تراث وفقـه
 
 
00/08/2011


الجندر ( الهوية الجنسية) في العالم العربي


بدوية حديثة
بداوة لانهاية لها
يحكى أنّ أحد خلفاء بني أميّة أمر والي المدينة بـ"إحصاء" المخنّثين من المطربين. فرأى الوالي نقطة على الحاء، فأمر بإخصائهم. وكان "الدّلال"، وهو من أشهر مطربي المدينة في القرن السّابع في قائمة المخصيّين، وكان "ظريفا جميلا حسن البيان" (الإصفهانيّ : 4/266-297).
"المخنّث" غير "الخنثى" وإن كانت الكلمتان من جذر واحد. أمّا "الخنثى" فهو "الذي له ما للرّجال وللنّساء جميعا" (hermaphrodite)، بحيث أنّ هويّته الجندريّة غير واضحة لأسباب بيولوجيّة. أمّا المخنّث فهو رجل له سلوك أنثويّ : "يتثنّى ويتكسّر" كالنّساء (اللّسان، خ ن ث). والمخنّث يكون عادة "مأبونا"، أمّا الدّلال فقد كان "لوطيّا" ومأبونا في الوقت نفسه، أي مثليّا (homosexuel) "إيجابيّا" و"سلبيّا" بتعابيرنا الحديثة. وكان إلى ذلك "يعجبه ما يعجب الرّجال والنّساء"، أي أنّه كان "مزاوجا"، وهي كلمة يمكن أن نترجم بها : bisexuel.
ليس هذا الخبر مجرّد "نادرة مضحكة الغاية منها إبراز مساوئ الخطّ العربيّ" (انظر : الموسوعة الإسلاميّة 2 : [خصيّ]). إنّ قصّة الإخصاء هذه، سواء كانت فعلا نتيجة خطإ في القراءة أو نتيجة حملة تطهير أخلاقيّ، تحيل إلى العنف الذي يردع أو يحاول ردع اضطرابات " الجندر" أو يحاول تنظيم السّجلّين المتداخلين باستمرار : سجلّ العاديّ وغير العاديّ. فخطأ الوالي ليس اعتباطيّا ولا خاليا من الدّلالة : في الإحصاء والإخصاء تتجسّد نفس السّياسـة الهوويّة (politique identitaire) التي تضع الفواصل وتسند الأدوار والهويّات الثّابتة وتميّز بالوسم والعلامة وتراقب وتمنع. لا شكّ أنّ في سلوك الدّلال ما ينافي النّظام الأخلاقيّ : تعاطيه الخمرة والغناء والزّنا… ولكنّ ما يعرّضه الدّلالُ إلى الخطر، وما يجعله هو بدوره عرضة للخطر، هو نظام البديهيّات المعياريّة والمراتبيّات الاجتماعيّة التي تحكم المجتمع، باعتباره مجتمعا مقاما على ثنويّة جنسيّة صارمة وعلى مركزيّة الذّكورة والتّغاير الجنسيّ (andro-hétérocentrisme). لقد كان من الموالي، وكان يزور النّساء الحرائر، ليلعب معهنّ دور العاشق أو القوّاد، أو الاثنين معا، وكان إلى ذلك يجهر بمزاوجته الجنسيّة. ومن هنا تتأتّى اعتباطيّة العقاب الذي لقيه، فهو لا يستجيب إلى حكم من أحكام الفقه، بل يستجيب بصمت إلى منطق الهويّة الذي تنبني عليه السّياسة الجندريّة : ليعاقبْ بالإخصاء كلّ رجل ليس رجلا ولا امرأة، ليطردْ من دائرة الفحولة كلّ من لا يستحقّ هويّته الجندريّة ومنزلته كذكر حرّ، كلّ من يجرؤ على تخطّي الحاجز الذي يفصل بين الرّجـال والنّساء الحرائر، والذي يسمّيه القرآن : "الحجاب"(33/53).

ثغرات في النّظام الجنسيّ
رجل واربعة نساء
رجل يعادل اربعة

يقول القرآن إنّ اللّه خلق "الإنسان"، ولكنّه يقول أيضا إنّه خلق "الذّكر والأنثى" (49/13؛ 53/45؛ 75/39؛ 92/3). فالنّظام الإلهيّ الجندريّ ينبني على ثنائيّة صريحة ولا يقبل جنسا ثالثا. يقول القرطبيّ في شرح الآية 4/1 : "(رجالا كثيرا ونساء) : حصر ذرّيّتهما (أي آدم وحوّاء) في نوعين، فاقتضى أنّ الخنثى ليس بنوع، لكن له حقيقة تردّه إلى هذين النّوعين، وهي الآدميّة، فيُلحق بإحداهما، على ما تقدّم ذكره في (البقرة) من اعتبار نقص الأعضاء وزيادتها." (3/1315) ولكنّ هذا النّفي للجنس الثّالث لن يصمد أمام الوقائع البشريّة المعقّدة. ففي القرآن نفسه إشارة إلى صنفين من الكائنات يمكن أن ينافي كلّ منهما على نحو خاصّ الثّنائيّة التي قرّرها اللّه. أمّا الصّنف الأوّل فيمثّله الخصيان، وهم الذين أريد إخلاء أجسادهم من الجنس (désérotisés) واستخدموا خاصّة للقيام بشؤون النّساء وحراستهنّ. فمن المفسّرين من وجد إشارة إليهم في الآية 24/34 التي سمحت للنّساء بإبداء زينتهنّ إلى "التّابعين غير أولي الإربة من الرّجال". وإلى جانب الخصيان توجد كائنات أخرى بين- بين، ليسوا بالرّجال ولا النّساء : إنّهم غلمان الجنّة، الذين سيكونون موضوع متعة الرّجال في الآخرة. فرغم أنّ القرآن يحرّم بشدّة المثليّة الرّجاليّة (اللّواط والأُبنة)، فإنّه وعد الصّالحين من الرّجال بـ"ولدان مخلّدين" (56/17) يتولّون خدمتهم ويطوفون عليهم، ولدان "كأنّهم لؤلؤ مكنون" (52/24) أو "لؤلؤ منثور" (76/19). لا شكّ أنّ هذين الصّنفين يدعمان الهيمنة الذّكوريّة في الدّنيا والآخرة وقد أسقطت عليها البنى الاجتماعيّة الدّنيويّة، ولكنّهما يدلاّن مع ذلك على أنّ النّصّ المقدّس ذاته يحدث شرخا داخل الصّرح التّيولوجيّ للنّظام الجنسيّ الثّنائيّ.
ولنواصل البحث في الشّروخ والثّغرات. تدلّ النّصوص التي تعود إلى القرون الهجريّة الأولى، والتي تفسح المجال واسعا أمام الحلم والضّحك والسّخرية من كلّ شيء، تدلّ على وجود فضاء اجتماعيّ "مدنون" sécularisé ووجود ثقافة تحتفي بالتعدّد والالتباس والجنس الثّالث، لا يمكن للإيديولوجيّات الحديثة النّاطقة باسم الصّفاء الأوّل أن تطمسها. يروى أن الدّلال قال إثر إخصائه : "الآن تمّ الخنث". ففي "الخنث" نجد التباس الجذر (خ ن ث) الذي يحيل إلى المثليّة الذّكوريّة كما يحيل إلى "الخنثى" باعتباره كائنا غير متحدّد الجنس. عبّر الدّلال إذن عن رغبته في الانتماء إلى جندر ليس جندرا، أو إلى جنس لا مكان له في النّظام الجندريّ الثّنائيّ. إنّ التّشويه الذي تعرّض إليه يخرجه من عالم الرّجال، ولكن لا يحوّله إلى امرأة، ولا يحوّله كذلك إلى خصيّ، أي إلى رجل تنقصه لوازم الرّجولة، بما أنّه يجعل من هذا التّشويه تماما واكتمالا. طبعا لا نريد أن نحوّل الدّلال إلى "كوير" queer ("غريب جنسيّا" حسب العبارة الإنكليزيّة التي أصبحت تشمل المثليّين والمزاوجين ومن يبدّلون جنسهم ومن يرون أنفسهم لا رجالا ولا نساء…) على النّحو المعاصر، ولكن يمكن أن نقول إنّه يمتلك جسده باستمرار، وأنّه يبني حياته ورغبته خارج محدّدات هويّته الجندريّة الأولى (كونه رجلا) وخارج العلامة السّياسيّة التي أريد من خلالها تحويله إلى خصيّ.

وهناك أصناف اجتماعيّة بأكملها ساهمت كالدّلال في ترك ثغرات داخل النّظام الثّنائيّ. لقد جابه الفقهاء واقع البينجنسيّين ( intersexués : أي الذين لهم عيوب بيولوجيّة تجعل جنسهم غير واضح، ومن بينهم"الخنثى") فحاولوا إيجاد وضعيّة قانونيّة لمن سمّوه بـ"الخنثى المشكل"، أي الخنثى التي لا تتحوّل إلى رجل أو امرأة بعد البلوغ، وقرّروا أنّ هذا الكائن لا يتزوّج، ويرث نصيب الأنثى مع نصف نصيب الرّجل. (ابن جزيّ، 339) ثمّ إنّ بقاء الرّغبة الجنسيّة لدى الخصيان رغم إخصائهم كانت مصدرا آخر للاضطراب التّراتبيّ والجندريّ. فالغريب أنّ هؤلاء المخصيّين المهيّئين خاصّة لحراسة النّساء كانت لهم رغبات جنسيّة عارمة. (الجاحظ 1، 1/123 وما بعدها). بل يبدو أنّهم كانوا محلّ إعجاب النّساء لأنّهم "سريعو الإفاقة طويلو الإراقة"، ولأنّهم : "مأمونون من اللّقاح". هذا ما نجد له صدى في مقدّمة "ألف وليلة"، عندما يكتشف السّلطان مذهولا علاقة زوجته الحرّة بخصيّه الأسود. وقد تجادل الفقهاء حول أهليّة الخصيان لإمامة الصّلاة، ولكن سمحوا لهم بالزّواج.

