تراث وفقـه
 
 
31/07/2011


 أسباب إنتشار الاديان، حسب ابو بكر الرازي


http://alzakera.eu/
قد تكون إحدى بواعث الأمل في هذه المنطقة من العالم، هي أنه في حقبة من تاريخنا وُجِدَ أشخاصٌ امثال الفيلسوف الطبيب أبي بكر الرازي *. وإذ ما اشتهر في كتبه الطبية كــ”الطب الروحاني” وغيره، تبقى نظرته الفلسفية الناقدة لنوافي العقل هي الأهم؛ إذ قد عاش في عصرٍ إستحكم فيه جهل الجهلاء وطغيان الفضلاء، مما أدى الى ما أدى اليه من تراجع لدور العقل أمام سطوة النقل. من هنا يمكننا القول بأن أبا بكر الرازي يعتبر شعلة نور في غيهبٍ مظلم.

سأستعرض مبادئ أبا بكر الرازي من خلال عرض منهجه الفلسفي —وإن بإختصار— في نقد الإديان؛ أبدأها ببطلان النبوات:

للعقل مكانةً خاصة عند الرازي، فهو المتبوع —لا التابع—، هو المهيمن —لا الخاضع—، هو الزمَّام —لا المزمزم—؛ به رأينا الخير والشر؛ الضر والنافع؛ الصالح والطالح؛ به كشفنا الأسرار واطَّلعنا على الأنوار المستورة تحت الحجب المتراكمة؛ به رأينا الحق وبطحنا الباطل. ومادام هذا العقل قادراً على كل ذاك فما حاجة الأنبياء؟

ثانياً لا معنى لتفضيل ناس على اخرين ما دمنا كلنا نمتلك نفس الملكات والمقومات العقلية الفطرية والإستعدادية، إنما الفرق يكون بمن وهب نفسه لمضمارٍ دون غيره، فبرعَ واجاد حيثما فشل غيره؛ أيْ أن الإنسان أيَِ إنسان يملك فطرياً كامل المؤهلات والملكات الفكرية اللازمة لضمان معاشه وحياته على الأرض، إنما الإختلاف يكون في كيفية تطوير وإستغلال تلك الملكات العقلية —وهنا يرنو أبو بكر الرازي منحى أفلاطون، فكيفية التعلم والتطور العقلي—؛ وهكذا فلا معنى لتفضيل أشخاصاً على اخرين، مادام الجميع متساوي الخلق.

ثالثاً، الأنبياء، متناقضو الدعوات والرسالات، ومادام يدَّعون المصدر الإلهامي، الوحيي ذاته —الله—، فبالتاي انهم كذابون، وبالتالي نبوتهم باطلة.

يذهب الرازي بعد ذلك الى نقض الديانات كلها واحدة تلو الأخرى، ويبدأ باليهود فيقول: في التوراة يقول موسى بأن الله قديم غير مصنوع ولا مؤلَّف ولا يتأثر بشيء، لا ينفعه شيء ولا يضره شيء؛ رغم ذلك في التوراة أيضاً يُحض وضع الشحم على النار كي تستسيغ رائحته الله! وأيضاً يصف التوراة الله على هيئة شيخ أبيض الشعر واللحية، وهذا تجسيم، أي انه مصنوع ومؤلف! ثم يكمل لينقض صفات الله التي في التوراة التي لا تُعزى لخالق ابداً.

يكمل بعد ذلك الى نقض المسيحية فيقول: ان النصارى زعمت ان المسيح قديم مربوب؛ وأن عيسى اتى متمماً للتورية، ثم نسخ شرائعها وبدل قوانينها وأحكامها؛ وأن عيسى هو الأب والإبن والروح القدس. ويقول بأن إذا كان كل ذلك، والمسيح قديم، فإذن هنالك شريك مع الله في القدم؛ ثمة انه نسخ التوراة وشرائعها، وهذا ليس إتماماً للنص إنما نقضاً له.

