تراث وفقـه
 
 
31/07/2010


الحرب على الكتب، والكتب الجنسية


الجنس في الكتاب المقدس
الحرب على الكتب.. من العباسيين إلى القرن الـ21

الخليفة المهدي مزق كتب الفلاسفة.. والمأمون أطلق حرية التأليف

أعاد معرض الرياض الدولي للكتاب (الذي يختتم فعالياته اليوم الجمعة، وحقق نجاحا لافتا، وعد من أبرز المعارض التي أقيمت حتى الآن بسبب ما شهده المعرض من ارتفاع في سقف الحرية، ومرونة فسح الكتب، وتهافت دور النشر التي وصل عددها إلى أكثر من 650 دارا من مختلف دول العالم على المشاركة فيه بعناوين وصلت إلى نحو ربع مليون عنوان) أعاد المعرض الوهج للكتاب وعالج «فوبيا» الخوف من الكتب والهاجس من الرقيب، كما أعاد المعرض صورا متناقضة لمؤلفات الأقدمين الذين كتبوا في كل شيء، وطرقوا في ثنايا كتبهم ونثروا في بطون أسفارهم أفكارا تم إبرازها أو ملاحقتها حسب المناخ السياسي والفكري والاجتماعي السائد، حيث سجل التاريخ قصصا عن كتب منعت، وصحف أحرقت، ودواوين دمرت، وأسفار أغرقت، ودفاتر قطعت، ومحاريب كسرت، وأرواح أزهقت، ومكتبات هدمت، وخزائن صودرت، كما عبر عن ذلك الباحث منصور بن عبد الله المشوح الذي نجح في رصد وقائع تاريخية بخصوص منع الكتب الذي كان موجودا منذ أقدم العصور، وكان حاضرا في جميع الحضارات، طارحا الدوافع التي كانت وراء هذا المنع الذي عرفته الحضارات والدول، سواء لدى الصينيين القدماء، أو لدى اليونانيين، أو الفرس، أو العرب.

ولفت الباحث في كتابه الذي عنونه بـ«حكاية منع الكتب.. وقائع تاريخية ودوافع دينية وسياسية واجتماعية» إلى أن ذلك المنع كان متباينا ومتفاوتا إلى حد كبير، إذ إن بعض الحضارات كانت تكتفي بمصادرة الكتاب وإنذار مؤلفه فقط، والبعض الآخر كان يمارس التعذيب والاضطهاد، أو النفي، أو ربما القتل، أو حتى الإحراق ضد الكاتب أو الناشر أو المؤلف.

ولعل من الأمور الممنوع على الكاتب التعرض إليها، ثلاثة مواضيع هي: الدين، والسياسة، والجنس، فهذه الأشياء مقدسة لدى كل الشعوب، إذ إن الدين يمثل الاعتقاد، والسياسة تمثل الدولة، والجنس يمثل المجتمع.

لذلك فإن التعرض للدين يعني الخروج عليه أو على شيء من تعاليمه، والتعرض للسياسة يعني انتقاد الحاكم في ما يفعله أو ما يُفعل به، أو ما تفعله حاشيته، أو ما يُفعل بها، والتعرض للجنس يعني بكل بساطة الانحلال والإباحية.

ويوضح الباحث المشوح في رصده لبداية المنع الفعلي لكل ما يسيء إلى الدين أن الرقابة على الكتب بدأت فعليا في عهد العباسيين، لأن التصنيف والتأليف الفعلي كان قد بدأ في عصرهم سنة 155هـ، ولأن الترجمة الحقيقية بدأت أيضا في عصرهم، وذلك عندما تولى أبو جعفر المنصور ت 158هـ مقاليد الحكم، حيث بدأ منذ ذلك الحين تسييس الدين، مشيرا إلى أن تاريخ المنع الفعلي في عهد العباسيين يعود إلى سنة 167هـ حيث «اجتهد المهدي ت 169هـ في السعي على تقطيع الفلاسفة وتمزيق كتبهم، ثم لما جاء الخليفة هارون الرشيد ت 193هـ أمر فقط بسجن أهل علم الكلام ثم أخرجهم، ثم جاء بعد ذلك المأمون ت 218هـ فأطلق للحرية العنان، فتمتع علماء الكلام والفلاسفة وغيرهم في أيامه بأجمل حسنات الحرية المطلقة».

وفي سنة 279 «استحلف المعتمد على الله ت 279هـ الوراقين أن لا يبيعوا كتب الفلاسفة والجدل»، وفي السنة نفسها أيضا وبعد أن تولى المعتضد بالله ت 289هـ مقاليد الحكم منع الوراقين من بيع كتب الفلاسفة وما شاكلها».

إن منع الكتب الفلسفية، ومن ثم تحريمها في العصور الإسلامية كلها لم يكن قرارا عاطفيا على الإطلاق، بل قد كان له ما يبرره، أعني كونها تفضي إلى الزيغ والانحلال، فممَّن حرمها: ابن الصلاح ت 643هـ، فلقد سأله رجل: «هل الشارع قد أباح الاشتغال بالمنطق تعلما أو تعليما؟ وهل يجوز أن تستعمل المصطلحات المنطقية في إثبات الأحكام الشرعية؟ وماذا يجب على ولي الأمر فعله بإزاء شخص من أهل الفلسفة معروف بتعليمها والتصنيف فيها، وهو مدرس في مدرسة من المدارس العامة؟ فأجاب ابن الصلاح قائلا: الفلسفة أس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المطهرة، المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة، ومن تلبس به تعلما قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان، وأي فن أخزى من فن يعمي صاحبه، ويظلم قلبه عن نبوة نبينا.. وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشرع، ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين..».

