم ), وجعلوه سببا لما حل ببني حنيفة من قتل وسبي , فقد نقل عن مجاعة الحنفي انه قال ( كان مشؤوما على نفسه وعلى بني حنيفة )( الردة : 209 ).
هذه القراءات كما يؤكد الباحث الحلاق ليست الا شعورا داخليا لدى المؤسسة الاسلامية , وكل ذلك ناتج عن اختلاف مناطقي (حسب الباحث ) , تم تحويله لاحقا الى اختلاف في الراي والممارسة . في الوقت الذي مسخت الرواية الاسلامية مسلمة الحنفي خلقيا , لم تتردد في وصف وزيره بالوسامة . فالطبري يقول في وصف ( محكم بن الطفيل )وزير مسلمة , ان خالد بن الوليد خرج بمجاعة الحنفي يرسف معه في الحديد ليدله على مسلمة , فجعل يكشف له القتلى حتى مر بمحكم بن طفيل , وكان رجلا وسيما فلما راه خالد قال : هذا صاحبكم ؟ قال : لا ,هذا والله خير منه واكرم ,هذا محكم اليمامة ( تاريخ الرسل والملوك :احداث سنة 11 ه ) .
رغم ان الطبري هو الذي اكد (وكان رجلا جسيما وسيما ) ,لكنه اتكا في مدح ابن الطفيل على فم حنفي اخر ,وقد انبات الرواية كيف كان حال مجاعة الحنفي لحظة قوله هذا الكلام ,فهو اسير يرسف في الحديد , وكان مسلمة الحنفي قد قتل وتم الامر لخالدبن الوليد , واذن فهو قول جاء من فم خائف ,ومع هذا فقد وصف وزير مسلمة بالخير والكرم .
وفي رواية وردت على لسان وحشي ( احد الذين ساهموا في قتل مسلمة الحنفي انه قال :خرجت مع الناس فاذا ( رجل قائم ) كانه ( جمل اورق ) , (ثائر الراس ) , فرميته بحربتي فوضعتها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه ,وضربه رجل من الانصار على هامته (السيرة الحلبية 3- 23 ) .
ان التاني في قراءة هذا الخبر يجعلنا امام الصورة الحقيقية لمسلمة الحنفي , فهو :
1 – ( رجل ) , وهذه تنفي صفة التصغير عند الطبري .
2 – ( قائم كانه جمل اورق ) , وهذه تنفي عنه صفة البدن الذي وصفه به الواقدي , ولاتجعله قصيرا كما وصفه البلاذري .
3 – ( كانه جمل اورق ) , تنفي عنه الصفرة او شدتها كما اسس لها البلاذري ,فالاورق هو الاحمر او المائل الى الاحمرار .
4 – ( رجل قائم كانه جمل اورق ,ثائر الراس ) ,الصورة باكملها تؤكد حيوية ونشاط مسلمة الحنفي لحظة القتل .
يعلق ( د . محمود عبدالله ابو الخير )محقق كتاب (الردة ) على كلمة استخدمها الواقدي في (المتن ) كصفة لمسلمة الحنفي , وهي انه كان (اخنس ). ثم وضع هامشا في اسفل الصفحة يقول فيه : ( في الاصل وفي طبعة باريس ( اجهس ) ولا معنى له , ولعلها ( اجهر ) , والاجهر : الحسن المنظر والجسم (الردة :208 ) .
هكذا تحول (الرجل الحسن المنظر والجسم ) الى رويجل اشبه مايكون بحشرة . ان ماورد بخصوص صفة مسلمة الحنفي لم يخرج عن دائرة القصد . وهذا صراع فكري لكنه ناتج عن صراع مناطقي حصرا (والكلام للحلاق ولكن هذا الصراع يتضمن حتما مصالح متضاربة سياسيىة واقتصادية ).
لم يكن هناك ثمة اختلاف جذري يستوجب القتال والابادة , وقد تجلى هذا الصراع المناطقي لاحقا مع الخوارج الذين ينحدرون في الاعم الاغلب من بني حنيفة وبني تميم رهطي مسلمة وسجاح .
