تراث وفقـه
 
 
10/03/2013


 دوافع جعل الحديث


http://alzakera.eu/
إن الدوافع لجعل الأحاديث بين الشيعة تختلف عن الدوافع لجعل الأحاديث بين أهل السنة غالبا, واحيانا تتشابه هذه الدوافع , فأهل السنة ولكونهم لا يواجهون مشكلة من قبل الحكومات بل إنّ أغلب الحكومات الاسلامية كانت من أهل السنة, فان أحد الدوافع لخلق الأحاديث بينهم هو التقرب الى الخلفاء والسلاطين كما ذكر ذلك ((الخطيب البغدادي)) المتوفى عام 463 هـ في تاريخ بغداد: أن ((ابو البختري)) وهب بن وهب القرشي دخل على خليفة زمانه هارون الرشيد عندما كان هذا الخليفة مشغولا باللعب بالطيور, فسأل هارون أبا البختري عن وجود حديث في هذا الباب, فقال ابو البختري فوراً:
حدثني هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة, أن النبي كان يطير الحمام.
فنظر اليه هارون الرشيد نظرة شديدة وقال له : أخرج من هنا. وبعد أن خرج ابو البختري قال هارون : لو لم يكن هذا الرجل من قريش لأمرت بعزله عن مقام القضاء. ومن الواضح أن هذا القاضي الطمّاع والكذاب قد وضع هذا الحديث لتأييد عمل الخليفة وادخال السرور على قلبه ليتقرب منه أكثر . وأما بين الشيعة فلا نجد مثل هذه الأحاديث للتقرب بها الى البلاط لأن الخلافة خرجت من أيديهم سوى مدة قليلة جدا من خلافة أمير المؤمنين وابنه الحسن , مضافا الى ان الامام علياً واولاده كانوا أعلم وأعلى من أن يأتي الوضاعون ليضعوا الأحاديث في مدحهم عند تصديهم لمقام الخلافة , ورغم ذلك فاننا نرى في عصر الأئمة ظهور بعض الأشخاص المنحرفين والمحبين للجاه والمقام أنهم كانوا يأتون الى الأئمة من أهل البيت ويجلسون في مجالسهم لينقلوا أحاديثهم ورواياتهم ليكتسبوا وجاهة ومنزلة عند الشيعة واتباع أهل البيت , وهذه الطائفة من الرواة عملوا على تحريف اقوال الأئمة بما يحلوا لهم , كما ذكر الكشّي ذلك في كتابه الرجال عن الامام الصادق أنه قال للفيض بن المختار :
((يا فيض ؛ إن الناس أولعوا بالكذب علينا كأن الله افترضه عليهم لا يريد منهم غيره ! وإني أحدث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوله على غير تأويله وذلك أنهم لا يطلبون بحديثنا وبحبنا ما عند الله وإنما يطلبون به الدنيا وكل يحب أن يدعى رأسا )).ومن أجل أن نعلم كيف فسر هؤلاء المغرضون أحاديث أهل البيت , نكتفي بذكر رواية عن ابي جعفر الكليني ((المتوفى سنة 328 أو 329 هـ)) في اصول الكافي , باسناده عن محمد بن مارد أنه قال :
((قلت لأبي عبدالله عليه السلام :حديث روي لنا أنك قلت : إذا عرفت فاعمل ما شئت ! فقال: قد قلت ذلك . قال: قلت : وإن زنوا أو سرقوا او شربوا الخمر؟ فقال لي : إنا لله وانا اليه راجعون , والله ما انصفونا أن نكون اخذنا بالعمل ووضع عنهم , إنما قلت : إذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير وكثيره فانه يقبل منك. )) ولو تجاوزنا دوافع حب الرئاسة فان اقبح العلل لوضع الحديث والافتراء على عن الأئمة يتمثل في ((الغلو)) أو ((البغض)) لأهل البيت , كما أورد الشيخ الصدوق في كتابه ((عيون أخبار الرضا)) عن الامام الرضا قوله لابراهيم بن ابي محمود:
((إن مخالفينا وضعوا أخبارا في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة أقسام . أحدها الغلو وثانيها التقصير وثالثها التصريح بمثالب أعدائنا فاذا سمع الناس الغلو فينا كفّروا شيعتنا ونسبوهم الى القول بربوبيتنا واذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا واذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا وقد قال الله عزوجل : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم .))