أمّا الاتّجاهات الجنسيّة التي تربك على نحو آخر النّظام الجنسيّ الثّنائيّ، فما يذكره منها القرآن صراحة هو المثليّة الذّكوريّة. لا يستعمل القرآن بشأنها صفة "مخنّث" بما توحي به من فكاهة خفيفة، بل يستعمل كلمة "اللّواط" التي تحيل إلى النّبيّ لوط. لقد ذمّ القرآن هذا الاتّجاه الجنسيّ في آيات كثيرة (7/79-91؛ 27/54-55؛ 26/65) وذكّر بالعقاب الذي أنزله الّله على قوم لوط لإتيانهم الرّجال دون النّساء. أمّا المثليّة الأنثويّة، فلم تذكر صراحة. إنّما ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ السّحاق هو المقصود بالفاحشة في الآية الموالية : "واللاّتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكونهنّ في البيوت حتّى يتوفّاهنّ الموت أو يجعل اللّه لهنّ سبيلا." (4/15) فانتهوا إلى أنّ عقاب السّحاقيّة سجنها في البيت إلى الممات.

ومع ذلك يبدو أنّ هذه الاتّجاهات الجنسيّة كانت مفتوحة نسبيّة وكانت تحظى بتسامح واضح. فكما أنّ تحريم الخمرة لم يمنع شرب الخمرة وإنشاد الأشعار فيها، فإنّ تحريم المثليّة الجنسيّة لم يسدّ أبواب اللّّذّة المحرّمة وأبواب التّغتّي بها. لم ينتظر القدامى الجنّة للاستمتاع بالغلمان، لا أدلّ على ذلك من الغلمان الذين كانوا يطوفون حول ملوك وخلفاء منهم الأغلبيّ إبراهيم الثّاني والخليفة الأمين والمعتصم. أضف إلى ذلك "الغلاميّات"، وهنّ من الجواري اللاّتي تنكّرن في لباس غلمان لينشرن في المجالس والبلاطات استيهامات الالتباس والازدواج. بل يمكننا الحديث بكلّ يسر عن منعرج جماليّ وإيروسيّ جعل الثّقافة العربيّة، منذ النّصف الثّاني من القرن الثّامن، تحتفي بالمثليّة وتتغنّى بها. فقد ظهر وانتشر فنّ الغزل بالمذكّر، وبرز شعراء كأبي نواس (ت814) يدعون إلى المجون وينشدون في الخمرة وحبّ الغلمان ولهم مع ذلك حظوة لدى العامّة والخاصّة. ومن علامات هذا المنعرج الجدل الذي أقامه الجاحظ (ت 869) بين "صاحب الغلمان" و"صاحب الجواري"، فقد جعل المنتصر للغلمان يعتبر محبّة النّساء دون الغلمان شأن "أعراب أجلاف جفاة لا يعرفون رقيق العيش ولا لذّات الدّنيا" (الجاحظ 2، 2/116). وانضافت إلى أقاصيص الحبّ العذريّ التّغايريّ (hétérosexuel) الشّهيرة أقاصيص عن عشّاق مثليّين لا تقلّ شهرة عن الأولى، وكان بوسعها توفير النّماذج البطوليّة التي كان بالإمكان التّماهي معها. يكفي أن نعود إلى الفهرست لابن النّديم (ت 1047) لكي نكتشف العدد الوافر من أخبار عشق النّساء للنّساء والرّجال للرّجال، أو نعود إلى طوق الحمامة لابن حزم (ت 1064)، لنكتشف تراجم عشّاق كالنّحويّ أحمد بن كليب، قضوا نحبهم عشقا لرجال آخرين، وهي تراجم لم يكن ابن حزم يعلّق عليها باحتقار ولا تشنيع. ويبدو أنّ المثليّة السّلبيّة نفسها (الأبنة بلغة القدامى) لم تكن تجابه بالاحتقار كما هو الشّأن لدى الرّومان، لا سيّما أنّ ثنائيّ "العاشق والمعشوق" الخالي من إيحاءات جنسيّة محدّدة هو المستعمل على الأقلّ في تراجم العشّاق للحديث عن الشّريكيْن المثليّين. ويكفي أن نلقي نظرة على كتب الباه وآداب النّكاح على اختلافها وتباعد أزمانها : ما بقي من "كتاب السّحّاقات" للصّيمريّ (القرن التّاسع) و"نزهة الألباب" للتّيفاشيّ (القرن الثّالث عشر) و"الرّوض العاطر" للنّفزاويّ (القرن السّادس عشر) لنكتشف كلّ الممارسات الإيروسيّة الخارجة عن المألوف بل والمؤدّية أحيانا إلى فوضى تراتبيّة وجنسيّة تجسّدها على أحسن وجه وضعيّة السّيّد الذي يطأه عبيده برضاه. (التّيفاشيّ، 202)

لا يحدّد القرآن عقوبة "اللّواط". ويبدو أنّ الخلفاء الأوائل قد أنزلوا على المثليّين عقوبة القتل في أشنع صورها : منهم من هدم عليه حائط، ومنهم من رجم ومنهم من أصعد مئذنة ثمّ رمي منكّسا على رأسه… واختلف الفقهاء في تحديد هذه العقوبة، فقال الحنابلة بالرّجم وذهب أغلب الفقهاء إلى الجلد مع إضافة التّغريب في صورة ما إذا كان المعاقب محصنا (أي حرّا متزوّجا). ولمّا كانت المثليّة في مأمن من مخاطر الإنجاب و"اختلاط الأنساب"، فقد مال الفقهاء تدريجيّا إلى التّعزير باعتباره عقوبة مخفّفة يقرّرها القاضي، بل ذهب ابن حزم إلى تخفيض عدد الجلدات إلى 10 (المحلّى 11/390). ثمّ إنّ شأن اللّواط كشأن الزّنا في إثبات الحجّة : لا بدّ من أربعة شهود يشهدون أنّهم رأوا المواقعة، وهو أمر يجعل تطبيق الحدّ مستحيلا تقريبا. وهذا ما قد يفسّر اعتباطيّة وعنف العقوبات المنْزلة بالمثليّين : يتمّ الرّدع السّلطانيّ بقطع النّظر عن الأحكام التي يقرّرها الفقه، أو تقوم السّلطات بحملات تطهير أخلاقيّ قد تنزل عقوبات مدعّمة للسّلطة، منتجة للـ "عبرة لمن يعتبر".

ولكنّ العقوبات السّلطانيّة والأحكام الفقهيّة وخطب الوعّاظ الحنابلة لم يكن بإمكانها أن تسدّ الباب أمام اللاأخلاقيّة العموميّة وثقافة الجندر الثّالث واللاّجندر. لقد أمكن للمسلمين القدامى أن يستنبطوا مناطق واسعة من التّسامح فيما بين الرّغبة والقانون، وأن يتحيّنوا فرص "غفوة الرّقيب" التي طالما تغنّى بها الشّعراء العرب. كان اللّه رغم كلّ شيء "غفورا رحيما"، وكان الإثم خطوة نحو التّوبة، وكانت التّوبة والإثم وجها وقفا. أمكن للرّقباء إخصاء الدّلال، ولكن لم يكن بوسعهم إخماد ضحكاته وأغانيه.

الرّهبة الحديثة
أصبح النّظام الأخلاقيّ الجنسيّ لدى العرب المحدثين أكثر تجهّما نتيجة عاملين متضافرين، أوّلهما اعتماد الآليّات الانضباطيّة وأنماط إخضاع الفرد التي استحدثتها الدّولة الغربيّة الحديثة، وثانيهما موجات "الصّحوة الإسلاميّة" المتعاقبة. ويمثّل ظهور الحركة الوهّابيّة في الجزيرة العربيّة في القرن الثّامن عشر وميلاد حركة "الإخوان المسلمين" بمصر في العشرينات من القرن الماضي حلقتين أساسيّتين من هذه "الصّحوة" التي تتميّز خاصّة برفض دنونة الفضاء الاجتماعيّ والإيمان بوهم الصّفاء والانسجام الأصليّين. فعلى سبيل المثال، أدّت الموانع التي فرضها نوع من الحداثة الغربيّة على المثليّة إلى دعم وإحياء موانع الفقه الإسلاميّ. والنّتيجة هي أنّ سرور الالتباس الجندريّ القديم حلّت محلّه رهبة التّأثّم والرّعب القداسيّ.

لقد أدّى النّظام الأخلاقيّ الحديث خاصّة إلى إبراز الثّنائيّة القطبيّة الجنسيّة وكبت الالتباس الجنسيّ النّاتج عن البينجنسيّة، ورفض التّبديل الجنسيّ transsexualisme. فبينما كان الفقهاء القدامى لا يؤثّمون الخنثى بل يحاولون إيجاد وضعيّة قانونيّة تلائمه، تتّسم مقاربات المحدثين بالخلط والهوس. هذا ما تدلّ عليه قصّة "سامية"، وهي بينجنسيّة تونسيّة منح لها اسم ذكر (سامي) وهويّة رجل، لكنّها شعرت بأنّها أنثى. فلجأت إلى التّشريح لكي تضع حدّا لالتباس هويّتها، ثمّ تقدّمت بطلب لتغيير حالتها المدنيّة، فرفض القضاء التّونسيّ طلبها بقرار من محكمة الاستئناف مؤرّخ بـ 22/12/1993. فبحجّة سكوت القانون المدنيّ عن الموضوع ورفضا لحلول القضاء الفرنسيّ الذي أباح منذ 1992 الحقّ في تبديل الجنس، قرّر القاضي الرّجوع إلى الفقه الإسلاميّ، رغم أنّ هذا الفقه لا يتعرّض إلى حالات تبديل الجنس. وعوض أن تعتبر سامية "خنثى" من وجهة نظر فقهيّة، اعتبرت رجلا شاذّا "غيّر جنسه بطريقة إراديّة واعتباطيّة"، خارقا النّظام الذي خلقه اللّه. وفي هذا السّياق أورد القاضي الآية : "اللّه يعمل ما تحمل كلّ أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكلّ شيء عنده بمقدار." (13/8) كما أورد الحديث : "لعن اللّه المتشبّهين بالنّساء من الرّجال، والمتشبّهات بالرّجال من النّساء". (الرّديسيّ، عبيد)