تذكر كتب الاخبار ان المسلمين فقدوا قرابة الفين ومئتين رجل , منهم سبعمائة من القراء في حربهم مع بني حنيفة .
وتؤكد كتب الاخبار ان المسلمين هم من ذهبوا بدءا لمحاربة مسلمة الحنفي في اليمامة في ثلاث حروب :
1 – حرب مسلمة الحنفي الاولى مع المسلمين وكانوا وقتها تحت قيادة عكرمة بن ابي جهل ,وعكرمة كان واحدا من الذين دخلوا الاسلام رهبة تحت الفرض بعد فتح مكة .وانتهت بانتصار مسلمة .
2 – كانت حرب مسلمة الثانية مع المسلمين عندماكانوا تحت امرة شرحبيل بن حسنة ,احد كتاب النبي في مكة والمدينة ( كتاب النبي :72 )انتهت بهزيمة المسلمين ايضا ,الامر الذي نفخ روح الثقة في بني حنيفة ( تاريخ العرب العام : 109 ).
3 – اجبر مسلمة في النهاية على خوض حرب دفاعية ثالثة في منطقة (عقرباء ) انتهت بمقتله , وكان المسلمون تحت امرة خالد بن الوليد . احد الذين دخلوا الاسلام بعد ان دخل محمد مكة حاجا في السنة السابعة للهجرة , اي ان اسلامه تم بعد ان اصبحت كفة محمد بن عبدالله اكثر ثقلا وظهورا من قريشيي مكة . وبهذا يكون مسلمة قد حارب قائدين دخلا الاسلام بعد ان اصبح قوة فارضة وليس سلوكا مؤثرا , ولايمكن قراءة تفانيهما في حرب مسلمىة والحروب التي بعدها الا محاولة في تبييض سيرتهما , ومسح التاريخ الدموي العالق في ذاكرة المسلمين الاوائل الذين عانوا الامرين منهما .
شجاعة مسلمة الحنفي
اتسمت الحرب الثالثة لمسلمة مع المسلمين بالكروالفر و وقد طالت ليومين , وثبت مسلمة ودارت رحا بني حنيفة عليه ,فعرف خالد بن الوليد انها لاتنتهي الا بقتل مسلمة . وقال الواقدي يصف تراجع بنو حنيفة ومعهم مسلمة حتى وقف امام قومه , ثم حسر عن راسه , وجعل يقول :
انا رسول وارتضاني الخالق –القابض ذاك الرازق
يا بن الوليد انت عندي فاسق – وكافر بربه منافق
هذا الموقف الصعب في ذروة الهزيمة يكشف عن وجه مسلمة ,ويعلن تطابقه مع تجربته الخاصة .
لانسب ولا انتماء عشائري ,بل اندماج بالذات الالهية ورسالتها , وعدم التنصل منها , كل ذلك جعل اتباعه يحملون معه , حتى قيل ان المسلمين قتلوا من بني حنيفة يومها قرابة العشرة الاف رجل ,بل بلغ العدد قرابة العشرين الف حسب رواية الطبري (تاريخ الرسل والملوك :احداث السنة 11 ) . وكانت الساعات الاخيرة لاتبتعد عن ان تكون مذبحة في بستان تعود لمسلمة ( وهذا يذكر الكاتب بالبستان الذي القي القبض فيه على المسيح )كانت تسمى بحديقة الرحمن , ولكثرة من قتل فيها سميت لاحقا بحديقة الموت (فتوح البلدان 63 ) .
ان وقفة مسلمة الحنفي امام جموع المسلمين بعد ان تراجع بنو تميم , وكذلك اقباله على وحشي قبل ان يرميه بالرمح ,او انه مشى الى ابي دجانة بعد ان طعنه بالرمح تؤكد معا انه كان نشيطا حيويا ذا ارادة وقوة لايمكن ان يتجليا الا عن جسم قوي وقويم ,وهو ماذكره الواقدي حتى قال انه ( اجهس ) وهي تصحيف كلمة ( اجهر )اي حسن المنظر والجسم ,فالرجل اذن لم يكن لحظة موته رويجلا كما تردد المؤسسة الاسلامية ذلك ,وانما كان على النقيض تماما ,رجلا قويا , وقوته تؤكد انه لم يكن قد بلغ من العمر عتيا ,لكنه كان اكبر من محمد , واكثر قدما في الدعوة الى عبادة الرحمن , وانه التصق برسالته الشخصية الى اللحظة الاخيرة .