إلى أن يقول: «فالواجب على السلطان أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المياشيم، ويخرجهم عن المدارس ويبعدهم، ويعاقب على الاشتغال بفنهم، ويعرض من ظهر منه اعتقاد عقائد الفلاسفة على السيف أو الإسلام.. وإن من أوجب الواجب عزل من كان مدرس مدرسة من أهل الفلسفة والتصنيف فيها والإقراء لها، ثم سجنه وإلزامه منزله».

وممن حرمها أيضا: تاج الدين السبكي ت 771هـ، فقد أفتى بتحريم الفلسفة على من لم ترسخ قواعد الشريعة في قلبه، وعلى من لم يمتلئ جوفه من عظمة هذا النبي الكريم وشريعته، وعلى من لم يحفظ الكتاب العزيز وشيئا كثيرا جدا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم على طريقة المحدثين، وعلى من لا يعرف من فروع الفقه ما يسمى به فقيها مفتيا مشارا إليه من أهل مذهبه، ثم وضع السبكي شروطا لمن بلغ رتبة النظر في الفلسفة حيث قال: «وأما من وصل إلى هذا المقام - مقام النظر إلى الفلسفة - فله النظر للرد على أهلها، ولكن بشرطين: أحدهما: أن يثق من نفسه بأنه وصل إلى درجة لا تزعزعها رياح الأباطيل، وشُبه الأضاليل، وأهواء الملاحدة.

والثاني: أن لا يمزج كلامهم بكلام علماء الإسلام، فلقد حصل ضرر عظيم على المسلمين بمزج كلام الحكماء بكلام المتكلمين، وأدى الحال إلى طعن المشبهة وغيرهم من رعاع الخلق في أصحابنا، وما كان ذلك إلا في زماننا وقبله بيسير منذ نشأ نصير الطوسي ومن تبعه لا حياهم الله تعالى».
وكذلك ابن خلدون (ت 808هـ) فقد كان - كما جاء في المقدمة - يعتقد أن الفلسفة خطرة على الشريعة، ولذلك اشترط على من يريد أن يتعلمها أن يكون متحرزا، وحذرا من معاطبها، وأن يكون ممتلئا بعلوم الشرعيات، مطلعا على علمي التفسير والفقه، كما حذر من هو خلو من علوم الملة من الاطلاع عليها.

كما حذر من تعلمها حاجي خليفة (ت 1067هـ) في كشف الظنون، واشترط على من يتعلمها شرطين اثنين هما: «أولا: أن لا يكون المتعلم خالي الذهن عن العقائد الإسلامية، بل يكون قويا في دينه، راسخا على الشريعة الشريفة، وثانيا: أن لا يتجاوز مسائلهم المخالفة للشريعة، وإن تجاوز فإنما يطالعها للرد لا غير، هذا لمن ساعده الذهن والسن والوقت، وسامحه الدهر يفضي إلى الحرمان، وإلا فعليه أن يقتصر على الأهم، وهو قدر ما يحتاج إليه فيما يتقرب به إلى الله تعالى، وما لا بد منه في المبدأ والمعاد والمعاملات والعبادات والأخلاق والعادات».
لكن، وبالمقابل فإن هناك من العلماء من دعا إلى تعلم الفلسفة قائلا إنها لا تضر بالدين، ومن هؤلاء ابن زرعة الفيلسوف ت 448هـ، فلقد ذكر البيهقي صاحب تاريخ حكماء الإسلام أن لابن زرعة هذا رسالة في أن علم الحكمة أقوى الدواعي إلى متابعة الشرائع، ثم ذكر البيهقي مقتطفات من تلك الرسالة، وكان مما قال: «من قال إن الحكمة تفسد الشريعة فهو الطاعن في الشريعة، لا المنطقي الذي يميز بين صدق الكلام وكذبه».

وقال أيضا: «لم نجد في قول صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم ولا في أفعاله ما يدل على فساد علم المنطق» وقال أبو زيد البلخي ت 322هـ محاولا التوفيق بين الشريعة والفلسفة إن «الشريعة هي الفلسفة الكبرى» وعلى كل فإن التوفيق بين الشريعة والفلسفة - أو على حد تعبير الجابري بين ابن سينا والغزالي - سيبقى حلما يتطلع إليه كل محب للدين وكل محب للفلسفة، وسنتناول هذا لاحقا إن شاء الله، ونسأل الله أن يحمينا من كل الفتن ما ظهر منها وما بطن.

الحرب على الكتاب

* يتناول الباحث موضوع منع أو إحراق الكتب الدينية لأجل غاية دينية، موضحا أن منع الكتب وإتلافها مقتصرا - في العصر الإسلامي - على الكتب الفلسفية وحسب، وإنما هناك كتب أخرى كثيرا ما تتم مصادرتها، إنها كتب ليس لها علاقة بالعقيدة، أعني بذلك كتب الفقه، ففي المغرب العربي - مثلا - كان المذهب المالكي هو المسيطر، ولما تولى زمام الأمور فيها عبد الواحد بن علي، أمر بإحراق كتب الفروع المالكية كلها، وأمر بوضع أحاديث الأحكام، وكذلك فعل حفيده أبو يوسف يعقوب وذلك في سنة 595.

حارب السلاطين أغلب الكتب التي تشكل خطرا على ممالكهم، ومن تلك الكتب التي حوربت، على سبيل المثال، كتاب يحتوي على فضائل الأنصار وأهل المدينة، حيث أحرق الكتاب سنة 82هـ بأمر من عبد الملك بن مروان ت 86هـ، وكان الهدف من ذلك هو ألا يقع الكتاب بيد أهل الشام فيعرفوا لأهل المدينة فضلهم.