أمّا المثليّة، فهي تجرّم اليوم في الكثير من البلدان العربيّة : تعاقب بالإعدام في المملكة العربيّة السّعوديّة واليمن والسّودان وموريتانيا، وبالسّجن 7 سنوات في ليبيا و3 سنوات بالمغرب. وفي البلدان التي لا يدينها القانون صراحة، لا ينجو "آل لوط" أحيانا من الإيقاف والاضطهاد. ولنذكّر على سبيل المثال بـ"قضيّة الشّواذّ المصريّين". ففي يوم 11/5/2001 ألقي القبض بمرقص ليليّ على 52 رجلا، ومثلوا أمام محكمة أمن الدّولة بتهم منها "ازدراء الأديان وممارسة الفجور" وجعل "الشّذوذ الجنسيّ مبدأ أساسيّا لمجموعتهم". وحكمت المحكمة على 23 متّهما منهم بالسّجن مع الأشغال الشّاقّة لمدّة تتراوح بين 3 و5 سنوات. وفي الأثناء انفتحت أبواب الاستنكار والاستفظاع في الصّحف المصريّة التي ذهب بعضها إلى أنّ هؤلاء "الشّواذ" "عبدة للشّيطان"، و"أنّ لهم صلات بالحركات الصّهيونيّة، وأنّهم يحجّون إلى إسرائيل ويقيمون طقوس عربدة". (الكافي، 66) في هذه المحاكمة، حضرت "الشّريعة الإسلاميّة" كمرجع أساسيّ، ولكن غابت في الوقت نفسه آراء الفقهاء غير المتشدّدين، كما غابت الشّروط التي وضعها الفقه لإثبات تهمة الزّنا التي تنسحب على اللّواط. كما في قضيّة "سامية"، نلاحظ غيابا للمعرفة الفقهيّة بدقائقها القديمة وعزوفا في الوقت نفسه عن مرجعيّة حقوق الإنسان الحديثة. فإزاء هذيان الإقصاء والشّيطنة، فضّلت السّلطات المصريّة مغازلة مجموعات الضّغط الإسلاميّة، ورفضت جمعيّات حقوق الإنسان المصريّة الدّفاع عن المتّهمين، أو في أحسن الأحوال لزمت الصّمت.

والعبارة التي استعملت لنعت المثليّين في هذه الحملة هي صفة "الشّواذّ"، وهي عينها المستعملة في الأدبيّات الأصوليّة. فبينما كان القدامى ينزّلون المثليّة في الطّبيعة وفي التّشريح، ويتحدّثون عن المثليّة في عالم الحيوان ذاته (الجاحظ 1:3/204)، ويعتبرون المثليّة النّسائيّة "شهوة طبيعيّة"، ويردّون المثليّة عموما إلى أسباب بيولوجيّة منها "غلبة البرد أو الرّطوبة على مزاج الأنثيين" لدى الرّجال (التّيفاشيّ 181) و"قصر مسافة الرّحم" لدى النّساء (نفسه، 170) أو عظمة البظر لدى النّساء (ابن سينا 1، 2/1691)، فإنّ المحدثين يعتبرون المثليّة فجورا مناقضا للطّبيعة، وينزّهون الحيوانات عنها (الجزيريّ 5/211). ومع ذلك فإنّهم لا يلجؤون إلى التّشخيص الذي يقدّمه الطّبّ النّفسيّ أو التّحليل النّفسيّ في عمليّة إخراج المثليّة من الطّبيعة والبيولوجيا. بل يلجؤون إلى تصوّرات شيطانيّة تصاحبها تخيّلات هوويّة عن الأمّة، التي يقتضي تطهيرها إخراج الآخر منها وإخراج كلّ من يدخلون في اتّصال معه : للمثليّ علاقات مع الشّيطان، إنّه ممثّل للمعتدين الغربيّين أو الإسرائيليّين. فربّما كانت الحملات ضدّ المثليّين نوعا من الطّرد السّياسيّ للأرواح الشّرّيرة المتلبّسة بجسد الأمّة الخياليّ، ومن الطّبيعيّ أن يتمّ هدا الطّرد في كنف الرّعب القداسيّ. وبقدرما يكون القلق من المثليّة جاثما ، يتمّ إسقاطها على الآخر، ولأنّ هذا الآخر الشّيطانيّ خارجيّ-داخليّ، معشوق-مكروه، يراد اقتلاعه مع الولولة بضرورة القتل الأضحويّ.

وفي العالم العربيّ لا تُمنع المثليّة فحسب، بل كلّ العلاقات الجنسيّة التي تتمّ خارج الزّواج. ومع ذلك، فليس الحقّ في إقامة علاقات جنسيّة حرّة جزءا من برنامج عمل جمعيّات حقوق الإنسان والحركات النّسائيّة. ومن البديهيّ أن لا تكون هذه الأرضيّة صالحة لظهور حركات عربيّة "قايز-لازبيان" (Gays-Lesbians) أو بصفة عامّة LGBT (السّحاقيّات، المثليّون، المزاوجون، اللاّجندريّون). إلاّ أنّ بلاد المهجر وفّرت هذه الأرضيّة. ففي أوروبّا وأمريكا بدأ العرب "الكوير" queer يتنظّمون في جمعيّات كـ"سواسية : دفاعا عن حقوق المثليّين في العالم العربيّ" أو شبكات كـ"تجمّع سحاقيّات شمال إفريقيا والعالم العربيّ" المسمّى ""N DéeSses. هذه الحركات ما بعد-النّسويّة post-féminist وجدت في شبكة الويب فضاء للتّواصل والتّعبير الثّقافيّ المتعدّد اللّغات، تنسج فيه العلاقات بين "غريبي" المهجر و"غريبي" "دار الإسلام". عبر هذه الأمكنة الافتراضيّة يحاول المقصيّون من النّظام "الثّنائيّ-التّغايريّ" bipolaire-hétérosexuel أن يفتحوا الأبواب المغلقة وأن يبادروا إلى الفعل السّياسيّ، كما يحاولون في الوقت نفسه أن يسترجعوا لغة وذكريات التّقليد العربيّ الرّاسخ في مجال "اللاّجندر". يمكن أن نقرأ في 2002 sehakia.org : "آلت "سواسية" على نفسها أن تستعمل، قدر الإمكان، اللّغة العربيّة في بياناتها ومنشوراتها، لا لكي تقدّم الدّليل الرّمزيّ على أنّ المثليّة جزء من ثقافتنا فحسب، وليست مجرّد "ظاهرة مستوردة من الغرب"، بل كذلك لأنّ [التّخاطب بالعربيّةٍٍ] يمثّل الوسيلة الأنجع لبلوغ ملايين المثليّين من النّاطقين بالعربيّة والأشخاص الذين يساندونهم، وذلك قصد تشجيعهم في نضالهم المستمرّ من أجل الحرّيّ والمساواة."

الفتنة
يعني "الوأد" في العربيّة : "أن يقبر الإنسان حيّا". لم تحرق النّساء في العالم العربيّ الإسلاميّ كما في أوروبّا، وقد أبطل القرآن الوأد الذي كان يستهدف الأطفال الإناث في الجاهليّة. ولكن يمكن أن نذهب إلى أنّ الوأد الرّمزيّ أو الواقعيّ ما زال يترصّد النّساء. إنّهنّ لا يتّهمن بالسّحر بمعناه الحقيقيّ، بل بـ"الفتنة" : من "فتن، أي صرف عن ذكر اللّه"، غشّى عن رؤية علاماته. الفتنة في الوقت نفسه هي ما يجعل المرأة صِنوا للشّيطان، بما أنّ الشّيطان يسمّى كذلك "الفتّان"، لأنّه يُضلّ النّاس ويزيّن لهم شهواتهم.

في كوكبة الأخبار التي تكوّن قصّة المجنون، نجد طرفتين يتّضح فيهما التباس مصير هذا الماجن بمصير النّساء، ويتّضح فيهما في الوقت نفسه نصيب كلّ واحد من القمع.
يروى أنّ الدّلال "كان ملازما لأمّ سعد الأسلميّة وبنت ليحيى بن الحكم بن أبي العاصي (ت. 685) وكانتا من أمجن النّساء. كانتا تخرجان فتركبان الفرسين فتستبقان عليهما حتّى تبدو خلاخيلهما، فقال معاوية لمروان بن الحكم : اكفني بنت أخيك، فقال : أفعل. فاستزارها، وأمر ببئر فحُفرت في طريقها، وغطّيت بحصير، فلمّا مشت عليه سقطت في البئر فكانت قبرها. وطُلب الدّلال فهرب إلى مكّة."

والخبر الثّاني يتعلّق بسلوك الدّلال في المسجد : يقول أحد الرّواة : "صلّى الدّلال المخنّث إلى جانبي في المسجد، فضرط ضرطة هائلة سمعها كلّ من في المسجد، فرفعنا رؤوسنا وهو ساجد، وهو يقول في سجوده رافعا بذلك صوته : سبّح لك أعلاي وأسفلي، فلم يبق أحد في المسجد إلاّ وفـُتن وقطع صلاته بالضّحك." (الإصفهانيّ 4/266-297).
انطلاقا من مسألة "الفتنة"، تترابط سياسة المقدّس والسّياسة الهوويّة للجندر. في كلتا القصّتين يطلع الجسد بواقعيّته وطاقته المتحدّية للمعنى، ويفرض نتوءه على المشهد الاجتماعيّ أو الاجتماعيّ-الدّينيّ : ضراط الدّلال وسط الجماعة المصلّية، وجوده وهو المخنّث في صفوف الرّجال المصلّين، خلاخيل الفتاتين المتحدّيتين لتقسيم الفضاء الاجتماعيّ إلى داخل وخارج، خاصّ وعامّ، المبتنيتين أنوثتهما كما تريدان. وفي كلتا الحالتين تحدث "الفتنة"، وهي الكلمة التي تنسب عادة إلى النّساء ونسبت في الخبر الثّاني إلى الدّلال. فبين اللّه والرّجل هناك حواجز أو حُجب : امرأة أو لامجندر(hors-genre). وبينما تُطلق فتنة الدّلال الضّحك، ينجرّ عن فتنة الفتاتين العنف العقابيّ. فالمرأة إذن، هذا "الكائن الفظيع الذي يعجّ بالعلامات" (بنسلامة، 61) هي الحاجز الأكثر كثافة، ولذلك لا بدّ أن يسدل عليه "حاجز" "يمنع" و"يفصل"، وهذه هي المعاني التي ترد في تعريف "الحجاب" لغويّا. هذا الحجاب-الحاجز قد يكون قطعة نسيج أو بابا موصدا أو قبرا، وهذا تقريبا ما يقوله الحديث المنسوب إلى الرّسول : "ما من شيء خير لامرأة من زوج أو قبر." (ابن الجوزي 133)