ان انتصار المسلمين في حربهم مع مسلمة كما يؤكدالباحث الحلاق هو الذي رسخ المؤسسة الاسلامية الى يومنا هذا باعتبارها الممثل الوحيد للحنيفية ,ولو ان الامر كان لمسلمة الحنفي لسار تاريخ العرب والحنيفية في مجرى اخر ,اقل مايوصف به انه اقل عنفا .
لقد تمسك بنو حنيفة بمسلمة حتى بعد مقتله ,رثاه بعضهم :
لهفي عليك ابا ثمامة – لهفي على ركني تهامة
كم اية لك فيهم – كالشمسس تطلع من غمامة
لقد بقي مسلمة على حق عند اغلب بني حنيفة حتى بعد مقتله ( مختصر سيرة الرسول : 27 ) ..فقبل ان يمر جيل على مقتله ظهرت اخطر فرقة في الاسلام اطلق عليها المسلمون اسم ( الخوارج )لخروجهم على الاتجاهين الديني والدنيوي .
وقد كان ابرز قادة فرق الخوارج ومجتهديها من بني حنيفة ,او من بكر بن وائل مثل :
1 – نافع بن الازرق الحنفي صاحب ( الازارقة ) .
2 – نجدة بن عامر الحنفي صاحب (النجدية او النجدات )
3- عمران بن حطان , كان من رؤساء الخوار ج وكان شاعرا .
4 – عطية بن الاسود الحنفي صاحب ( العطوية ) ظهربارض سجستان .
5 – الضحاك بن قيس بن الحصين , بايعه مئة وعشرون الف مقاتل على مذهب الصفرية , منهم عبدالله بن عمر بن عبد العزيز , وسليمان بن هشام بن عبد الملك , حتى قال شاعر الخوارج :
الم تر ان الله اظهر دينه – وصلت قريش خلف بكر بن وائل .
اضافة الى البلجاء احدى اهم مجتهدات الخوارج . يبدو ان التكالب المؤسساتي للاسلام القريشي على ابادة الخوارج كان تعصبا مناطقيا في الدرجة الاساس ,لان الخوارج قالوا بعدم وجوب الامامة استنادا الى ( والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شورى بينهم ) ( حجج القران : 57 ), وبعضهم جوز الامامة في غير قريش وقالوا بجواز ان يكون الامام عبدا او حرا ,اونبطيا , او قريشيا (الملل والنحل 1 -131 ) .
لقد بقيت قريش تنظر لمسلمة الحنفي ولقومه كتهديد مستمر لمركزيتها في ادارة المؤسسة الحنيفية في شبه الجزيرة العربية وخارجها .
من تيار الحنيفية في شبه الجزيرة العربية انطلق الانبياء العرب ,لذا كانت الحنيفية هي الخيمة التي يتحركون تحتها , ولهذا نجد تقديم الحنيفية على الاسلام في المتبقي من المحاججات كان سائدا اثناء الصراع الذي تم حسمه في النهاية لصالح المسلمين , فاصبح الاكتفاء بذكر الاسلام دون الحنيفية . يمكن تلمس نمو الحنيفية الى الاسلام من خلال قول امية بن ابي الصلت امام زيد بن عمرو بن نفيل :
كل دين يوم القيامة – عند الله سوى الحنيفية زور
فاذا تتبعنا ذلك في نصوص القران وجدنا ورود ( حنيفا مسلما ) بتقديم الحنيفية باعتبارها اطارااو محيطا ,بينما الاسلام كفرع او غصن منها ,حتى اصبح ( الدين عند الله الاسلام ) .
ويبدو ان الحنيفية كانت اكثر رسوخا من الاسلام في نفوس بعض المسلمين حتى قال احدهم :
( ان تكن ميتتي على فطرة الله حنيفا فانني لاابالي ) ( الردة – 170 ).