وابن رشد ت 595هـ أحرقت كتبه بأمر السلطان، وقد ذكر الدكتور محمد عابد الجابري أن سبب نكبة ابن رشد هو أنه قام بتلخيص كتاب «الضروري في السياسة» لأفلاطون، وكتب في خاتمته - مخاطبا السياسة الرسمية - قائلا: أعانكم الله على ما أنتم بصدده، وأبعد عنكم كل مثبط بمشيئته وفضله، وقال الجابري بعد ذلك مؤكدا رأيه: إن ابن رشد لم يحاكم ولم تصادر كتبه ولم تحرق بسبب الدين الذي اتخذه خصومه غطاء ظلما وعدوانا كما جرت بذلك عادة المستبدين وسدنتهم، وإنما حوكم بسبب هذا الكتاب الذي أدان فيه الاستبداد من دون هوادة.

ويذكر أيضا أن محمد بن عبد الله القضاعي ت 656هـ - المشهور بابن الأبار - صودرت جميع كتبه ومؤلفاته من قبل السلطان المستنصر وقبض عليه أيضا، ثم قتل عام 656هـ، وأخذت مجلدات كتبه وأوراق سماعه ودواوينه فأحرقت معه، وكانت نحوا من خمسة وأربعين تأليفا، وكان ذلك كله بسبب أنه ألف كتابا سماه «كتاب التاريخ» وفيه ما يسيء إلى السلطان.

وفي عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني تزايد معدل الرقابة، وتعاظم أمر المنع، فقد ذكر صاحب كتاب «المعلوم والمجهول» ولي الدين يكن ت 1921م أن العثمانيين قاموا باعتقال المحامي جبرائيل أفندي غرغور وأودعوه في السجن، وكان سبب سجنه أن العثمانيين قد عثروا في داره على بعض مطبوعات الأحرار، كما قد حكي أيضا أن الكتب السياسية والعلمية في عهد عبد الحميد الثاني كانت ممنوعة باعتراف مدير السجن ذاته، كما حكي أيضا قصة اعتقال العثمانيين لشخصه، ومصادرتهم كتبه، وذلك لكون السلطات قد عثرت في صندوق له على أوراق وكتب وصور ممنوعة، كما أن قانون المطبوعات العثماني الذي وضع عام 1881م قد ضيق الخناق على أرباب الصحف والأقلام، كما سلب الأمة حريتي الفكر والسياسة، فمن الصحف التي ضيق عليها في المشرق العربي، على سبيل المثال، صحيفة «الفكاهات» في سورية، حيث عطلت عام 1888م وتم نفي صاحبها، كما عطلت أيضا صحيفة «التقدم» في عام 1888م، وفي عام 1889م صدر أمر بتعطيل صحيفة «الفوائد»، ومن الصحف أيضا «صحيفة الجنة» حيث تم إيقافها، وصحيفة «الأحوال» حيث صودرت مرارا، وصدرت ضدها عدة أحكام، وفي عام 1909م هجم قوم على إدارتها، وكانوا عشرة آلاف رجل كلهم شاكي السلاح، فكادوا يفتكون بصاحبها لولا عناية الله، وكما ضيق أيضا على صحيفة «الشهباء» فعطلت ثلاث مرات، وأمر كمال باشا بالحجز على المطبعة ذاتها، ووضعت تحت مراقبة الضابطة، كما أن الاستعمار الفرنسي في الجزائر قد ضيق كثيرا على الحرية الصحافية هناك، وبات واضحا منذ بداية ظهور الصحافة العربية في الجزائر أن السلطة الاستعمارية كانت تقف منها - أي من الصحافة - موقفا متجبرا لا يستند إلى قانون، ولا يعتمد على أي تعليل، يكفي أن يشتم من الجريدة نزعة وطنية أو إصلاحية حتى تبادر السلطة إلى مصادرتها، ومن الصحف التي أوقفت أو صودرت أو أوذيت: «الحق الوهراني» حيث تم إيقافها من قبل المستعمر، و«جريدة الصديق» حيث لم تسلم من اضطهاد السلطات الحاكمة لها، فلقد تعرضت للتفتيش، واقتيد أصحابها للبحث والاستنطاق مرارا، وجريدة «المنتقد» حيث عطلت بأمر حكومي، كما عطلت أيضا جريدة «الجزائر» والسبب هو أن المترجم قد أخطأ، فترجم كلمة «النهضة» بكلمة «الثورة» وجملة «فرنسا الظافرة المنتصرة» بجملة «فرنسا الظالمة الغاصبة» كما صدر عام 1929م قرار يأمر بتعطيل جريدة «وادي ميزاب» وتحجير بيعها وطبعها وتوزيعها، والسبب هو شدة لهجتها، كما صدر في عام 1933م قرار يأمر بتعطيل جريدة «النور». وفي العام نفسه أيضا صدر قرار بتعطيل جريدة «الشريعة»، وتعطيل جريدة «النبراس» ومصادرتها من الباعة، كما صودرت في العام نفسه جريدة «الحارس». وفي عام 1938م صدر قرار من وزير الداخلية بمنع تداول وبيع وتوزيع ونشر الجريدة العربية «الأمة» التي تطبع وتنشر في الجزائر، وفي السنة نفسها أيضا تم تعطيل جريدة «الفرقان».