يد الرّدع أسرع إلى امرأة "ماجنة" منها إلى "مخنّث" يقطع صلاة الجماعة بالضّراط، أحرص على عقاب المنتهكين لنظام الجندر منها على عقاب المخلّطين بين المقدّس والمدنّس. وبعبارة أدقّ، فإنّ الخطّ الفاصل بين عالم الرّجال وعالم النّساء يبدو لنا أوضح من الخطّ الفاصل بين الجندر واللاّجندر، بين المقدّس والمدنّس، بين الصّلاة والضّحك الذي يقطع الصّلاة. لقد رأينا أنّ الدّلال يتخطّى كلّ الحدود، ولكنّ المخاطر التي تترصّده تزداد باقترابه من النّساء اللاّتي يتّهم بإفسادهنّ. ففي القمع المتعلّق بسياسة الجنادر (جمع جندر)، هناك أصناف يسلّط عليها قمع أشدّ من أصناف أخرى، هناك من هم أشدّ فتنة من غيرهم. بقي الدّلال حيّا بعد عقابه، بل قاوم العقاب، أمّا الشّابّة التي ركبت صهوة جوادها فقد لقيت مصير "الموؤودة" : أهيل التّراب على جسدها وكلامها ولم يكن لها قبر تذكر به.

ولو عمّقنا النّظر، لقلنا إنّ الدّلال قد سُلّطت عليه عقوبة الوالي، أمّا الفارسة، فقد جمع قاتلُها بين وظيفتين : وظيفة الوالي ووظيفة العمّ الذي يقوم مقام الأب. فالوالي إذ عاقبها قام في الوقت نفسه بحماية النّظام الأخلاقيّ في المدينة كما قام بحماية "عرض" العشيرة.

هل يوجد عدم تحدّد سياسيّ أساسيّ في صلب قمع النّساء والتّمييز ضدّهنّ، أليس قمع النّساء أساسا لتبرير العنف وتشريعه؟ هل ينبني "نظام الأنظمة" على حجب النّساء في بيوتهنّ؟ هل يمكن أن لا نرى بريق خلخال الفتاة الموؤودة في الآية : "وقل للمؤمنات يغضُضن من أبصارهنّ ويحفظن فروجهنّ ولا يبدين زينتهنّ إلاّ ما ظهر منها، وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ (…) ولا يضربن بأرجلهنّ ليُعلم ما يخفين من زينتهنّ…" (24/31)؟

سأقفز على العصور لكي أذكّر بحادثة شبيهة بقصّة الفارسة الموؤودة وقعت يوم 6 نوفمبر 1990 عندما قامت مجموعة مؤلّفة من 47 سيّدة سعوديّة بقيادة قافلة من السيّارات. كنّ متظاهرات يطالبن بإنهاء الحظر المفروض على قيادة النّساء للسّيّارات. اخترقن شارع الملك عبد العزيز بالرّياض، ورفضن تدخّل رجال الدّين من "المطوّعين". ثمّ أوقفهنّ رجال الشّرطة لمدّة إحدى عشر ساعة، وأجبروهنّ على توقيع التزامات بألاّ يعدن إلى مثل هذا العمل، وأن يتحمّلن العواقب النّاتجة عن تكراره إذا فعلن. كما أجبر آباؤهنّ وأزواجهنّ على توقيع تعهّدات مماثلة… وفي أعقاب هذه المظاهرة قامت وزارة الدّاخليّة بإعطاء الحظر الصّيغة الرّسميّة، بناء على فتوى أصدرها الشّيخ عبد العزيز بن باز، وقد كان السّلطة الرّسميّة العليا في البلاد، وعلماء كبار آخرون. والحجّة الأساسيّة المقدّمة في هذه الفتوى هي من باب "سدّ الذّرائع" أي تحريم ما يؤدّي إلى محرّم، بما أنّ اقتياد السّيارات يمكن أن يؤدّي إلى الزّنا. ثمّ فصلت المتظاهرات عن وظائفهنّ، ومنهنّ محاضرات جامعيّات وصحفيّات وموظّفات في القطاع العامّ. وانهالت الفتاوى والبيانات المندّدة بهؤلاء "المتبرّجات" "السّاقطات".(لجنة مناصرة المرأة في الجزيرة العربيّ، 18) الألسنة التي صمتت آنذاك أمام الجيوش الأمريكيّة المنزَلة بالمملكة قبيل حرب الخليج، تحرّكت للعنة 47 امرأة اعتبرن خطرا على الإسلام والأمن الاجتماعيّ. تحّركت في شكل هذيان إقصاء ورفض شبيه بهذيان الحملة على الـ52 شابّا متّهما بالشّذوذ الجنسيّ.

تغيّرت المطيّة من عصر إلى عصر، فانتقلنا من الفرس إلى السّيّارة ولا شكّ، ولكنّ ما تغيّر أيضا هو طبيعة الفعل : فما قامت به السّعوديّات حركة جماعيّة سياسيّة إراديّة، ربّما كانت جنينا لحركة نسائيّة حاول الجهاز السّياسيّ الدّينيّ إجهاضها. أمّا الحجج التي تسلّط المنع على أجساد النّساء وعلى حركتهنّ في الفضاء العموميّ فقد بقيت على حالها : الآية 24/31 التي تتنبّأ بعقاب الفارسة، هي نفسها استعملت بعد 14 قرنا كـ"حجّة سلطة" مقدّسة لإدانة المتظاهرات السّعوديّات، وقد اختزلن في إناث يبدين زينتهنّ.
ما هي التّركيبة الأصليّة التي ينبع منها "نظام الأنظمة"، والتي ما زالت تتحّكم في حاضر الرّجال والنّساء العرب؟ بأيّ الوسائل تمّ ابتناء صرح المطلق واللاّتاريخيّ في يسمّى اليوم "الشّريعة"؟

"مركزيّة لاهوتيّة-قضيبيّة"
في اللّوحات التي نحاولها رسمها عن العلاقات بين الجنس والجندر والعلاقات بين الجنادر، وفي ما نحاول القيام به من تفكيك لآليّات "المركزيّة القضيبيّة-العقليّة phallogocentrisme أو تحديدا "المركزيّة التّيولوجيّة-القضيبيّة" التي ما زالت تهيكل الذّات في السّياق العربيّ الإسلاميّ، نتجنّب أوّلا الإسراع بتنظيم الوقائع بالإعراض عن التّعقّد وعن الدّيناميكيّة الاجتماعيّة وبالغفلة عن التّفاوت بين البلدان العربيّة في مجال العلاقات بين النّساء والرّجال. وبما أنّ معرفتنا "متموقعة" حتما، فإنّنا سنبيّن، سلبيّا، المواقع التي لا ننطلق منها، والتي تنطبق على ممارسات خطابيّة معاصرة. سنتجنّب الدّفاع عن "صورة العالم العربيّ" في الخارج، أو"الهويّة" التي تهدّدها العولمة والطّموحات الاستعماريّة الجديدة. فـ"تحسين صورة العرب في الخارج" هي المهمّة التي تريد الحكومات العربيّة والهيئات الجهويّة المنبثقة عنها أن يضطلع بها المثقّف العربيّ اليوم. كما أنّنا نتجنّب القوالب الجاهزة الثّقافويّة التي تبني وهم أمّة عربيّة إسلاميّة لا تريد الدّيمقراطيّة ولا الحرّيّة، والقوالب الجاهزة الاستشراقيّة أو الاستشراقيّة الجديدة التي تسجن واقع النّساء والرّجال العرب المسلمين في مجموعة من الصّور والتّبسيطات المخلّة : صور النّساء المبرقعات اللاتي لا يرين النّور، صور الشّيوخ الأثرياء متعدّدي الزّوجات، صور الأيدي المبتورة والأجسام المرجومة، أو صور الشّرق الحالم التي ترضي الجميع : رقصات البطن والنّارجيلة والأبخرة والعطورات والصّحراء… وسنحاول أخيرا تجنّب الاستسلام إلى الأَمْثَلَة الطّوباويّة (idéalisation utopique) لماضي النّساء العربيّات، وسنمتنع عن الرّكون إلى وهم إسلام أصليّ أصيل يكفي أن نبحث عنه لنجده، ووهم فردوس نسائيّ مفقود يجب أن نتذكّره، وهو وهم تـُواصل ترسيخه الكثير من الكتابات النّسائيّة. عندما نصرّ على مجاملة الأوصياء على المقدّس، ينتهي بنا الأمر إلى اتّباع نهجهم وطريقهم في الأمثلة والتّقديس لما هو تاريخيّ بشريّ محدود. فبالفقدان والحداد المخلّص لا بالدّفاع المهووس عن "الهويّة" يمكن أن نشرع في تجديد الفكر والحياة، بل وتجديد الحياة الدّينيّة نفسها.