3- علاقة مسلمة بمحمد في مكة

هل التقى محمد بمسلمة قبل الدعوة ؟
وفي حال تحقق اللقاء , متى كان ذلك ؟
وما الحوار الذي تم بينهما ؟
وما نتائج هذا الحوار ؟
ذكر الدكتور جواد علي في كتابه (المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ) ان مسلمة كان بمكة وذلك في فصل (انبياء جاهليون ) :

( كان مما ادعى النبوة في مكة قبل الهجرة ) (’المفصل 6 – 84 ) . هذا الخبر لايحدد زمن التواجد .رغم انه يحصر الفترة مابين تصريح محمدبن عبدالله بنبوته والهجرة الى يثرب , لان المؤسسة الاسلامية اطلقت لفظ الجاهلية على فترة ما قبل نبوة محمد . اي زمن الخبر يمتد لثلاثة عشر عاما . اما شهر التواجد فغير محدد ,لكنه لايبتعد عن ايام الحج . دون ان يكون هناك اشارة لتواجد مسلمة الحنفي في سوق عكاظ .وهي محاولة في تحجيم فاعلية وتاثير الرجل . وجاء في كتاب ( محاسن النساء ) لاحمد بن هشام نقلا عن ( اقتباس الانوار ) قال : كان مسيلمة بن حبيب الحنفي , وقد تسمى في الجاهلية بالرحمان ,فلما بعث رسول الله , ص , ارسل يدعوه الى الاسلام فلم يرجع عن كذبه , وقال :كلانا نبي فان امن بي امنت به ( النساء :97 ).
هذا الخبر يجعل نبوة مسلمة الحنفي سابقة لنبوة محمد بن عبدالله لانه (تسمى في الجاهلية بالرحمان ).
هذا النص يبين لنا حضور وفاعلية مسلمة الحنفي قبل ان يعلن محمد نبوته ,وهذا ماتوصل اليه ايضا د . جواد علي حين قال بعد غربلة ماذكره اهل الاخبار عن مسلمة الحنفي من انه :
(تكهن وتنبا باليمامة ,ووجد له اتباعا قبل نزول الوحي على النبي )(المفصل 6 – 88 ) .وهو مايؤكده حسين مروه بقوله :
وكان له نفوذ شخصي في منطقة اليمامة , وكان قبل ظهور الاسلام يبدو انه يمثل الحنفاء هناك , وانه كانت لمحمد به صلة قبل اظهار الدعوة الاسلامية ( النزعات المادية 1 – 405 ).
كما جاء في ( المفصل ) نقلا عن ( زادالمعاد ) عن ابي رجاء العطاري , قال لمابعث النبي , ص , فسمعنا به لحقنا بمسيلمة ( 6- 355 ) . والرواية ذاتها عند ابن الجوزي ( تلبيس ابليس – 56 ) يورد ابن دريد عن ابن الكلبي : ان العرب قد سمت في الجاهلية ( عبد الرحمن ) , حتى ان الشنفري قال :
لقد لطمت تلك الفتاة هجينها – الا بتر الرحمن ربي يمينها

وكان ابن اسحاق اكد خبر معرفة قريش بمسلمة الحنفي عندما ذكر: ان قريش قالت للنبي :
انه قد بلغنا انك انما يعلمك رجل من اليمامة ,يقال له الرحمن , ولن نؤمن به ابدا .
ليس من السهولة البحث في مدى امكانية التقاء محمد بن عبدالله بمسلمه الحنفي قبل الدعوة .الا ان هذا البحث سيكون مفتاحا مهما لقراءة الاسباب الخفية التي تقول :
( لنا نصف ولقريش نصف الارض ,الاان قريش قوم يعتدون ) . لم يورد المؤرخون صراحة التقاء محمد بن عبدالله مع مسلمة الحنفي في مكة قبل البعثة ,رغم ان ابن هشام اورد ان قريش عزت علم محمد الى تعلمه على يد رجل من اليمامة يدعى الرحمن , ويبدو من صياغة الخبر كما لو ان محمدا كان احد اتباعه , واحد الداعين اليه :
(انا قد بلغنا انك انما يعلمك رجل من اليمامة ,يقال له الرحمن , ولن نؤمن به ابدا ) ( ابن هشام 1 – 332) .ويمكن الخروج من هذا الخبر باستنتاجين اثنين هما :
1 – الخبر لايتحدث عن لقاء عابر , بل عن تعليم , وان قريش في رفضها لمحمد انما كانت ترفض مسلمة الحنفي ,والصراع هنا يبدو صراعا مناطقيا ليس الا , وان مكة لن تتبع اليمامة .
2 – لايحدد الخبر مكان التعليم , لقد تم الاعلان عن هوية المعلم ( رجل من اليمامة ) وهذا الاعلان لايفتح نافذة لتحديد مكان التعليم , على العكس يضعنا امام احتمالين :
1 – ان محمدا ذهب الى مسلمة في اليمامة , وتعلم على يديه فيها , وهذا الاحتمال ليس بعيدا .فقد ذكر ابن اسحاق : ان محمدا اتى بني حنيفة في منازلهم , ودعاهم الى الله , وعرض عليم نفسه , فلم يكن احد من العرب اقبح عليه ردا منهم ( ابن هشام – 2 – 66 )
2- ان مسلمة كان حاضرا في مكة , وان محمدا اخذ منه بعض تعاليمه لحظة تواجده فيها .