وأما كان يمنع من الكتب في ستينيات القرن الماضي، فإننا نجد أنه في لبنان قد تم منع كثير من الكتب التي تشكل خطرا على الدولة والأمن القومي، وهذا الأسلوب - أسلوب المنع - موجود في كثير من دول العالم الحديث، فإنه في الوطن العربي مثلا، وفي دولة الإمارات تحديدا، نجد أن القانون في المادة 77 ينص على أنه: «لا يجوز نشر ما يتضمن تجنيا على العرب، أو تشويها لحضارتهم أو تراثهم». وهذا القانون هو مما يساعد على استتباب الأمن في نظر بعض السياسيين، ويشدد المشوح على أن منع الكتب في الوطن العربي لم يكن ضعيفا إطلاقا، بل كان قويا جدا، وسأجعل من لبنان شاهدا على ذلك، لوجود وثائق وتقارير كان قد أعدها الأستاذ يوسف قزما خوري، وطبعها في كتاب عام 1990م.

في عام 1962م صدر قرار لبناني يمنع كتاب: «ثورة دم» لمؤلفه: غسان طربية، ولقد تم منع هذا الكتاب: لكونه «يتضمن ما يسيء إلى الدول العربية الصديقة، ولكونه أيضا يتضمن المساس بالشعور القومي». وكذلك تم منع كتاب «السجل الأسود» وذلك عام 1962م، ويعود سبب منع الكتاب لكونه يشتمل على تحقير الدولة اللبنانية، ولكونه مثيرا للنعرات الطائفية والعنصرية.
كما تم منع كتاب «جدد حياتك» للشيخ محمد الغزالي، عام 1962م لكونه يدعو إلى «إثارة النعرات الطائفية وتعكير صفو السلام»، كما منعت كتب الغزالي الأخرى «ظلام من الغرب» و«عقيدة المسلم» و«كفاح دين» و«ليس من الإسلام» لكونها هي الأخرى «تثير النعرات الطائفية وتعكر صفو السلام»! إن عدد الكتب الممنوعة في لبنان كما جاءت في كتاب يوسف خوري هي 245 (مائتان وخمسة وأربعون) كتابا تقريبا، وهي تشكل مجموع ما تم منعه منذ تاريخ 1950م حتى 1974م، أي خلال 24 عاما فقط.

لا للاثارة الجنسية.

* ويتناول الباحث المشوح ثالث الأمور الممنوع على الكاتب التعرض لها بعد الدين والسياسة، وهو الجنس، موضحا أن من الطبيعي أن يرفض الإنسان المؤلفات الجنسانية المخلة، لأنها ضد الحياء، ونحن نعلم يقينا أن الحياء هو خلق إنساني نبيل، ومطلب حضاري، ولذلك نلاحظ بوضوح أن الحضارات القديمة كانت تقف ضد تلك المؤلفات الإباحية، لأنها كانت تقف ضد الحياء، ويعتبر الإمبراطور: أغسطس «63 ق. م - 14م» «أول من حارب هذا النوع من الكتابة الأدبية التي تدعو إلى الإثارة الجنسية، لأنه كان يرى أن هذا الأدب الشبق هو أحد أسباب الانحدار الخلقي الذي كان يعاني منه مجتمعه الروماني، ولذلك أمر بسحب الكتب التي تحرك مكامن الجنس من جميع المكتبات العامة».

وإذا سألنا أنفسنا عن فحوى تلك الكتابات، فسنجد أنها كانت محملة بالمجون والانحلال، وأنها كانت تضم الكثير من الفضائح الجنسية، بل إن بعضها كان يحكي فضائح الساسة الرومانيين الجنسانية، واستشهد الباحث ببعض النصوص الجنسانية الفضائحية الرومانية التي كانت موجودة في أدبيات القرن السادس للميلاد، ففي كتاب: «التاريخ السري 550م» لمؤلفه: برو كوبيوس يحكي كاتبه عن فضائح إحدى الإمبراطورات البيزنطيات، ولكن بأسلوب استنكاري، لا تقريري، حيث يقول عن الإمبراطورة «ثيودورا»: «ومرارا ما كانت ثيودورا وهي على المسرح - وعلى مرأى من كل الناس - تلقي بثيابها جانبا، وتقف عارية في وسطهم، بحيث لا تبقي على جسدها سوى حزام ملفوف حول أجزائها الخاصة، وكمنطقة ما فوق فخذيها، وليس هذا بسبب شعورها بالخجل من كشف هذه الأجزاء العامة للناس، وإنما بسبب أنه كان غير مسموح لأي كان بالظهور في كامل عريه هناك، فالحزام حول العورة كان إجباريا، وكانت - بهذا الحد الأدنى من الأغطية - تمدد جسدها على طوله، وتستلقي على الأرض، ووجهها إلى الأعلى، حيث كان الخدم الذين فرضت عليهم هذه المهمة أو هذا الدور، يقومون برش حبات الشعير فوق مناطق جسمها الخاصة، ويحضرون عددا من طيور الإوز، مدربا على القيام بهذا العمل ليلتقط الحبات من مكانها واحدة فواحدة باستخدام مناقيرها وابتلاعها، وكانت ثيودورا بعد أن ينتهي هذا المشهد تقف على قدميها من جديد وتبدو بالفعل، نظرا لبعدها كل البعد عما نسميه خجلا، فخورة بالعرض الذي قدمته، وذلك لأنها لم تكن وقحة وضيعة فحسب، بل كانت تشجع على الوقاحة والصفاقة، أكثر مما يقوم به أي إنسان آخر».

هذا هو حال الإمبراطورة المتهتكة - كما يريد أن يوضحها لنا المؤلف - فما بالك بالنساء الأخريات، لقد شرح برو كوبيوس لنا أيضا حالهن فقال: «خلال عهد ثيودورا أصبح القسم الأعظم من النساء منحرفا أخلاقيا، وغاصا بالفسق، والتفسخ، وغارقا بالفساد حتى أعماقه، حيث كان بإمكانهن مخادعة وغدر أزواجهن وهن في حصانة تامة، على اعتبار أن سلوكا مشينا كهذا لم يكن يترتب عليه أي مخاطر أو أضرار، والزوجات اللاتي كن يثبت عليهن اقترافهن لجريمة الزنا كن يعفين من أي عقوبة أو جزاء، حيث لم يكن عليهن سوى التوجه مباشرة إلى الإمبراطورة «ثيودورا» ويتقدمن بدعوى قضائية ضد أزواجهن.. ومن ثم يتم جلدهم بالسياط، ومن ثم يؤخذون إلى السجن».