يمكن أن نقول إنّ الإسلام شأنه شأن اليهوديّة والمسيحيّة، ولكن على طريقته الخاصّة، قدّم دعامة دينيّة لسلطة الرّجل على المرأة، وللنّظام الأبويّ. يتّضح التّوجّه التّوحيديّ المتمثّل في "أخذ الصّفات الإلهيّة للأنثويّ الأموميّ وتحويلها لصالح إله خالق أبويّ" (مجلة ترانسيوروبّيان، 18) من خلال الآيات التي تقابل بين اللّه من ناحية والآلهة الأنثويّة القديمة من ناحية أخرى، وهي آلهة كانت هامّة في البنتيون؟؟ العربيّ ماقبل الإسلاميّ : "… ومن يشرك باللّه فقد ضلّ ضلالا بعيدا. إنْ يدعون من دونه إلاّ إناثا وإن يدعون إلاّ شيطانا مريدا" (4/116-117) هذا الحطّ من شأن الأنثويّ والأموميّ يظهر ولا شكّ في "الانتقال من البداهة الأموميّة إلى انعدام البداهة الذي يتّسم به الأبويّ"، وفي تأكيد للوظيفة الأبويّة وبالتّالي الرّمزيّة. ولكن يمكن أن نلاحظ في القرآن ميلا إلى تأكيد الأبوّة البيولوجيّة، وهو ما أدّى إلى تشديد الرّقابة على الحياة الجنسيّة للنّسائر الحرائر وإلى تأكيد علاقات القرابة البيولوجيّّة. فالقرآن قد فرض العدّة على المطلّقة والأرمل (2/234؛ 65/1) حرصا على عدم اختلاط الآباء، كما منح الزّوج الذي يشكّ في زنا زوجته حقّ "اللّعان" (24/6)، ومنع التّبنّي (33/4-5). ثمّ إنّه دعّم نمط زواج "التّبعّل" الذي يكون فيه الزوّج "سيّدا" وزوجا في آن، محرّما أشكالا أخرى من الاقتران يبدو أنّ العرب القدامى عرفوها ومنها زواج "الصّديقة"، وهو زواج ينتسب فيه الأطفال إلى قبيلة الأمّ، وزواج "الاستبضاع" الذي يلغي دور الأبوّة البيولوجيّة، ويتمثّل في أن "يقول الرّجل لامرأته إذا طهرت من طمثها : أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسّها أبدا حتّى يتبيّن حملها من ذلك الرّجل الذي تستبضع منه… وإنّما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد". (لسان : ب ض ع، مرنيسي63-69 )
ونجد حطّا صريحا من شأن الأمومة والأنثويّ في الآيات التي تعلن أفضليّة الرّجل على المرأة، ومنها : "ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف، وللرّجال عليهنّ درجة، واللّه عزيز حكيم" (2/228). ولهذه الأفضليّة مظاهر عدّة : فهي أفضليّة أنتولوجيّة تعود إلى الصّيغة الثّنائيّة لعمليّة الخلق الإلهيّ. فاللّه إذ خلق "الذّكر والأنثى"، خلق الذّكر قبل الأنثى، أو خلق الأنثى من الذّكر، بما أنّ حوّاء قد أخرجت من جسد آدم حسب الأسطورة الكتابيّة والقرآنيّة. وهذه الأفضليّة سياسيّة أيضا، تعود خاصّة إلى "مبدإ القوامة"، الذي كان له شأن هامّ في المجالين الخاصّ والعامّ. نجد إعلانا عن هذا المبدإ في سورة النّساء : الرّجال قوّامون على النّساء بما فضّل اللّه عليهنّ بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم. فالصّالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ اللّه، واللاّتي تخافون نشوزهنّ فعظوهنّ واهجروهنّ في المضاجع واضربوهنّ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا إنّ اللّه كان عليّا كبيرا." (النّساء/34)
هذه الآية هي التي تسنّ ضرورة طاعة الزّوجة زوجها وحقّ الزّوج في تأديبها ومعاقبتها. ولكنّ مبدأ القوامة الذي تنصّ عليه الآية هو الذي يرجع إليه المفسّرون القدامى للقول بأنّ المرأة وكذلك الخنثى المشكل والعبد وغير هؤلاء من المقصيّين، ممنوعون من تولّي "الولايات" الخاصّة والعامّة. هذا الإقصاء تدعمه "مؤسّسة الحجاب" التي لم تكن تعني في عهد الرّسول مجرّد قطعة قماش مسدلة على جسد المرأة، بل تعني تقسيم الفضاء الاجتماعيّ وعزل النّساء الحرائر في المجال الخاصّ. وتظهر فضائيّة مفهوم "الحجاب" في الآيتين 33/53، 33/32 اللّتين تفرضان هذا الفصل على نساء الرّسول، وتأمرهنّ بـ"أن يقرن في بيوتهنّ" ولا يتبرّجن. أمّا الحجاب باعتباره قطعة قماش فهو تجسيد لمؤسّسة الحجاب عموما يظهر في الآية 30 من سورة النّور، وفيها أمر لجميع النّساء بأن "يضربن بخمُرهنّ على جيوبهنّ ولا يبدين زينتهنّ" إلاّ لمن كان من المحارم. وقد ذكر المفسّرون القدامى وظيفة أخرى لهذه "الخمر" هي التّمييز بين الحرائر والإماء، فالإماء غير معنيّات بهذا اللّباس (بن سلامة).
إنّ مبدأ القوامة الذي يفرض طاعة الزّوجة لزوجها لا ينجرّ عنه فحسب عزل النّساء عن الحياة السّياسيّة، بل إنّ له نظيرا في الحياة العامّة هو واجب الطّاعة نحو "أولي الأمر"، الذي يؤسّسه القرآن (4/59)، ويؤكّده الفقه من عدّة مناح، منها عدم تنصيصه على مؤسّسات أو آليّات تمثّل "سلطة تحدّ من السّلطة". إنّ بين الحقلين الخاصّ والعامّ علاقة "مرآتيّة" : كلّ منهما ينعكس على الآخر. فواجب الطّاعة يجمع بينهما من حيث أنّه يحمل بنية انصهاريّة لا تساعد على الفصل بين الوظائف (على الفصل بين الخصم والقاضي مثلا) ولا تساعد عموما على إقامة هيئات التّثليث tierceités وعلى ظهور مشهد سياسيّ حقيقيّ. فـ"أسباب النّزول" التي تفسّر بها الآية 4/34 تجسّد على أحسن وجه هذه البنية النّافية للسّياسيّ dépolitisante. تذكر أسباب النّزول بخصوص هذه الآية قصّة "عنف أسريّ" تحتكم فيها الزّوجة إلى الرّسول، فيأمر بعقابه، فتنزل الآية لتعترض على هذا الرّأي : "… حدّثنا الحسن : أنّ رجلا لطم امرأته، فأتت النّبيّ (ص)، فأراد لأن يُقِصّها منه، فأنزل اللّه : الرّجال قوّامون على النّساء (…)، فدعاه النّبيّ (ص)، فتلاها عليه، وقال : أردت أمرا وأراد اللّه غيره." (الطّبريّ 3/60). تنزل الآية إذن لينسحب الرّسول باعتباره حكما، وليفوّض أمر الزّوجة إلى زوجها ويبطل العقوبة التي قرّرها في البداية. الإمكانيّة التي تبطلها الآية ليست فحسب عقاب المعتدي، بل فعل اللّجوء إلى هيئة ثالثة من شأنها أن تؤدّي إلى الفصل الواضح بين وظيفتي الزّوج والسّيّد، ووظيفتي الخصم والقاضي. إنّه إلغاء الثّالث الذي يذكّرنا بالانصهار في قصّة الفارسة الموؤودة بين وظيفتي الوالي والعمّ.
ومن حيث الوضعيّات القانونيّة، من الواضح أنّ المنظومة الفقهيّة تقوم على هرم اجتماعيّ أعلاه الرّجل تليه المرأة، ثمّ العبد ثمّ الأمة ثمّ الطّفل والمجنون. (الشّرفي، 155) فالمرأة تساوي تقريبا نصف رجل : ترث نصف ما يرث الرّجل، وتعدّ شهادة المرأتين مضاهية لشهادة الرّجل الواحد. وفيما يتمتّع الرّجل بميزة تعدّد الزّوجات والتّطليق، تحرم المرأة أحيانا من حقّ اختيار زوجها. وربّما أمكن لنا القول بأنّ للعبد طبيعة مشتركة، فهو "في الوقت نفسه شيء وشخص" (الموسوعة الإسلاميّة 2 : "عبد") وللمرأة طبيعة مزدوجة، فهي في الوقت نفسه تردّ إلى عبد مملوك وشخص حرّ. فإضافة إلى أنّ نفس المبدإ المتعلّق بقصر الحقوق على النّصف ينطبق على العبد الذّكر والمرأة الحرّة، فإنّ عقد الزّواج والمهر الذي يُدفع إلى المرأة أو وليّها، يحوّلان المرأة إلى مملوكة لزوجها تخضع إلى "مالكيّة غير المال". ولذلك يقول الغزالي حجّة الإسلام (ت 1111) : "والقول الشّافي فيه أنّ النّكاح نوع رقّ، فهي رقيقة له، فعليها طاعة الزّوج مطلقا في كلّ ما طلب منها في نفسها ممّا لا معصية فيه…" (الغزاليّ 2/ 62-64) لكنّ المرأة، باعتبارها أيضا حرّة، لا تخضع إلى العمليّات القانونيّة التي يخضع إليها المملوك التّامّ العبوديّة، وهي البيع والهبة والكراء…