ومن بين هذه الأنواع الثلاثة للروايات التي وضعها المخالفون لأهل البيت كما يقول الامام الرضا فانه ولحسن الحظ قلما نجد روايات ((التقصير)) في المصادر الحديثية , ولكن مع الأسف فان روايات الغلو واللعن المجعولة والمنسوبة الى أهل البيت موجودة بكثرة في مصادر الحديث ولابد من اتخاذ الحذر في ذكرها وقراءتها على الناس لصيانة الجيل الجديد من التورط في الانحراف في العقيدة. والدافع الآخر لوضع الحديث هو الدافع الديني والاهتمام بتديّن الناس والحرص على ترغيبهم بالدين . ولعل هذا الكلام يستوجب العجب ولكن مع الأسف فان هذا الدافع موجود في صفوف رواة الشيعة والسنة حيث وضعوا أحاديث كثيرة لهذا الغرض. ونقرأ في كتاب أهل السنة , أن رجلا يسمى ((نوح بن مريم المروزي)) المتوفى عام 173هـ , سُئل عن حديث رواه عكرمة عن ابن عباس في ثواب السور القرآنية التي ينقلها نوح بن مريم هذا وأنه عمّن سمعها ومن أين جاء بها؟ فقال نوح بن مريم :
إني رأيت الناس قد اعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن اسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة (أي لطلب الثواب).
ويقول الشهيد الثاني ((زين الدين العاملي)) : إن الأحاديث التي وردت في تفسير الواحدي الثعلبي والزمخشري في ثواب قراءة السور القرآنية ((جميعها من هذا القبيل والواضع لها قد اعترف بوضعه لهذه الأحاديث)).
واضيف أيضا أنه مع الأسف أن هذه الأحاديث موجودة في تفاسير الشيعة كذلك ومنها ((تفسير التبيان)) للشيخ الطوسي , وتفسير ((مجمع البيان)) للشيخ الطبرسي , وتفسير (روض الجنان وروح الجنان)) للشيخ أبي الفتوح الرازي , حيث يذكر الشهيد الثاني وآخرون أن أحد متصوفة عبادان قد جعل هذه الأحاديث , وتنسب هذه الأحاديث الموضوعة الى الصحابي المشهور ((ابن ابي كعب)) أنه سمعها عن رسول الله.
وقد كان نوح بن مريم وامثاله يضعون هذه الأحاديث في محيط أهل السنة ولكن هناك أحاديث وضعها الكذابون ودسوها في كتب الشيعة لتشويق الناس في احياء السنة كما يتصورون, ومن ذلك ما ورد في حديث في كتاب ((تفسير منهج الصادقين)) للملا فتح الله الكاشاني ((المتوفى عام 977 هـ)) عن رسول الله أنه قال:
((من تمتع مرة كان درجته كدرجة الحسين ومن تمتع مرتين فدرجته كدرجة الحسن ومن تمتع ثلاث مرات كان درجته كدرجة علي بن ابي طالب ومن تمتع أربع مرات فدرجته كدرجتي! ))
فهل هناك أقبح من تشويق الشيعة للمتعة بوضع حديث عن رسول الله في هذا الباب ورسول الله نفسه قال : ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. ))
وقد يعتذر هؤلاء الوضاع لجعلهم الحديث وروايتهم له أن الكثير من العلماء أوردوا هذا الحديث في كتبهم . ولكن الحقيقة كما أوردها الشيعة والسنة عن رسول الهه والامام الصادق أنهما قالا :
((كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع)).