لربما استغرب البعض من بقاء هذا الكتاب الفضائحي حيا طيلة قرون كثيرة، بحيث لم يتم إتلافه أو ملاحقته، وهذا الاستغراب في محله، فالكتاب - كما نعلم - يتناول الحياة الجنسية التي كانت تمارسها الإمبراطوريات الرومانية، وبالتالي تكون ملاحقته مشروعة قانونا، بيد أن هذا الاستغراب سيزول إذا علمنا أن المؤلف لم ينشر الكتاب أصلا إلا بعد مماته حفاظا على حياته.

وفي عصر التنوير الأوروبي بقيت الكتابات الجنسانية محاربة بشكل واضح، بل كانت هي «الأكثر ملاحقة من قبل الشرطة».

ففي عام 1701م قبضت الشرطة الفرنسية على طبيب يدعى: نقولا أسوليه، وكان بحوزته صور فاحشة، وسبعة كتب سياسية ممنوعة، ومن تلك الكتب، كتاب: «صيد الذئب من قبل سيدنا ولي العهد»، وفي عام 1657م حوكم الناشر بيير موسنييه بتهمة بيع كتابات جنسانية وحكم عليه بأن يجلد بالسياط عاريا أمام الناس، كما حكم عليه أيضا بالأشغال الشاقة لمدة تسع سنوات، وبدفع غرامة كبيرة، وذلك لأنه عصى إرادة الملك.

وفي عام 1950م صدر قرار من وزير الداخلية الفرنسي يمنع بيع كتاب: «الجنس»، وفي عام 1950م سجن الكاتب إيزيدور، وذلك بعد نشره لكتاب «ميكانيك النساء» وقد عوقب بغرامة مالية مقدارها 200 ألف فرنك، كما صدر قرار بمصادرة الكتاب، وبين عامي 1961م و1963م أدينت الكتب التالية «الفسق في الحريم» و«المتحررات» و«مجنونات الحب» و«مدرسة اللذة»، وفي عام 1908م نشر الدكتور إيلوز كتابه «الحب اللاخصب» ولكن الكتاب أدين، وصدر قرار تغريمه بدفع 300 فرنك، كما صدر قرار بحبس المؤلف لمدة شهرين، مع إيقاف نشر الكتاب، وفي ألمانيا، وإبان الحكم النازي، تم سحب كتاب النفزاوي وذلك بعد محاكمته - أي الكتاب - وإدانته بتهمة الإباحية، ومن ثم أحرق، وهو كتاب جنسي عربي بعنوان «الروض العاطر في نزهة الخاطر».

العربي ملحمة جنسية متكاملة

يؤكد المؤلف المشوح أن مما يجب تأكيده وإثباته هنا - نفيا للشك - هو أنه لا يوجد في الإسلام ولا في تاريخه أي «مؤلفات» أدبية كاملة «تدعو» إلى الخلاعة، فهو خلو من هذا تماما، ومن الصعب أن نجد «كتابا كاملا» من هذا النوع، وأن كل ما يمكن أن نعثر عليه في هذا الجانب - أي في الأدب - هو مجرد أشعار أو أخبار للعشاق والنساء والغلمان والمخنثين واللوطيين، وقد تكون تلك الأخبار أو الأشعار فاضحة وإباحية، لكنها تبقى - كما قلنا - مجرد أخبار وقصائد لا أكثر.
مشيرا إلى أنه عندما نعود بذاكرتنا إلى العصر الجاهلي مثلا، أي ما قبل الإسلام، سوف نجد مجموعة من الشعراء الفاسقين الذين كانوا يدونون أشعارا ماجنة، وعلى رأس هؤلاء: الشاعر الكبير امرؤ القيس «ت 545م» ولم تكن الرقابة على الأخبار الجنسية واردة على الإطلاق في التراث العربي، كما كنا نجدها في الكتب التي تمس الدين أو الدولة، ذلك لأن المتوكل كان يقرب إلى مجلسه الكتاب المجان، وكان أحد ندمائه مثلا رجل يقال له: محمد بن حسان النملي، وهو ممن كتبوا حول هذا الموضوع، وله كتاب سماه: «البغاء»، وكتاب آخر بعنوان: «السِّحاق»، وكتاب ثالث بعنوان: «برجان وصاحب أخبار النساء والباه»، ونلاحظ أن هذه الكتب لم تكن مشهورة بين العرب، بل إن جميع الكتب الماجنة ليس بمرغوب بها بين عامة الناس (!)، ولعل سبب ذلك، هو أن العرب كان لديهم اكتفاء ذاتي، حيث إن الإسلام قد أباح للرجل أن ينكح أربع نساء، كما أنه أباح له، وبلا حدود، امتلاك الجواري، كما أباح له معاشرتهن ووطؤهن متى شاء، فهو حينئذ ليس بحاجة - أي العربي - إلى أن يقرأ المؤلفات الجنسية أو الملاحم التي تروي له كيفية ممارسة الجنس كما كان يفعل الإغريق والرومانيون، وإنما كان العربي يعتبر نفسه بمثابة ملحمة جنسية متكاملة، بطلها شخص واحد، في قصر واحد، فمثلا تذكر كتب التراجم أن الحافظ ابن عساكر كانت لديه بضع وثمانون امرأة ما بين زوجة وأمة، وأن هارون الرشيد كانت لديه ما يقرب من ألفي جارية حسناء في قصر واحد، وكتاب الأغاني لوحده يضج بالقصص الماجنة التي وقعت للخلفاء مع جواريهم، لكن وفي حال كان الخليفة لديه ضعف جنسي، فإنه سيحتاج حينئذ إلى دواء، والتي تعتبر الكتابات الجنسية علاجا، كما يرى حاجي خليفة، وطاش كبرى زاده.