الأحاديّة والثّنويّة

إفراط الجندر
لا تكتفي المركزيّة القضيبيّة التّيولوجيّة بسياسة واقع الأجساد الذّكوريّة والأنثويّة وغيرها، وبإقامة مراتبيّة الوضعيّات القانونيّة، بل إنّها تنشر راياتها على كلّ الأنشطة الخياليّة والنّظريّة بخلق جداول الذّكوريّ والأنثويّ وخلق أساطير الاختلاف الجنسيّ. لقد سمحت الصّياغة الثّنويّة لعمليّة الخلق الإلهيّ للقدامى بتشبيه حوّاء بالفرع وآدم بالأصل، علما بأنّ "الأصل أفضل من الفرع" (ابن أبي الضّياف، 68). هذا الفرع الذي تمثّله المرأة سيكون مبصوما بالضّعف الأنتولوجيّ الذي تؤكّده سمتان : الكذب والكيد المنسوبان إلى المرأة في سورة يوسف خاصّة، والزّينة والزّيف اللّذان يجعلان من هذا المخلوق "المتبرّج" كائنا استيهاميّا على نحو ما : يبدو أنّ الرّسول قد لعن "الواصلة والمستوصلة [التي تضع شعرا اصطناعيّا] والواشمة والمستوشمة والنّامصة والمتنمّصة [التي تنتف شعر وجهها] والمنفلجات [اللاتي يباعدن بين أسنانهنّ لتحسينها] والمغيّرات خلق اللّه" (صحيح مسلم، كتاب اللّباس). وإذا ربطنا سمات الكذب والزّينة بالثّنائيّة الهامّة المؤسّسة للفكر الميتافيزيقيّ : محسوس/معقول، اتّضح ما في المركزيّة القضيبيّة التّيولوجيّة من مركزيّة قضيبيّة عقليّة phallogocentrisme تنبني في الوقت نفسه على الحطّ من شأن الكتابة والحطّ من شأن الأنثويّ، أو ما يعدّ أنثويّا، على نحو ما بيّنه جاك درّيدا في أفق الفكر الغربيّ. فثنائيّة محسوس/معقول يمكن أن نترجمها بثنائيّة اللّفظ/المعنى : فقد تردّد عموما لدى اللّغويّين والنّقّاد القدامى أنّ "اللّفظ جسم، وروحه المعنى." (ابن رشيق 1/124)، واعتبر القدامى المعنى واللّفظ لباسا أو زينة "تُخرج" المعنى في "المعرض الحسن". وهنا نجد الإحالة على الأنوثة باعتبارها من باب المحسوس ومن باب اللّفظ، لا سيّما أنّ الألفاظ تشبّه بـ"الجواري في المعارض الحسنة"، لا سيّما أنّ بعض البلاغيّين يتحدّثون عن "تبرّج الدّلالة". (الجرجاني2). أضف إلى ذلك تحذير النّقّاد الشّعراء من اللاّمعقول والمحال الذي يترصّدهم إذا انساقوا وراء فتنة اللّفظ، أو بالغوا في تصيّد الصّور البلاغيّة التي كانوا يسندون إليها وظيفة تزيينيّة. وتتطابق مع ثنائيّة المعنى (الذّكوريّ إذن) واللّفظ (الأنثويّ) ثنائيّة المبدإ الذّكوريّ الفاعل والوعاء السّلبيّ الأنثوي وقد استجلبت من الفلسفة اليونانيّة، وهي تتجلّى في حديث ابن سينا عن "الهيولى" وتشبيهه إيّاها بـ"المرأة الدّميمة" المفتقرة إلى جمال الصّورة، "الخائفة من العدم المطلق" (ابن سينا2 : 6-7). فالأنثويّ إذن هو كلّ ما يمنع من تجلّي الحقيقة ويهدّد عمليّة إنتاجها، كلّ ما هو ثانويّ ومع ذلك يهدّد الأساسيّ : الزّينة التي قد تحجب الواقع، اللّفظ الذي يمتدّ كتابة فيحجب المعنى الذي يفترض أنّه متعال، الوعاء الذي يمكن أن يبقى بلا شكل… وباختصار، نجد هنا صورة سبق أن اعترضتنا : الحجاب الخطير الذي يجب حجبه أو التّقليص منه. سبيل الإنسان إلى اللّه أو الحقيقة يجب أن يمرّ إذن عبر إلغاء الأنثى أو إلغاء الأنثويّ.

أمّا أسطورة الاختلاف الجنسيّ التي تبنيها هذه المركزيّة القضيبيّة التّيولوجيّة، فهي أسطورة اختلاف جندريّ وعدم اختلاف جنسيّ بيولوجيّ. فاللّه خلق كذلك "الإنسان" : "يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبثّ منها رجالا كثيرا ونساء…" (4/1) هذا المعطى الميثولوجيّ المتعلّق بـ"النّفس الواحدة" علامة على وجود أحاديّة (monisme) بيولوجيّة ليست متناقضة مع الثّنويّة (binarisme)الجندريّة (أي المتعلّقة بالأدوار الاجتماعيّة الثّقافيّة). ففي فضاء الثّقافة العربيّة، يمكن أن نذهب إلى وجود نموذج موحّد الجنس modèle unisexe شبيه بالنّموذج الذي اكتشفه لاكور Laqueur في فضاء الحضارة الغربيّة، والذي هيمن على كلّ تصوّرات الجنس والجندر إلى حدود القرن الثّامن عشر. اللّغة وبعض التّصوّرات حفظت لنا آثار هذا النّموذج : فالرّجل الذي لم يتزوّج بعد يسمّى "بكرا" كما تسمّى المرأة. والعضو الجنسيّ يسمّى "فرجا" لدى المرأة والرّجل، وإن كان الفرج يعني "الخلل بين الشّيئين" والثـُّلمة والخواء. والختان يعني القطع، ولكنّه يعني "موضع القطع من الذّكر والأنثى". ويقيم القدامى تناظرا بين الذّكر والبظر (clitoris)، لأنّ عبارة "الرّجل الأبظر" تعني من بين ما تعني الذي "لم يختن". كما أنّ "القلفة" (prépuce) وهي "الجلدة" "التي تقطع من ذكر الصّبيّ" تستعمل أيضا للنّساء، وهو ما يفهم من حديث ابن الجوزيّ عن دور قطع القلفة في ضمان العفّة للرّجال والنّساء (35). ورغم انفراد المرأة بوظيفة الإنجاب، فإنّهم تصوّروا أنّها تشترك مع الرّجل في القذف، واعتبروا "ماءها " "شرطا في الانعقاد" : "الولد لا يخلق من مَنيّ الرّجل وحده بل من الزّوجين جميعا إمّا من مائه ومائها، أو من مائه ودم الحيض… وكيفما كان فماء المرأة ركن في الانعقاد" (الغزالي2/58). هذا التّناظر بين أعضاء المرأة وأعضاء الرّجل يتدعّم بحديثهم عن "الفرج المقلوب" لدى المرأة وبالنّصوص الطّبّيّة التي تحيل إلى جالينوس، فأبو زكريا الرّازي يعتبر "آلات التّناسل في الإناث موضوعة داخل البطن ومطبوعة على الميل إلى ما هناك." (التّيفاشيّ 230).

وبما أنّ أفضليّة الرّجل على المرأة كانت من تحصيل الحاصل ولا تكاد تحتاج إلى الكثير من الأدلّة، فإنّ القدامى قد اكتفوا بالدّور والتّسلسل المتمثّلين في تبرير مبدإ القوامة الذي يحكم المجال الخاصّ بإنفاق الرّجال على النّساء وعدم أهليّة النّساء للاضطلاع بالوظائف العامّة، وبتبرير الإنفاق وعدم الأهليّة هذين بمبدإ القوامة ذاته. ولكنّ المفسّرين لجؤوا أحيانا إلى الاختلافات الكمّيّة التي تجعل المرأة رجلا ناقصا، فالنّساء "ناقصات عقل ودين" حسب الحديث النّبويّ (البخاري، كتاب الحيض). والرّجال أقوى وأشدّ لأنّهم أكثر حرارة ويبوسة، أمّا النّساء فأضعف وألين لغلبة البرودة والرّطوبة عليهنّ، حسب المعرفة "العلميّة" السّائدة في ذلك العصر. (القرطبيّ 2/1430). فالنّساء رجال ينقصهنّ العقل كما تنقصهنّ الحرارة الحيويّة التي تؤدّي إلى الاكتمال، وتدفع بالأعضاء التّناسليّة إلى الخارج.

هذه الأحاديّة البيولوجيّة القديمة عوّضتها ثنويّة أريد بها تدارك التّداخل الحديث بين الأدوار الجندريّة. هذا ما قد يفسّر في جانب اختفاء مفهوم الفرج في العربيّة الحديثة، بما أنّ "الفرج" لم يعد يعني إلاّ عضو المرأة وحدها، بحيث أنّ المرأة أصبحت وحدها تمثّل الافتقار البشريّ. ففي الكتابات السّلفيّة الجديدة يتغلّب، فيما يبدو لنا، المكوّن الثّنويّ للخلق الإلهيّ على المكوّن الأحاديّ. هكذا تبتدئ سورة اللّيل : "واللّيل إذا يغشى، والنّهار إذا تجلّى، وما خلق الذّكر والأنثى، إنّ سعيكم لشتّى" (92/1-3) فالثّنائيّة الزّمنيّة : اللّيل/النّهار تعقبها الثّنائيّة الجنسيّة " ذكر/أنثى التي تكون بذلك في مثل بداهة الأولى. يقوم الشّعراويّ، وهو من المفتين المعاصرين الأكثر شعبيّة في مصر والعالم العربيّ بالخطوة الحاسمة، فيشبّه الثّنائيّة الثّانية بالأولى دون أن يحيل مباشرة إلى الآية. وهو يستخدم هذا التّشبيه سياسيّا لكي يزيل الشّرعيّة عن عمل النّساء خارج البيت : "… لو اتّحدت مهمّة الجنسين ما كان هناك ضرورة في أن ينقسم الجنسان إلى نوعين : ذكر وأنثى. ولنضرب لذلك مثلا بآية كونيّة موجودة في الوجود هي الزّمن.. فالزّمن وعاء الأحداث… وهو قسمان : ليل ونهار… الزّمن كجنس : وعاء للأحداث وكنوع فالنّهار له مهمّة واللّيل له مهمّة…" (2/203 ) ورغم ادّعاء الشّعراويّ الإحالة إلى معطيات البيولوجيا الحديثة، فإنّ إيديولوجيّته الجندريّة تجعله يردّد بخصوص الرّجل والمرأة الثّنائيّة الأرسطوطاليسيّة : إيجابيّ/ سلبيّ : "إنّ المواقعة بين الرّجل والمرأة يقوم الرّجل فيها بدور إيجابيّ لأنّه يقذف الحيوان المنويّ مؤهّلا للإخصاب، وهو في هذه الحال يبذل جهدا كبيرا ويسفح طاقة هائلة لقاء قذف هذه المحتويات الحيويّة، ولكنّ دور المرأة سلبيّ لأنّ إفرازاتها أثناء الممارسة الجنسيّة لا تحمل عنصر الحياة في توّها إنّما المقصود من هذه الإفرازات تشحيم الذّكر (القضيب) حتّى يسهل الإيلاج وحتّى لا تصادفه أيّة صعوبة أثناء الإتيان (…) لذلك فالرّجل دوره إيجابيّ والمرأة دورها سلبيّ أو أقلّ إيجابيّة". (الشّعراوي1/ 19)
فمن نظام فكريّ يزاوج بين الأحاديّة البيولوجيّة والثّنويّة الجندريّة، انتقلنا إلى ثنويّة تجوهر الفوارق بين الجنسين، وتحاول اعتبارها "طبيعيّة" و"وجوديّة". ولكنّ هذه الثّنويّة ليست مقصورة على الخطاب السّلفيّ أو السّلفيّ الجديد. فالفكر النّسويّ العربيّ غالبا ما اتّجه نحو نوع من الاختلافيّة الجنسيّة différencialisme التي تلحّ على "خصوصيّة المرأة"، وهي اختلافيّة تمتزج أحيانا بنزعة ثقافويّة تلحّ على خصوصيّة أو أصالة عربيّة. ولذلك نجد لدى بعض أقطاب هذا الفكر إدانة متسرّعة لفرويد، ومقارنة بينه وبين الغزالي، وتفضيلا لهذا اللاهوتيّ الشّديد الكره للمرأة على مؤسّس التّحليل النّفسيّ (مرنيسيّ، 24 وما بعدها؛ سعداوي، 217، 753) لا لشيء إلاّ لأنّ الغزالي، انطلاقا من الأحاديّة البيولوجيّة القديمة، ذكر أنّ المرأة إيجابيّة أثناء العمليّة الجنسيّة وأثناء الإخصاب. ولذلك نسي الفكر النّسويّ الخلفيّة الكونيّة التي نجدها وراء الأحاديّة الفرويديّة، وأغفل أفكاره عن عدم التّطابق بين التّشريحيّ والنّفسيّ وعن الازدواجيّة الجنسيّة النّفسيّة التي تحملها كلّ ذات بشريّة. وتقع الكثير من الكتابات النّسويّة في فخّ جوهرة الفوارق بين الجنسين، فتتحدّث عن "خصوصيّة" النّساء وعن "كتابة نسائيّة". ومن نظريّة الجندر نفسها يمكن أن تخرج من جديد، وخلافا لما هو متوقّع "معبودات ماهويّة" (fétiches essentialisants حسب عبارة درّيدا، 43). وحديثا تحدّث بعض علماء الاجتماع عن "السّياسة القائمة على الجندر" بل وعن "مأسسة الجندر".