وسئل الرازي عن سبب قلة الملحدين ومن هم من اهل الفلسفة والعقل، وبأن هذا دليل على أن الحق يقع مع الغالبية التي تدين بدين ما، فأجاب: إن اهل الشرائع اخذوا دينهم عن رؤاسئهم بالتقليد، ودفعوا البحث والنظر عن الأصول، وشددوا فيه ونهوا عنه، ورووا عن رؤسائهم اخباراً توجب ترك النظر ديانةً، وتوجب الكفر على من خالفالأخبار التي رووها.من ذلك ما رووه عن اسلافهم ان: الجدل في الدين والمراء فيه كفر؛ ومن عرض دينه للقياس مازال الدهر في التباس؛ ولا تتفكروا في الله وتفكروا في خلقه؛ والقدر سر الله فلا تخوضوا فيه؛ وإياكم والتعمق فمن كان قبلكم هلك في التعمق. واكمل قائلاً، إن سئل احدهم عن صحة دعواه، استطار غيظاً، وهدروا دم من يطالبهم بذلك، ونهوا عن النظر وحرضوا على قتل مخالفيهم. من اجل ذلك اندفن الحق اشد اندفان، وانكتم اشد انكتام.أتوا في طول الإلف لمذهبهم، ومر الأيام والعادة، واغترارهم بلحى التيوس ممن يتصدر المجالس، يمزقون حلوقهم بالأكاذيب والخرافات، وحدثنا فلان عن فلان بالزور والبهتان؛ وبروايتهم للأخبار المتناقضة؛ من ذلك آثار توجب خلق القرآن واخرى تنفيه؛ من تثبيت القدر واخرى تنفي الإجبار، من تفضيل علي واخرى تفضل غيره. غرٌّوا بطول لحى التيوس وبياض ثياب النساء والصبيان، فأضحى دينهم عادة وطبعاً.

من هنا ضرب الرازي جذور العقائد الدينية: هي عادة! يتوارثها رجال الدين بعضا عن بعض، ويضفون عليها الهالة القدسية ويحرمون البحث في الأصول والمعتقدات وقياسها عقلياً ومنطقياً، ذلك عبر ترهيب العامة من التفكر في الأصول، وبذلك احاطوا الأصول بهالة من القدسية والسرية التامة التي تجعل أي متمحص في الأصول كالقابض على احجار جمر. جعلوا من التفكر والنظر جريمة خطيرة في حق الله! ذلك لعلمهم أنه ما ان يوضع الدين والعقل على كفتي الميزان، رجحت كفة الأخير بلا منازع. وقد اخذ عالما الإجتماع جبرييل تارد (Gabriel Tarde) و غوستاف لوبون (Gustave Le Bon) فكرة الرازي في التقليد كأصل اساسي في أية محاولة لدراسة الأديان.

وثاني اخطر مراحل سطوة الدين، هي السلطان. رجال الدين يتعلقون بالسلطان ومن هنا يتمكنوا من نشر معتقداتهم إن لم يكن بالإقناع فعلوا بالقوة وقسراً.

ثالث المراحل هي التي تكون عبر المظاهر الخارجية التي يعتمدها رجال الدين —الإكليروس بكافة اطيافه— مما يؤدي الى الروعة والوهرة في نفوس البسطاء من العامة نساءً رجالاً وصبيانا.وعن طريق هؤلاء تنتشر العدوى الى باقي اطياف المجتمع.

رابع المراحل هي طول الإلفة والعادة والإستمرارية في الإعتناق، مما يؤدي من الأراء التي اعتنقت لتتحول الى طبيعة وغريزة. وقد اهتم الرازي كثيراً في هذه النقطة —أي تحول العادة الى طبيعة بعد انقضاء الفترات— ولديه رسالة في هذا الموضوع معنونة بــ”في العادة وانها تحول الى طبيعة”.