ويضيف الباحث: أما بخصوص الجنس التعليمي، فلقد أشار صاحب كتاب «مفتاح السعادة» المعروف بطاش كبرى زاده، إلى أن هذا العلم علم الجنس موجود في تراث العرب، وقد سماه علم «الباه» فقال واصفا إياه: «هو علم يبحث عن كيفية المعالجة المتعلقة بقوة المباشرة: من الأغذية المصلحة لتلك القوة، والأدوية المقوية أو المزيدة للقوة، أو الملذذة للجماع، أو المعظمة للذكر، أو المضيقة للقبل، اللذين لهما مدخل عظيم في اللذة، وغير ذلك من الأعمال والأفعال المتعلقة بها».

والتي منها مثلا: «ذكر أشكال الجماع وآدابه، اللذين لهما مدخل في اللذة وحصول أمر الإحبال»، ثم إن المؤلف ينتقد هذا المبحث الذي يتحدث عن صور الجماع فيقول: إن أولئك المؤلفين يذكرون أشكالا للجماع يعسر فعلها بل يمتنع، ثم هو يذكر أيضا محتوى تلك الكتب، فيصفها بلا خجل أو استنكار، فيقول إن المؤلفين في علم الباه (الجنس) يذيلون كتبهم بأشكال من الحكايات المشهية، فتثور بسبب سماعها الشهوة، وتتحرك قوة المجامعة، ويقول: إن تلك الكتب قد تم وضعها لمن ضعفت أو بطلت قوة مباشرته، سواء من الرجال أو النساء، ويحكي طاش كبرى زاده أيضا: أن ملكا بطلت عنده قوة المباشرة بالكلية، وعجز الأطباء عن معالجة تلك القوة بالأدوية، فاخترعوا حكايات على لسان امرأة مسماة «بالألفية» وتتلخص تلك الحكايات بأن تلك المرأة قد جامعها ألف رجل، فحكت عن كل منهم أشكالا مختلفة وأوضاعا مشهية، فعادت إلى الملك - بعد ذلك - قوته بسبب استماعه لتلك الحكايات الشبقية، إن طاش كبرى زاده على الرغم من شدته، فإنه هنا لا يستنكر هذا النوع من التأليف، بل إنه يرى أنه علاج ودواء لمن ضعفت شهوته.

وأما الكتب العربية التي ألفت في هذا الموضوع، وصل منها الينا حوالي 81 مؤلفا جنسيا ( راجع اسماءها هنا)، منها: «كتاب رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه» لمؤلفه: ابن كمال باشا ت 940هـ، وقد ذكر مؤلفه - ابن كمال - أنه لم يقصد من تأليفه إعانة من يرتكب المعاصي، وإنما قصد إعانة من قصرت شهوته عن بلوغ أمنيته عن طريق الحلال، وقد طبع هذا الكتاب - كما يذكر د. يحيى بن جنيد - عام 1300هـ في المطبعة الميرية في مكة المكرمة، ومن الكتب أيضا التي ألفت في موضوع الجنس: كتاب «رشد اللبيب إلى معاشرة الحبيب» لمؤلفه أبي العباس اليمني ت 231هـ وهو مقسم إلى أربعة عشر بابا، وفيه اوصاف غاية في التهتك وتعليم الجماع وانواعه، يمكن قراءة نسخة اإلكترونية عنه بالضغط هنا، وكتاب «الفخ المنصوب إلى صيد المحبوب» وغيرها.

يعتقد المشوح أن خروجه عن الموضوع الرئيسي الذي هو منع الكتب إلى موضوع آخر هو تاريخ الجنس عند العرب، هو في غاية الأهمية، لأنه يوضح لنا ما كان ممنوعا في القديم، وما كان مسموحا به.

مع نهاية القرن السادس الهجري ومع بداية القرن السابع الهجري، بدأت تظهر بعض المؤلفات التي تهيج الغريزة، وهي مؤلفة من قبل علماء راسخين، ومع أن هذه الكتب كانت مؤلفة من قبل علماء راسخين، إلا أن المجتمع الإسلامي آنذاك قام برفضها، ويؤكد هذا القول ابن حجر: حيث إنه رأى تصانيف لمحمد بن إبراهيم الصوفي ت 622هـ مكتوبة على طريقة الصوفية والفلاسفة، فساءه ذلك منه، وكان - بكتاباته - كثير الوقيعة في العلماء، مغرى بوصف القدود والخدود والنهود، ثم إننا نلاحظ ذلك أيضا لدى الفيروزآبادي ت 622هـ أيضا، حيث ألف كتابا سماه «برق النقاء» وجعل خطبته: «الحمد لله الذي أودع الخدود والقدود الحسن واللمحات الحورية السالبة إليها أرواح الأحرار».

كما ألف شمس الدين محمد بن الحسين النواجي ت 859هـ كتابا مثيرا للغرائز سماه: «حلبة الكميت في الأدب والنوادر المتعلقة بالخمريات» وهو مجلد اشتمل على أوصاف الخمر والنديم والساقي والمجلس وآدابه، والأغاني والملاهي والخلاعة والأزهار والفواكه، ثم جعل الخاتمة في التوبة وذم الخمر، وذكر السخاوي في «الضوء اللامع» أن الخيرين قد أنكروا عليه ذلك، وقد جرت محاولة لمصادرة الكتاب حيث رفعت دعوى ضده، إلا أن شمس الدين غيَّب كتابه هذا فلم يجدوه.