تمزيق الحجاب، عودة الحجاب

لقد تساوقت عمليّة التّحديث العربيّ مع محاولة "تأريخ" وإذن فتنسيب للاختلافات بين الرّجال والنّساء وتنسيب لأحكام الفقه التّراتبيّة بـ"فتح أبواب الاجتهاد"، والدّعوة إلى خروج النّساء من الحجاب ونزعهنّ النّقاب الذي يرمز إليه. ففي بداية القرن العشرين كان لكلمة "سفور" وقع سحريّ، وكانت شعارا يرمز إلى التّقدّم والانفتاح بالنّسبة إلى المرأة وإلى كلّ المجتمع. أبرز مثال على هذا المشروع الانفتاحيّ مجلّة "السّفور" التي ظهرت بمصر سنة 1915 ونادت بسفور المرأة والمجتمع (بن سلامة). ومنذ سنة 1930 طالب التّونسيّ الطّاهر الحدّاد (ت 1935) بالمساواة بين المرأة والرّجل، منسّبا الأحكام التي نصّ عليها القرآن، داعيا إلى الانتباه إلى "مقاصد الشّريعة" الأخلاقيّة عوض تقديس الأحكام الفقهيّة التي لا مجال لتقديسها. كتب الحدّاد بهذا الوضوح : "لقد حكم الإسلام في آيات القرآن بتمييز الرّجل عن المرأة في مواضع صريحة. وليس هذا بمانع أن يقبل بمبدأ المساواة الاجتماعيّة بينهما عند توفّر أسبابها بتطوّر الزّمن ما دام يرمي في جوهره إلى العدالة التّامّة وروح الحقّ الأعلى، وهو الدّين الذي يدين بسنّة التّدريج في تشريع أحكامه حسب الطّوق" (الحدّاد 43). ولكن منذ بداية القرن العشرين تلاحقت الحركات الأصوليّة التي كانت أساسا حركات مقاومة لتحرّر المرأة، داعية المرأة إلى "الحجاب" المضاعف : إلى القيام بأدوارهنّ التّقليديّة وإلى ارتداء الخمار الذي أصبح شيئا معبودا (Fétichisé). بين السّفور والاحتجاب انتشرت على نحو جديد عقيدة سرمديّة الشّريعة وقداستها، وهي عقيدة تقوم على تحريم إعادة تأويل النّصوص التي عدّت "صريحة" و"قطعيّة". عبارة "الإسلام صالح لكلّ زمان ومكان" كانت شعارا لهذه العقيدة التي أصبحت تنتج وتنشر رفض التّاريخ وعبادة أحكام الفقه والهوس الرّامي إلى جعل جسد المرأة لامرئيّا ولاملموسا. هذه العقيدة لقنّت لنا في المدارس الحديثة وتحوّلت إلى هذيان جماعيّ منتشر على نطاق موسّع، ومدعوم ومنظّم من أطراف مختلفة أهمّها : النّظام الوهّّابيّ السّعوديّ، وجامعة الأزهر، ومنظّمة المؤتمر الإسلاميّ، والفضائيّات العربيّة الشّعبيّة التي يظهر بها بانتظام شيوخ يذكّرون بالموانع المتعلّقة بجسد المرأة، والنّاشرون الذين يحيون كتب الوعّاظ الحنابلة ويملؤون السّوق بأدبيّات احتقار المرأة وتأثيمها.
وليس الحجاب المعاصر مجرّد عودة للحجاب، مجرّد إحياء لأحكام الفقه. فمنذ الثّورة الإيرانيّة انتشر النّموذج المتناقض للمرأة المحجّبة ولكن العاملة، المرأة التي تحمل رواسب مؤسّسة الحجاب دون أن تكون سجينة البيت، التي تظهر ويكون جسدها مع ذلك مشطوبا ممنوعا. فالـ"حجاب" أو "الخمار" أو ما أصبح يسمّى بـ"الزّيّ الإسلاميّ"، شأنه شأن إخصاء الدّلال، هو عمليّة "وسم" جندريّ للأجساد، أكثر منه عمليّة وسم إيديولوجيّ. فـ"الزّيّ الإسلاميّ" محاولة لإعادة تنظيم الفوارق بين الرّجال والنّساء بإحياء المنع الذي يشطب جسد المرأة. إنّه محاولة كذلك لإخلاء الفضاء العامّ من الرّغبة، ولكنّها محاولة تؤول إلى الفشل ولا بدّ، وعلى نحو بائس : فانتشار الحجاب يبسط ظلال عالم الحريم على المدينة الحاضرة، واختزال المرأة في كونها أنثى تتبرّج أو لا تتبرّج يحوّلانها إلى "مواطنة" من نوع خاصّ، لا تتحرّك ولا تسعى إلاّ بما تسمح به آلة التّأثّم والتّأثيم المكبّلة.

الشّريعة والانفصام


اختفت الوضعيّة القانونيّة للعبد والأمة دون ضجّة تذكر، واختفت الأحكام الفقهيّة المتعلّقة بالقانون الجنائيّ في أغلب البلدان العربيّة رغم تقنين القرآن لها في "آيات صريحة". أمّا وضعيّة المرأة فلم تتغيّر جوهريّا. فما زالت تصطدم المطالبة بالحقوق السّياسيّة والمدنيّة للمرأة بمبدإ القوامة وتبعاته، كما تصطدم أيضا بالحديث القائل : "لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة" (البخاري، كتاب المغازي؛ الغزالي 2/65). ففي الكويت والإمارات العربيّة المتّحدة، تحرم النّساء من حقّ التّرشّح والانتخاب، وفي البلدان التي يُسمح فيها للمرأة بالتّرشّح والانتخاب، تظلّ هذه التّصوّرات مؤثّرة في السّلوك الانتخابيّ للنّساء والرّجال، لا أدلّ على ذلك من ضعف نسبة تمثيل المرأة في البرلمنات العربيّة، فهي لا تتجاوز 5 بالمائة. وفي مجال الأحوال الشّخصيّة، تضع أغلب التّشريعات العربيّة المرأة تحت وصاية الأب والزّوج، ولا تمنع تعدّد الزّوجات وتجعل الطّلاق بيد الرّجل، ولا تمنح الجنسيّة لأبناء المتزوّجات من الأجانب، وتمنع زواج المسلمة من غير المسلم… يوجد ولا شكّ تفاوت بين البلدان العربيّة في هذا المجال، رغم البؤس السّياسيّ الذي تشترك فيه جميعا. ففي تونس منع تعدّد الزّوجات منذ سنة 1957، ومكّنت المرأة من الطّلاق دون شرط أو سبب، وتمّ تعويض واجب طاعة الزّوجة لزوجها بـ"حسن المعاشرة"، رغم أنّ هذه المجلّة نصّت على أنّ الأب هو "رئيس العائلة". أمّا في المملكة العربيّة السّعوديّة مثلا، فيمكن أن نحوّل الحقّ في الوجه ذاته، أو الحقّ في الظّهور إلى مطالب سياسيّة دنيا تمثّل خطوة أولى نحو الكرامة والمساواة. ولكن بصفة عامّة، ورغم كلّ تنوّع وتفاوت، نلاحظ نفس الازدواجيّة القانونيّة : "اللّجوء إلى المصادر الإسلاميّة عندما يتعلّق الأمر بالتّشريع للأسرة أو في مجال الأحوال الشّخصيّة من جهة أولى، والعزوف شبه الكلّيّ عن هذه المصادر عندما يتعلّق الأمر بالتّشريع في مجال القانون المدنيّ أوالقانون الجنائيّ، أو في عامّة فروع القانون الأخرى من جهة ثانية" (معجم الإسلام،311). فما نسمّيه اليوم "الشّريعة" هو إجمالا قانون الأحوال الشّخصيّة الإسلاميّ، أي : آخر حصن يضمن استمرار العلاقات التّقليديّة بين الرّجال والنّساء، وبعبارة أخرى : يضمن الحطّ من شأن المرأة ومراقبة أفعالها وجسدها.
واللاّتارخيّة لا بدّ أن تولّد الانفصام. فمن ناحية أولى، أصبحت هذه التّشريعات متناقضة مع الواقع الاجتماعيّ الذي شهد ازديادا في نسبة النّساء العاملات وازديادا أهمّ في نسبة المتعلّمات، وتسيّسا متناميا للجمعيّات والحركات النّسويّة. ومن ناحية أخرى، تتناقض هذه القوانين مع أغلب الدّساتير العربيّة التي تعترف ضمنا أو صراحة بالمساواة بين الرّجل والمرأة. بل كأنّ وضعيّة الانفصام أصبحت منهجا أو كالمنهج في تعامل الدّول العربيّة مع الاتّفاقيّات الدّوليّة، بحيث أنّها تصادق دون أن تصادق. فإلى حدّ سنة 2002 صادقت 14 دولة عربيّة على "اتّفاقيّة القضاء على جميع أشكال التّمييز ضدّ المرأة"، ولكنها، باسم الشّريعة، تحفّظت على موادّ هامّة منها تحفّظا يجعل المصادقة عليها بلا جدوى تذكر. و لعلّ "إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام" الصّادر في 8/8/1990 عن "منظّمة المؤتمر الإسلاميّ" ثمرة مأساويّة شوهاء من ثمار هذا الانفصام والتّذبذب، فهو لا يزيد عن تقييد كلّ الحقوق والحرّيّات التي يعلن عنها الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان بأحكام الشّريعة الإسلاميّة. فالمادّتان 24، و25 تردّدان أنّ "الشّريعة الإسلاميّة هي المرجع الوحيد لتفسير أو توضيح أيّ مادّة من موادّ هذه الوثيقة." وسياسة الخطاب المزدوج هذه تمثّل أرضيّة صالحة للتّراجع. فمنذ "مؤتمر القاهرة حول السّكن والتّنمية"، الذي انعقد سنة 1994، تمّ تعويض مفهوم "المساواة" بمفهوم "الإنصاف" تلبية لرغبات بعض الدّول العربيّة المؤثّرة، والتي تشكّك في كونيّة حقوق المرأة، وتتحفّظ على مبدإ المساواة باسم الخصوصيّة الثّقافيّة أو الشّريعة : باسم اللاّمساواة. فالمرأة لم تنفصل بعد عن جسد الأمّة : باسم خصوصيّة الأمّة، نتمسّك بدونيّة المرأة. وباسم الحفاظ على الأمّة وتطهيرها نطارد المثليّين ونفرض على الذّوات هويّات جندريّة لا تريدها.