ينبغي الاشارة الى ان اية ( بسم الله الرحمن الرحيم ) كانت متاخرة بالقياس لكثير من الايات والسور , وانها لم تظهر الا من خلال سورة ( النمل ) التي جاءت في مصحف جعفر الصادق المرتب حسب النزول . وقد ذكر المسعودي ان قريش كانت تستخدم ( بسمك اللهم ) فاتحة في المكاتبات , وكان امية بن ابي الصلت اول من قال بها (مروج الذهب 1- 73 –74) , وان محمدا استثمر هذه البادئة في كتبه وسوره الى ان نزلت سورة النمل .وقد ذكر الطبراني ( ان قريشا كتبت في جاهليتها ( باسمك اللهم ) فكان النبي يكتب ذلك ,ثم نزلت ( بسم الله مجراها ومرساها ) فامر لان يكتب في صدور الكتب ( بسم الله ) , ثم نزلت ( قل ادعوا الى الله او ادعوا الرحمن ) فكتب ( بسم الله الرحمن ) . ثم نزلت ( انه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم ) فجعل ذلك في صدور الكتب (الاوائل 69 , مصادر الشعر الجاهلي 73 ) . واذن للوصول الى اية ( البسملة ) احتاج تراكم معرفي طويل تم حسمه قرب السنة الثامنة للدعوة.

تحالف خفي :
يركز الباحث جمال علي الحلاق على الاية التي اعترضت قريش عليها ( قل ادعوا الى الله او ادعوا الرحمن ) لانها تؤكد تساوي الاسمين في الدلارلة , اي ان :
الله = الرحمن
ولما كان دخول اسم الرحمن ضمن المنظومة المعرفية الاسلامية قد تاخر الى السنة الثامنة للدعوة . فهذا يعني ان قراءة مشتركة قد جمعت بين تيارين حنيفيين كانا ينتشران في شبه الجزيرة العربية في وقت واحد معا :

1 – تيار حنيفي يدعو الى عبادة الله , وهو ماكان يدعو اليه احناف مكة والطائف ويثرب وتكرس اخيرا في مادعى اليه محمد بن عبدالله . 
2 – تيار حنيفي يدعو الى عبادة الرحمن , وهو ماكان يدعو اليه مسلمة الحنفي في اليمامة وعبهلة العنسي في صنعاء , ويبدو ان فاعلية وتاثير مسلمة الحنفي كانت هي الاكثر وضوحا على الصعيد الاجتماعي . وعليه فان دخول اسم ( الرحمن ) ضمن المنظومة المعرفية الاسلامية يؤكد ان تحالفا قد تم في مكة جمع التيارين معا , ولهذا جاء في القران ( قل ادعوا الى الله او ادعوا الرحمن ) . وكان من نتائج هذا التحالف ان وقفت قريش ضد انتشار عبادة الرحمن في مكة تحت حس مناطقي صرف ,فمكة سوف لاتتبع اليمامة .