كما أننا نلاحظ السبكي ت 771هـ يحذر الناسخ أن لا يكتب شيئا من «كتب أهل المجون وما وضعوه في أصناف الجماع وصفات الخمور، وغير ذلك مما يهيج المحرمات».

وقد حرمت أيضا الأشعار الماجنة وحرم العلماء بيعها أو اقتناءها فقد قال السكوني في لحن العوام بعد ذكره لأشعار فيها مخالفة للشريعة: وهذا كله وما أشبهه حرام إقراره وإطلاقه، وإحراقه واجب، ولا يحل بيعه في الأسواق».

في العصر الحديث تكاثرت الكتب الجنسية الفاضحة بصورة ملفتة، مما أدى إلى منعها، وقبل أن أشرع في سرد لبعض الكتب التي تم منعها، لا بد أن أطلعكم على أحد القوانين الرسمية الصادرة في القرن المنصرم - مما يؤكد حرص الدول على منع مثل هذه الكتب - وهو قانون عثماني صادر عام 1909م حيث ينص أن من نشر صورا أو مقالات تخل بالآداب العامة ومنافية للأخلاق يعاقب المسؤول.. ويغرم من ليرتي ذهب إلى عشر ليرات ذهب، والقوانين الدولية الصادرة في هذا الموضوع كثيرة جدا، لا سيما في الدول العربية إلا ما ندر.

حيل المؤلفين والناشرين

* ويتطرق المؤلف المشوح إلى طرائق من حيل الناشرين والمؤلفين التي من خلالها يستطيعون التملص من أعين الرقابة المفروضة عليهم، سواء من قبل السلطات أو من قبل المجتمع ذاته، موضحا أن من تلك الحيل:

تغيير عنوان الكتاب: بحيث يبدو العنوان مخالفا للمحتوى الحقيقي، وهذا ما حدث فعلا لكتاب «التاريخ السري» لمؤلفه برو كوبيوس، حيث قام أحد مترجمي الكتاب في القرن الثامن عشر، واسمه إدوارد جيبون «ت 1794م»، بتغيير عنوان الكتاب على نحو مضلل، وجعل اسمه «الحكايات والنوادر» وذلك خوفا - ربما - من مصادرة الكتاب.

إن تغيير عنوان الكتاب الأصلي إلى عنوان آخر مضلل صار - فيما بعد - أسلوبا رائعا ورائجا لكل من يريد الخروج من مأزق المنع أو من قبضة الرقابة، ففي فرنسا، في القرن التاسع عشر تحديدا، كانت الكتب الممنوعة تتخفى تحت عناوين كاذبة - على حد ما ذكره روبرت نيتز - وكانت فهارس الكتب هي ما يوضح العنوان الحقيقي لها، ففي عام 1810م أعيد طباعة كتاب «تاريخ بونابرت» بعد أن تم تغيير العنوان غير اللائق إلى عنوان آخر اسمه: «ذكريات لخدمة تاريخ نابليون الكبير».

كما تذكر الحكايات العربية أن الرشيد، وهو من أشهر الخلفاء العرب، أمر أن تصادر كتب العلامة: أبي الحسن الشيباني، وذلك بعد أن علم الخليفة الرشيد أن أبا الحسن هذا كان يقتني كتب زندقة، وبعد أن وصل المفتش إليه، سأله عن كتاب كان في حوزته قائلا له: ما هذا؟ فقال له هذا كتاب «الخَيل» بالخاء المفتوحة، فترك المفتش الكتاب، والحقيقة أن الكتاب كان اسمه «الحِيل» بالحاء المكسورة، وهو كتاب مشبوه لقد تخلص الشيباني من العقاب بتغيير العنوان وتصحيفه.

وأما بلا نسب: حيث تعد أحدى حيل المؤلفين والناشرين، وذلك بأن يقوم المؤلف بالتنازل عن نسبة الكتاب إلى نفسه، وهو ما فعله حقا مورلي، حتى إنه عندما تم طباعة كتابه عام 1758م الذي يحمل عنوان «قانون الطبيعة» لم يتم الإفصاح عن هوية المؤلف، وفي عام 1774م أصدر جان بول مارا في لندن، وبالإنجليزية، كتابا لا يحمل اسم مؤلفه أيضا، عنوانه: «أغلال العبودية»، وفي عام 1705م تم نشر كتاب «الغزوات الغرامية للإسكندر الكبير» ولكن من دون مؤلف، وكذلك فعل بايل - الكاتب الفرنسي - عندما نشر كتابه «قبر غراميات لويس الكبير» وكان من دون اسم المؤلف أيضا، وفي تراثنا العربي هناك قصص ألف ليلة وليلة التي تعد من أفضل القصص العالمية الكلاسيكية، بيد أننا لا نزال نجهل مؤلف هذا الكتاب، أو على الأقل مترجميه، والسبب هو أن الكتاب كان يحوي قصصا جنسية فاضحة من الصعب الإفصاح عن مؤلفها أو مترجمها، ونقول ذلك أيضا في رسائل إخوان الصفا، فهي أيضا مجهولة النسب، على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلت من أجل البت في نسبة هذه الرسائل إلى شخص أو أشخاص بعينهم.