ومن الدوافع الأخرى لوضع الحديث هو التكسب , حيث كان هناك فئات من الناس يسمون بالمرتزقة, وهؤلاء كانوا يضعون الروايات والأحاديث ويكسبون بها أجرا , وعلى سبيل المثال نذكر هذه الواقعة : دخل يوما الى مسجد الرصافة في الكوفة المحدث المشهور أحمد بن حنبل ومعه يحيى بن معين, فشاهدا في المسجد رجلا يحدث الناس ويقول:
((حدثنا أحمد بن حنبل ويحيي بن معين قالا : حدثنا عبدالرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم : من قال لا إله الا الله خلق الله تعالى من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان...! ))
ثم أن ذلك الرجل استمر في كلامه وأخذ يفصّل الحديث في ثواب ذلك العمل, وبعد أن انتهى من كلامه نظر ابن معين واحمد بن حنبل أحدهما الى الآخر وقال احمد ليحيى بن معين : هل نقلت هذا الحديث الى هذا الرجل ؟ فاجابه يحيى بن معين : اقسم بالله انني لم اسمع هذه الحكاية في حياتي سوى في هذا الوقت.
وفي ذلك الوقت اخذ ذلك الرجل أجره من الناس وبقي ينتظر عطاء الآخرين , فأشار له يحيى بن معين فتصور الرجل أنه يريد ان يعطيه مبلغا من المال فجاء اليه, فقال له يحيى بن معين : أنا يحيى بن معين وهذا الشخص هو أحمد بن حنبل ونحن لم نسمع من رسول الله أنه يقول هذا الحديث ولم ننقله اليك فلو كنت مضطرا للكذب فانسبه الى غيرنا . فقال : لقد سمعت أن يحيى بن معين رجل احمق ولكن لم يثبت ذلك لي الى اليوم.
فقال ابن معين: وكيف؟ فقال الرجل : لأنك تتصور أن ليس في الدنيا رجل يسمى بهذا الاسم غيرك وأن لا يوجد في الدنيا أحمد بن حنبل غير هذا الشخص في حين أنني أروي عن سبعة عشر رجلا باسم احمد بن حنبل ويحيى بن معين غيركما .
ويستفاد من الأحاديث القديمة الشيعية أن المرتزقة كانوا موجودين في صفوف الشيعة واتباع الأئمةولذلك ورد في الأحاديث الشريفة عن أهل البيت في أصول الكافي عن الامام الصادق (ع) أنه قال:
((من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب. ))
وكذلك أورد الشيخ الكليني في اصول الكافي عن الامام الباقر (ع) أنه قال لأبي ربيع الشامي:
((ويحك يا أبا الربيع لا تطلبن الرئاسة ولا تكن ذنبا ولا تأكل بنا الناس فيفقرك الله ولا تقل فينا ما لا نقول في أنفسنا فإنك موقوف ومسؤول... ))
وذكر المحدث المشهور الحسن بن شعبة ((من علماء القرن الرابع الهجري)) في كتابه ((تحف العقول عن آل الرسول)) عن الامام الصادق (ع) قوله :
((فرقة أبحونا وسمعوا كلامنا ولم يقصدوا عن فعلنا ليستأكلوا الناس بنا فيملأ الله بطونهم نارا)).
ويروي الشيخ أبو عمر والكشي في رجاله عن الامام علي بن الحسين أنه قال لقاسم بن عوف : ((إياك أن تستأكل بنا)).
ولا شك أن هؤلاء المرتزقة قد وضعوا أحاديث كثيرة لجلب نظر الناس ونسبوها الى الأئمة , ومع الأسف نجد أن بعض أهل المنبر يوردون الكثير من هذه الأخبار في باب شهادة الامام الحسين عليه السلام لتأمين معاشهم والارتزاق بذكر مصائب أهل البيت , وكما يقول المحدث المشهور الميرزا حسين النوري ((المتوفى عام 1320 هـ)) في كتابه ((اللؤلؤ والمرجان)):
((الظاهر أن بعض اصحاب المنبر قد تبعوا الشيخ الصوفي العباداني, ولكن ذلك الشيخ كان يجعل الحديث بسبب ملاحظته عدم رغبة الناس لقراءة القرآن وتوهم أن هذا العمل نافع لترغيب الناس في تلاوة القرآن فهولم يقصد جلب المنفعة ولكن أصحاب المنبر هؤلاء يهدفون الى التكسب وتحصيل المال)).