هل كان التحالف خفيا ؟
لايمكن القطع في ذلك , فورود اسم ( الرحمن ) في القران اعلان لهذا التحالف , لكننا لانجد له ذكرا في كتب الاخبار والسيرة .الا ان ثمة خبرا يؤكد ان احد بني حنيفة وقف امام ابي بكر وقرا :
( ياضفدع نقي نقي , لاالشارب تمنعين ,ولا الماء تكدرين , لنا نصف الارض,ولقريش نصف الارض , ولكن قريشا قوم يعتدون ) ( المفصل 6 – 92 ) . بالتاكيد فان هذا النص لم يكن النص الوحيد لمسلمة . الا ان من قراه امام ابي بكر اراد به الافصاح عن تحالف قديم معروف قد تم نقضه .

قراءة في سورة الرحمن
مع تاريخ سورة الرحمن تتجلى لنا عملية قرصنة تاريخية تستثمر احدى اليات تهريب النص, اي الية ( التضبيب ) تحديدا في طمس البعد المكاني – الزماني للنص , فقد تم تغييب اللحظة التاريخية لبلوغه كدرجة وعي داخل المنظومة المعرفية لمحمد بشكل خاص وللاسلام بشكل عام . حتى قال بعض المفسرين انها سورة مكية , او سورة مدنية , او متبغضة ( ارشاد الساري 7 – 367 ) . وبالتاكيد فان هذا التضبيب يساهم كثيرا في ضياع الاسباب الحقيقية التي شكلت خلفية لانتاج النص . نقل الزنجاني عن مصحف جعفر الصادق , ان : ( قل ادعو الى الله او ادعوا الرحمن ) تم انتاجها بعد ان تم انتاج (بسم الله الرحمن الرحيم ) وان محمدا قال : يا الله يارحمن ,فقال المشركون : كان محمدا يدعو الها واحدا ,فهو الان يدعو الهين اثنين : الله والرحمن , مانعرف الرحمن الا رحمن اليمامة ) ( اسباب لالنزول 169 ) . واذاماعلمنا ان سورة ( الاسراء ) نزلت بعد ان كان موضوع الاسراء في السنة الثامنة لنبوة محمد , فان جدل القريشيين حول اسم الرحمن كان في حدود هذه السنة تقريبا .

السؤال هنا , ماعلاقة نمو وعي محمد بظهور مسلمة الحنفي في مكة ؟
يعتقد الباحث الحلاق ان هذه المنطقة المحرمة من تاريخ النبي يمكن ان تكشف لنا الكثير عن اللقاءات المنتجة للوعي الحنيفي في مكة , او في شبه الجزيرة العربية , ولكن وهنا تكمن بداية انتكاسة الحنيفية , تم القضاء على التاريخ الحي للجيل الاول من الاحناف , حتى اصبح الاسلام انطلاقة هائلة من فراغ .
ان القول ان مسلمة الحنفي ادعى النبوة في مكة قبل الهجرة , يشير ضمنا الى انه كان في فترة قريبة من الهجرة ,فاذا ماوضعنا هذا الاستنتاج الى جانب تاخر ظهور اسم (الرحمن ) في قران محمد الى السنة الثامنة من نبوته ,لوجدنا ان ظهور الاسم تزامن مع وجود مسلمىة في مكة , وهنا لن يكون رد القريشيين اعتباطا .

يتوقف الباحث الحلاق عند سورة ( الرحمن ) ذات النفس المكي اسلوبا ومضمونا , وقد اعتمد في بنائها على الجمل القصيرة ,وهو امتياز مكي , واما من حيث المضمون فهي تندرج في سلك الترغيب والترهيب بعيدا عن التشريع الذي هو لازمة مدنية . يورد السيوطي حديثا لابن عباس عن ابي كعب يؤكد فيه ان سورة الرحمن مكية ( الاتقان 1 – (9 – 10 ) ثم نرى السيوطي اسوة بالمفسرين وكتاب تاريخ القران يعتبرها مدنية , ويؤكد الواحدي ان السورة لاتمتلك سببا للنزول . كون السورة نتاج المدينة لايعطيها سببا اجتماعيا للنزول .