 

هوامش :

 

الجندر نسبة إلى الجندر gender، التي تترجم أيضا بـ"النّوع الاجتماعيّ"، وهي أساسا مقولة ثقافيّة وسياسيّة تختلف عن الجنس sex باعتباره معطى بيولوجيّا، وتعني الأدوار والاختلافات التي تقرّرها وتبنيها المجتمعات لكلّ من الرّجل والمرأة. والبحث في الجندر يمكّننا من تعويض الماهويّة البيولوجيّة بالبنائيّة الثّقافيّة، بحيث يتبيّن لنا أنّ الاختلاف بين الرّجل والمرأة مبنيّ ثقافيا وإيديولوجيّا وليس نتيجة حتميّة بيولوجيّة. ثمّ إنّ هذا المفهوم أداة فعل في الواقع وبحث في مجالات التّنمية من حيث التّقسيم الاجتماعيّ للأدوار. إلاّ أنّنا يجب أن ننتبه إلى النّقائص الكثيرة في هذا المبحث : فهو قد يؤول إلى جوهرة الفوارق من جديد بين الرّجل والمرأة، فيلغي واقع اضطرابات الجندر ويفضي إلى اعتبار الجسد وعاء سلبيّا متقبّلا للإيديولوجيا الجندريّة المهيمنة، والحال أنّ الجسد يبني أنوثته أو ذكورته أو غير ذلك في أشكال إبداعيّة تتحدّى البناء الاجتماعيّ للهويّات، ويمكن أن تقع خارج البناء الثّنائيّ : رجل/امرأة. ثمّ إنّ الجندر ليس المحدّد الوحيد للانتماء الاجتماعيّ. ولنشر إلى مفهوم التٌّقاطع intersectionality في الدّراسات الأمريكيّة المعاصرة، أي تقاطع أشكال الجور المختلفة لدى الأصناف الاجتماعيّة المهمّشة، بحيث يجتمع مفهوم العنصر والطّبقة والجندر في كيفيّة عيش النّساء السّود مثلا لسوادهنّ وأنوثتهنّ وطبقتهنّ في الوقت نفسه.

المراجع :

 

 

- Ascha Ghassan : "Femme", Dictionnaire de l’Islam, Encyclopaedia Universalis, Paris, Albin Michel, 1997, pp308-312.
- Benslama Fethi : "Le voile de l’Islam" Intersignes, n˚11-12, printemps 1998, pp 59-73.
- Butler Judith : Gender trouble, New York, Routledge, 1990.
- Chekir Hafidha : Le Statut des femmes entre les textes et les résistances : le cas de la Tunisie, Tunis, 2000.
- Derrida Jacques : Eperons : les styles de Nietzsche, Paris, Flammarion, 1978.
- Encyclopédie de l Islam, 2e édition.
- Kéfi Ridha : "Etre gay en terre d’Islam : enquête", Jeune Afrique/L’intelligent, n˚2133, du 27/11 au 3/12 2001.
- Laqueur Thomas : La Fabrique du sexe : essai sur le corps et le sexe en Occident, Gallimard, 1992.
- Transeuropéennes n˚23, Printemps, été 2003 : Du nom au neutre : les traductions du monothéisme : dialogue entre Fethi Benslama et Jean-Luc Nancy, pp11-32.
- Redissi et Ben Abid : "L’affaire Samia ou le drame d’être autre : commentaire d’une décision de justice", Journal international de bioéthique, 1995, vol VI, n˚2, 1991.
- Tazi Nadia : "Le désert perpétuel : visages de la virilité au Maghreb, Intersignes, n˚11-12, printemps 1998, pp27-58.
- www. 2002 sehakia.org

 

 

- أبن أبي الضّياف : رسالة في المرأة، تح المنصف الشّنّوفيّ، حوليّات الجامعة التّونسيّة، عدد 5، 1968، ص ص 49-112.
- ابن تيميّة : فتاوى النّساء، القاهرة، مكتبة القرآن.
- ابن جزيّ : القوانين الفقهيّة، دار الفكر، دت.
- ابن الجوزيّ : أحكام النّساء، تح المهندس الشّيخ زياد حمدان، مؤسّسة الكتيب الثّقافيّة، بيروت1988
- ابن حزم : المحلّى، القاهرة، 1352.
- ابن رشيق ابن رشيق : العمدة في محاسن الشّعر وآدابه ونقده، تح محمّد محيي الدّين عبد الحميد، بيروت، دار الجيل، ط5، 1981.
- ابن سينا (1) : القانون في الطّبّ، عزّ الدّين، دت.
- ابن سينا (2) : الرّسائل، ليدن، 1863.
- الإصفهانيّ : الأغاني، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1992، ط2
- البخاريّ : الصّحيح، القاهرة، دت.
- بن سلامة رجاء : "معركة السّفور الجديدة" 15/3/2003 وانظر موقع "ايلاف" وموقع "الحوار المتمدّن".
- التّجانيّ : تحفة العروس ومتعة النّفوس، تح جليل عطيّة، لندن، رياض الرّيّس1992.
- التّيفاشيّ : نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب، تح جلّول عزّونة، تونس، الأخلاّء، 1997.
- الجاحظ (1) : الحيوان، القاهرة، دت.
- الجاحظ (2) : الرّسائل، تح عبد السّلام محمّد هارون، القاهرة، مكتبة الخانجيّ، 1979.
- الجرجانيّ : دلائل الإعجاز، تح محمود شاكر، القاهرة، مكتبة الخانجي 1989.
- الجزيريّ : كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، بيروت 1998.
- الحدّاد الطّاهر : امرأتنا في الشّريعة والمجتمع، تونس، الدّار التّونسيّة للنّشر، 1985، ط4.
- السّيوطيّ : الإتقان في علوم القرآن، تح محمّد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، مكتبة دار التّراث، 1985، ط3.
- الشّرفي عبد المجيد : الإسلام والحداثة، تونس، دار الجنوب، 1998.
- شعراوي الإمام محمّد متولّي: الفتاوى : كلّ ما يهمّ المسلم في حياته ويومه وغده، أعدّه وعلّق عليه د. السّيّد الجميلي، ج1 بيروت، دار العودة، 1987
- الطّبريّ، جامع البيان، القاهرة، 1968.
- الغزالي أبو حامد : إحياء علوم الدّين، بيروت، دار الكتب العلميّة، ط1 1406-1986، 3م.
- القرطبيّ : الجامع لأحكام القرآن، بيروت، دار إحياء التّراث، 1985.
- لجنة مناصرة المرأة في الجزيرة العربيّة : سلطة العبائم، كولونيا، منشورات الجمل، 1991.
- المرأة العربيّة : الوضع القانونيّ والاجتماعيّ، منشورات المعهد العربيّ لحقوق الإنسان، تونس، 1996.
- مرنيسي فاطمة : ما وراء الحجاب : الجنس كهندسة اجتماعيّة، ترجمة فاطمة الزّهراء أزرويل، الفنك، المركز الثّقافيّ العربيّ، الدّار البيضاء، 2001، ط3.
- مسلم : الصّحيح، القاهرة، دت.




عورة المرأة في الفقه الاسلامي
الجذور التاريخية لتعدد الزوجات
الرسول وتعدد الزوجات
البغاء واللواط ونكاح الدبر
المعضلة الجنسية في الاسلام
حب النبي للنساء الجميلات
تشريع البغاء
الحرب على الكتب الجنسية
سبايا النبي
طقوس الحريم العثماني
رشد اللبيب الى معاشرة الحبيب
انواع النكاح
احكام النساء
بنات الطارق