وأما عن الكتابة بأسماء مستعارة، فإن هذا يحدث كثيرا، ففي فرنسا ومنذ عام 1942م إلى عام 1944م قامت مطبعة مينوي بنشر 33 كتابا كلها وقعت بأسماء مستعارة، ويعتبر القرن السادس عشر والسابع عشر في أوروبا هما العصر الذهبي للأسماء المستعارة، وقد قيل إن فولتير، وهو اسم مستعار لفرنسوا أريت، كان له 160 اسما مستعارا، وفي عام 1950م كتب أندريه سالفيه كتابا سماه «مختارات الشبق الجنسي» ولكنه لم يشأ أن يصرح باسمه، وإنما وضع له اسما مستعارا هو: رينيه فاران، وعندما زار عبد الرحمن الكواكبي - العالم العربي السوري ت 1902م - الديار المصرية، ألف كتابا سياسيا سماه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» غير أن الكواكبي لم يصرح باسمه الحقيقي، وإنما نسب كتابه إلى اسم مستعار هو «الرحالة.. ك» خوفا من العثمانيين.

طباعة الكتاب في الخارج: وهو من أساليب التملص من أعين الرقابة المفروضة بأن يقوم المؤلف الذي يصعب عليه طباعة كتابه داخل بلده بالبحث عن بلد آخر يتكفل بهذه المهمة، وبهذه الطريقة رأت كثير من الكتب «الخطرة» النور، فالكتب البروتستانتية في القرن السادس عشر مثلا لا يمكن أن تطبع في البلدان الكاثوليكية، وإنما كانت تطبع في البلدان البروتستانتية، ومن ثم يتم بعد ذلك تهريبها إلى البلدان الكاثوليكية، ونظرا لأن الحكام في تلك البلدان الكاثوليكية كانوا عاجزين عن منع طباعة هذه الكتب وهي خارج بلدانهم، فقد كانوا يلجئون إلى إصدار قرارات المنع والعقوبات حتى يقطعوا الطريق أمام انتشار تلك الكتب ويقللوا من إقبال القراء عليها.

نشر الكتاب بعد الموت: يلجأ بعض المؤلفين إلى النشر بعد وفاتهم، ويفعلون ذلك خوفا على أنفسهم من السجن والتعذيب والنفي أيضا، ولذلك نجد أن كثيرين منهم كانوا يوصون ورثتهم أو أصدقاءهم أن يقوموا بنشر كتبهم بعد أن يرحلوا عن الدنيا، ومن هؤلاء مثلا: باسكال ت 1662م حيث لم يتم نشر كتابه «الخواطر» إلا بعد مماته، ومنهم أيضا بيريس ت 1914م حيث لم ينشر في حياته كتابا قط، وظل كثير من أبحاثه غير منشور، حتى انبرى له من ينشره محررا في 8 مجلدات، وكان ذلك بعد وفاته، ومنهم أيضا هتنشون ت 1747م حيث إن له كتابا يعد هو أضخم مؤلفاته على الإطلاق، غير أن الكتاب لم ينشر إلا بعد موته، حيث قام ابنه بنشره، ومنهم أيضا المستشرق والمؤرخ الفرنسي بولا نفلييه ت 1727م فقد كان مغرما ومولعا بالسحر والتنجيم والتنبؤ بالغيب، وله عدة كتب لم تطبع إلا بعد مماته، لكنه كان يطلع عليها المقربين منه وأصدقاءه.

وسلط المؤلف الأضواء على كتب ممنوعة، مفضلا اختيار واحد منها في الفلسفة، والآخر في العقيدة، والثالث في الجنس، وهي على الترتيب: «رسائل أخوان الصفا» ومؤلفوها مجهولون، وهي رسائل قائمة على تأويل النصوص الدينية، وكتاب «فصوص الحكم» لابن العربي يتحدث فيه مؤلفه عن الأسرار الإلهية، وكتاب «الروض العاطر لنزهة الخاطر» الذي تم تأليفه من قبل النفزاوي بأمر من الوزير محمد بن عوانة الزواوي، وتطرق الكتاب إلى الجنس، مع شرح العملية الجنسية من خلال عرضها لنظرية ذكورية شبقة.

كما تطرق الباحث المشوح إلى الشخصيات التي تعرضت للنفي من جراء كتبها، منهم ابن رشد، جان جاك روسو، سبينوزا، يعقوب صنوع، إضافة إلى شخصيات عوقبت بالسجن، مثل ابن تيمية، وعبد الله الشرائح، والحلاج، وبرتراند رسل، وغاليليو، وأدريان كويرباغ، ويوستل، وشخصيات عوقبت بالقتل، مثل جمال الدين الأفغاني، وأبي حنيفة، وابن باجه، وسقراط، وعبد الرحمن الكواكبي، وابن الأبار، وكوندورسيه، وبويس، في حين تم تغريم عدد من الشخصيات، ولعل أشهرهم برتراند رسل، وهو فيلسوف إنجليزي، وكان داعيا للسلام في الحرب العالمية الأولى، وحكم عليه بالغرامة بعد أن سجن.

مواضيع لها صلة
رشد اللبيب الى معاشرة الحبيب
سرد للكتب الايروتيكية في التراث الاسلامي
الحياة الايروتيكية في الحقبة الاسلامية
الجزء الثاني: ملح القحاب والقوادين
الجزءالثالث: مفاخرة الجواري والغلمان
الجزء الرابع: الفساد في الامصار الاسلامية
يحيي بن الاكثم، القاضي واللوط
عائشة بنت طلحة نموذجا
الجاحظ واللواط العباسي
عدد زوجات الصحابة
الاسلام وفرج المرأة
الادب الايروتيكي والرسول
الانحراف والشبق الجنسي في الاسلام
سكينة بنت الحسين
طقوس الحريم العثماني
بنات الطارق
اللواط والبغاء والزنى ونكاح الدبر
تشريع البغاء في الاسلام
النبي وحبه للجميلات