يعتقد الباحث الحلاق ان السورة نتاج مكي اصلا , وان جدلا تمخض عن ذكر اسم الرحمن , وان قريش اتهمت محمدا بالتعلم على يد مسلمة الحنفي , هو الذي دفع المؤسسة الاسلامية الى تبني موقف النزول المدني , واقصاء الحقيقة التاريخية كي يبقى تاريخ الاسلام بعيدا عن اي حوار ارضي . ان التعصب المناطقي كان له الحضور الكبير اثناء تدوين التاريخ الاسلامي , وان ماتم لاحقا لايتجاوز سوى تكريس مكة والطائف في قريش وثقيف على حساب الجزيرة كلها . انها الية القرصنة ليس الا .

ان قراءة متانية لسورة الرحمن تجعلنا نكتشف انها انما جاءت نتاجا لدمج نصين متشابهين في نص واحد هو ماتم اعتماده في القران ايام عثمان بن عفان .فالايات التي تحمل الرقنم ( 62 – 77 ) هي نفس الايات التي تحمل الرقم ( 46 – 60 ) . يبدا احد النصين بالاية : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) ( الرحمن 46 ) . ويبدا النص الثاني بالاية : ( ومن دونهما جنتان ) ( الرحمن 62 ) . ويستمر النصان ليس بين الاثنين اي اختلاف الا في كلمة ( خيام ) . وسورة الرحمن منذ البداية تتحدث عن مناخ ريفي يتاثث من مفردات مثل ( النجم ) , وهو اصغر ماتنبته الارض , والشجر والفاكهة , النخل ذات الاكمام , والحب والعصف والريحان . ثم فجاة تقتحم النص مفردة ( خيام ) , وهي خارج سياق النص تماما . ولتجاوز الاقحام البدوي للنص جعل المفسرون الخيام مصنوعة من در مجوف ( ارشاد الساري 7 – 371 ) .ان هذا الدمج انما كان في الاصل نصان منفصلان , احدهما لصاحب مكة والاخر لصاحب اليمامة ,وان احدهما كان معارضا للاخر , ولايرى الباحث الحلاق نص مكة الا لاحقا لنص اليمامة , وانه تم دمجهما معا لتشابههما , ويبدو ان نص مسلمة الحنفي كان معروفا ومقروءا من قبل المسلمين ايضا ,وقد كان بعض الصحابة يمرون بمسلمة يسمعون منه ويسمع منهم ( رسالة الصاحل والصاحج 279 – 280 ) الامر الذي قاد في النهاية الى دمج النصين في نص واحد . وعليه فان سورة الرحمن ليست الا نتاجا للقاءات منتجة للوعي الحنيفي في مكة ,او في اليمامة , وبما ان الدعوة لعبادة الرحمن كانت نتاجا خاصا بتجربة مسلمة الحنفي , فانه بحسب اعتقاد الباحث الحلاق كان صاحب الحضور الاثقل فيها لحظة ادخاله اسم الرحمن ضمن منظومة الوعي الاسلامي عند محمد , وان تحالفا خفيا قد تم بينهما تكشف عنه رسالة مسلمة الحنفي لمحمد ( لنا نصف الارض وقريش نصف الارض ) . مفهوم الارض عند مسلمة لايتعدى اطرف شبه الجزيرة العربية , وان هذا الاتفاق هو الذي جعل نص مسلمة مقروءا من قبل المسلمين ,وهو الذي قاد الى دمج النصين معا لاحقا .

خلاصة القول ان محمدا هاجر الى يثرب وهو على تحالف مع مسلمة الحنفي ,وان جوهر هذا التحالف تكشف عنه الاية التي تؤكد ان ( الدعوة الى الله ) هي ذاتها ( الدعوة الى الرحمن ) , وانهما يندرجان ضمن مفهوم ( التوحيد ) الذي تم تاثيثه على يد اقطاب الجيل الاول من الاحناف مثل قس بن ساعدة و خالد بن سنان و زيد بن عمرو بن نفيل .





ماهي الحنيفية ومن اين؟
متى كان محمد حنيفا؟
المؤتمر التأسيسي للاحناف قبل الاسلام
الحنيفية والاسلام
غيلان الدمشقي والجعد بن درهم
قيس بن ساعدة، هل كان نبيا؟
ابن ابي كبشة وعبادة النجوم
البراء بن معرور اول من صلى الى الكعبة
الشخصية المحمدية
النضر بن الحارث الذي هزم النبي
اسماء بعض مدعي النبوة
الكهنة والكهانة قبل الاسلام