اولى الرازي اهمية للكتب المقدسة، فنقضها جميعاً، عبر ضربها بعضاً ببعض، وتبيان التناقضات التي تعتريها إما في النص الواحد او بين الأول والثاني؛ فهو يأخذ على التوراة والإنجيل التشبيه والتجسيم —اوردت تشبيه اليهود سابقاً— فيأخذ على محمد بن عبدالله تشبيهه لله، كما هو الحال في الحديث التالي: “رأيت ربي في احسن صورة، ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد انامله بين ثندوتي.” (!) ومن تشبيهات القرآن: ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ [٢٠:٥]؛وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ [٦٩:١٧] … وقول محمد بن عبدالله الحديث التالي: “جانب العرش على منكب اسرافيل وإنه لينط اطيط الرحل الجديد…”.

ويضرب الرازي تأويلات المعتزلة بعرض الحائط، معتبراً إياها مجرد محاولة التفاف حول الفضائح الموجودة بالقرآن واللامعقولات التي تشيب لها الرؤوس. ذلك عدا عن التناقدات بين النصوص التي هي من المفروض من نفس المصدر، كقول المحمديون أن عيسى لم يقتل إنما رُفع الى الله، مما يناقد ما يذهب اليه اليهود والمسيحيون من ان المسيح صلب وقُتل. ومن هنا يبدو واضحاً انها دياناتٌ كاذبة.

من ناحيةٍ اخرى يبدي تعجبه ممن يدَّعي ان القرآن معجز وهو مليء بالتناقضات واساطير الأولين والخرافات. فطعن بالقرآن لفظاً ومعنى، ورأى ان ما قاله الحكماء والشعراء والفصحاء اجود مما موجود في القرآن واشد بلاغةً وافضل ايجازاً. وقد طعن في القرآن معتبراً إياه من دون اية فائدة تُذكر، وإنتقد الأساطير التي تناقلها عن التوراة ويقال —أقصد هنا ما وصلنا عن ابي حاتم الرازي في نقده لأبا بكر الرازي— انه ركز على تناقد وتخاريف قصص داوود التي نقلها القرآن من التوراة. وركز على تناقض فاضح في القرآن الا وهي مسألة التشبيه والتجسيم، وحيث ان في نفس النص يوصف الله بأنه “ليس كمثله شيء”، وهذا تناقضٌ سافرٌ؛ ومن ناحية اخرى تناول الآيات التي تنادي بالجبرية والأخرى التي تنادي بالإختيارية. ورد حجة القرآن عليه —أي بأن “أتونا بما هو مثله إن كنتم قادرين”— ويقول فليأتوا بمثل كتاب “أصول الهندسة” لإقليدس او كتاب المجسطي.فهذه كتب تفيد البشرية في تقدمها ومعاشها، ولها فائدة علمية واقتصادية بينة، اما الكتب الدينية فلا تقدم في شيء.. وما أراد قوله هو عدم قدرة أي شخص على الإتيان بمثل ما كتبه شخص آخر لأن الأسلوب اللغوي يشبه البصمة ويختلف باختلاف المتحدث.
ويقول: (إنكم تدعون أن المعجزة قائمة موجودة وهي القرآن وتقولون من أنكر ذلك فليأت بمثله، إن أردتم بمثله في الوجوه التي يتفاضل بها الكلام فعلينا أن نأتيكم بألف مثله من كلام البلغاء والفصحاء والشعراء وما هو أطلق منه ألفاظا وأشد اختصارا في المعاني وأبلغ أداء وعبارة وأشكل سجعا، فأن لم ترضوا بذلك فأنا نطالبكم بالمثل الذي تطالبونا به)
ويقول:" سنـأتيكم نحن بشعر ونقول لكم أتو بمثله، فإن قلدتم نظم شعرنا فسنقول لكم هذا تقليد، وإن خالفتم فسنقول أنتم لم تأتوا بمثله.. منطقكم بمنطقنا وكما تدين تدان".

وقد قال أبو بكر الرازي في رده على أبي حاتم الرازي، في كتاب الاخير اعلام النبوة: "إن أهل الشرائع إذا طولبوا بالدليل شتموا". ومن هذا الكتاب وصل الى علمنا فلسفة ابو بكر الرازي على الرغم من انه كتب العديد من كتب الفلسفة واشهرها الالهيات ومخاريق الانبياء، ولكن فلاسفة عصره من المسلمين حكموا عليه بالالحاد وقضوا على كتبه، فلم تصل الينا ووصل الينا فكره من اعداءه، ومن هنا أهمية كتاب " اعلام النبوة" لابي حاتم الرازي.

كان الرازي مُنكرا للنبوة ولكنه مؤمناً بخالق للكون لكن ليس ذاك الذي تتكلم عنه الديانات الموجودة، لأنه يستحيل ان يكون هذا الخالق من يدعو الى رفع السيف في مواجهة الأخر، أياً كان هذا الأخر، من هنا نقد الديانات كلها، ونقد نظرية التفاضل بين البشر سوى بمقدار ما سعى ذلك الفرد للوصول للكمال العقلي؛ من هذه الناحية كان فيلسوفاً عقلاني، تنويري، مؤمن بملكات العقل وفضلها على ما عداها. وطامحاً لكمال الإنسانية بفضل العلم والعقل والمنطق، فلا يعدو شيئاً الا وهو تحته، ومن هذه الناحية كان إنسانياً بإمتياز، رأى الحق واتبع سببا. ومن لاح له سراج العقل مشرقاً اتبع سببا. ويبقى ان نقول ان ما ومض في غياهب تاريخنا اسطع نوراً من كل من من يُسمون بمصلحين واهل اخلاق ودين. ونبقى، نتَّبع سببا.

*- أبو بكر محمد بن يحيى بن زكريا الرازي عالم وطبيب فارسي. (ح. 250 هـ/864 م - 5 شعبان 311هـ/19 نوفمبر 923 م)، ولد في مدينة الري. وهو أحد أعظم أطباء الإنسانية على الإطلاق كما وصفته زجريد هونكه في كتابها شمس الله تسطع على الغرب حيث ألف كتاب الحاوي في الطب كان يضم كل المعارف الطبية منذ أيام الإغريق حتى عام 925م وظل المرجع الرئيس في أوروبا لمدة 400 عام بعد ذلك التاريخ [Jennifer Michael Hecht, "Doubt: A History: The Great Doubters and Their Legacy of Innovation from Socrates and Jesus to Thomas Jefferson and Emily Dickinson", pg. 227-230]

كتب الرازي أيضا في مجال الأديان التي انتقدها بشدة ومن مؤلفاته:
الالهيات
مخاريق الانبياء
حيل المتنبيين
نقض الأدیان
إلا أن الرازي لم ينكر وجود إله بل أقر بوجوده، وقال بأنه منح العقل للإنسان ليفكر به.
وقد تم انتقاد آرائه الجريئة في نقد الدين من طرف العديد من العلماء والمفكرين من بينهم ابن سينا الذي يعتبر عند البعض فيلسوفا مسلما بينما اعتبره بعض رجال الدين المسلمين كافرا كأبي حامد الغزالي وابن تيمية (راجع كتاب حقيقة الحضارة الاسلامية للشيخ ناصر بن حمد الفهد)

رفض الرازي فكرة النبوة قائلا: "على أي أساس تعتبر أنه من الضروري أن يرسل الإله رسلا معينين، وأن يرفعهم فوق غيرهم من الناس، ويجعلهم مرشدين للناس، يعتمدون عليهم"[Jennifer Michael Hecht,]
ويتحدث عن العلاقة بين العنف والدين فيقول أنه كان على الإله أن يعلم، أنه باعتبار الاختلافات بين الأديان المختلفة، أنه "سيكون هناك كارثة عالمية، وأنهم سيهلكون بسبب العداوات والقتال"[Jennifer Michael Hecht,]
ويقول عن ما يراه عدم تسامح المتدينين مع نقد الدين "إذا سئل أتباع الدين أن يقدموا برهانا على صدق دينهم، فإنهم يغضبون، ويسفكون دم كل من يواجههم بهذا السؤال. إنهم يمنعون التفكر العقلاني، ويسعون جاهدين لقتل معارضيهم. لهذا تبقى الحقيقة محجوبة كليا"